شرح الحديث 119 (باب الحيض) من بلوغ المرام

 

119 - وَعَنْ عَائِشَةَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا_:

"أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ شَكَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_ الدَّمَ، فَقَالَ: (امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ"، وَهِيَ لِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ

 

نص الحديث وشرحه:

 

وَعَنْ عَائِشَةَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا_:

"أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ شَكَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_ الدَّمَ[1]، فَقَالَ: (امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي)[2]، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ".[3] رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ"[4]، وَهِيَ لِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.

 

وفي "صحيح مسلم" (1/ 264)

عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أَمَّ حَبِيبَةَ، سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الدَّمِ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلْآنَ دَمًا.[5]

فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي»

 

وفي "سنن النسائي" (1/ 119):

عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ - خَتَنَةَ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -[6]، اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ فِي ذَلِكَ[7]،

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ وَلَكِنْ هَذَا عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي»[8]

 

المعنى الإجمالي لهذا الحديث على ضوء هذه الروايات:

 

هذا الحديث من الأحاديث العظيمة في باب الحيض والاستحاضة، وفيه بيانُ الحكم الشرعي للمرأة المستحاضة، وكيف تتعامل مع الدم المستمر الخارج منها، حتى لا تختلط عليها أحكام الحيض بأحكام الاستحاضة.

 

فأمُّ حبيبة بنت جحش _رضي الله عنها_ أصابها نزول الدم مدةً طويلة، حتى ذكرتْ بعضُ الروايات: أنها استحيضت سبع سنين،

وكان الدم كثيرًا جدًّا حتى قالت عائشة _رضي الله عنها_: «رأيتُ مِركَنَها مَلآنَ دمًا»، أي: الإناء الذي كانت تغتسل فيه أو تجمع فيه أثر الدم كان ممتلئًا، وهذا يدل على شدة البلاء وعظم المشقة.

 

فلما اشتبه عليها الأمر: هل هذا الدم دمُ حيضٍ يمنع الصلاة والصيام وسائر أحكام الطاهرات، أم هو دمُ فسادٍ واستحاضةٍ لا يمنع العبادة؟ سألتْ رسولَ الله _صلى الله عليه وسلم_ عن ذلك، فبيَّن لها الحكم بغاية البيان والرحمة.

 

فقال لها: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك» أي: اجلسي واتركي الصلاة والصيام والجماع في المدة التي كانت عادتُكِ السابقة تحيضين فيها قبل حصول هذا النزيف المستمر، لأن هذه المدة تُعتبر حيضًا يُعطى حكم الحيض.

 

ثم قال: «ثم اغتسلي وصلي» أي: إذا انتهت مدة العادة المعروفة، فاغتسلي غسل الطهارة من الحيض، ثم اعتبري ما بعد ذلك دمَ استحاضة، لا دمَ حيض، فصلِّي وصومي ويجوز لزوجِكِ جِماعُكِ، لأنكِ في حكم الطاهرات.

 

وفي رواية: «إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عِرْق» أي: هذا الدم الخارج بعد زمن الحيض المعتاد ليس دم الحيض الطبيعي الذي كتبه الله على بنات آدم، وإنما هو دم خارج من عِرقٍ انفجر أو من فسادٍ في البدن، فلا يُعطى حكم الحيض.

 

وفي رواية البخاري: «وتوضئي لكل صلاة» أي: بعد دخول وقت كل صلاة تتوضأ وضوءًا جديدًا؛ لأن حدث الاستحاضة مستمر، فهي في حكم صاحب الحدث الدائم، فتتحفظ وتتوضأ لكل فريضة بعد دخول وقتها.

 

وأما ما جاء في بعض الروايات من أنها «كانت تغتسل لكل صلاة»، فالأكثر من أهل العلم على أن هذا من فعلها _رضي الله عنها_ على جهة الاحتياط والاستحباب، لا أنه أمرٌ واجب من النبي _صلى الله عليه وسلم_، لأن الرواية الأثبت فيها الأمر بالوضوء لكل صلاة، لا بالغسل لكل صلاة كما سبق بيان ذلك في شرحنا للحديث السابق.

 

فالحديث أصلٌ عظيم في التفريق بين الحيض والاستحاضة، وفيه أن المرأة تُرجع إلى عادتها السابقة إذا استمر الدم، وأن دم الاستحاضة لا يمنع الصلاة، ولا يسقط عنها العبادات، بل تتحفظ وتتطهر بحسب الاستطاعة.

 

وفيه أيضًا: يسر الشريعة ورحمتها، فإنها لم تجعل المرأة تبقى ممنوعةً من الصلاة سنين طويلة، بل فرّقت بين الدم الطبيعي والدم العارض، حتى تؤدي المرأة عبادتها على بصيرة وطمأنينة.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري (1/ 55 و 1/ 73) (رقم: 228 و 327)، ومسلم (1/ 264/ 63_66) (334)، وأبو داود (1/ 72 و 1/ 74 و 1/ 77 و 1/ 78) (رقم: 279 و 285 و 288 و 291)، والنسائي (1/ 119 و 1/ 182) (رقم: 205 و 207 و 352)، وفي "السنن الكبرى (1/ 155 و 1/ 157) (رقم: 206 و 211)، وأحمد – ط. عالم الكتب (6/ 141 و 6/ 187 و 6/ 222) (رقم: 25095 و 25544 و 25859)، وغيرهم.

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (1/ 223) (رقم: 202).

 

من فوائد الحديث:

 

قال عبد الله البسّام _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 447_449):

* ما يؤخذ من الحديث:

شكت أم حبيبة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- استمرارَ خروجِ الدمِ منها، فأرشدَهَا إلى الأحكامِ الآتية:

1 - أنَّ المستحاضة تعتبر نفسها حائضًا قدر الأيَّام التي كان يأتيها فيها الحيض، قبل أنْ يصيبها ما أصابَهَا من الاستحاضة.

2 - إذا مضتْ قدر أيّام عادتها الأصلية، فإنَّها تعتبر طاهرةً من الحيض -ولو أنَّ دم الاستحاضة معها- فتغتسل من الحيض؛ فقد أصبحت طاهرةً من الحيض.

3 - أنَّ المستحاضة تعتبر ممَّن حدثُهُ دائمٌ لا ينقطع؛ وعليه: فيجب عليها الوضوء لكلِّ صلاة إنْ خرج منها ما ينقض الوضوء، وإلاَّ فهي باقيةٌ على طهارتها.

4 - أم حبيبة من حرصها -رضي الله عنها- على كمال الطهارة للعبادة؛ فإنَّها___تغتسل لكلِّ صلاة.

5 - قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: دم الاستحاضة مع دم الحيض مُشْكِلٌ، ولابدَّ من فاصلِ يميز بينهما، والعلامات ثلاث:

الأولى: العادة؛ وهي أقوى العلامات؛ لأنَّ الأصل بقاء الحيض دون غيره.

الثانية: التمييز؛ فإنَّ دم الحيض أسود ثخين، ودم الاستحاضة أحمر صافٍ.

الثالثة: اعتبار عادة غالب النساء؛ لأنَّ الأصل إلحاق الفرد بالأغلب.

فهذه العلامات الثلاث تدل عليها السنَّة والاعتبار، وهي مذهب الإمام أحمد؛ فإنَّ أحكام الحيض تدور على ثلاثة أحاديث:

(أ) العادة الخاصَّة: يدل عليها حديث أم حبيبة بنت جحش.

(ب) التمييز: يدل عليه حديث فاطمة بنت أبي حُبَيْش.

(ج) عادة النساء الغالبة: يدل عليها حديث حمنة بنت جحش.

6 - إِذا زادت عادتها أو تقدَّمت أو تأخَّرت، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّ ما تكرَّر ثلاثًا فهو حيض، ويصير عادةً لها، ولهم تفاصيل في صلاتها وصومها قبل التكرار، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد: أنَّها تصير إليه من غير تكرار، واختاره الموفَّق وجَمْعٌ، وهو اختيار شيخ الإسلام.

قال في الفائق: وهو المختار.

وقال في الإنصاف: وهو الصواب، وعليه العمل، ولا يسع النساءَ العملُ بغيره.

قال في الاختيارات: والمتنقِّلة إذا تغيَّرت عادتها بزيادة أو نقص أو انتقال، فذلك حيض، حتَّى تعلم أنَّها مستحاضة باستمرار الدم.

7 - قال الشيخ المباركفوري: ما ذهب إليه جماعةٌ من الفقهاء من البحث___والتدقيقِ والتعقيدِ المُغْلَقِ الَّذي يبعد عن أفهام النِّساء وعقولهنَّ كل البعد، فهو ممَّا تأباه هذه الأحاديث وتمجُّه أصولُ الشريعةِ السمحة السهلة.

8 - ما أطلقه الشَّارعُ عُمِلَ بمقتضى مسمَّاه ووجوده، ولم يَجُزْ تقديره ولا تحديده؛ وهو اختيار كثير من الأصحاب، وكثيرٍ من أهل العلم وغيرهم، وصوَّبه في الإنصاف.

9 - لا حدَّ لأقل الطهر، ولا لأكثره، فما دام الدم موجودًا، فهو دم حيض، وما دام النقاءُ موجودًا فهو طهر؛ صحح ذلك في "الكافي"، وصوَّبه في "الإنصاف"[9]، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك." اهـ

 

وقال العثيمين _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 391_392):

"ففي هذا الحديث فوائد:

منها: أنه قد يقول قائل: إن الاستحاضة تأتي عن وراثة؛ لأن هاتين الأختين كلتيهما استحيضت, فلعل هذا يكون عن وراثة, فإن ثبت هذا أن الاستحاضة كسائر الأمراض تكون عن وراثة فلا عجب في ذلك, وإن لم يثبت ألغيت هذه الفائدة.

ومن فوائد هذا الحديث: أن الاستفتاء عن الشيء المؤلم يسمى شكوى لقولها: «شكت إلى رسول الله الدم».

ومن فوائد هذا الحديث: أن الشكوى للمخلوق جائزة بشرط ألا تكون تنبئ عن السخط عن الخالق, وعلى هذا فإذا قلت لشخص: أنا أشكو من كذا من المرض فإنه لا بأس به, بشرط أن لا يكون القصد السخط من الخالق عز وجل, مجرد إخبار الرسول - عليه الصلاة والسلام - لما قالت عائشة: وارأساه, قال: «بل أنا وارأساه». فلا بأس في الشكاية إلى الخلق إذا كان المقصود مجرد الإخبار لا شكوى الخالق والسخط منه؛ ولهذا قال العلماء - رحمهم الله -: إن الشكوى إلى المخلوق إذا لم يكن المقصود السخط من الخالق لا تنافي الصبر الجميل.

ومن فوائد هذا الحديث: الرجوع إلى العادة في المستحاضة لقوله صلى الله عليه وسلم: «قدر ما كانت تحبسك حيضتك» وإن قل عن ستة أيام وسبعة؟ نعم وإن قل, وأيضًا وإن زاد عليها.

ومن فوائد هذا الحديث: أن الحيض يحبس المرأة عن الصلاة والصيام, وأشياء كثيرة تترتب على الحيض.

ومن فوائده: أن المعتادة ترجع إلى عادتها سواء كان لها تمييز أو لا, وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل, لم يقل: كيف حال الدم, بل أطلق الرجوع إلى العادة, وهذا لا شك أنه أيسر على المرأة أن ترجع إلى عادتها؛ لأن الأصل بقاء العادة على ما كانت عليه, وتغير الدم ربما يتغير في أول الشهر, وفي الشهر الثاني في آخره, وربما يتغير تغيرًا بينًا, وقد يتغير تغيرًا يسيرًا لكن الرجوع للعادة أضبط بلا شك, فإذا عدمت العادة رجعنا إلى التمييز.

ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا تمت العادة بالنسبة للمستحاضة المعتادة وجب عليها الاغتسال؛ لأنها الآن طهرت.

ومن فوائد هذا الحديث: جواز اجتهاد الإنسان في العبادات لقولها: «فكانت تغتسل» , ولكن على أي شيء بنت أم حبيبة؟ الظاهر والله أعلم أنها بنت هذا على ما أفتى النبي صلى الله عليه وسلم به أختها؛ حيث أمرها أن تغتسل لكل صلاة, وقال: «هذا أعجب الأمرين».___

ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب على المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة؛ لأن الاغتسال من فعلها رضي الله عنها, وباجتهاد منها, ولو كان واجباً لبينه النبي صلى الله عليه وسلم, وحديث حمنة صريح في أنه ليس بواجب.

 

ملحق الفوائد:

 

من الفوائد المستنبطة من هذا الحديث، مع بيان كلِّ فائدةٍ بعبارةٍ عربيةٍ سهلة:

1- فيه: أنَّ الشريعةَ فرَّقت بين دمِ الحيضِ ودمِ الاستحاضةِ، فليس كلُّ دمٍ يخرجُ من المرأةِ يُعطى حكمَ الحيض، بل الحيضُ دمُ جِبِلَّةٍ وطبيعة، وأما الاستحاضةُ فدمُ عِلَّةٍ ومرض، ولكلٍّ منهما أحكامُه وآثارُه.

2- فيه: أنَّ المرأةَ إذا استمرَّ بها الدمُ، ولم تفرّق بين دم الاستحاضة ودم الحيض، رجعتْ إلى عادتِها المعروفة لقوله: «امكثي قدرَ ما كانت تحبسُكِ حيضتُكِ»،

ففيه أصلٌ عظيمٌ عند الفقهاءِ، وهو اعتبارُ العادةِ السابقةِ عند اضطرابِ الدماءِ واختلاطِ الأحكام.

3- فيه: أنَّ الحيضَ يمنعُ الصلاةَ والصيامَ ونحوَهما، لأنَّ النبيَّ _صلى الله عليه وسلم_ أمرها بالمكثِ زمنَ العادة. والمكثُ هنا: تركُ ما تمنعُ منه الحائضُ من العبادات، وهذا أصلٌ في أحكامِ الحيض.

4- فيه: أنَّ المستحاضةَ بعد انقضاءِ زمنِ العادةِ تُعَدُّ طاهرًا، فإذا اغتسلت بعد تمامِ مدةِ الحيض، فإنها تصلِّي وتصومُ ويحلُّ لزوجِها قربانُها، لأن الدمَ الباقي دمُ فسادٍ لا دمُ حيض.

5- فيه: وجوبُ الغُسلِ عند انقضاءِ الحيضِ المعتاد، لقوله: «ثم اغتسلي»، فالغسلُ هنا واجبٌ لرفعِ الحدثِ الأكبر، ولا يُكتفى فيه بالوضوء، لأنه انتقالٌ من حكمِ الحيضِ إلى حكمِ الطهارة.

6- فيه: أنَّ المستحاضةَ تتوضأُ لكلِّ صلاةٍ بعد دخولِ وقتِها، وفي ذلك تشبيهٌ لها بصاحبِ الحدثِ الدائم، كالمبتلى بالسَّلَس، فإن الحدثَ لا ينقطعُ عنه، لكنه لا يُمنعُ من العبادة، بل يتطهَّر بحسبِ استطاعتِه.

7- فيه: أنَّ الغُسلَ لكلِّ صلاةٍ ليس بواجبٍ على الراجح، وإنما كان من فعلِ أمِّ حبيبةَ _رضي الله عنها_ على جهةِ الاحتياطِ والاستكثارِ من الطهارة، لا على جهةِ الفرضِ والإلزام، لأن الروايةَ الأصحَّ فيها الأمرُ بالوضوء.

8- فيه: مشروعيةُ سؤالِ أهلِ العلمِ عند نزولِ النوازل، فإن أمَّ حبيبةَ _رضي الله عنها_ لم تجتهدْ من تلقاءِ نفسِها، بل رجعتْ إلى رسولِ الله _صلى الله عليه وسلم_، وفي هذا أدبٌ عظيمٌ في ردِّ المشكلاتِ إلى أهلِ العلم.

9- فيه: بيانُ رحمةِ النبيِّ _صلى الله عليه وسلم_ وحسنِ تعليمِه، فقد بيَّن لها الحكمَ بأوضحِ عبارة، وردَّها إلى الأصلِ الذي تعرفُه، وهو زمنُ عادتها، حتى لا تبقى في حيرةٍ أو مشقة.

10- فيه: أنَّ طولَ البلاءِ لا يُسقطُ التكليفَ إذا وُجدَت القدرة، فقد استحيضت سبعَ سنين، ومع ذلك لم تُترك الصلاة، بل أُمرت بما تستطيعُه من الطهارةِ والعبادة، وفيه: أنَّ الشريعةَ لا تُسقطُ الواجبَ إلا بعذرٍ معتبر.

11- فيه: اعتبارُ الأسبابِ الطبيةِ في فهمِ الأحكام، لقوله: «ولكن هذا عِرق»، وفيه إشارةٌ إلى معرفةِ السببِ البدنيِّ للدم، وأنَّ الشريعةَ لا تُعارضُ الحقائقَ الحسية، بل تُنزِّل الأحكامَ عليها.

12- فيه: أنَّ الإسلامَ دينُ يسرٍ، لا دينُ عسر! فلو جُعلت المرأةُ المستحاضةُ في حكمِ الحائضِ دائمًا، لعظمت المشقةُ وتعطلت العباداتُ، لكن الشريعةَ رفعت الحرجَ، وفرَّقت بين الدمين، رحمةً بالعباد وتيسيرًا عليهم.



[1] (شَكَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_ الدَّمَ)، أي: أخبرت النبيَّ _صلى الله عليه وسلم_ بما نزل بها من استمرار خروج الدم، واستفتته في حكمه. وليس المقصودُ مجردَ الشكوى من الألم، بل السؤال عن الحكم الشرعي المتعلق بهذا الدم: هل هو حيض أم استحاضة؟ (الدَّمَ)، المراد هنا: الدم الخارج من فرج المرأة على وجه الاستمرار أو الكثرة، بحيث اشتبه عليها: هل هو دم الحيض المعروف، أو دم الاستحاضة الخارج بسبب مرضٍ أو عِرق.

[2] (امْكُثِي)، أي: الزمي حالَ التوقف عن الصلاة والصيام وسائر ما تمنع منه الحائض. والمكث هنا بمعنى: القعود وترك العبادة التي تمنع منها الحائض، لا مجردُ الجلوس الحسي. (قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ)، أي: المدة التي كانت عادتكِ الشهرية تمنعك فيها من الصلاة قبل حصول الاستحاضة. (تحبسك)، أي: تمنعك من الصلاة والصيام والجماع بسبب أحكام الحيض. والمراد: الرجوع إلى العادة السابقة المعروفة. (حَيْضَتُكِ)، الحيضة: المراد بها: زمن الحيض المعتاد، لا نفس الدم فقط. أي: أيام العادة التي كانت تعرفها المرأة قبل اضطراب الدم. (ثُمَّ اغْتَسِلِي)، أي: إذا انتهت مدة الحيض المعتاد، فاغتسلي غُسْلَ الطهارة من الحيض. والغسل هنا: هو تعميم البدن بالماء بنية رفع الحدث الأكبر.

[3] (فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ)، أي: كانت أم حبيبة _رضي الله عنها_ تفعل ذلك احتياطًا وزيادةً في الطهارة. والأكثر من أهل العلم على أن هذا من فعلها هي، لا أنه أمرٌ واجب من النبي _صلى الله عليه وسلم_، لأن الرواية الأصح فيها الأمر بالوضوء، لا بالغسل لكل صلاة، والله أعلم.

[4] (وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ)، أي: توضئي بعد دخول وقت كل صلاة مفروضة. وذلك لأن حدث الاستحاضة مستمر، فهي كصاحب السلس أو الحدث الدائم، فتتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها.

[5] (رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلْآنَ دَمًا)، المِرْكَن: إناءٌ كبير يُغسل فيه الثياب أو يُجمع فيه الماء، كالحوض الصغير. ومعنى الكلام: أن الدم كان كثيرًا جدًّا حتى إن الإناء الذي تستعمله امتلأ منه، وفيه بيان شدة الاستحاضة وعظم البلاء.

[6] (خَتَنَةَ رَسُولِ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_)، الخَتَنَة: قريبة الرجل من جهة المصاهرة. والمقصود: أنها كانت من قرابات النبي _صلى الله عليه وسلم_ بالمصاهرة، لا بالنسب المباشر. (وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ)، أي: كانت زوجةً لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. فالعرب تقول: فلانة تحت فلان، أي: في عصمته وزوجيته.

[7] (اسْتُحِيضَتْ)، أي: أصابها دم الاستحاضة، وهو الدم الخارج من غير زمن الحيض المعتاد، بسبب عرقٍ أو مرض. والاستحاضة غير الحيض، لأن الحيض دمُ طبيعة وجِبِلَّة، أما الاستحاضة، فدمُ عِلَّةٍ وفساد. (سَبْعَ سِنِينَ)، أي: استمر بها هذا البلاءُ مدةً طويلة جدًا، وهذا يدل على شدة المشقة التي كانت تعانيها. (اسْتَفْتَتْ)، أي: طلبت الفتوى والحكم الشرعي. والاستفتاء هو سؤال أهل العلم عن حكم النازلة.

[8] (إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ)، أي: هذه الدماء المستمرة الخارجة ليست دم الحيض المعروف الذي يمنع الصلاة والصيام. والمراد: نفي كون جميع هذا الدم حيضًا. (وَلَكِنْ هَذَا عِرْقٌ)، أي: إنما هو دم خارج من عِرق انفجر أو من فساد في البدن. فهو دمُ مرَضٍ، لا دمُ حيضٍ، ولهذا لا يأخذ جميع أحكام الحيض.

[9] "الكافي في فقه الإمام أحمد" لأبي محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620 هـ) _رحمه الله_، "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" لعلاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان بن أحمد المَرْداوي (المتوفى: 885 هـ) _رحمه الله_.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87