شرح الحديث 197 (الترغيب في المحافظة على الوضوء وتجديده) من صحيح الترغيب
|
8 - (الترغيب في المحافظة على الوضوء وتجديده) 197 - (1) [صحيح لغيره] عن ثَوبانَ رضي الله عنه قال: قال رسول
الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "استقيموا وَلَنْ تُحصُوا، واعلَموا أنّ خيرَ أعمالِكم
الصلاةُ، ولَنْ يحافظَ على الوضوءِ إلا مُؤمنٌ". رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، والحاكم، وقال: "صحيح على شرطهما، ولا علة له سوى وهم أبي بلال
الأشعري" (1). ورواه ابن حبان في "صحيحه" من غير طريق أبي بلال، وقال
في أوله: "سَدِّدُوا وقاربوا، واعلموا أنّ خيرَ أعمالِكم الصلاة. .
." الحديث. __________ (1) قلت: بل له علة أخرى، وهي الانقطاع بين سالم بن أبي الجعد
وثوبان؛ كما بيّنته في الأصل، ولكن الحديث صحيح، فإن له طرقاً أخرى موصولة، عند
الدارميّ وأحمد والطبراني وابن حِبَان أيضاً، وله بعض الشواهد كما ذكره المؤلف
بعدُ. |
ترجمة ثوبان بن بجدد الهاشمي
مولى رسول الله _رضي الله عنه_:
قال المزي في "تهذيب الكمال":
(بخ م د ت س ق): ثوبان بن بجدد (ويقال: ابن جحدر)
القرشي الهاشمي،
أبو عبد الله (ويقال: أبو عبد الرحمن)، مولى رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، من أهل السَّرَاةِ. والسراة: موضع بين مكة واليمن (وقيل:
إنه من حمير، وقيل: من ألهان، وقيل: من حكم بن سعد العشيرة).
أصابه سباء، فاشتراه رسول الله _صلى الله عليه وسلم_،
فأعتقه، و لم يزل معه فى الحضر و السفر حتى توفي،
فخرج إلى الشام،
فنزل الرملة، ثم انتقل إلى حمص، فابتنى بها دار، ولم يزل بها إلى أن مات. اهـ .
و قال المزي:
قال مصعب بن عبد الله الزبيري: كان يسكن الرملة، و
كان له هناك دار، ولا
عقب له.
و ذكره محمد بن سعد فى الطبقة الثالثة من موالى
رسول الله _صلى الله عليه وسلم_.
و قال أحمد بن محمد بن عيسى الغدادى صاحب
"تاريح حمص":
"ونزلها من موالى قريش: ثوبان بن جحدر (ويقال:
ابن بجدد)، يكنى أبا عبد الله، رجل من الألهان، أصابه السباء، فأعتقه رسول الله _صلى
الله عليه وسلم_، فقال له:
"يا ثوبان، إن شئت أن تلحق بمن أنت منه، فعلتَ،
فأنت منهم، وإن شئت أن تثبت، فأنت منا أهل البيت."
فثبت على ولاء رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، حتى
قبض بحمص فى إمارة عبد الله بن قرط، وبلغنا أن وفاته كانت سنة أربع و خمسين.
وكذلك قال محمد بن سعد، و أبو عبيد القاسم بن سلام،
والهيثم بن عدى، و محمد بن عبد الله بن نمير، وخليفة بن خياط، وغير واحد فى تاريخ
وفاته.
و ذكر عامتهم أن وفاته كانت بحمص سوى خليفة بن خياط،
فإنه قال: بمصر.
وقيل: إنه مات سنة أربع و أربعين، وهو وهم، و الله
أعلم .
روى له البخارى فى "الأدب"، والباقون.
اهـ .
وقال الذهبي _رحمه الله_ في "سير أعلام
النبلاء" – ط. الرسالة (3/ 16_17):
"وَقُبِضَ بِحِمْصَ، وَدَارُهُ بِهَا
حُبْساً عَلَى فُقَرَاءِ أَلْهَانَ. وَقَالَ ابْنُ يُوْنُسَ: شَهِدَ فَتْحَ
مِصْرَ، وَاخْتَطَّ بِهَا.___
وَقَالَ ابْنُ مَنْدَةَ: لَهُ بِحِمْصَ دَارٌ،
وَبِالرَّمْلَةِ دَارٌ، وَبِمِصْرَ دَارٌ. " اهـ
وقال الذهبي _رحمه الله_ في "سير أعلام
النبلاء" – ط. الرسالة (3/ 17):
"قَالَ شُرَيْحُ بنُ عُبَيْدٍ:
مَرِضَ ثَوْبَانُ بِحِمْصَ، وَعَلَيْهَا عَبْدُ
اللهِ بنُ قُرْطٍ، فَلَمْ يَعُدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى ثَوْبَانَ رَجُلٌ يَعُوْدُهُ.
فَقَالَ لَهُ ثَوْبَانُ: "أَتَكْتُبُ؟" قَالَ:
نَعَمْ. قَالَ: اكْتُبْ.
فَكَتَبَ: لِلأَمِيْرِ عَبْدِ اللهِ بنِ قُرْطٍ،
مِنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُوْلِ اللهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_،
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لِمُوْسَى وَعِيْسَى مَوْلَىً بِحَضْرَتِكَ،
لَعُدْتَهُ.
فَأُتِي بِالكِتَابِ، فَقَرَأَهُ، وَقَامَ فَزِعاً.
قَالَ النَّاسُ: مَا شَأْنُهُ! أَحَضَرَ أَمْرٌ؟!
فَأَتَاهُ، فَعَادَهُ، وَجَلَسَ عِنْدَهُ سَاعَةً،
ثُمَّ قَامَ. فَأَخَذَ ثَوْبَانُ بِرِدَائِهِ، وَقَالَ: اجْلِسْ حَتَّى
أُحَدِّثَكَ:
سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - يَقُوْلُ:
(لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُوْنَ
أَلْفاً لاَ حِسَابَ عَلَيْهِم، وَلاَ عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُوْنَ
أَلْفاً).
أَخْرَجَهُ: أَحْمَدُ فِي (مُسْنَدِهِ)[1]."
اهـ
وقال الزركلي _رحمه الله_ في "الأعلام"
(2/ 102): "له 128 حديثا." اهـ
نص الحديث:
وقال ناصر الدين عبد الله بن عمر، الشهير بـ"القاضي البيضاوي" (ت 685هـ) _رحمه الله_ في
"تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة" (1/ 171):
"المراد بـ (الاستقامة): اتباع الحق
والقيام بالعدل وملازمة المنهج المستقيم، وذلك خطب عظيم لا يتصدى لإحصائه، إلا من
استضاء قلبه بالأنوار القدسية، وتخلص عن الظلمات الإنسية، وأيده الله من عنده،
وأسلم شيطانه بيده وقليل ما هم، فأخبرهم بعد الأمر بذلك: أنكم لا تقدرون على إيفاء
حقه والبلوغ إلى غايته، كيلا تغفلوا عنه، ولا تتكلوا على ما تأتون به، ولا تيأسوا
من رحمة الله، فيما تذرون عجزا وقصورا، لا تقصيرا." اهـ
وقال عبد الرحمن بن أحمد بن
رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى:
795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "جامع العلوم والحكم" – ط. الرسالة (1/
511):
"فَالسَّدَادُ: هُوَ حَقِيقَةُ
الِاسْتِقَامَةِ، وَهُوَ الْإِصَابَةُ فِي جَمِيعِ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ
وَالْمَقَاصِدِ، كَالَّذِي يَرْمِي إِلَى غَرَضٍ، فَيُصِيبُهُ، وَقَدْ أَمَرَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ
عَزَّ وَجَلَّ السَّدَادَ وَالْهُدَى، وَقَالَ لَهُ: «اذْكُرْ بِالسَّدَادِ
تَسْدِيدَكَ السَّهْمَ، وَبِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ» .
وَالْمُقَارَبَةُ: أَنْ يُصِيبَ مَا قَرُبَ مِنَ
الْغَرَضِ إِذَا لَمْ يُصِبِ الْغَرَضَ نَفْسَهُ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ
مُصَمِّمًا عَلَى قَصْدِ السَّدَادِ وَإِصَابَةِ الْغَرَضِ، فَتَكُونُ
مُقَارَبَتُهُ عَنْ غَيْرِ عَمْدٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْحَكَمِ بْنِ حُزْنٍ الْكُلَفِيِّ:
«أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ لَنْ تَعْمَلُوا - أَوْ لَنْ تُطِيقُوا - كُلَّ مَا
أَمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا» وَالْمَعْنَى: اقْصِدُوا
التَّسْدِيدَ وَالْإِصَابَةَ وَالِاسْتِقَامَةَ، فَإِنَّهُمْ لَوْ سَدَّدُوا فِي
الْعَمَلِ كُلِّهِ، لَكَانُوا قَدْ فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ كُلِّهِ.
فَأَصْلُ الِاسْتِقَامَةِ اسْتِقَامَةُ الْقَلْبِ
عَلَى التَّوْحِيدِ، كَمَا فَسَّرَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَغَيْرُه." اهـ
وقال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النَّمَرِيُّ القرطبيُّ، المعروف بـ"ابن عبد البر الأَنْدَلُسِيُّ" (المتوفى:
463هـ) _رحمه الله_ في "الاستذكار" (1/ 209):
"وَالَّذِي عِنْدِي فِي تَأْوِيلِ هَذَا
الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْلَهُ ((اسْتَقِيمُوا)) يَعْنِي عَلَى الطَّرِيقَةِ
النَّهْجَةِ الَّتِي نَهَجْتُ لَكُمْ وَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا فَإِنَّكُمْ لَنْ
تُطِيقُوا الْإِحَاطَةَ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ كُلِّهَا وَلَا بُدَّ
لِلْمَخْلُوقِينَ مِنْ ملال وتقصير في الأعمال فإن فَإِنْ قَارَبْتُمْ
وَرَفَقْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ كُنْتُمْ أَجْدَرَ أَنْ تَبْلُغُوا مَا يُرَادُ
مِنْكُمْ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ بِإِسْنَادٍ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {عَلِمَ
أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} [المزمل: 20]
قَالَ: (لَنْ تُطِيقُوهُ)." اهـ
وقال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النَّمَرِيُّ القرطبيُّ، المعروف بـ"ابن عبد البر الأَنْدَلُسِيُّ" (المتوفى:
463هـ) _رحمه الله_ في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (24/
319):
"قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ فِي هَذَا
الْحَدِيثِ سَدِّدُوا وَقَارِبُوا يُفَسِّرُ قَوْلَهُ اسْتَقِيمُوا وَلَنْ
تُحْصُوا يَقُولُ سَدِّدُوا وَقَارِبُوا فَلَنْ تَبْلُغُوا حَقِيقَةَ الْبِرِّ ولن
تطيقوا___
الْإِحَاطَةَ فِي الْأَعْمَالِ وَلَكِنْ قَارِبُوا
فَإِنَّكُمْ إِنْ قَارَبْتُمْ وَرَفَقْتُمْ كَانَ أَجْدَرَ أَنْ تَدُومُوا عَلَى
عَمَلِكُمْ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ
قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ
بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ _عَزَّ
وَجَلَّ_: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} [المزمل: 20]،
قَالَ: (لَنْ تُطِيقُوهُ)." اهـ
قال أبو الوليد الباجي _رحمه الله_ في "المنتقى
شرح الموطإ" (1/ 74):
"قَوْلُهُ: (اسْتَقِيمُوا وَلَنْ
تُحْصُوا)،
قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: "مَعْنَاهُ: وَلَنْ
تُحْصُوا الْأَعْمَالَ الصَّالِحَاتِ، وَلَا يُمْكِنُكُمْ الِاسْتِقَامَةُ فِي
كُلِّ شَيْءٍ."
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ -:
"مَعْنَاهُ عِنْدِي لَا يُمْكِنُكُمْ
اسْتِيعَابُ أَعْمَالِ الْبِرِّ مِنْ قَوْله _تَعَالَى_ {وَاللَّهُ يُقَدِّرُ
اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} [المزمل: 20]،
وَقَالَ مُطَرِّفٌ: "مَعْنَاهُ وَلَنْ
تُحْصُوا مَا لَكُمْ مِنْ الْأَجْرِ إنْ اسْتَقَمْتُمْ." اهـ
وقال أبو الوليد الباجي في "المنتقى شرح
الموطإ" (1/ 74):
"وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُحَافَظُ عَلَى
الْوُضُوءِ، إلَّا مُؤْمِنٌ)،
يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُدِيمُ
فِعْلَهُ بِالْمَكَارِهِ وَغَيْرِهَا مُنَافِقٌ وَلَا يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ
إلَّا مُؤْمِنٌ." اهـ
المعنى الإجمالي لهذا الحديث
الشريف:
بين النبي _صلى الله عليه وسلم_ في هذا الحديث
جملةً من القواعد العظيمة في تزكية النفوس، وتصحيح السير إلى الله تعالى.
فأمر بالاستقامة، وهي لزوم الصراط المستقيم ظاهرًا
وباطنًا، قولًا وعملًا، ثم نبَّه إلى أن العبد – مهما بالغ في الطاعة –، فلن يقدر
على الإحاطة بجميع وجوه الاستقامة وكمالها، رحمةً من الله بعباده، وقطعًا لداء
العُجب والاغترار بالعمل.
ثم أخبر _صلى الله عليه وسلم_ أن خير أعمال العبد
الصلاةُ؛ لأنها عمود الدين، وأعظم أركان الإسلام العملية، وأقرب ما يكون العبد
فيها من ربه، وهي ميزان سائر الأعمال صلاحًا وفسادًا.
وختم _صلى الله عليه وسلم_ ببيان منزلة الوضوء، وأن
المحافظة عليه وتجديده إنما تكون من شأن المؤمن الصادق؛ إذ الوضوء عبادة خفيّة، لا
يطّلع عليها غالبًا، إلا الله _تبارك وتعالى_، ولا يحمل عليها إلا إيمانٌ راسخ،
وتعظيمٌ لأمر الصلاة، واستعدادٌ دائم للوقوف بين يدي الله _تعالى_.
فأرشد الحديث إلى أن حقيقة الإيمان تظهر في
الاستقامة، وتُترجم بالمحافظة على الصلاة، وتُستدلّ عليها بالمداومة على الطهارة،
وأن من حافظ على الوضوء دلّ ذلك على حياة قلبه، وصدق صلته بربه _جل وعلا_.
تخريج الحديث:
أخرجه ابن ماجه في "سننه" (1/ 101) (رقم:
277)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (5/ 276 و 5/ 280 و 5/ 282) (رقم:
22378 و 22414 و 22433 و 22436)، وابن المبارك في "الزهد والرقائق" (1/
367) (رقم: 1040)، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (2/ 336) (رقم: 1089)،
والقاسم بن سلاَّم في "الطهور" (ص: 112) (رقم: 19)، والدارمي في "سننه"
(1/ 519) (رقم: 681_682)، ومحمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (1/
202_203 و 1/ 204) (رقم: 167 و 170_171)، وابن حبان في "صحيحه" (3/ 311)
(رقم: 1037)، المعجم الكبير (2/ 101) (رقم: 1444)، والطبراني في "المعجم
الأوسط" (7/ 116) (رقم: 7019)، و"المعجم الصغير" (1/ 27 و 2/ 191)
(رقم: 8 و 1011)، وغيرهم.
والحديث صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1/ 232) (رقم: 115)،
و"تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 96) (رقم: 292)، و"إرواء الغليل في
تخريج أحاديث منار السبيل" (2/ 135) (رقم: 412)، و"صحيح الجامع الصغير
وزيادته" (1/ 225) (رقم: 952)، و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان"
(2/ 337) (رقم: 1034)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 198 و 1/ 275)
(رقم: 197 و 379)، و"المساجلة العلمية" (رقم: 17).
من فوائد الحديث:
قال الذهبي _رحمه الله_ في "سير أعلام النبلاء"
– ط. الرسالة (15/ 88):
"كَانَ شَيْخُنَا ابْنُ تيمِيَّة فِي
أَوَاخِرِ أَيَّامه يَقُوْلُ: أَنَا لاَ أَكفر أَحَداً مِنَ الأُمَّة، وَيَقُوْلُ:
قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ -: (لاَ يُحَافِظُ عَلى الْوضُوء إِلاَّ مُؤْمِنٌ (3)) فَمَنْ لاَزَمَ
الصَّلَوَاتِ بوضوءٍ فَهُوَ مُسْلِم.
وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط
الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (1/ 58) تعليقا على كلام الذهبي
_رحمه الله_:
"هذا الذي قاله هؤلاء الأئمة من عدم
تكفير أهل القبلة بالذنوب هو الحقّ، فينبغي التنبّه له، وعدم التسرّع إلى القول
بتكفير أحد منهم إلَّا ببيّنة واضحة، لا يُقبل معها التأويل، هذا على الجملة،
وأما من حيث التفصيل، فمن قامت بَيِّنَةٌ واضحة على
أنه ارتكب ما يخرجه من الإسلام، فلا يُتَوَقَّفُ في تكفيره، فتنبّه، ولا تكن من
الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب." اهـ
وقال عبد الرحمن بن أحمد بن
رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى:
795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "جامع العلوم والحكم" – ط. الرسالة (2/
13):
"وَأَيْضًا، فَالْوُضُوءُ مِنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ
الْخَفِيَّةِ الَّتِي لَا يُحَافِظُ عَلَيْهَا إِلَّا مُؤْمِنٌ." اهـ
وقال أحمد بن عبد الرحيم، المعروف بـ«الشاه ولي الله الدِّهْلَوِيِّ» (المتوفى: سنة 1176 هـ)
_رحمه الله_ في "حجة الله البالغة" (1/ 296):
"قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: (لَا يحافظ على الْوضُوء إِلَّا مُؤمن)،
أَقُول: لما كَانَت الْمُحَافظَة عَلَيْهِ شاقّةً
لَا تتأتى إِلَّا مِمَّن كَانَ على بَصِيرَة من أَمر الطَّهَارَة موقنا بنفعها
الجسيم جعلت عَلامَة الْإِيمَان." اهـ
وقال القاضي محمد بن عبد الله الْمَعَافِرِيُّ الإِشْبِيْلِيُّ،
المعروف بـ"أبي بكر بْنِ الْعَرَبِيِّ المالكِيِّ"
(المتوفى: 543 هـ) _رحمه الله_ في "المسالك في شرح موطأ مالك" (2/ 128):
"لا يحافظ على وضوئه، ولا يصبر عليه،
إلَّا مؤمن كامل الإيمان، لثِقَلِهِ عليه في البرد وفي حين الشّغل، واللهُ أعلم."
اهـ
قال الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي
(المتوفى: 806 هـ) _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 59):
"فِيهِ: اسْتِحْبَابُ دَوَامِ
الطَّهَارَةِ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ عَقِبَ الْحَدَثِ، وَإِنْ لَمْ
يَكُنْ وَقْتُ صَلَاةٍ وَلَمْ يُرِدْ الصَّلَاةَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ -
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إلَّا
مُؤْمِنٌ» فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ دَوَامُ الْوُضُوءِ لَا
الْوُضُوءُ الْوَاجِبُ فَقَطْ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ
وقال نصر بن محمد،
الشهير بـ"أبي الليث السمرقندي" (المتوفى: 373
هـ)
_رحمه الله_ في "تنبيه الغافلين
بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين" (ص: 267):
"الدَّوَام عَلَى الْوُضُوءِ مِنْ
أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ النَّهَارَ
كُلَّهُ عَلَى الْوُضُوءِ، وَيَنَامَ بِاللَّيْلِ عَلَى الْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ
إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيُحِبُّهُ الْحَفَظَةُ وَيَكُونُ فِي
أَمَانِ اللَّهِ _عَزَّ وَجَلَّ_."
وقال نصر بن محمد،
الشهير بـ"أبي الليث السمرقندي" (المتوفى: 373
هـ)
_رحمه الله_ في "تنبيه الغافلين
بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين" (ص: 268):
"يَنْبَغِي لِلَّذِي يَتَوَضَّأُ أَنْ
يَكُونَ وَضُؤُوهُ مَعَ التَّعْظِيمِ، وَيَعْلَمَ أَنَّهُ يُرِيدُ زِيَارَةَ
رَبِّهِ _عَزَّ وَجَلَّ_، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتُوبَ مِنْ جَمِيعِ ذُنُوبِهِ
لِأَنَّ اللَّهَ _تَبَارَكَ وَتَعَالَى_ جَعَلَ الْغُسْلَ بِالْمَاءِ عَلَامَةً
لِغُسْلِهِ مِنَ الذُّنُوبِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ _تَعَالَى_،
وَإِذَا تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِغَسْلِ فَاهُ
مِنَ الْغِيبَةِ وَالْكَذِبِ كَمَا غَسَلَهُ بِالْمَاءِ، وَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ
يَغْسِلُهُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْحَرَامِ، وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ
الْأَعْضَاءِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى
وَيُسَبِّحُهُ." اهـ
وقال الحسين بن محمود الزَّيْدَانيُّ الكوفي الضَّريرُ الشِّيرازيُّ
الحَنَفيُّ، المشهورُ بـ"المُظْهِري" (المتوفى: 727 هـ)
_رحمه الله_ في "المفاتيح في شرح المصابيح" (1/ 355):
"قوله: (واعلموا أنَّ خيرَ أعمالِكم
الصلاةُ)،
وإنما الصلاةُ خيرٌ من غيرها؛ لأن في الصلاة من
كلِّ عبادةٍ شيئًا كقراءة القرآن، والتسبيح، وترك الأكل، والتكبير، وغير ذلك."
اهـ[2]
وقال الحسين بن محمود الزَّيْدَانيُّ الكوفي الضَّريرُ الشِّيرازيُّ
الحَنَفيُّ، المشهورُ بـ"المُظْهِري" (المتوفى: 727 هـ)
_رحمه الله_ في "المفاتيح في شرح المصابيح" (1/ 355):
"المنافق لا يداوِمُ على الوضوء، بل
يتوضَّأُ إذا رآه أحدٌ، ولا يتوضَّأُ إذا لم يرَه أحدٌ، وكذا الكفار لا يتوضَّؤون.
وقال أبو الحسن السندي _رحمه الله_ في "حاشية على
سنن ابن ماجه" (1/ 119):
"قَوْلُهُ (إِلَّا مُؤْمِنٌ) فَإِنَّ
الظَّاهِرَ عِنْوَانُ الْبَاطِنِ فَطَهَارَةُ الظَّاهِرِ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ
الْبَاطِنِ سِيَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى الْمَكَارِهِ كَمَا فِي أَيَّامِ الْبَرْدِ."
اهـ
وقال محمد بن إسماعيل الحسني، الكحلاني، المعروف بـ"الأمير الصنعاني" (المتوفى: 1182 هـ) _رحمه
الله_ في "التنوير شرح الجامع الصغير" (2/ 334):
"وفي هذه الأحاديث دلالةٌ على أن الصلاة
أفضل الأعمال." اهـ
وقال الشيخ أحمد بن يحيى الجازاني، الشهير بـ"النَّجْمِيِّ" (المتوفى 1429 هـ) _رحمه الله_
في "تأسيس الأحكام بشرح عمدة الأحكام" (2/ 207):
"فيه دليل على أن الإنسان لا يخلو من
ذنب أو تقصير في واجب دائماً، ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم - :
(استقيموا ولن تحصوا، وأعلموا أن خير أعمالكم
الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)." اهـ
وقال شيخ الإسلام تقي
الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني
(المتوفى: 728 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع الفتاوى" (23/ 62):
"وَسُئِلَ:
أَيُّمَا أَفْضَلُ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ
الصَّلَاةُ أَمْ الْقِرَاءَةُ؟ .
فَأَجَابَ:
بَلْ الصَّلَاةُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي
غَيْرِ الصَّلَاةِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ قَالَ:
{اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ
وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إلَّا مُؤْمِنٌ} لَكِنْ مَنْ حَصَلَ لَهُ
نَشَاطٌ وَتَدَبُّرٌ وَفَهْمٌ لِلْقِرَاءَةِ دُونَ الصَّلَاةِ فَالْأَفْضَلُ فِي
حَقِّهِ مَا كَانَ أَنْفَعَ لَهُ." اهـ
وقال شيخ الإسلام تقي
الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني
(المتوفى: 728 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع الفتاوى" (18/ 261):
"وَقَدْ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ وَلَا
يَدْرِي بِهِ أَحَدٌ فَإِذَا حَافَظَ عَلَيْهِ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِ إلَّا
لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مُؤْمِنًا
وَالْإِخْلَاصُ فِي النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي أَقَلُّ مِنْهُ فِي الْعِبَادَاتِ
الْبَدَنِيَّةِ." اهـ
وقال محمد بن أبي بكر الدمشقي، المشهور بـ"ابن قيم الجوزيّة" (المتوفى: 751 هـ) _رحمه الله_ في "مدارج السالكين بين منازل
إياك نعبد وإياك نستعين" (2/ 105_106):
"وَالْمَطْلُوبُ مِنَ الْعَبْدِ
الِاسْتِقَامَةُ. وَهِيَ السَّدَادُ. فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا
فَالْمُقَارَبَةُ. فَإِنْ نَزَلَ عَنْهَا: فَالتَّفْرِيطُ وَالْإِضَاعَةُ. كَمَا
فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«سَدِّدُوا وَقَارِبُوا. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ
لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ
اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ
مِنْهُ وَفَضْلٍ» .
فَجَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَقَامَاتِ الدِّينِ
كُلَّهَا. فَأَمَرَ بِالِاسْتِقَامَةِ، وَهِيَ السَّدَادُ وَالْإِصَابَةُ فِي
النِّيَّاتِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ.
وَأَخْبَرَ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ: أَنَّهُمْ لَا
يُطِيقُونَهَا. فَنَقَلَهُمْ إِلَى الْمُقَارَبَةِ. وَهِيَ
أَنْ يَقْرَبُوا مِنْ___الِاسْتِقَامَةِ بِحَسَبِ طَاقَتِهِمْ. كَالَّذِي يَرْمِي
إِلَى الْغَرَضِ، فَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ يُقَارِبْهُ. وَمَعَ هَذَا فَأَخْبَرَهُمْ
أَنَّ الِاسْتِقَامَةَ وَالْمُقَارَبَةَ لَا تُنْجِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَلَا
يَرْكَنُ أَحَدٌ إِلَى عَمَلِهِ. وَلَا يُعْجَبُ بِهِ. وَلَا يَرَى أَنَّ
نَجَاتَهُ بِهِ، بَلْ إِنَّمَا نَجَاتُهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَعَفْوِهِ
وَفَضْلِهِ.
فَالِاسْتِقَامَةُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ، آخِذَةٌ
بِمَجَامِعِ الدِّينِ. وَهِيَ الْقِيَامُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَلَى حَقِيقَةِ
الصِّدْقِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ.
وَالِاسْتِقَامَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْأَقْوَالِ،
وَالْأَفْعَالِ، وَالْأَحْوَالِ، وَالنِّيَّاتِ. فَالِاسْتِقَامَةُ فِيهَا:
وُقُوعُهَا لِلَّهِ، وَبِاللَّهِ، وَعَلَى أَمْرِ اللَّهِ.
قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: كُنْ صَاحِبَ
الِاسْتِقَامَةِ، لَا طَالِبَ الْكَرَامَةِ. فَإِنَّ نَفْسَكَ مُتَحَرِّكَةٌ فِي
طَلَبِ الْكَرَامَةِ. وَرَبَّكَ يُطَالِبُكَ بِالِاسْتِقَامَةِ.
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ
- قَدَّسَ اللَّهُ تَعَالَى رَوْحَهُ - يَقُولُ: أَعْظَمُ الْكَرَامَةِ لُزُومُ
الِاسْتِقَامَةِ." اهـ
ملحق الفوائد:
في هذا الحديث الشريف فوائدُ نفيسة، وأصولٌ جليلة
في باب الإيمان والعمل والسلوك، ومن جملة ذلك ما يأتي:
الفائدة الأولى: أن
الأمر بلزوم الاستقامة أصلُ الدين كلِّه،
ففي قوله _صلى الله عليه وسلم_: «استقيموا» إشارةٌ
إلى أن جماعَ الخير كلَّه في استقامة العبد على أمر الله _تعالى_، لزومًا للطاعة،
واجتنابًا للمعصية، من غير ميلٍ مع الهوى، ولا انحرافٍ عن الصراط المستقيم.
الفائدة الثانية: نفي
الكمال عن أعمال العباد،
ففي قوله _صلى الله عليه وسلم_: «ولن تُحصُوا»
تعليمٌ للعبد ألا يغترَّ بعمله، ولا يدّعي بلوغ الغاية، فإن الإحاطة بكمال
الاستقامة متعذّرة على البشر، ففي ذلك سدٌّ لباب العُجب، وفتحٌ لباب الافتقار إلى
الله _سبحانه_.
الفائدة الثالثة: تفضيل
الصلاة على سائر الأعمال،
إذ نصَّ _صلى الله عليه وسلم_ على أن الصلاة خير
الأعمال، لكونها عماد الدين، وأعظم أركانه العملية، ولأنها جامعةٌ لأنواع العبودية
من خضوع القلب، وخشوع الجوارح، وذكر اللسان.
الفائدة الرابعة: أن
صلاح الأعمال يدور مع الصلاة وجودًا وعدمًا،
فمن عظّم الصلاة وحافظ عليها، دلّ ذلك على صلاح
حاله، ومن تهاون بها كان لما سواها أضيع، إذ هي الميزان الذي تُوزن به بقية
الأعمال.
الفائدة الخامسة: علوّ
منزلة الوضوء في الشريعة،
فإفراد الوضوء بالذكر دليلٌ على شرفه، إذ هو مفتاح
الصلاة، ولا يُتصوَّر كمال هذه العبادة العظيمة، إلا بكمال الطهارة لها.
الفائدة السادسة: أن
المحافظة على الوضوء علامةُ صدق الإيمان، لقوله _صلى الله عليه وسلم_: «ولن يحافظ
على الوضوء إلا مؤمن»،
ففيه بيان أن المداومة على الطهارة لا يحمل عليها
إلا إيمانٌ حيٌّ في القلب، وتعظيمٌ لأمر الله _عز وجل_، لا مجرد عادةٍ أو رياء.
الفائدة السابعة: فضل
الأعمال الخفية التي لا يطلع عليها الناس،
فالوضوء عبادةٌ غالبًا تخفى عن أعين الخلق، ومع ذلك
رُتّب عليها هذا الثناء، ففيه ترغيبٌ في الإخلاص، وبيان أن ميزان القبول عند الله،
لا عند الناس.
الفائدة الثامنة: الحث
على دوام الاستعداد للعبادة، فالمحافظة على الوضوء توجب بقاء العبد على أُهْبَةِ
الصلاة، واستعدادٍ دائمٍ للوقوف بين يدي الله، ففي ذلك تربيةٌ للنفس على المبادرة
إلى الطاعة.
الفائدة التاسعة: ارتباط
الطهارة بحياة القلب،
فمن داوم على الوضوء دلّ ذلك على يقظة قلبه، وحضوره
مع الله، إذ لا يُلازم الطهارة، إلا من استشعر مراقبة ربه، واستعدّ للقائه.
الفائدة العاشرة: الجمع
بين الخوف والرجاء في التربية النبوية،
فالحديث جمع بين الأمر والاستطاعة؛ أمر بالاستقامة،
ثم خفّف بقوله: «ولن تُحصُوا»، فجمع بين الحثّ على العمل، ورفعِ الحرج عن التقصير،
وهذا من كمال حكمته _صلى الله عليه وسلم_ في تربية الأمة.
[1] أخرجه أحمد في
"مسنده" - ط الرسالة (37/ 98) (رقم: 22418)، وصححه الألباني _رحمه الله_
في "صحيح الجامع الصغير" وزيادته (2/ 947) (رقم: 5366)
[2] قال الزرقاني _رحمه الله_
في "شرح الموطأ" (1/ 166):
"(وَخَيْرُ
أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ) أَيْ إِنَّهَا أَكْثَرُ أَعْمَالِكُمْ أَجْرًا، فَلِذَا
كَانَتْ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ لِجَمْعِهَا الْعِبَادَاتِ كَقِرَاءَةٍ وَتَسْبِيحٍ
وَتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ وَإِمْسَاكٍ عَنْ كَلَامِ الْبَشَرِ وَالْمُفْطِرَاتِ،
هِيَ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ وَمُقَرِّبَتُهُ إِلَى اللَّهِ فَالْزَمُوهَا وَأَقِيمُوا
حُدُودَهَا سِيَّمَا مُقَدِّمَتُهَا الَّتِي هِيَ شَطْرُ الْإِيمَانِ فَحَافِظُوا
عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا يُحَافِظُ عَلَيْهَا إِلَّا مُؤْمِنٌ رَاسِخُ الْقَدَمِ
فِي التَّقْوَى كَمَا قَالَ." اهـ
Komentar
Posting Komentar