شرح الحديث 246 (اب الانبساط إلى الناس) من الأدب المفرد
|
124- باب الانبساط إلى الناس 246 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ
قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ
عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ،
فَقُلْتُ: "أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ." قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ، إِنَّهُ
لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: {يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب:
45]، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ
الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا صَخَّابٍ فِي
الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو
وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ _تَعَالَى_ حَتَّى
يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: (لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ)، وَيَفْتَحُوا بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا
غُلْفًا. قال الشيخ الألباني: صحيح] |
رواة الحديث:
* حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ()
محمد بن سنان الباهلى ، أبو بكر البصرى ،
المعروف بالعوقى ( و العوقة : حى من الأزد نزل فيهم فنسب إليهم )
الطبقة : 10 : كبار الآخذين عن تبع الأتباع
الوفاة : 223 هـ
روى له : خ د ت ق
( البخاري - أبو داود - الترمذي - ابن ماجه )
رتبته عند ابن حجر : ثقة ثبت
* قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ():
فليح بن سليمان بن
أبى المغيرة ، الخزاعى و يقال الأسلمى ، أبو يحيى المدنى ، و يقال اسمه عبد الملك
( و فليح لقب )
الطبقة : 7 : من
كبار أتباع التابعين
الوفاة : 168 هـ
روى له : خ م د ت س ق
( البخاري - مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي - ابن ماجه )
رتبته عند ابن حجر : صدوق كثير الخطأ
* قَالَ: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ ():
هلال بن على بن أسامة ، و يقال هلال بن أبى
ميمونة ، و هلال بن أبى هلال القرشى العامرى ، المدنى ، مولى بنى عامر بن لؤى
الطبقة : 5 : من
صغار التابعين
الوفاة : 100 و بضع عشرة هـ
روى له : خ م د ت س ق
( البخاري - مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي - ابن ماجه )
رتبته عند ابن حجر : ثقة
* عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ:
عطاء بن يسار الهلالى ، أبو محمد و أبو عبد
الله و أبو يسار المدنى القاص ، مولى ميمونة
الطبقة : 2 : من
كبار التابعين
الوفاة : 94 هـ ، و قيل بعد ذلك بـ الإسكندرية
روى له : خ م د ت س ق
( البخاري - مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي - ابن ماجه )
رتبته عند ابن حجر : ثقة
* لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ
():
عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم
بن سعيد بن سعد القرشى السهمى ، أبو محمد ، و قيل أبو عبد الرحمن و قيل أبو نصير
الطبقة : 1 : صحابى
الوفاة : ليالى الحرة بـ الطائف
روى له : خ م د ت س ق
نص الحديث:
لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ،
فَقُلْتُ:
"أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ."
قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ، إِنَّهُ
لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: {يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: 45]،
وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ
الْمُتَوَكِّلَ،
لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا صَخَّابٍ فِي
الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو
وَيَغْفِرُ،
وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ _تَعَالَى_ حَتَّى يُقِيمَ
بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)،
وَيَفْتَحُوا بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا.
وقال أبوْ الْفَرَجِ عبد الرحمن بن علي الدمشقي،
المعروف بـ"ابن الجوزيِّ" (المتوفى: 597
هـ) _رحمه الله_ في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (4/ 119):
"فِي صفة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ
وَسلم فِي التَّوْرَاة: (إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا، وحرزا للأميين).
* أَي: حَافِظًا لدينهم، وَالْمرَاد
الْعَرَب، وَسموا بـ"الأميين"، لِأَن الْكِتَابَة كَانَت فيهم قَليلَة،
وكل من لَا يكْتب وَلَا يقْرَأ أُمِّي، نسب بذلك إِلَى أمه.
* وَقَوله: (لَيْسَ بِفَظٍّ). أصل الْفظ:
مَاء الكرش يعتصر فيشرب عِنْد عوز المَاء. وَسمي فظا لكَرَاهَة طعمه وَغلظ مشربه.
والغليظ: الجافي القاسي الْقلب.
والسخاب يرْوى بِالسِّين وَالصَّاد. والصخب: الصياح
والجلبة. وَالْمعْنَى: لَيْسَ مِمَّن ينافس فِي الدُّنْيَا وَجَمعهَا، فيحضر
الْأَسْوَاق لأَجلهَا
وقال الحسين بن محمود الزَّيْدَانيُّ الكوفي
الضَّريرُ الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ، المشهورُ بـ"المُظْهِري" (المتوفى: 727 هـ) _رحمه
الله_ في "المفاتيح في شرح المصابيح" (6/ 98)
"قوله: (وحِرْزًا للأميين): معناه: أنه
من جملة صفاتِه المذكورةِ في التوراة أنه - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ حفظًا
لأمته من عذاب الاستئصال، كما ذُكِرَ في الحديثين اللذين تقدَّما.
وقيل: معناه: وحفظًا لهم من العذاب مطلَقًا ما دامَ
فيهم؛ لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ}
[الأنفال: 33]
قال في "شرح السنة": معنى قوله: "ليس
بفظًّ"؛ أي: غليظِ الجانب، سيئ الخُلُق، ومنه قوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ
فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].
"الصَّخَّاب": كثير الصَّخَب،
والصَّخَبُ: الصياحُ.
(دَفَع) إذا مَنعَ، فقوله: "لا يدفَعُ
السيئةَ بالسيئة"؛ معناه: لا يسيء إلى مَن أساءَ إليه، بل يعفو عن المسيء،
ويُحْسِنُ إليه، وتسمية الثاني سيئةً ازدواجٌ.
"الإقامة" ها هنا بمعنى التقويم،
والتقويم: جعلُ الشيء مستقيمًا." اهـ
وقال الطيبي في "الكاشف عن حقائق السنن"
(11/ 3639):
"قوله: ((حرزاً للأميين)) قض: أي حصناً
وموئلاً للعرب يتحصنون به من غوائل الشيطان، أو عن سطوة العجم وتغلبهم، وإنما سموا
أميين لأن أغلبهم لا يقرءون ولا يكتبون." اهـ
وقال ابن الملقن في "التوضيح لشرح الجامع الصحيح"
(14/ 294):
"وقوله: (سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ)
يعني: لقناعتك باليسير من الرزق، واعتمادك علي في الرزق والنصر، والصبر عند انتظار
الفرج، والأخذ بمحاسن الأخلاق، واليقين بتمام وعد الله، فتوكل عليه، فسمي
المتوكل.
وقوله: (لَيْسَ بِفَظٍّ) أي: سيئ الخلق.
(وَلَا غَلِيظٍ): وهي الشدة في القول، وهما
حالتان مكروهتان." اهـ
وقال في "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (14/
295):
ومعنى (لَا يَدْفَعُ بِالسَّيئَةِ السَّيِّئَةَ): لا
يسيء إلى من أساء إليه على سبيل المجازاة المباحة ما لم تنتهك لله حرمة، لكن يأخذ
بالفضل كما قال تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ} [الشورى: 43] وقال: {ادْفَعْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت: 34] وسمى جزاء السيئة سيئة للمجاورة.
والمراد (بالملة العوجاء) أي: المعوجة، ما كانوا عليه
من عبادة الأصنام، وتغيير ملة إبراهيم عن استقامتها، وإمالتها بعد قوامها، فأقام
الله بنبيه عوج الكفر حتى ظهر دين الإسلام ووضحت أعلامه،وأيد الله نبيه بالصبر
والإنابة والسياسة في نفوس العالمين والتوكل على الله." اهـ
شرح المصابيح لابن الملك (6/ 193)
"أعينٌ عُمي" بضم العين: جمع أعمى.
"وآذان صُمٌّ": جمع أصم.
"وقلوب غُلْفٌ": جمع أَغْلَف، وهو
الذي لا يفهم كأنَّ قلبه في غلاف، وهذا إشارة إلى المذكور في قوله تعالى: {لَهُمْ
قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ
آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] يعني: أنه عليه السلام يدعوهم إلى
الإيمان والطاعة ويحملهم عليه.
وقال القاري في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة
المصابيح" (9/ 3679):
"قُلْتُ: فَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ
قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران:
159] أَوْ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:
{رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ
عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 37]
(وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ)
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا
وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40]
وَلِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ} [المؤمنون: 96] الْآيَةَ.
وَإِطْلَاقُ السَّيِّئَةِ عَلَى جَزَائِهَا إِمَّا
لِلْمُشَاكَلَةِ وَالْمُقَابَلَةِ، أَوْ لِكَوْنِهِ فِي صُورَةِ السَّيِّئَةِ،
أَوْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى دَفْعِهَا بِالْحَسَنَةِ كَأَنَّهَا سَيِّئَةٌ،
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ.
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (9/ 230)
وقوله: (حرزًا للأميين) الحرز بكسر الحاء وسكون الراء
المهملتين آخره زاء: العوذة والموضع الحصين، والمراد بالأميين: العرب؛ لأن الغالب
فيهم عدم القراءة والكتابة، أو لأنهم منسوبون إلى أم القرى، وهي اسم مكة، والتخصيص
بهم لبعثته -صلى اللَّه عليه وسلم- فيهم، وتحصنهم به عن سطوة العجم، وإن أريد
التحصن عن غوائل الشيطان وآفات النفس فهو شامل للناس كلهم، وقيل: يجوز أن يكون حفظ
قومه من الاستئصال أو من العذاب ما دام فيهم كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال: 33].
وقال ابن تيمية في "النبوات" (2/ 1051)
"وهذا مذكورٌ عند أهل الكتاب في نبوة
أشعيا." اهـ
جاء في العهد القديم، في نبوة أشعيا، بداية الإصحاح
الثاني والأربعين، ص 1042-1043: "هو ذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سُرّت
به نفسي، وضعتُ روحي عليه، فيخرج الحق للأمم، لا يصيح ولا يرفع ولا يُسمع في
الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة خامدة لا يطفئ، إلى الأمان يخرج لا يكل
ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض، وتنتظر الجزائر شريعته. هكذا يقول الله الرب
خالق السموات وناشرها، باسط الأرض وناتجها، معطي الشعب عليها نسمة، والساكنين فيها
روحاً. أنا الرب قد دعوتك بالبر، فأمسك بيدك، وأحفظك، وأجعلك عهداً للشعب، ونوراً
للأمم، لتفتح عيون العمي، لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن، الجالسين في
الظلمة لترفع البرية ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار، لتترنم سكان سالع في
رؤوس الجبال، ليهتفوا..".
وقد أورد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذه البشارة في
كتابه الجواب الصحيح (5157-158) ، مع اختلاف يسير في ألفاظها.
شرح المفردات:
الانبساط: الانطلاق مع الناس بلينٍ وبِشرٍ وحسن خُلق.
صفة: النعت والحال التي يكون عليها الشيء.
مَوْصوف: مذكور بنعته وخصاله.
شاهدًا: شاهدًا على أمته بأعمالهم يوم القيامة.
مبشِّرًا: مخبرًا المؤمنين بما يسرّهم من الثواب.
نذيرًا: منذرًا الكافرين بالعقاب.
حِرزًا: حفظًا ووقايةً وسترًا.
الأمِّيِّين: الذين لا يكتبون ولا يقرؤون، وقيل العرب
الذين لم يكن لهم كتاب سابق.
المتوكل: المعتمد على الله حق الاعتماد.
فَظّ: سيئ الخُلق، جافٍ في معاملته.
غليظ: شديد قاسي القلب أو القول.
صخّاب: كثير الصياح ورفع الصوت.
الأسواق: مواضع البيع والشراء.
لا يدفع بالسيئة السيئة: لا يقابل الشر بمثله.
يعفو: يترك المؤاخذة مع القدرة.
يغفر: يستر الذنب ويتجاوز عنه.
ثالثًا: الألفاظ العقدية والبلاغية
يقبضه الله: يميته.
الملّة العوجاء: الدين المنحرف؛ أي العقائد الفاسدة.
يفتحوا بها: أي بكلمة التوحيد.
أعينًا عميًا: أبصارًا لا تبصر الحق.
آذانًا صمًّا: أسماعًا لا تسمع الهدى.
قلوبًا غُلفًا: قلوبًا مغلَّفة مغلقة لا يصل إليها
الإيمان.
المعنى الإجمالي للحديث:
حكى عبد الله بن عمرو بن العاص: أن صفة النبي ﷺ
مذكورة في التوراة، وموافِقة لما وصفه الله به في القرآن؛ فهو رسولٌ شاهدٌ
ومبشِّرٌ ونذير، جعله الله رحمةً وحفظًا للأميين، وسمّاه «المتوكل». ثم ذكر من
شمائله العظيمة أنه ليس فظًّا ولا غليظًا، ولا صخّابًا في الأسواق، ولا يقابل
الإساءة بالإساءة، بل يعفو ويغفر، وأن الله لا يقبضه حتى يقيم به الدين ويُظهر
التوحيد، فينفتح بدعوته ما كان مغلقًا من القلوب والأسماع والأبصار.
فالحديث يقرر أن صفات محمد الخُلُقية والرسالية ثابتة
في كتب الأنبياء السابقة، وأن جوهر رسالته إصلاح القلوب وهداية الخلق بالتوحيد، مع
كمال الحلم والرحمة وحسن الخلق، وهو دليل على صدق نبوته وتمام مكارم أخلاقه ﷺ.
من فوائد الحديث:
وقال أبو الحسن علي بن خلف البكري، المعروف بـ"ابن بطَّال القرطبي" (المتوفى: 449 هـ) _رحمه
الله_ في "شرح صحيح البخاري" (6/ 254_255):
"وفى هذا الحديث: ذم الأسواق وأهلها إذ
كانوا بهذه الصفة المذمومة من الصخب واللغط والزيادة فى المديحة أو الذم لما___يتبايعونه
والأيمان الحانثة، وفى مثل هذا المعنى قال عليه السلام: (شر البقاع الأسواق) لما
يغلب على أهلها من هذه الأحوال المذمومة." اهـ
وقال نجم الدين الطوفي (المتوفى: 716هـ) _رحمه الله_
في "الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية" (1/ 327)
"اليهود حرفوا منها اسم محمد- عليه
السلام- ودلائل نبوته لئلا يكون عليهم حجة له من كتابهم، وحرفوا مع ذلك أشياء مما
جاء به محمد عن وضعه الذي في التوراة ليصير ذلك شبهة لهم في تكذيبه، ويقولون: (ما
نصنع به؟ لو وافق ما عندنا أو ذكر فيه، آمنا به)." اهـ
وقال ابن تيمية في "الجواب الصحيح لمن بدل دين
المسيح" (5/ 155):
"فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي
هَذِهِ الْكُتُبِ الْمَوْجُودَةِ الْيَوْمَ بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ، لَمْ
يُقْطَعْ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُبَشِّرُوا بِهِ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنُ
لِلْيَهُودِ أَنْ يَقْطَعُوا بِأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُبَشِّرْ بِهِ
الْأَنْبِيَاءُ، وَلَا يُمْكِنُ أَهْلَ الْكِتَابِ أَنْ يَقْطَعُوا بِأَنَّ
مُحَمَّدًا لَمْ يُبَشِّرْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ عِلْمٌ بِعَدَمِ
ذَلِكَ، بَلْ غَايَةُ مَا يَكُونُ عِنْدَ أَحَدِهِمْ ظَنٌّ لِكَوْنِهِ طَلَبَ
ذَلِكَ فَلَمْ يَجِدْهُ.
وَدَلَائِلُ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ
قَطْعِيَّةٌ يَقِينِيَّةٌ، لَا يُمْكِنُ الْقَدْحُ فِيهَا بِظَنٍّ؛ فَإِنَّ
الظَّنَّ لَا يَدْفَعُ الْيَقِينَ، لَاسِيَّمَا مَعَ الْآثَارِ الْكَثِيرَةِ
الْمُخْبِرَةِ بِأَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ مَكْتُوبًا بِاسْمِهِ الصَّرِيحِ فِيمَا
هُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ
قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: " أَخْبِرْنَا بِبَعْضِ صِفَةِ رَسُولِ
اللَّهِ فِي التَّوْرَاةِ "، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ
بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا
أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ،
أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَسْتَ بِفَظٍّ وَلَا
غَلِيظٍ وَلَا صَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا تَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ
السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ تَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ وَتَعْفُو وَتَغْفِرُ،
وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى أُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ." اهـ
وقال أبو حفص عمر بن علي الشافعي المصري، المعروف بـ"سِرَاج الدينِ ابنِ الْمُلَقِّنِ" (المتوفى:
804 هـ) _رحمه الله_ في "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (14/ 296):
"وفي الحديث: مدح النبي - صلى الله عليه
وسلم - ببعض صفاته الشريفة -التي خصه الله تعالى وجبله عليها، وقد وصفه الله تعالى
في آخر سورة براءة نحو هذِه الصفة." اهـ
ملحق الفوائد:
في هذا الحديث الجليل المرويّ في كتاب الأدب المفرد
عن الصحابيّ عبد الله بن عمرو بن العاص في وصف النبيّ محمد ﷺ فوائدُ جمّةٌ، منها:
✦ فوائد
الحديث
إثباتُ نبوّته ﷺ من كتب الأنبياء المتقدّمين
إذ وُصِف في التوراة بصفاتٍ توافق ما في القرآن، وفي
ذلك شاهدُ صدقٍ وبرهانُ حقّ.
أنّ دلائل النبوّة متظاهرةٌ متساندة
فما جاء في القرآن صدّقته الكتب السابقة، فاجتمع له
شاهدُ النقلين.
بيانُ كمال خُلُقه ﷺ
حيث نُزِّه عن الفظاظة والغلظة والصخب، وهذه خصالٌ لا
تجتمع إلا في صفوة الخلق.
الحثّ على الحِلم والعفو
لقوله: «ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر»،
وهو أصلٌ في مكارم الأخلاق.
أنّ الدعوة الحقّة تقوم على اللين لا العنف
لأنّ الشدّة تُنفّر، والرفق يجذب، وقد جُبلت القلوب
على محبة من أحسن إليها.
إثبات صفة التوكّل الكاملة له ﷺ
حيث سمّاه ربّه «المتوكل»، أي الذي فوض أمره كلَّه
إلى ربّه.
أن الغاية العظمى من الرسالة إقامة التوحيد
لقوله: «حتى يقولوا لا إله إلا الله»، فدلّ على أنّ
التوحيد أصل الدين وأساس النجاة.
أن الهداية الحقيقية هداية القلوب
إذ شبّه الكفر بالعمى والصمم والغُلف، والإيمان
بانفتاح البصائر والأسماع والقلوب.
إثبات عموم رسالته ﷺ
لأنه بُعث لإزالة الانحراف عن الملّة، لا لقومٍ دون
قوم.
فضل الحِلم على الانتقام
لأنّ العفو مع القدرة أشرفُ أخلاق المرسلين، وهو أدعى
لقبول الحق.
أن الأسواق مظنّة الغفلة واللغط
فمدحه بترك الصخب فيها دليلٌ على أنّ الوقار مطلوبٌ
في كل موطن.
أن من أعظم صفات الداعية حسنُ المعاملة
إذ لا يتمّ إصلاح الخلق إلا بلين الجانب وطلاقة
الوجه.
فهذا الحديث أصلٌ عظيمٌ في باب شمائل النبي ﷺ ودلائل
نبوّته ومنهج دعوته؛ إذ جمع بين صدق الرسالة، وكمال الخُلُق، وعظمة المقصد، وحكمة
الوسيلة.
Komentar
Posting Komentar