شرح الحديث 245 (بَابُ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنِ النَّاسِ) من الأدب المفرد

 

 

245 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلِّمُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ»

[قال الشيخ الألباني: صحيح]

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ (ثقة ثبت: ت. 227 هـ):

محمد بن سلام بن الفرج السُّلَمِي مولاهم، أبو عبد الله (أو أبو جعفر)، البخاري البيكندي (ويقال: الباكندي)، المولود: سنة 162 هـ، من كبار الآخذين عن تبع، روى له: خ

 

* قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ (صدوق عارف رمى بالتشيع: ت. 295 هـ):

محمد بن فضيل بن غزوان بن جرير الضبي مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي، من صغار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ لَيْثٍ (صدوق اختلط جدا و لم يتميز حديثه فترك: ت. 148 هـ):

الليث بن أبى سليم أيمن (أو أنس، أو زيادة، أو عيسى)، بن زنيم القرشي، أبو بكر (ويقال: أبو بكير)، الكوفي، من الذين عاصروا صغار التابعين، روى له: خت م د ت س ق

 

* عَنْ طَاوُسٍ (ثقة فقيه فاضل: ت. 106 هـ و قيل بعد ذلك):

طاووس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم، الفارسي (يقال: اسمه ذكوان، وطاووس لقب)، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (صحابي: ت. 68 هـ بـ الطائف):

عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو العباس المدني، ابن عم رسول الله _صلى الله عليه وسلم_)، روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث:

 

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:

«عَلِّمُوا، وَيَسِّرُوا، وَلَا تُعَسِّرُوا، وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْكُتْ»

 

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (1/ 283):

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلِّمُوا ، وَيَسِّرُوا ، وَلا تُعَسِّرُوا ، وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ ، وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ ، وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ.

 

المعنى الإجمالي لهذا الحديث:

 

أرشد النبي ﷺ الأمة، ولا سيما أهل العلم والدعوة والتعليم، إلى منهجٍ قويمٍ في التعامل مع الناس، يقوم على نشر العلم بأسلوبٍ رحيمٍ سهل، والبعد عن التشديد والتنفير؛ لأن المقصود من التعليم والهداية هو التقريب إلى الحق، لا الإبعاد عنه.

ثم وجّه ﷺ إلى ضبط النفس وحسن الخُلُق، فيأمر من حضرته حالة الغضب أن يمسك لسانه ويكفّ عن الكلام؛ لما في الغضب من ذهاب العقل ووقوع الزلل، ولأن السكوت عند الغضب سببٌ للسلامة من الإثم وحفظٍ للعلاقات.

 

فالحديث يجمع بين حُسن المنهج في التعليم والدعوة، وتزكية النفس بالتحلّي بالحِلم وكفّ الأذى، مما يحقق مقاصد الشريعة في الرحمة والإصلاح وجمع القلوب.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 95 و 447) (رقم: 245 و 1320)، مسند أبي داود الطيالسي (4/ 337) (رقم: 2730)، مسند أحمد - عالم الكتب (1/ 239 و 1/ 283 و 1/ 365) (رقم: 2136 و 2556 و 3448)، مساوئ الأخلاق للخرائطي (ص: 150) (رقم: 314)، شعب الإيمان (10/ 527) (رقم: 7935)، جامع بيان العلم وفضله (1/ 503 و 1/ 516) (رقم: 804 و 834)

 

والحديث صحيح لغيره: صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (3/ 363) (رقم: 1375)، و"صحيح الأدب المفرد" (ص: 109 و 501) (رقم: 184 و 996)، صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/ 180 و 2/ 744) (رقم: 693 و 4027)،

 

من فوائد الحديث:

 

قال زيد ابن محمد المدخلي _رحمه الله_ في عون الأحد الصمد (١ / ٢٧١):

"في هذا الحديث توجيه إلى أعمال من البر:

أولها: الامر بالتعليم ممن يستطيعون ذلك، فتعليم الناس من أعظم الصدقات والإحسان إليهم بطاعة ربهم وترك المعصية والتخلق بمكارم الأخلاق والكف عن الشر بجميع صوره." اهـ

 

قال محمد لقمان السلفي في كتابه "رش البرد" (ص: ١٤٧):

فيه: الامر بالاهتمام بالدعوة والتعليم للناس ما يلزمون من أمور الدين مع مراعاة أسلوبها الحكيم والرفق بعرض الدعوة عليهم لتظهر آثارها الإيجابية المؤثرة.

فيه: علاج الغضب وبيان أقوم طريق، وهو السكوت، لأنه يسكن الغضب وحركة الجوارح تثيره." اهـ

 

وقال الأمير في التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 267):

(فليسكت) لا إذا كان غضبه لمنكر ارتكب أو حرمة انتهكت فلا سكوت بل يجب عليه التكلم بما هو فرضه ويحتمل أن يراد فليسكت عن قبيح الكلام وندبه الذي يستخرجه بسورة الغضب لا عن الكلام مطلقا وهذا من أدوية دفع الغضب وهو صفة الكاظمين الغيظ.

 

هذا الحديث النبوي الجليل اشتمل على توجيهات تربوية ودعوية عظيمة، ويمكن استخراج فوائد كثيرة منه، من أهمها ما يأتي، مع بيان كل فائدة:

1- الحث على نشر العلم وتعليمه

قوله ﷺ: «عَلِّمُوا» فيه أمرٌ بتبليغ العلم وعدم كتمانه، وهو توجيه خاص لأهل العلم، وعامّ لكل من علم شيئًا من الخير. فالأصل في العلم أن يُنشر ويُبذل، لا أن يُحتكر أو يُمنع عن الناس.

2- وجوب التيسير في التعليم والدعوة

قوله ﷺ: «وَيَسِّرُوا» يدل على أن منهج الشريعة قائم على الرفق والسهولة، فيُراعى حال المتعلّم، ويُقدَّم له العلم بقدر فهمه، وبأسلوبٍ يقربه ولا ينفّره.

3- النهي عن التعسير والتنفير

قوله ﷺ: «وَلَا تُعَسِّرُوا» نهيٌ صريح عن التشديد في غير موضعه، سواء في الفتوى أو التعليم أو المعاملة؛ لأن التعسير سببٌ للنفور من الحق، وقد يكون بابًا لترك الخير.

4- أن المقصود من التعليم الهداية لا الغلبة

الحديث يقرر أن الغاية من التعليم ليست إظهار التفوق أو إحراج المتعلم، وإنما إيصال الحق برحمة، ولذلك قرن الأمر بالتعليم بالأمر بالتيسير، تحقيقًا لمقصود الهداية.

5- الجمع بين العلم وحسن الخُلُق

الحديث لم يقتصر على بيان منهج التعليم، بل قرنه بتوجيهٍ أخلاقي، مما يدل على أن العلم الشرعي لا ينفك عن تزكية النفس، وأن كمال العالم يكون بعلمه وخُلُقه معًا.

6- التحذير من آثار الغضب السيئة

قوله ﷺ: «وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ» تنبيه إلى أن الغضب حالةٌ تعرض للإنسان، لكنها بابٌ للخطأ والزلل، خاصة في الكلام، فقد يخرج الإنسان عن العدل والحكمة.

7- مشروعية علاج الغضب بالسكوت

قوله ﷺ: «فَلْيَسْكُتْ» إرشاد عملي لعلاج الغضب، لأن أكثر أخطاء الغضبان تكون باللسان، فالسكوت في تلك الحال وقايةٌ من الإثم، وحفظٌ للدين والعِرض والعلاقات.

8- أن كفّ اللسان من أعظم أسباب السلامة

الحديث يدل على أن ضبط الكلام وقت الغضب من أعظم أسباب النجاة؛ إذ اللسان قد يهدم في لحظة ما لا يُبنى في سنين، والسكوت حينئذٍ عبادة وحكمة.

9- عناية الشريعة بإصلاح الفرد والمجتمع

فالشق الأول من الحديث يصلح المجتمع علميًا ودعويًا، والجزء الثاني يصلح الفرد خُلقيًا ونفسيًا، مما يدل على شمولية التوجيه النبوي في بناء الأمة.

10- أن الرفق سبب لقبول الحق

يُفهم من مجموع الحديث أن الرفق في التعليم، والحِلم في التعامل، وكظم الغيظ، من أعظم الأسباب التي تجعل الناس يقبلون الحق ويثبتون عليه.

11- التربية على التحكم في الانفعالات

الحديث يربّي المسلم على ألا يكون أسيرًا لانفعالاته، بل يكون متحكمًا فيها، متزنًا في أقواله وأفعاله، وهذا من كمال الإيمان وحسن الاتباع.

12- أن هذه الوصايا صالحة لكل زمان ومكان

فهي توجيهات عامة يحتاجها المعلم، والداعية، وولي الأمر، وربّ الأسرة، وكل من يتعامل مع الناس؛ مما يدل على عظمة الهدي النبوي ودوام صلاحيته.

 

فالحديث يبين منهجًا سويا في التعليم، والدعوة، والأخلاق، وضبط النفس، ويبيّن أن الرفق والحِلم وحسن البيان من أعظم مفاتيح الخير، وأن الغضب إن لم يُضبط أفسد العلم والعمل معًا.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة