شرح الحديث 224 (بَابُ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنِ النَّاسِ) من الأدب المفرد
|
244 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ وَهْبِ
بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى
الْمِنْبَرِ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ
الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]، قَالَ: "وَاللَّهِ مَا أَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤْخَذَ،
إِلَّا مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ، وَاللَّهِ لَآخُذَنَّهَا مِنْهُمْ مَا
صَحِبْتُهُمْ." [قال الشيخ الألباني: صحيح] |
رواة
الحديث:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
سَلَّامٍ ():
محمد بن سلام بن الفرج السلمى مولاهم ، أبو عبد الله أو أبو جعفر ، البخارى
البيكندى و يقال الباكندى ( أيضا و بالفاء أيضا )
المولد : 162 هـ
الطبقة : 10 : كبار الآخذين عن تبع
الأتباع
الوفاة : 227 هـ
روى له : خ ( البخاري )
رتبته عند ابن حجر : ثقة ثبت
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ ():
محمد بن خازم التميمى السعدى
، أبو معاوية الضرير الكوفى ، مولى بنى سعد بن زيد مناة بن تميم
المولد : 213 هـ
الطبقة : 9 : من صغار أتباع التابعين
الوفاة : 295 هـ
روى له : خ م د ت س ق ( البخاري - مسلم - أبو داود - الترمذي -
النسائي - ابن ماجه )
رتبته عند ابن حجر : ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش
، و قد يهم فى حديث غيره ، و قد رمى بالإرجاء
قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ ():
هشام بن عروة بن الزبير بن
العوام القرشى الأسدى ، أبو المنذر ، و قيل أبو عبد الله المدنى
الطبقة : 5 : من صغار التابعين
الوفاة : 145 أو 146 هـ
روى له : خ م د ت س ق ( البخاري - مسلم - أبو داود - الترمذي -
النسائي - ابن ماجه )
رتبته عند ابن حجر : ثقة فقيه ربما دلس
عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ
():
وهب بن كيسان القرشى مولاهم
، أبو نعيم المدنى ، المعلم مولى آل الزبير بن العوام ( و قيل مولى عبد الله بن
الزبير )
الطبقة : 4 : طبقة تلى الوسطى من التابعين
الوفاة : 127 هـ
روى له : خ م د ت س ق ( البخاري - مسلم - أبو داود - الترمذي -
النسائي - ابن ماجه )
رتبته عند ابن حجر : ثقة
عبد الله بن الزبير بن
العوام القرشى الأسدى ، أبو بكر ، و يقال أبو خبيب ، ( و أمه أسماء بنت أبى بكر
الصديق )
المولد : 1 هـ بـ المدينة
الطبقة : 1 : صحابى
الوفاة : 73 هـ بـ مكة
روى له : خ م د ت س ق
نص
الحديث:
نْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ
قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ:
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ
بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]،
قَالَ: "وَاللَّهِ مَا
أَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤْخَذَ، إِلَّا مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ، وَاللَّهِ
لَآخُذَنَّهَا مِنْهُمْ مَا صَحِبْتُهُمْ."
وفي صحيح البخاري (6/ 60_61):
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
الزُّبَيْرِ:
{خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ
بِالعُرْفِ} [الأعراف: 199]
قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
إِلَّا فِي أَخْلاَقِ النَّاسِ»
وفي "صحيح البخاري"
(6/ 61):
"عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: «أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِنْ أَخْلاَقِ النَّاسِ، أَوْ كَمَا
قَالَ»
وفي "سنن أبي داود"
(4/ 250):
"عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ، فِي قَوْلِهِ {خُذِ الْعَفْوَ}
[الأعراف: 199] قَالَ: «أُمِرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ»
وفي "السنن الكبرى"
للنسائي (10/ 103):
عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ،
قَالَ: " إِنَّمَا أَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {خُذِ الْعَفْوَ}
[الأعراف: 199] مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ "
شرح
المفردات الغريبة الواردة في هذا الأثر:
(خُذِ العَفْوَ): العفو هنا
ليس مجرد الصفح عن الذنب فقط، بل معناه: السهولة والسماحة، أي خذ من الناس ما
سَهُلَ وتيسَّر من أخلاقهم وأعمالهم، واقبل منهم القليل ولا تُكلِّفهم فوق طاقتهم.
(العُرْف): هو
كلُّ ما تعارف الناس على حسنه واستقامته، مما أقرَّه الشرع والعقل السليم، فيشمل
المعروف من الأقوال والأفعال، كالأمر بالخير، وحسن الخلق، والعدل، والإحسان.
(أَعْرِضْ)، الإعراض:
الترك مع السلامة، أي اترك مجادلتهم ومقابلة أذاهم، لا عجزًا ولا ضعفًا، بل حِلمًا
وحكمة.
(الجاهلين)، المراد
بهم هنا: السفهاء وأهل الطيش وسوء الأدب، لا من يجهل العلم فقط، بل من يتصرّف
بجهلٍ وتهوّر في القول أو الفعل.
(على المنبر)، أي:
كان يقول ذلك في موضع الخطبة والوعظ، مما يدل على أن هذا التوجيه خُلُقٌ عامٌّ
يُعلَن ويُربّى عليه الناس.
(ما أَمَرَ بها
أن تُؤْخَذ)، أي: ما أمر الله بهذه الآية أن يُعمَل بها ويُلتزم مضمونها.
(إلا من أخلاق
الناس)، أي: في باب المعاشرة والمخالطة، لا في حدود الله، ولا في ترك الواجبات،
وإنما في معاملة الناس والتغاضي عن تقصيرهم.
(لَآخُذَنَّهَا
منهم)، أي: لألتزمنَّ العمل بها، وآخذ نفسي بتطبيقها في التعامل مع الناس.
(ما
صَحِبْتُهُمْ)، أي: مدة معاشرتي لهم ومخالطتي إياهم، ما دمت أعيش بينهم وأتعامل
معهم.
المعنى
الإجمالي لهذا الأثر:
أنَّ عبدَ الله بنَ الزبير _رضي
الله عنهما_ بيّن شمولَ هذه الآية العظيمة لأصولِ مكارمِ الأخلاق في معاملة الناس،
وأنها ليست مجرد توجيهٍ نظريّ، بل هي منهجٌ عمليٌّ يُلتزم به في واقع المخالطة.
* فقولُه تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ)،
أي: اقبل من الناس ما سَهُلَ وتيسّر من أخلاقهم وأعمالهم، ولا تُكلِّفهم ما يشقّ
عليهم، ولا تُحاسبهم على كل تقصير وزلّة.
* (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ)، أي:
ادعُ إلى المعروف الذي تَعْرِفُهُ العقول السليمة وتقرّه الشرائع من الخير والعدل
وحسن المعاملة.
(وَأَعْرِضْ عَنِ
الْجَاهِلِينَ)، أي: اترك مجادلة السفهاء ومقابلة إساءتهم بمثلها.
ولهذا أقسم ابن الزبير _رضي
الله عنه_ أن الله ما أمر بأخذ هذا العفو، إلا من أخلاق الناس في معاشرتهم،
ثم عزم على التزام ذلك ما دام
يصحبهم؛ أي: أن يجعل هذه الآية ميزانًا دائمًا في تعامله مع الخلق، صبرًا عليهم،
وتغاضيًا عن أخطائهم، وسعيًا في إصلاحهم بالمعروف، لا بالمخاصمة والغلظة.
تخريج
الحديث:
أخرجه البخاري في "الأدب
المفرد" (ص: 95) (رقم: 244)، صحيح البخاري (6/ 60) (رقم: 4643_4644)، سنن أبي
داود (4/ 250) (رقم: 4787)، السنن الكبرى للنسائي (10/ 103) (رقم: 11131)، التفسير
من سنن سعيد بن منصور (5/ 178) (رقم: 975)، مصنف ابن أبي شيبة (7/ 143) (رقم: 34827)،
الزهد لهناد بن السري (2/ 596_597)، مسند البزار = البحر الزخار (6/ 140) (رقم: 2181_2182)،
تفسير ابن أبي حاتم – ط. مكتبة نزار (5/ 1637) (رقم: 8674)، المعجم الكبير
للطبراني (13/ 107) (رقم: 257)، المستدرك على الصحيحين للحاكم (1/ 213) (رقم: 431)،
دلائل النبوة للبيهقي (1/ 310)
والحديث صحيح: صححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد" (ص: 109)
(رقم: 183)
من فوائد الحديث:
وقال ابن الجوزي في "كشف
المشكل من حديث الصحيحين" (1/ 111):
"وللمفسرين
فِي المُرَاد بِهَذَا الْعَفو ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَنه التجاوز عَن أَخْلَاق النَّاس. قَالَه ابْن الزبير،
وَالْحسن، وَمُجاهد. فَيكون الْمَعْنى: لَا تستقص عَلَيْهِم وسامح فِي المخالطة.
الثَّانِي: أَنه المَال، ثمَّ فِي المُرَاد بِهِ قَولَانِ:
* أَحدهمَا: أَنه الزَّكَاة،
قَالَه مُجَاهِد.
* وَالثَّانِي: صَدَقَة
كَانَت تُؤْخَذ قبل فرض الزَّكَاة ثمَّ نسخت بِالزَّكَاةِ، رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس.
وَالثَّالِث: أَن المُرَاد بهَا مساهلة الْمُشْركين وَالْعَفو عَنْهُم،
ثمَّ نسخ بِآيَة السَّيْف قَالَه ابْن زيد.
قَوْله: {وَأمر بِالْعرْفِ}
[الْأَعْرَاف: 199] الْعرف وَالْمَعْرُوف: مَا عرف من طَاعَة الله عز وَجل."
اهـ
وقال ابن حجر _رحمه الله_ في "فتح
الباري" (8/ 306):
"وقال [جعفر
الصادق]:
لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ
أَجْمَعُ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْهَا وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ الْأَخْلَاقَ
ثَلَاثَةٌ بِحَسب الْقوي الْإِنْسَانِيَّةِ عَقْلِيَّةٌ وَشَهْوِيَّةٌ
وَغَضَبِيَّةٌ،
فَالْعَقْلِيَّةُ:
الْحِكْمَةُ وَمِنْهَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ،
وَالشَّهْوِيَّةُ: الْعِفَّةُ،
وَمِنْهَا أَخْذُ الْعَفْوِ،
وَالْغَضَبِيَّةُ:
الشَّجَاعَةُ، وَمِنْهَا الْإِعْرَاضُ عَنِ الْجَاهِلِينَ." اهـ
منار القاري شرح مختصر صحيح
البخاري (5/ 56)
فقه الحديث: دل هذا الحديث
على تفسير قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ) وأن المراد به أن الله أمر نبيه - صلى
الله عليه وسلم - بالتسامح مع الناس ومعاشرتهم بالحسنى، وقبول ما أَتى من أفعالهم
بسهولة ويسر دون إحراجهم، أو التكليف عليهم، بما يشق على نفوسهم، كما دلت الآية
الكريمة على وجوب التناصح والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في
الإِعراض عن الجهلاء، والحمقى والسفهاء، وعدم مجاراتهم أو مجازاتهم، والصفح عنهم،
والتغاضى عن زلاتهم، وهو معنى قوله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) ولا شك أن
هذه الأمور الثلاثة هي دعائم الخلق الكامل الذي تكتسب به محبة الناس، وتجمع به
القلوب المتنافرة، وتتوثق به الروابط الاجتماعية.
وقال شرف الحق العظيم آبادي
في "عون المعبود" (13/ 99_100):
لَمَّا عَدَّدَ اللَّهُ
تَعَالَى مِنْ أَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ مَا عَدَّدَهُ وَتَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ
وَضَلَالِ سَعْيِهِمْ أَمَرَ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ
يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ يُقَالُ أَخَذْتُ حَقِّي عَفْوًا أَيْ
سَهْلًا وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ التَّيْسِيرِ الَّذِي كَانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ
كَانَ يَقُولُ يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا
وَالْمُرَادُ بِالْعَفْوِ
هُنَا ضِدُّ الْجَهْدِ وَالْعَفْوُ التَّسَاهُلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَذَا فِي
بَعْضِ التَّفَاسِيرِ
وَفِي جَامِعِ الْبَيَانِ
خُذِ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ كَقَبُولِ أَعْذَارِهِمْ وَالْمُسَاهَلَةِ
مَعَهُمْ انْتَهَى___
وَفِي تَفْسِيرِ الْخَازِنِ:
الْمَعْنَى اقْبَلِ
الْمَيْسُورَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَلَا تَسْتَقْصِ عَلَيْهِمْ فَيَسْتَعْصُوا
عَلَيْكَ فَتَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ يَعْنِي
خُذِ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَأَعْمَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَجَسُّسٍ
وَذَلِكَ مِثْلُ قَبُولِ الِاعْتِذَارِ مِنْهُمْ وَتَرْكِ الْبَحْثِ عَنِ
الْأَشْيَاءِ
ملحق
الفوائد:
وكلامُ ابنِ الزبير رضي الله عنه من جواهر الفهم عن الله عز
وجل.
وفي هذه الروايات فوائدُ كثيرةٌ، أذكر لك جملةً وافرةً
منها، مع بيانٍ لكل فائدة بلسانٍ عربيٍّ فصيحٍ قديمٍ، من غير تكلُّفٍ ولا تكلُّمٍ
حادث.
الفائدة الأولى: أنَّ الآيةَ جامعةٌ لأصول مكارم الأخلاق،
ففي قول ابن الزبير: «ما أنزل الله إلا في أخلاق الناس»
دلالةٌ ظاهرةٌ على أن هذه الآية ليست مخصوصةً بحكمٍ جزئيٍّ، بل هي قاعدةٌ
كُلِّيَّةٌ في معاملة الخلق، جامعةٌ لأمهات الفضائل، داخلةٌ فيها أبوابُ الحِلم،
والصبر، والعفو، وحسن المعاشرة.
الفائدة الثانية: أنَّ المرادَ بـ«العفو» هو المسامحة في أخلاق الناس، لا
استقصاء الحقوق
فبيَّن ابن الزبير _رضي الله عنه_ أن الأخذ بالعفو إنما هو
الأخذُ بما سَهُل من طبائع الناس، وتركُ التكلُّف في محاسبتهم على دقائق التقصير؛
ففيه إرشادٌ إلى ترك الاستقصاء والمشاحَّة، فإن استيفاء كل حقٍّ يُفسد العِشرة
ويقطع الصحبة.
الفائدة الثالثة: أنَّ الخطاب وإن وُجِّه إلى النبي ﷺ فهو متناولٌ للأمة،
إذ قال: «أمر الله نبيَّه ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس»،
وهذا من خطاب القدوة، إذ أُمِرَ به النبي ﷺ ليكون أسوةً لأمته، فيعلموا أن حسن
الخلق أصلٌ من أصول الدين، لا فضلةً ولا نافلة.
الفائدة الرابعة: أنَّ حسنَ الخلق دينٌ يُتَقَرَّب به إلى الله _تعالى_،
ففهمُ ابن الزبير للآية يدل على أن الأخلاق ليست من باب
العادات المحضة، بل هي عبادةٌ يُؤجَر عليها العبد، لأن الله تعالى أنزل فيها
قرآنًا يُتلى، وأمر بها نبيَّه ﷺ أمرَ تشريعٍ وتديُّن.
الفائدة الخامسة: أنَّ مخالطةَ الناس لا تستقيم إلا بالعفو،
ففي قوله: «والله لآخذنها منهم ما صحبتهم» إشارةٌ إلى أن
دوام الصحبة ومعاشرة الخلق لا يمكن أن تُحتمل إلا باحتمال أذاهم، والتغاضي عن
زلَلهم، فمن طلب الكمال في الناس عاش وحيدًا أو مهمومًا.
الفائدة السادسة: أنَّ العفوَ مأخوذٌ من أخلاق الناس، لا من أموالهم
وهذا تنبيهٌ دقيقٌ؛ فإن بعض الناس يظن العفو في الحقوق
المالية فقط، والمراد هنا أوسع من ذلك، وهو العفو عن جفاء الطباع، وسوء العشرة،
وحدَّة الطبع، وقِلَّة الوفاء، مما جُبل عليه كثير من الخلق.
الفائدة السابعة: أنَّ الأمر بالمعروف مبنيٌّ على الرفق،
فاقتران قوله تعالى: {خُذِ العَفْوَ} بقوله: {وَأْمُرْ
بِالعُرْفِ} يدل على أن الأمر بالمعروف لا يُؤدَّى على وجهه إلا إذا سبقه عفوٌ
وحِلم، فإن الغِلظة تُنفِّر، والعفو يُليِّن القلوب ويهيِّئها للقبول.
الفائدة الثامنة: أنَّ الإعراض عن الجاهلين خُلُقٌ لازمٌ للداعية،
فتمامُ الآية: {وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ}، وفيه بيان
أن من تمام الأخلاق أن لا يُقابل السفه بالسفه، ولا الجهل بالانتقام، بل يُقابَل
بالإعراض والحِلم، حفظًا للنفس والدعوة معًا.
الفائدة التاسعة: أنَّ فهمَ الصحابة للقرآن كان عمليًّا تطبيقيًّا
فلم يقف ابن الزبير عند التفسير اللفظي، بل قال: «لآخذنها
منهم ما صحبتهم»، فحوَّل الآية إلى منهج حياة، وهذا يدل على أن علم السلف لم يكن
حروفًا تُحفَظ، بل هدايةً تُعاش.
الفائدة العاشرة: أنَّ العفوَ لا يُنافي العدل،
فالأخذ بالعفو من الأخلاق لا يعني إسقاط الحدود، ولا تعطيل
الحقوق الشرعية، وإنما هو في باب المعاملة والمعاشرة، حيث يُندَب إلى المسامحة،
ويبقى العدلُ قائمًا في موضعه.
الفائدة الحادية عشرة: أنَّ هذه الآية من أعظم ما يُصلِح القلوب والمجتمعات،
إذ لو عُمِل بها، لارتفعت كثيرٌ من الخصومات، وسكنت الفتن،
واجتمعت القلوب، لأن أكثر النزاع إنما ينشأ من ترك العفو، وطلب المؤاخذة على كل
صغيرةٍ وكبيرة.
الفائدة الثانية عشرة: أنَّ الأخلاق ميزانُ صلاح العبد في نفسه ومع غيره،
فمن أخذ بالعفو دلَّ على سعة صدره، وكمال عقله، وحسن فهمه
عن الله، ومن عجز عنه دلَّ على ضيق نفسٍ وقِلَّة حِلم، وإن كثر علمه أو عبادته.
فهذا بعضُ ما يُستفاد من هذا الأثر الجليل، ولو استُقصِيَت
فوائده لطال الكلام، غير أن فيما ذُكر كفايةً لطالب التذكُّر والاعتبار.
Komentar
Posting Komentar