شرح الحديث 201 (الترغيب في المحافظة على الوضوء وتجديده) من صحيح الترغيب
|
201 - (5) [صحيح] وعن عبد الله بن بريدة عن
أبيه رضي الله عنهما قال: أصبحَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - يوماً فدعا بلالاً، فقال: "يا بلال! بِمَ سبقتني إلى الجنّة؟
إنني دخلتُ البارحةَ الجنّةَ فسمعت خَشخَشَتكَ (1) أمامي؟ ". فقال بلالٌ: يا رسول الله! ما أذَّنتُ قَطُّ، إلا
صلّيتُ ركعتين، ولا أصابني حَدَثٌ قط إلا توضَّأت عنده. فقال رسول الله - صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "بهذا". رواه ابن خزيمة في "صحيحه". (2) __________ (1) (الخشخشة): حركة لها صوت كصوت السلاح،
أي: صوت مشيتك. (2) أوهم أنه لم يروه من هو أعلى طبقة من
ابن خزيمة وأشهر، وليس كذلك، فقد أخرجه الترمذي في "المناقب"، وأحمد
في "المسند" (5/ 360) بسند صحيح على شرط مسلم، وصححه الحاكم والذهبي
على شرطهما! وفي رواية لأحمد بلفظ: "إلا توضّأت وصليت ركعتين"، وسنده
صحيح أيضاً. ولم أره بهذا اللفظ في "صحيح ابن خزيمة" المطبوع، فلعله
أخرجه في أصله الذي سماه فيه بـ "المسند"، وإنما هو فيه بلفظ
"أذنبت"، من: (الذنْب)! وهكذا ذكره المؤلف أيضاً فيما يأتي (6 -
النوافل /18 - الترغيب في صلاة التوبة)، وهو خطأ، والصواب بلفظ:
"أذَّنت" كما هنا. |
ترجمة بريدة بن الحصيب الأسلمي _رضي الله عنه_:
قال خير الدين الزركلي _رحمه الله_ في "الأعلام"
(2/ 50):
"بريدة بن الحصيب (000 - 63 هـ = 000 -
683 م):
بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي: من
أكابر الصحابة. أسلم قبل بدر، ولم يشهدها. وشهد خيبر وفتح مكة، واستعمله النبي
صلّى الله عليه وسلّم على صدقات قومه. وسكن المدينة. وانتقل إلى البصرة، ثم إلى
مرو فمات بها. له 167 حديثا
ترجمة بلال بن أبي رباح الحبشي _رضي الله
عنه_:
طرح التثريب في شرح التقريب (1/ 36)
(بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ الْحَبَشِيُّ
مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَوْلَى أَبِي
بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَقِيلَ: أَبُو عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، وَقِيلَ: أَبُو عَبْدِ الْكَرِيمِ، وَقِيلَ: أَبُو عَمْرٍو، وَهُوَ
أَحَدُ السَّابِقِينَ إلَى الْإِسْلَامِ الَّذِينَ عُذِّبُوا فِي اللَّهِ
بِمَكَّةَ، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَلَمْ يُؤَذِّنْ بَعْدَ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ لِأَحَدٍ مِنْ الْخُلَفَاءِ، إلَّا أَنَّ عُمَرَ لَمَّا
قَدِمَ الشَّامَ حِينَ فَتَحَهَا، أَذَّنَ بِلَالٌ، فَتَذَكَّرَ النَّاسُ
النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَالَ أَسْلَمُ مَوْلَى عُمَرَ: "فَلَمْ أَرَ
بَاكِيًا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمِئِذٍ."
«وَقَالَ النَّبِيُّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_ لِبِلَالٍ مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطُّ إلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَك
أَمَامِي» ،
وَقَالَ عُمَرُ: "أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا
وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا"، وَقَالَ أَنَسٌ: "بِلَالٌ سَابِقُ الْحَبَشَةِ."
وَرُوِيَ مَرْفُوعًا،
وَسَكَنَ بِلَالٌ (دَارَيَّا) مِنْ عَمَلِ دِمَشْقَ،
وَبِهَا تُوُفِّيَ سَنَةَ عِشْرِينَ، وَدُفِنَ بِبَابِ كَيْسَانَ، وَقَالَ
الْوَاقِدِيُّ: بِبَابِ الصَّغِيرِ وَلَهُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَقِيلَ:
دُفِنَ بِحَلَبٍ." اهـ
نص الحديث:
وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما قال:
أصبحَ رسولُ الله _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_
يوماً، فدعا بلالاً، فقال:
"يا بلال! بِمَ سبقتني إلى الجنّة؟ إنني
دخلتُ البارحةَ الجنّةَ فسمعت خَشخَشَتكَ أمامي؟".[1]
فقال بلالٌ: يا رسول الله! ما أذَّنتُ قَطُّ، إلا
صلّيتُ ركعتين، ولا أصابني حَدَثٌ قط إلا توضَّأت عنده.[2]
فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"بهذا".[3]
رواه ابن خزيمة في "صحيحه".
صحيح ابن خزيمة (2/ 213):
عن بُرَيْدَةَ قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَدَعَا بِلَالًا، فَقَالَ: «يَا بِلَالُ
بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ، إِنِّي دَخَلْتُ الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ
فَسَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي» ، فَقَالَ بِلَالٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَذْنَبْتُ قَطُّ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَمَا
أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بِهَذَا»
سنن الترمذي ت شاكر (5/ 620):
عن بُرَيْدَةَ، قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا بِلَالًا فَقَالَ: " يَا بِلَالُ
بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الجَنَّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الجَنَّةَ قَطُّ إِلَّا سَمِعْتُ
خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي، دَخَلْتُ البَارِحَةَ الجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ
أَمَامِي،
فَأَتَيْتُ عَلَى قَصْرٍ مُرَبَّعٍ مُشْرِفٍ مِنْ
ذَهَبٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا القَصْرُ؟ فَقَالُوا: لِرَجُلٍ مِنَ العَرَبِ، فَقُلْتُ: أَنَا عَرَبِيٌّ، لِمَنْ هَذَا القَصْرُ؟
قَالُوا لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقُلْتُ: أَنَا
قُرَشِيٌّ، لِمَنْ هَذَا القَصْرُ؟ قَالُوا: لِرَجُلٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَنَا
مُحَمَّدٌ لِمَنْ هَذَا القَصْرُ؟ قَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ".
فَقَالَ بِلَالٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَذَّنْتُ قَطُّ، إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَمَا
أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ، إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهَا وَرَأَيْتُ أَنَّ لِلَّهِ
عَلَيَّ رَكْعَتَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «بِهِمَا»
المعنى الإجمالي للحديث:
أصبح النبي _صلى الله عليه وسلم_ يومًا فسأل بلالًا _رضي
الله عنه_ سؤال إعجاب وتكريم، فقال له: "بأي عمل سبقتني إلى الجنة؟"
وذلك أنه _صلى الله عليه وسلم_ رأى في منامه أنه دخل
الجنة، فسمع صوت حركة نعلي بلال أمامه، وهو صوت المشي المعروف
بـ"الخشخشة"، فكان ذلك دليلًا على رفعة منزلته وقرب درجته.
فبيّن بلال _رضي الله عنه_ سبب ذلك الفضل، فقال: "ما
أذَّنتُ قط، إلا صليتُ بعد الأذان ركعتين، ولا أصابني حدثٌ قط، إلا توضأتُ عنده."
أي: كلما انتقض وضوئي سارعت إلى تجديده.
فأقرّه النبي _صلى الله عليه وسلم_، وقال:
"بهذا"، أي: بسبب هذا العمل الدائم الخفيّ، من المحافظة على الطهارة
وصلاة الركعتين، نِلْتَ هذه المنزلة.
فالمحافظة على الطهارة، والحرص على صلاة الركعتين بعد
الأذان، والمداومة على العمل الصالح - ولو كان يسيرًا في ظاهره - سببٌ لرفعة
الدرجات، حتى يبلغ العبد منزلةً يُبشَّر بها بالجنة في حياة النبي _صلى الله عليه
وسلم_.
تخريج الحديث:
أخرجه الترمذي في "سننه" – ت. شاكر (5/
620) (رقم: 3689)، وابن أبي شيبة في "مصنفه"
(6/ 396) (رقم: 32335)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (5/ 354 و 5/
360) (رقم: 22996 و 23040)، وفي "فضائل الصحابة" (2/ 907) (رقم: 1731)، وابن
أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1/ 203) (رقم: 263)، وابن خزيمة في "صحيحه"
(2/ 213) (رقم: 1209)، وابن حبان في "صحيحه" (15/ 562) (رقم: 7087)، والطبراني
في "المعجم الكبير" (1/ 337) (رقم: 1012)، والحاكم في "المستدرك
على الصحيحين" (1/ 457 و 3/ 322) (رقم: 1179 و 5245)، وأبو نعيم في "حلية
الأولياء وطبقات الأصفياء" (1/ 150)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (4/
242) (رقم: 2461)، تاريخ بغداد ت بشار (13/ 294) (رقم: 3884)، والبغوي في "شرح
السنة" (4/ 148) (رقم: 1012)، وأبو طاهر السلفي في "الطيوريات" (1/
97) (رقم: 79)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (10/ 455).
والحديث صحيح: صححه
الألباني في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 416) (رقم: 1326)، والثمر
المستطاب في فقه السنة والكتاب" (1/ 12)، و"تمام المنة في التعليق على
فقه السنة" (ص: 111)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 199) (رقم: 201)
من فوائد الحديث:
قال العيني _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح
صحيح البخاري" (7/ 207):
"ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ:
* فِيهِ: أَن الصَّلَاة أفضل الْأَعْمَال بعد
الْإِيمَان، لقَوْل بِلَال: إِنَّه مَا عمل عملا أَرْجَى مِنْهُ.
* وَفِيه: دَلِيل على أَن الله تَعَالَى يعظم
المجازاة على مَا يسر بِهِ العَبْد بَينه وَبَين ربه مِمَّا لَا يطلع عَلَيْهِ
أحد، وَقد اسْتحبَّ ذَلِك الْعلمَاء ليدخرها وليبعدها عَن الرِّيَاء.
* وَفِيه: فَضِيلَة الْوضُوء وفضيلة الصَّلَاة
عَقِيبه لِئَلَّا يبْقى الْوضُوء خَالِيا عَن مَقْصُوده.
* وَفِيه: فَضِيلَة بِلَال _رَضِي الله تَعَالَى
عَنهُ_، فَلذَلِك بوب عَلَيْهِ مُسلم حَيْثُ قَالَ: (بَاب فَضَائِل بِلَال بن
رَبَاح مولى أبي بكر _رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا_)،
ثمَّ روى الحَدِيث الْمَذْكُور.
* وَفِيه: سُؤال الصَّالِحين عَن عمل تِلْمِيذه ليحضه
عَلَيْهِ ويرقبه فِيهِ إِن كَانَ حسنا وإلاَّ فينهاه.
* وَفِيه: أَن الْجنَّة مخلوقة مَوْجُودَة الْآن،
خلاف وَمِنْهُم: لمن أنكر ذَلِك من الْمُعْتَزلَة.
* وَفِيه: مَا اسْتدلَّ بِهِ الْبَعْض على جَوَاز
هَذِه الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة، وَهُوَ عُمُوم قَوْله: (فِي
سَاعَة) ، بالتنكير أَي: فِي كل سَاعَة،
ورُدَّ بِأَن الْأَخْذ بِعُمُوم هَذَا لَيْسَ بِأولى
من الْأَخْذ بِعُمُوم النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة.
وَقَالَ ابْن التِّين: لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْفَوْرِيَّة فَيحمل على
تَأْخِير الصَّلَاة قَلِيلا ليخرج وَقتُ الْكَرَاهَة، أَو أَنه كَانَ يُؤَخر
الطّهُور إِلَى خُرُوج وَقت الْكَرَاهَة، وَاعْترض بَعضهم بقوله: لَكِن عِنْد
التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة من حَدِيث بُرَيْدَة فِي نَحْو هَذِه الْقَضِيَّة:
(مَا أصابني حدث قطّ، إلاَّ تَوَضَّأت عِنْده)، وَلأَحْمَد من حَدِيثه: (مَا أحدثت
إلاَّ تَوَضَّأت وَصليت رَكْعَتَيْنِ)، فَدلَّ على أَنه كَانَ يعقب الْحَدث
بِالْوضُوءِ، وَالْوُضُوء بِالصَّلَاةِ فِي أَي وَقت كَانَ. انْتهى
قلت: حَدِيث بُرَيْدَة الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
ذكره التِّرْمِذِيّ فِي مَنَاقِب عمر ابْن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ،
قَالَ: حَدثنَا الْحُسَيْن بن حُرَيْث أَبُو عمار الْمروزِي، قَالَ: حَدثنَا عَليّ
بن الْحُسَيْن بن وَاقد، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن
بُرَيْدَة، قَالَ: (حَدثنِي أَبُو بُرَيْدَة، قَالَ: أصبح رَسُول الله صلى الله
عَلَيْهِ وَسلم فَدَعَا بِلَالًا. فَقَالَ: "يَا بِلَال بِمَ سبقتني إِلَى
الْجنَّة؟ مَا دخلت الْجنَّة قطّ إلاَّ سَمِعت خشخشتك أَمَامِي؟"
قَالَ: "دخلت البارحة الْجنَّة فَسمِعت خشخشتك
أَمَامِي، فَأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب، فَقلت: لمن هَذَا الْقصر؟ قَالُوا:
لرجل من الْعَرَب. فَقلت: أَنا عَرَبِيّ، لمن هَذَا الْقصر، قَالُوا: لرجل من قُرَيْش،
فَقلت: أَنا قرشي، لمن هَذَا الْقصر؟ قَالُوا: لرجل من أمة مُحَمَّد صلى الله
عَلَيْهِ وَسلم، فَقلت: أَنا مُحَمَّد، لمن هَذَا الْقصر؟ قَالُوا: لعمر بن
الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. فَقَالَ بِلَال: يَا رَسُول الله: مَا أَذِنت
قطّ إلاَّ صليت رَكْعَتَيْنِ، وَمَا أصابني حدث قطّ إلاَّ تَوَضَّأت عِنْدهَا،
وَرَأَيْت أَن لله عَليّ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ
وَسلم: بهما) .
وَأما جَوَاب هَذَا الْمُعْتَرض فَمَا مر ذكره الْآن،
وَهُوَ قَوْلنَا: ورد بِأَن الْأَخْذ بِعُمُوم هَذَا ... إِلَى آخِره، وَيجوز أَن
تكون أَخْبَار النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة بعد هَذَا
الحَدِيث." اهـ
وقال ابن الملقن _رحمه الله_ في "التوضيح لشرح
الجامع الصحيح" (9/ 117):
"وفي الحديث: دليل على أن الله تعالى
يعظم المجازاة على ما يسر به العبد بينه وبين ربه مما لا يطلع عليه أحد. وقد استحب
ذلك العلماء -أعني: أعمال البر- ليدخرها، ومن ذلك ما وقع لبلال، فإنه لم يعلم به
الشارع حَتَّى أخبره.
وفيه: فضيلة الوضوء والصلاة عقبها؛ لئلا يبقى الوضوء
خاليًا عن مقصوده، وإنما فعل ذلك بلال؛ لأنه علم أن الصلاة أفضل الأعمال بعد
الإيمان كما سلف، فلازم." اهـ
وقوله: (لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا
صليت).
قد يستدل به من يرى أن كل صلاة لها سبب تصلى، وإن كان
وقت الكراهة، والطهور هنا يحتمل الأمرين: الغسل والوضوء." اهـ
ملحق الفوائد:
هذا الحديث العظيم في فضائل الأعمال، وفيه من
الدلالات والفوائد الشيء الكثير. ومن فوائده:
1 – فيه: إثبات الجنة وأنها مخلوقة موجودة
الآن، لأن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال: «دخلت البارحة الجنة».
2 – فيه: إثبات صدق رؤيا الأنبياء، فرؤيا
النبي _صلى الله عليه وسلم_ وحيٌ حق.
3 – فيه: إثبات علو منزلة بعض الصحابة في
الجنة، وفيه بيان فضل بلال بن رباح رضي الله عنه.
4 – فيه: أن التفاضل بين الناس يكون بالأعمال
لا بالأعراق ولا بالمناصب، فبلال كان عبدًا حبشيًا، وبلغ هذه المنزلة بعمله
الصالح.
5 – فيه: أن العمل الخفي قد يرفع صاحبه درجات
عظيمة، لأن عمل بلال لم يكن مشهورًا بين الناس.
6 – فيه: استحباب ركعتين بعد الأذان، لقوله:
«ما أذنت قط إلا صليت ركعتين».
7 – فيه: استحباب المبادرة إلى الوضوء بعد
الحدث مباشرة، وفيه فضل تجديد الطهارة.
8 – فيه: فضل المداومة على العمل الصالح، لأن
بلالًا لم يذكر عملاً عظيمًا متقطعًا، بل عملًا دائمًا.
9 – فيه: أن النوافل سبب لرفعة الدرجات، فالحديث
في أعمال مستحبة لا واجبة.
10 – فيه: جواز السؤال عن سبب الفضل والخير
للاقتداء، فقد سأل النبي _صلى الله عليه
وسلم_ بلالًا عن سبب سبقه.
11 – فيه: أهمية المحافظة على الطهارة
الدائمة، لأن الطهارة نور، وهي مفتاح الصلاة.
12 – فيه: أن القرب من الله _تعالى_ يكون
بالمبادرة لا بالتأجيل، فبلال كان يتوضأ فور حدوث الحدث.
13 – فيه: أن الأعمال الصغيرة في نظر الناس
قد تكون عظيمة عند الله _تعالى_، مثل ركعتين ووضوء، لكنها سبب للسبق إلى الجنة.
14 – فيه: أن السر في القبول هو الإخلاص
والمداومة، لا كثرة الأعمال مع الانقطاع.
15 – فيه: أن التنافس في الخيرات مشروع
ومحمود، وفيه معنى السبق إلى الجنة.
16 – فيه: حث الناس على الأعمال اليسيرة
الدائمة، لأنها أيسر على النفوس وأثبت.
الاقتداء بالصحابة في دقة التزامهم بالسنة
17 – فيه: تعظيمهم للعبادات ولو كانت نافلة.
حيث إن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان يربي أصحابه بالتشويق والتحريض على الخير بسؤاله:
«بم سبقتني؟».
18 – فيه: أن أثر الطاعة يسمع قبل أن يُرى، فلذلك
سمع النبي _صلى الله عليه وسلم_ خشخشة نعليه في الجنة.
19 – فيه: أن الطهارة مفتاح القرب من الله في
الدنيا والآخرة، فمن لازم الطهارة، لازم العبادة.
20 – فيه: أن من حافظ على طهارة الظاهر (وهي الوضوء)،
أصلح الله له الباطن.
فمن داوم على عبادةٍ خفيةٍ صادقةٍ، ولو كانت يسيرة،
رفعه الله بها درجات لا تخطر له على بال، حتى يبلغ منزلة يُشهد له فيها بالجنة.
[1] (أصبح رسول الله _صلى
الله عليه وسلم_)، أي: دخل في وقت الصباح، وليس المقصود مجرد الاستيقاظ، بل أنه
أخبرهم بذلك في أول النهار. (فدعا بلالًا): طلب حضوره وناداه ليكلمه. والمقصود هنا:
الصحابي الجليل بلال بن رباح _رضي الله عنه_. (بِمَ سبقتني إلى الجنة؟)، بِمَ:
الباء للسببية، و"ما" استفهامية، أي: بأي شيء؟ سبقتني: أي تقدّمتني دخولا
إلى الجنة. والمعنى: ما السبب الذي نلتَ به هذه المنزلة العالية؟ (دخلتُ البارحةَ الجنة)،
البارحة: الليلة الماضية. والمقصود: رأى ذلك في المنام، ورؤيا الأنبياء وحي. (سمعتُ
خَشخَشَتَكَ أمامي)، الخَشخَشة: صوت احتكاك الشيء اليابس أو الحركة الخفيفة، والمراد
هنا: صوت حركة نعليه عند المشي.
[2] (ما أذَّنتُ قطّ)، أذَّنتُ:
ناديت للصلاة بالأذان المعروف. قطّ: تفيد الاستغراق في الماضي، أي: في جميع
الأوقات الماضية. (إلا صلّيتُ ركعتين)، أي: بعد كل أذان، كان يصلي ركعتين نافلة. (ولا
أصابني حدثٌ قطّ)، حدث: ما ينقض الوضوء، كالبول أو الريح ونحوهما. (إلا توضأتُ عنده)،
أي: سارعتُ إلى الوضوء فور وقوع الحدث، و"عنده" أي: عند حصوله مباشرة.
[3] (بهذا)، أي: بسبب
هذا العمل، أو من أجل هذه المحافظة والمداومة.
Komentar
Posting Komentar