شرح الحديث 152 (باب في الاقتصاد في الطاعة) من رياض الصالحين

 

[152] وعنِ ابن عباس _رضي الله عنهما_ قَالَ :

"بينما النَّبيُّ _صلى الله عليه وسلم_ يخطب، إِذَا هُوَ برجلٍ قائم، فسأل عَنْهُ، فقالوا: أَبُو إسْرَائيلَ نَذَرَ أنْ يَقُومَ في الشَّمْسِ وَلا يَقْعُدَ، وَلا يَسْتَظِل، وَلا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ،

فَقَالَ النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_:

«مُرُوهُ، فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ». رواه البخاري.

 

ترجمة عبد الله بن عباس _رضي الله عنهما_:

 

وفي "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (3/ 331_359) للذهبي باختصار:

"عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ البَحْرُ أَبُو العَبَّاسِ الهَاشِمِيُّ* (ع): حَبْرُ الأُمَّةِ، وَفَقِيْهُ العَصْرِ، وَإِمَامُ التَّفْسِيْرِ، أَبُو العَبَّاسِ عَبْدُ اللهِ، ابْنُ___عَمِّ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ شَيْبَةَ بنِ هَاشِمٍ، وَاسْمُهُ عَمْرُو بنُ عَبْدِ مَنَافٍ بنِ قُصَيِّ بنِ كِلاَبِ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غَالِبِ بنِ فِهْرٍ القُرَشِيُّ، الهَاشِمِيُّ، المَكِّيُّ، الأَمِيْرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -.

مَوْلِدُهُ: بِشِعْبِ بَنِي هَاشِمٍ، قَبْلَ عَامِ الهِجْرَةِ بِثَلاَثِ سِنِيْنَ.

صَحِبَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْواً مِنْ ثَلاَثينَ شَهْراً، وَحَدَّثَ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ صَالِحَةٍ.

انتَقَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ أَبَويهِ إِلَى دَارِ الهِجْرَةِ سَنَةَ الفَتْحِ، وَقَدْ أَسْلَمَ قَبلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:

كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِيْنَ؛ أَنَا مِنَ الوِلْدَانِ، وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ.

قَالَ عَلِيُّ بنُ المَدِيْنِيِّ: تُوُفِّيَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَنَةَ ثَمَانٍ (68 هـ)، أَوْ سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ (67 هـ).

وَقَالَ الوَاقِدِيُّ، وَالهَيْثَمُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ: سَنَةَ ثَمَانٍ.

وَقِيْلَ: عَاشَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ سَنَةً.

و(مُسْنَدُهُ): أَلْفٌ وَسِتُّ مائَةٍ وَسِتُّوْنَ (1660) حَدِيثاً.

وَلَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي (الصَّحِيْحَيْنِ): خَمْسَةٌ وَسَبْعُوْنَ. وَتَفَرَّدَ: البُخَارِيُّ لَهُ بِمائَةٍ وَعِشْرِيْنَ حَدِيثاً، وَتَفَرَّدَ: مُسْلِمٌ بِتِسْعَةِ أَحَادِيْثَ." اهـ

 

وقال العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (34 / 57)

"ابن عبد البر قال في (الاستيعاب) في باب الكنى:

"أبو إسرائيل رجل من الأنصار من أصحاب النبي - ثم ذكر حديثه المذكور -، ثم قال: "اسمه يُسير - بضم الياء آخر الحروف وبالسين المهملة –"،[1]

وقيل: قُشير (بضم القاف وفتح الشين المعجمة)، وقيل: قَيْصَرُ باسم ملك الروم، ولا يشاركه أحد في كنيته من الصحابة." اهـ

 

وقال ابن الجوزي في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (1 / 573):

"أبو إسرائيل: اسمه قيصر العامري، وليس في جميع الصحابة من يشاركه في اسمه ولا في كنيته، ولا له ذكر إلا في هذا الحديث،

وقد ذكره المنيعي فسماه قشيرا،

ومن نذر ما لا يجوز له، لم يجز له أن يفعل ما نذر، ويلزمه أن يكفر كفارة يمين."

 

نص الحيث:

 

وعنِ ابن عباس _رضي الله عنهما_ قَالَ :

"بينما النَّبيُّ _صلى الله عليه وسلم_ يخطب، إِذَا هُوَ برجلٍ قائم، فسأل عَنْهُ، فقالوا: أَبُو إسْرَائيلَ نَذَرَ أنْ يَقُومَ في الشَّمْسِ وَلا يَقْعُدَ، وَلا يَسْتَظِل، وَلا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ،

فَقَالَ النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_:

«مُرُوهُ، فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ». رواه البخاري.

 

وفي "شرح مشكل الآثار" (5/ 411):

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ , فَنَظَرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ يُقَالُ لَهُ أَبُو إِسْرَائِيلَ قَالَ: " أَلَيْسَ أَبَا إِسْرَائِيلَ؟ " قَالُوا: بَلَى , قَالَ: " فَمَا لَهُ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ , إِنَّهُ قَدْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ الْيَوْمَ , وَيَقُومَ فِي الشَّمْسِ وَلَا يَتَكَلَّمَ. قَالَ: " مُرُوهُ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ , وَلْيَجْلِسْ , وَلْيَسْتَظِلَّ , وَلْيَتَكَلَّمْ ".

 

وفي "سنن ابن ماجه" (1/ 690):

"عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَصُومَ وَلَا يَسْتَظِلَّ إِلَى اللَّيْلِ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَلَا يَزَالُ قَائِمًا، قَالَ: «لِيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَجْلِسْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ»."

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه سنن أبي داود (3/ 235) (رقم: 3300)، سنن ابن ماجه (1/ 690) (رقم: 2136)، المنتقى لابن الجارود (ص: 236) (رقم: 938)، شرح مشكل الآثار (5/ 411) (رقم: 2167)، صحيح ابن حبان (10/ 230) (رقم: 4385)، المعجم الأوسط (8/ 224) (رقم: 8468)، المعجم الكبير للطبراني (11/ 26 و 11/ 320 و 12/ 24) (رقم: 10930 و 11871 و 12360)، سنن الدارقطني (5/ 284_285) (رقم: 4323_4327)، السنن الكبرى للبيهقي (10/ 130) (رقم: 20094).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (8/ 218) (رقم: 2591)

 

فوائد الحديث

 

وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف  بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (23/ 212)

وَفِي حَدِيثه: دَلِيل على أَن السُّكُوت عَن الْمُبَاح أَو عَن ذكر الله لَيْسَ بِطَاعَة، وَكَذَلِكَ الْجُلُوس فِي الشَّمْس، وَفِي مَعْنَاهُ كل مَا يتَأَذَّى بِهِ الْإِنْسَان مِمَّا لَا طَاعَة فِيهِ وَلَا قربَة بِنَصّ كتاب أَو سنة، كالجفاء وَغَيره، وَإِنَّمَا___الطَّاعَة مَا أَمر الله بِهِ وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم." اهـ

 

وقال أبو الحسن علي بن خلف البكري، المعروف بـ"ابن بطَّال القرطبي" (المتوفى: 449 هـ) _رحمه الله_ في "شرح صحيح البخاري" (6 / 163):

"قال مالك: وكذلك إذا نذر ما ليس لله بطاعة ولا معصية، كقوله: (للهِ عليَّ أن أدخل الدار أو آكل أو أشرب، فلا شىء عليه أيضًا؛ لأنه ليس فى شىء من ذلك لله طاعة، استدلالا بحديث أبى إسرائيل.

قال مالك: ولم أسمع رسول الله أمره بكفارة . وقد أمره أن يتم ما كان لله طاعة ، ويترك ما خالف ذلك. وقول الشافعي كقول مالك." اهـ

 

وقال أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البُسْتِيُّ، المعروف بـ"الخَطَّابِيِّ" (المتوفى: 388 هـ) _رحمه الله_ في "معالم السنن" (2 / 429):

قد تضمن نذره نوعين من طاعة ومعصية، فأمره النبي صلى اللّه عليه وسلم بالوفاء بما كان منهما طاعة، وهو الصوم، وأن يترك ما ليس بطاعة من القيام في الشمس وترك الكلام وترك الاستظلال بالظل.

وذلك لأن هذه الأمور مشاق تتعب البدن وتؤذيه وليس في شيء منها قربة إلى اللّه سبحانه ، وقد وضعت عن هذه الأمة الآصار والأغلال التي كانت على من قبلهم.

فأما المشي إلى بيت اللّه، فالنذر فيه لازم، لأن ذلك من المقدور عليه ولم يزل الناس يحجون مشاة كما يحجون ركباناً ،

وقال _سبحانه_: {يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق} [الحج: 27]

فأما إذا تجاوز المشي والرحلة إلى أن يبلغ به الحفا والوجا وما أشبه ذلك، فإنه خروج إلى المشقة التي تتعب الأبدان، وربما أتلفتها، فتخرج حينئذ عن أن تكون قربة وتنقلب النذور فيه معصية، فلا يلزم الوفاء، ولا يجب الكفارة فيه، واللّه أعلم ." اهـ

 

وقال شيخنا عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر _حفظه الله_ في "شرح سنن أبي داود" – تفريغ الشاملة (1 / 2):

فأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينهوه عن ثلاث، وأن يأمروه بواحدة وهي إتمام الصوم؛ لأنه يطيق الصوم؛ ولأنه نذر طاعة،

وأما تلك، ففيها مشقة على النفس، وفيها تكليف، وفيها ضرر، فليست نذر طاعة، فأمره بتركها، وأمره أن يكون في الظل بدلاً عن الشمس، وأن يجلس بدل القيام، وأن يتكلم بدل السكوت؛ لأن هذه الأمور ليس له أن يفعلها، وأن يلزم نفسه بها؛ لأنها من الإضرار بالنفس، والإضرار بالصحة، وليس فيه قربة لله عز وجل،

وأما الصيام ففيه قربة، فأمرهم أن يأمروه أن يتم الصوم، وأن يترك هذه الأمور التي فعلها، وأن يصير إلى أضدادها.

وليس في الحديث أنه أمره بالكفارة، وبعض أهل العلم الذين لا يرون الكفارة استدلوا بهذا الحديث وأمثاله على عدم الكفارة، وقالوا: إنه لم يذكر الكفارة، إذاً: لا كفارة في نذر المعصية، ولكن قد جاء ذكر الكفارة في أحاديث أخرى، فهي ثابته، وعدم ذكرها في هذا الحديث لا يدل على نفيها، بل الأدلة الدالة على إثباتها هي المعتبرة، وهي التي يعول عليها؛ لأنها ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

[تعليق] قلت: قد صح فيه أحاديث:

* ففي سنن أبي داود – ت. الأرنؤوط (5/ 182) (رقم: 3290):

حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ أبو مَعْمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الله بن المبارك، عن يونسَ، عن الزهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن عائشة:

أن النبي _صلَّى الله عليه وسلم_ قال: "لا نذرَ في معصية، وكفَّارَتُهُ كَفارةُ يمين"

صححه الألباني في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (8/ 214) (رقم: 2590)

 

* وفي "سنن النسائي" (7/ 28):

عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ[2]، قَالَ: صَحِبْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

"النَّذْرُ نَذْرَانِ: فَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، فَذَلِكَ لِلَّهِ، وَفِيهِ الْوَفَاءُ، وَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ، وَلَا وَفَاءَ فِيهِ، وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ." صححه الألباني في "الإرواء" (8 / 217)، وفي "الصحيحة" (رقم: 479)

 

* وفي "المنتقى" لابن الجارود (ص: 235) (رقم: 935):

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: ثنا خَطَّابٌ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْكَرِيمِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا_، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

"النَّذْرُ نَذْرَانِ: فَمَا كَانَ لِلَّهِ فَكَفَّارَتُهُ الْوَفَاءُ، وَمَا كَانَ لِلشَّيْطَانِ فَلَا وَفَاءَ فِيهِ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ." – صححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (1/ 863) (رقم: 479)

 

 

 قال الله تعالى_:

{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89]

 

قال الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (1/ 863):

"وفي الحديث دليل على أمرين اثنين:

الأول: أن النذر إذا كان طاعة لله، وجب الوفاء به وأن ذلك كفارته، وقد صح

عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن

يعصي الله فلا يعصه ". متفق عليه.

والآخر: أن من نذر نذرا فيه عصيان للرحمن، وإطاعة للشيطان، فلا يجوز الوفاء به، وعليه الكفارة كفارة اليمين، وإذا كان النذر مكروها أو مباحا، فعليه الكفارة من باب أولى، ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام: " كفارة النذر كفارة اليمين."

أخرجه مسلم وغيره من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، وهو مخرج في "الإرواء" (2653) .

وما ذكرنا من الأمر الأول والثاني متفق عليه بين العلماء، إلا في وجوب الكفارة في المعصية ونحوها، فالقول به مذهب الإمام أحمد وإسحاق كما قال الترمذي (1 / 288)، وهو مذهب الحنفية أيضا، وهو الصواب لهذا الحديث وما في معناه مما أشرنا إليه.

 

تطريز رياض الصالحين - (1 / 127)

في هذا الحديث : دليل على أنَّ من تقرَّب إلى الله تعالى بعمل لم يتعبده الله به ، أنه لا يلزمه فعله ، وإنْ نذره .

ومن نذر عبادة مشروعة لزمه فعلها .

وفي الحديث الآخر : « من نذر أنْ يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه » .

 

وقال الألباني _رحمه الله_ في "تحريم آلات الطرب" (ص: 160_162):

"من المسلم عندهم أنه لا يجوز التقرب إلى الله إلا بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تقدم بيانه وقد ضرب لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بعض الأمثلة التي تؤكد لكل ذي علم منصف ما ذكرنا فقال رحمه الله تعالى:

ومن المعلوم أن الدين له أصلان فلا دين إلا ما شرع الله ولا حرام إلا ما حرمه الله والله تعالى عاب على المشركين أنهم حرموا ما لم يحرمه الله وشرعوا دينا لم يأذن به الله.

ولو سئل العالم عمن يعدو بين الجبلين هل يباح له ذلك؟ قال: نعم فإذا قيل: إنه على وجه العبادة كما يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: إن فعله على هذا الوجه [فهو] حرام منكر يستتاب فاعله فإن تاب وإلا قتل.

ولو سئل عن كشف الرأس ولبس الإزار والرداء؟ أفتى بأن هذا جائز فإذا قيل: إنه يفعله على وجه الإحرام كما يحرم الحاج؟ قال: إن هذا حرام منكر.___

ولو سئل عمن يقوم في الشمس؟ قال: هذا جائز، فإذا قيل: إنه يفعله على وجه العبادة؟ قال: هذا منكر كما روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال: "من هذا؟" قالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ويستظل ولا يتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مروه فليتكلم وليجلس وليستظل وليتم صومه" [خ].

فهذا لو فعله لراحة أو غرض مباح لم ينه عنه لكن لما فعله على وجه العبادة نهي عنه.

وكذلك لو دخل الرجل إلى بيته من خلف البيت لم يحرم عليه ذلك ولكن إذا فعل ذلك على أنه عبادة كما لو كانوا يفعلونه في الجاهلية.. كان عاصيا مذموما مبتدعا والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية2 لأن المعاصي يعلم أنه عاص فيتوب والمبتدع يحسب أن الذي يفعله طاعة فلا يتوب ولهذا من حضر السماع للعب أو لهو لا يعده من صالح عمله ولا يرجو به الثواب.

وأما من فعله على أنه طريق إلى الله تعالى فإنه يتخذه دينا وإذا نهي عنه___كان كمن نهي عن دينه ورأى أنه قد انقطع عن الله وحرم نصيبه من الله إذا تركه!

فهؤلاء ضلال باتفاق علماء المسلمين ولا يقول أحد من أئمة المسلمين:

إن اتخاذ هذا دينا طريقا إلى الله تعالى أمر مباح بل من جعل هذا دينا وطريقا إلى الله تعالى فهو ضال مضل مخالف لإجماع المسلمين.

ومن نظر إلى ظاهر العمل وتكلم عليه ولم ينظر إلى فعل العامل ونيته كان جاهلا متكلما في الدين بلا علم." مجموع الفتاوى 11 / 631 – 633)." اهـ كلام الألباني _رحمه الله_

 

دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لـ ابن علان الصديقى - (2 / 17):

"قال ابن رجب في شرحه للحديث الخامس من الأربعين للمصنف:

من تقرّب إلى الله تعالى بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله، فعمله باطل مردود عليه."

ثم قال: "وليس كل ما كان قربة في عبادة، يكون قربة في غيرها مطلقاً، فقد رأى النبي رجلاً قائماً في الشمس، الحديث.

وقد روي: أن ذلك كان في يوم جمعة عند سماع خطبة النبي وهو على المنبر، فنذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظلّ ما دام يخطب إعظاماً لسماع خطبته،

ولم يجعل النبيّ ذلك قربة يوفي بنذره، مع أن القيام عبادة في مواضع أخر كالصلاة، والأذان والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربة للمحرم،

فدل على أنه ليس كل ما كان قربة في عبادة، يكون قربة في غيرها، أي: كما توهمه الناذر، بل إنما يتبع في ذلك الوارد به الشريعة في مواضعها اهـ." اهـ

 

وقال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728 هـ) _رحمه الله_ في "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" (1 / 48):

"فالتكلم بالخير خير من السكوت عنه، والصمت عن الشر خير من التكلم به. فأما الصمت الدائم، فبدعة منهي عنها،

وكذلك الامتناع عن أكل الخبز واللحم وشرب الماء، فذلك من البدع المذمومة أيضا، كما ثبت في "صحيح البخاري" عن ابن عباس _رضي الله عنهما_:

أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ رأى رجلا قائما في الشمس، فقال: "ما هذا؟" فقالوا : أبوإسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم،

فقال النبي _صلى الله عليه و سلم_: (مروه، فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه)." اهـ

 

وقال أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620 هـ) _رحمه الله_ في "المغني" (3 / 148):

"الصيام عن الكلام

فصل: وليس من شريعة الإسلام الصمت عن الكلام، وظاهر الأخبار تحريمه. قال قيس بن مسلم:

دخل أبو بكر الصديق _رضي الله عنه_ على امرأة من أحمس يقال لها "زينب"، فرآها لا تتكلم، فقال: "ما لها لا تتكلم؟" قالوا:" حجت مصمتة"

فقال لها: "تكلمني، فإن هذا لا يحل، هذا من أعمال الجاهلية، فتكلمتْ." رواه البخاري." اهـ

 

وقال محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب المالكي الأزهري، أبو محمد السّبكي (المتوفى 1352 هـ) _رحمه الله_ في "الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق - (2 / 20):

"ويكره للصائم وغيره طول الصمت لما فيه من تفويت الغنم العظيم والثواب الجزيل المترتب على خير القول من إرشاد إلى طريق أو أمر بمعروف ونهي عن منكر أو نصح مسترشد أو بث علم لمن يحسنه أو تلاوة قرآن بحيث يستمع لما يتلوه إلى غير ذلك من أنواع الطاعة القولية، ولما فيه من حصول الشهرة والرياء بهذا العمل." اهـ


[1] قال ابن عبد البر _رحمه الله_ في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (4/ 1596) (رقم: 2841):

"أَبُو إسرائيل: رجل من الأنصار، من أصحاب النبي _صلى الله عليه وسلم_ نذر ألا يتكلم، وأن يقف صائمًا للشمس، ولا يستظل، فأمره النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقعد ويستظل ويتكلم ويتم صومه.

حديثه عند ابْن عباس، وعند جابر بْن عَبْد اللَّهِ. ورواه طاووس، عَنْ أبي إسرائيل. رجل من أصحاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورواه مالك، عَنْ حميد بْن قيس، وثور بْن زيد، مرسلًا بمعناه وقيل: اسمه يُسَيْر. والله أعلم." اهـ

[2] لعله الزبير التميمى الحنظلى البصري (والد محمد بن الزبير)، من صغار التابعين، روى له النسائي، وقال ابن حجر: "لين الحديث." فقد ورد في سنن النسائي (7/ 27) (رقم: 3840):

أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَهُوَ عَلِيٌّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»

 

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ