شرح الحديث 115 (باب التيمم) من بلوغ المرام
|
115 - وَعَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنه- فِي الرَّجُلِ الَّذِي
شُجَّ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ: "إِنَّمَا
كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ
يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ." رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ
فِيهِ ضَعْفٌ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ عَلَى رُوَاتِهِ |
ففي "سنن أبي داود" (1/ 93) حَدَّثَنَا
مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْطَاكِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ،
عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خُرَيْقٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ:
خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا
حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ:
هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟
فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ
تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ،
فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ أُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ
أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، [إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ - أَوْ»
يَعْصِبَ «شَكَّ مُوسَى - َعلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا
وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ»]
قال الأرنؤوط _رحمه الله_
في "تحقيق سنن أبي داود" (1/ 252):
"إسناده ضعيف، الزُّبير بن خُريق لين
الحديث، وقد تفرد بروايته عن عطاء عن جابر، والمحفوظ:
حديث عطاء عن ابن عباس الآتي بعده، وليس في حديث ابن عباس المسح على الجبيرة، بل
فيه ما يخالفها كما سيأتى في الكلام عليه.
أشار _رحمه الله_ إلى ما ورد في "سنن أبي داود"
(1/ 93):
"عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ:
أَصَابَ رَجُلًا جُرْحٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَأُمِرَ بِالِاغْتِسَالِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ،
فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
«قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ».[1]
المعنى الإجمالي للحديث:
بين هذا الحديث حادثة وقعت في سفرٍ من أسفار
الصحابة، حيث أُصيب رجلٌ منهم بجرحٍ في رأسه، ثم أصابته جنابة، فاستفتى بعض من
معه: "هل يجوز له التيمم بدل الغسل بسبب جرحه؟"
فأفتوه بغير علمٍ، وألزموه بالغسل مع قدرته على
الماء، فاغتسل فزاد ذلك في ضرره حتى مات.
فلما بلغ خبرُه النبيَّ ﷺ اشتدَّ إنكاره على من
أفتى بغير علم، ودعا عليهم، وبيَّن أن سبب الهلاك هو الجهل والجرأة على الفتوى دون
علم،
وأرشد إلى أن الواجب في مثل حاله هو التيسير الذي
جاءت به الشريعة؛ فكان يكفيه أن يتيمم، وأن يعصب جرحه بخرقة ويمسح عليها، ويغسل باقي
جسده.
فالحديث يدل دلالة واضحة على: أن الشريعة مبناها
على اليسر ورفع الحرج، وأن الجهل في الفتوى قد يؤدي إلى هلاك الأنفس، وأن الواجب
على من لا يعلم أن يسأل أهل العلم، وأن الرخص الشرعية مشروعة عند وجود الأعذار،
ولا يجوز التشدد المؤدي إلى الضرر.
تخريج الحديث:
أخرجه أبو داود في "سننه" (1/ 93) (رقم: 336)،
والدارقطني في "سننه" (1/ 349) (رقم: 729)، والبيهقي في "السنن
الكبرى" (1/ 347 و 1/ 348) (رقم: 1075 و 1077)، و"السنن الصغير"
(1/ 94) (رقم: 236)، و"معرفة السنن والآثار" (2/ 41) (رقم: 1661)، والبغوي
في "شرح السنة" (2/ 120) (رقم: 313)
والحديث حسن دون ما بين القوسين: كما
صرح بذلك الألباني _رحمه الله_ صحيح أبي داود) (336):
"قلت: حديث حسن؛ إلا قوله: " إنما كان
... إلخ "؛ فإنه ضعيف؛ لأنه ليس له شاهد معتبر، وصححه ابن السكن." اهـ
من فوائد الحديث:
قال الخطابي _رحمه الله_ في "معالم السنن"
(1/ 104):
"في هذا الحديث من العلم:
* أنه عابهم بالفتوى بغير علم وألحق بهم الوعيد بأن
دعا عليهم وجعلهم في الإثم قتلة له.
* وفيه من الفقه أنه أمر بالجمع بين التيمم
وغسل سائر بدنه بالماء ولم ير أحد الأمرين كافيا دون الآخر.
وقال أصحاب الرأي إن كان أقل أعضائه مجروحاً جمع
بين الماء والتيمم، وإن كان الأكثر كفاه التيمم وحده وعلى قول الشافعي لا يجزيه في
الصحيح من بدنه قل أو كثر إلاّ الغسل." اهـ
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة
الإسلامية (1/ 375)
فأحسن ما يقال ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله
في المشهور عنه___أنه يضع العصابة على الجرح، ويمسح عليه ويغسل الباقي ولا حاجة
للتيمم هذا أقرب ما يكون من الأقوال، وأقرب ما يكون إلى القياس.
وعلى هذا فنقول: إذا حصل للإنسان جرح يضره الماء
غسلا ومسحا، وقد عصب عليه عصابة فإنه يمسح هذه العصابة ويكفي، فإن كان يضره الغسل
والمسح والإعصاب- بمعنى: أن بقاءه هاويا للهواء والشمس أقرب للشفاء- فهنا يتعين
التيمم. هذا أقرب الأقوال في هذه المسألة.
عون المعبود (1/ 367)
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ حَدِيثُ
جَابِرٍ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْعُدُولِ إِلَى التَّيَمُّمِ لِخَشْيَةِ
الضَّرَرِ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ
فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ
إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِخَشْيَةِ الضَّرَرِ
وَقَالُوا لِأَنَّهُ وَاجِدٌ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى وُجُوبِ
الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ
عون المعبود (1/ 367)
قُلْتُ رِوَايَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّيَمُّمِ
وَالْغَسْلِ مَا رَوَاهَا غَيْرُ زُبَيْرِ بْنِ خُرَيْقٍ وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ
غَيْرَ قَوِيٍّ فِي الْحَدِيثِ قد حالف سَائِرَ مَنْ رَوَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ
أَبِي رَبَاحٍ، فَرِوَايَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْغَسْلِ رِوَايَةٌ
ضَعِيفَةٌ، لَا تَثْبُتُ بِهَا الْأَحْكَامُ
شرح أبي داود للعيني (2/ 153)
ويستفاد من الحديث فوائد:
الأولى: ذم الفتوى بغير علم، ولهذا قد عابهم به-
عليه السلام- وألحق بهم الوعيد، بأن دعا عليهم، وجعلهم في الإثم قَتَلَة له.
الثانية: فيه دليل على جواز التيمم للجنب المجروح
الذي يخاف استعمال الماء.
الثالثة: فيه دليل على جواز المسح على الجراحة بعد
تعصيبها.
وقال الخطابي: " فيه من الفقه أنه أمر بالجمع
بين التيمم وغسل سائر بدنه بالماء، ولم ير أحد الأمرين كافياً دون الآخر.
وقال أصحاب الرأي: إن كان أقل أعضائه مجروحاً جمع
بين الماء والتيمم، وإن كان الأكثر كفاه التيمم وحده ".
قلت: أراد بأصحاب الرأي: أصحابَ أبي حنيفة، ولكن
مذهبهم ليس كما نقله الخطابي، فإنه غلط؛ بل المذهب: أن الرجل إذا كان أكثر بدنه
صحيحاً وفيه جراحات، فإنه يغسل الصحيح، ولا يتيمم، بل يمسح على الجبائر، وإن كان
أكثر بدنه جريحاً فإنه يتيمم فقط، ولا يغسل الصحيح، وقط ما نُقِلَ عن أصحابنا أنهم
جمعوا بين الماء والتراب.
والجواب عما في الحديث: أنه- عليه السلام- ما أمر
أن يُجمع بين الغسل والتيمم؛ وإنما بين أن الجنب المَجروح له أن يتيممِ ويمسح على الجراحة
ويغسل سائر جسده، فيحمل قوله: " يتيممُ " و " يمسح " على ما
إذا كان كثر بدنه جريحاً، ويحمل قوله: " ويغسل سائر جسده " إذا كان أكثر
بدنه صحيحاً، ويمسح على الجراحة، على أن الحديث معلول؛ لأن فيه الزبير بن خُريق.
قال الدارقطني: ليس بقوي. وقال البيهقي: ليس هذا الحديث بالقوي." ا÷ـ
شرح سنن أبي داود للعباد (52/ 11):
في هذا دليل على أن الإنسان إذا كان واجداً للماء،
ولكن لا يقدر على استعماله أو يلحقه ضرر باستعماله فإنه يكون في حكم غير الواجد
للماء، وأن له أن ينتقل إلى التيمم، ولهذا أنكر الرسول صلى الله عليه وسلم على
هؤلاء الذين قالوا: (لا نجد لك رخصة وأنت تجد الماء وتقدر عليه) مع أن الضرر يلحق
به إذا استعمل الماء، وفعلاً لما استعمل الماء مات، فأنكر عليهم الرسول صلى الله
عليه وسلم وقال: (قتلوه قتلهم الله) يعني: أضاف عليه الصلاة والسلام القتل إليهم؛
لأنهم تسببوا في قتله بفتواهم.
ومن المعلوم أن إلحاق الضرر بالإنسان وكون الفعل
يترتب عليه مضرة قد تؤدي إلى الهلاك هذا خلاف ما تقتضيه الشريعة، والإنسان يصلي
على حسب حاله، فإذا كان الإنسان يستطيع استعمال الماء ولا يلحقه ضرر باستعماله
فليستعمله، وإن كان يلحقه ضرر باستعماله فإنه يصير إلى التيمم حتى لا يهلك نفسه،
وحتى لا يلحق الضرر بنفسه.
المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (3/ 191)
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن المطلوب
الرجوع في المهمات إلى الرئيس، وعلى ذمّ الفتوى بغير علم وأنها إثم كبير يستحق
مرتكبها أن يدعي عليه بالقتل، وعلى أن طلب العلم فيه الشفاء من الجهل، وعلى أنه لا
قود ولا دية على المفتي وإن أفتى بغير الحق، وعلى أن صاحب الخطأ الواضح غير معذور
لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عابهم على الإفتاء بغير علم ودعا عليهم،
وعلى مشروعية التيمم لمن يخاف باستعماله الماء ضررا، وعلى جواز المسح على الجراحة
بعد العصب عليها (قال) الخطابي فيه من الفقه أنه أمر بالجمع بين التيمم وغسل سائر
بدنه بالماء ولم ير أحد الأمرين كافيا دون الآخر (وقال) أصحاب الرأى إن كان أقل
أعضائه مجروحا جمع بين الماء والتيمم وإن كان الأكثر كفاه التيمم وحده. وعلى قول
الشافعى لا يجزئه في الصحيح من بدنه قل أو كثر إلا الغسل اهـ (قال) العينى أراد
بأصحاب الرأى أصحاب أبى حنيفة لكن مذهبهم ليس كما نقله الخطابى بل المذهب أن الرجل
إذا كان أكثر بدنه صحيحا وفيه جراحات فإنه يغسل الصحيح ولا يتيمم بل يمسح على
الجبائر وإن كان أكثر بدنه جريحا فإنه يتيمم فقط ولا يغسل الصحيح وما نقل عن
أصحابنا أنهم جمعوا بين الماء والتراب، والجواب عما في الحديث أنه صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم ما أمر أن يجمع بين الغسل والتيمم وإنما بين أن الجنب المجروح
له أن يتيمم ويمسح على الجراحة ويغسل سائر جسده فيحمل قوله يتيمم ويمسح على ما إذا
كان أكثر بدنه جريحا ويحمل قوله ويغسل سائر جسده على ما إذا كان أكثر بدنه صحيحا
ويمسح على الجراحة على أن الحديث معلل لأن فيه الزبير بن خريق قال الدارقطني ليس
بقوى وقال البيهقي ليس هذا الحديث بالقوى اهـ (وحاصل) المسألة أن من خاف التلف من
استعمال الماء جاز له التميمم بلا خلاف. فإن خاف الزيادة في المرض أو تأخير البرء
جاز له عند أبى حنيفة ومالك أن يتيمم___ويصلى بلا إعادة. وهو الراجح من مذهب
الشافعى. ومن كان بعضو من أعضائه جرح أو كسر أو قرح وألصق عليه جبيرة وخاف من
تركها التلف فعند الشافعى يمسح على الجبيرة ويتيمم ولا يقضي على الراجح إن وضع
الجبيرة على طهر (وقال) أبو حنيفة ومالك إذا كان بعض جسده جريحا أو قريحا وبعضه
صحيحا فإن كان الأكثر صحيحا غسله ومسح على الجرح وإن كان الأكثر جريحا تيمم ويسقط
الغسل (وقال) أحمد يغسل الصحيح ويتيمم للجريح (وقال) الشوكانى في النيل الحديث
يدلّ على جواز العدول إلى التيمم لخشية الضرر، وقد ذهب إلى ذلك العترة ومالك وأبو
حنيفة والشافعى في أحد قوليه (وذهب) أحمد والشافعى في أحد قوليه إلى عدم جواز
التيمم لخشية الضرر قالوا لأنه واجد، والحديث وقوله تعالى "وإن كنتم
مرضى" الآية يردّان عليهما ويدلّ الحديث أيضا على وجوب المسح على الجبائر
ومثله حديث علىّ قال أمرني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن أمسح
على الجبائر أخرجه ابن ماجه واتفق الحفاظ على ضعفه (وقد ذهب) إلى وجوب المسح على
الجبائر المؤيد بالله والهادى في أحد قوليه (وروى) عن أبى حنيفة والفقهاء السبعة
فمن بعدهم وبه قال الشافعى لكن بشرط أن توضع على طهر وأن لا يكون تحتها من الصحيح
إلا ما لا بدّ منه. والمسح المذكور عندهم يكون بالماء لا بالتراب اهـ
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 20)
من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية. ومنها
ما لا يزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية، والقلب له حياة وموت، ومرض وشفاء،
وذلك أعظم مما للبدن.
مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/
111)
فَجعل العي وَهُوَ عي الْقلب عَن الْعلم
وَاللِّسَان عَن النُّطْق بِهِ مَرضا وشفاؤه سُؤال الْعلمَاء فأمراض الْقُلُوب
اصعب من امراض الابدان لَان غَايَة مرض الْبدن ان يُفْضِي بِصَاحِبِهِ الى الْمَوْت
وَأما مرض الْقلب فيفضي بِصَاحِبِهِ الى الشَّقَاء الابدي وَلَا شِفَاء لهَذَا
الْمَرَض الا بِالْعلمِ وَلِهَذَا سمى الله تَعَالَى كِتَابه شِفَاء لامراض
الصُّدُور وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا النَّاس قد جاءتكم موعظة من ربكُم مِنْهُ
وشفاء لما فِي الصُّدُور وَهدى وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين وَلِهَذَا السَّبَب نِسْبَة
الْعلمَاء الى الْقُلُوب كنسبة الاطباء الى الابدان وَمَا يُقَال للْعُلَمَاء
اطباء الْقُلُوب فَهُوَ لقدر مَا جَامع بَينهمَا والا فالامر اعظم فان كثيرا من
الامم يستغنون عَن الاطباء وَلَا يُوجد الاطباء الا فِي الْيَسِير من الْبِلَاد
وَقد يعِيش الرجل عمره اَوْ بُرْهَة مِنْهُ لَا يحْتَاج الى طَبِيب واما الْعلمَاء
بِاللَّه وامره فهم حَيَاة الْمَوْجُود وروحه وَلَا يسْتَغْنى عَنْهُم طرفَة عين
فحاجة الْقلب الى الْعلم لَيست كالحاجة الى التنفس فِي الْهَوَاء بل اعظم
وَبِالْجُمْلَةِ فالعلم للقلب مثل المَاء للسمك اذا فَقده مَاتَ فنسبة الْعلم الى
الْقلب كنسبة ضوء الْعين اليها وكنسبة سمع الاذن وكنسبة كَلَام اللِّسَان اليه
فَإِذا عَدمه كَانَ كَالْعَيْنِ العمياء والاذن الصماء وَاللِّسَان الاخرس
وَلِهَذَا يصف سُبْحَانَهُ اهل الْجَهْل بالعمى والصم والبكم وَذَلِكَ صفة
قُلُوبهم حَيْثُ فقدت الْعلم النافع فَبَقيت على عماها وصممها وبكمها قَالَ
تَعَالَى {وَمن كَانَ فِي هَذِه أعمى فَهُوَ فِي الْآخِرَة أعمى وأضل سَبِيلا}
وَالْمرَاد عمى الْقلب فِي الدُّنْيَا وَقَالَ تَعَالَى {ونحشرهم يَوْم
الْقِيَامَة على وُجُوههم عميا وبكما وصما مأواهم جَهَنَّم} لانهم هَكَذَا كَانُوا
فِي الدُّنْيَا وَالْعَبْد يبْعَث على مَا مَاتَ عَلَيْهِ وَاخْتلف فِي هَذَا
الْعَمى فِي الاخرة فَقيل هوعمى البصيرة بِدَلِيل اخباره تَعَالَى عَن رُؤْيَة
الْكفَّار مَا فِي الْقِيَامَة ورؤية الْمَلَائِكَة ورؤية النَّار وَقيل هُوَ عمي
الْبَصَر وَرجح هَذَا بَان الاطلاق ينْصَرف اليه وَبِقَوْلِهِ {قَالَ رب لم حشرتني
أعمى وَقد كنت بَصيرًا} وَهَذَا عمي الْعين فان الْكَافِر لم يكن بَصيرًا بحجته
واجاب هَؤُلَاءِ عَن رُؤْيَة الْكفَّار
مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/
112)
فِي الْقِيَامَة بِأَن الله يخرجهم من قُبُورهم الى
موقف الْقِيَامَة بصراء ويحشرون من الْموقف الى النَّار عميا قَالَه الْفراء
وَغَيره
ملحق الفوائد:
هذا الحديث الجليل مليء بالفوائد العلمية والفقهية
والتربوية، ومن أبرز فوائده:
أولًا: التحذير
الشديد من الفتوى بغير علم
فإن إنكار النبي ﷺ كان عظيمًا، حتى قال: «قتلوه
قتلهم الله»، وهذا يدل على أن الإفتاء بغير علم من كبائر الذنوب، وقد يترتب عليه
إهلاك النفوس وإفساد الدين.
ثانيًا: وجوب
التوقف عند الجهل،
ففي قوله ﷺ: «ألا سألوا إذ لم يعلموا» دليل صريح
على أن من جهل حكم مسألة وجب عليه أن يسأل أهل العلم، ولا يجوز له أن يجتهد بغير
علم.
ثالثًا: أن
السؤال هو دواء الجهل،
لقوله ﷺ: «فإنما شفاء العي السؤال»، وفيه حثٌّ على
التعلم والسؤال، وذمٌّ للحياء المذموم أو الجرأة الجاهلة في مسائل الدين.
رابعًا: أن
الشريعة مبناها على اليسر ورفع الحرج
فالحديث أصلٌ عظيم في اعتبار التيسير عند وجود
المشقة أو الضرر، لقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}.
خامسًا: مشروعية
التيمم عند العجز عن استعمال الماء أو خوف الضرر،
ولو كان الماء موجودًا، فالعبرة بالقدرة الشرعية،
لا الحسية فقط، وهي السلامة من الضرر.
سادسًا: أن
الضرر يُزال شرعًا،
وفيه تطبيق لقاعدة عظيمة من قواعد الشريعة: الضرر
يزال، فلا يُشرع فعل عبادة يترتب عليها هلاك أو أذى محقق.
سابعًا: الجمع
بين العبادات بحسب الاستطاعة
حيث شُرع له أن يتيمم، ويعصب جرحه، ويمسح عليه،
ويغسل سائر جسده، ففيه أن العبادات تُؤدَّى على قدر الاستطاعة دون إسقاط ما يمكن
فعله.
ثامنًا: مشروعية
المسح على الجبيرة أو العصابة
وهو أصل من أصول باب الطهارة عند وجود الجروح
والكسور، ويُستفاد منه أحكام المسح على الجبائر.
تاسعًا: خطورة
التشدد والتنطع في الدين،
فإن التشدد المخالف للسنة قد يكون سببًا للهلاك،
بخلاف اتباع الرخص الشرعية المبنية على الدليل.
عاشرًا: مسؤولية
المفتي عظيمة أمام الله،
فالفتوى أمانة، والمفتي موقّع عن رب العالمين، فلا
يحل له أن يتكلم إلا بعلم وبصيرة.
الحادي عشر:
أن الخطأ في مسائل الدماء والأنفس أعظم من غيره
إذ إن الخطأ هنا أدى إلى موت إنسان، فدل على أن
مسائل حفظ النفس من أعظم مقاصد الشريعة.
الثاني عشر: بيان
رحمة النبي ﷺ بأمته
حيث بيّن الحكم الصحيح، وأنكر الخطأ، ووجّه إلى
الطريق الأسلم والأيسر، رحمةً بالأمة وتعليمًا لها.
فهذه جملة من الفوائد المستنبطة من هذا الحديث
العظيم، وهو من الأحاديث الجامعة التي تُقرِّر أصولًا كبرى في الفقه والفتوى
والتعامل مع النصوص الشرعية.
[1] قال
الألباني _رحمه الله_ في "صحيح أبي داود" - الأم (2/ 165): "قلت:
وهو شاهد لا بأس به لحديث جابر قبله؛ فإن فيه- كما في هذا- ذكر التيمم." اهـ
Komentar
Posting Komentar