شرح الحديث 114 (باب التيمم) من بلوغ المرام
|
114 - وَعَنْ عَلِيٍّ -رضي الله عنه- قَالَ: "انْكَسَرَتْ
إِحْدَى زَنْدَيَّ، فَسَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_؟
فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ." رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ
وَاهٍ جِدًّا |
ترجمة علي بن أبي طالب _رضي
الله عنهما_:
قال الزركلي _رحمه الله_ في "الأعلام"
(4/ 295_296):
"علي بن أبي طالِب (23 ق هـ - 40 هـ =
600 - 661 م)
علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، أبو
الحسن: أمير المؤمنين، رابع الخلفاء الراشيدين، وأحد العشرة المبشرين، وابن عم
النبي وصهره، وأحد الشجعان الأبطال، ومن أكابر الخطباء والعلماء بالقضاء، وأول
الناس إسلاما بعد خديجة. ولد بمكة، وربي في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه.
وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد. ولما آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه قال له: "أنت
أخي"،
وولي الخلافة بعد مقتل عثمان ابن عفان (سنة 35 هـ
فقام بعض أكابر الصحابة يطلبون القبض على قتلة عثمان وقتلهم وتوقي عليّ الفتنة...
وأقام عليّ بالكوفة (دار خلافته) إلى أن قتله عَبْد الرَّحْمَن بْن مُلْجَم المُرَادِيّ غيلة في مؤامرة 17 رمضان
المشهورة، واختلف في مكان قبره...___
ولد له 28 ولدا منهم 11 ذكرا و 17 أنثى." اهـ
نص الحديث:
وَعَنْ عَلِيٍّ -رضي الله عنه- قَالَ:
"انْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ، فَسَأَلَتُ
رَسُولَ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_؟ فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى
الْجَبَائِرِ."[1]
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ
وَاهٍ جِدًّا
روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (1/ 126)
(رقم: 1448) ما يؤيد معنى حديث علي _رضي الله عنه_:
حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ
بْنُ الْغَازِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:
(مَنْ كَانَ بِهِ جُرْحٌ مَعْصُوبٌ فَخَشِيَ
عَلَيْهِ الْعَنَتَ فَلْيَمْسَحْ مَا حَوْلَهُ وَلَا يَغْسِلْهُ)
المعنى الإجمالي لهذا الأثر:
دلّ هذا الحديث – وإن كان
إسناده ضعيفًا جدًّا – على أصلٍ عظيمٍ من أصول الشريعة، وهو مراعاة أحوال المكلَّفين، ورفع الحرج عنهم عند العجز أو
المشقّة.
فذكر عليٌّ _رضي الله عنه_ أنه أصيب بكسرٍ في يده،
فسأل النبي _صلى الله عليه وسلم_ عن حكم الطهارة في حاله، فأرشده إلى المسح على الجبائر بدل غسل الموضع المصاب.
فالشريعة لم تُكلّف المريض بما يعجز عنه أو يضرّه،
بل رخّصت له في البدل المشروع، حفظًا للنفس، ودفعًا للضرر، وتيسيرًا لأداء العبادة
من غير وقوعٍ في حرج أو أذى.
فالحديث – من حيث المعنى – قرر قاعدة التيسير، وأن
الطهارة تُؤدَّى على حسب الاستطاعة، وأن العجز عن الأصل يُنقل إلى البدل، تحقيقًا
لمقصود الشرع في الجمع بين حفظ العبادة وحفظ البدن.
وعلى هذا جرى عمل الفقهاء، إذ استدلوا بمجموع
النصوص والآثار الصحيحة على مشروعية المسح على الجبائر عند الحاجة، وإن كان هذا
الخبر بعينه ضعيف الإسناد.
تخريج الحديث:
أخرجه ابن ماجه في "سننه" (1/ 215) (رقم:
657)، وعبد الرزاق الصنعاني في "مصنفه" (1/ 161) (رقم: 623)، والعُقيلي
في "الضعفاء الكبير" (3/ 268)، والدارقطني في "سننه" (1/ 422)
(رقم: 878)، وأبو نعيم الأصفهاني في "الطب النبوي" (2/ 447) (رقم:
411_412)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 349) (رقم: 1082)، وفيه: عمرو
بن خالد الواسطي!
قال البيهقي _رحمه الله_ في "السنن الكبرى"
(1/ 349) عقب رواية الحديث:
"عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ مَعْرُوفٌ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ، كَذَّبَهُ أَحْمَدُ بْنُ
حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا مَنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ،
وَنَسَبَهُ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ إِلَى وَضْعِ الْحَدِيثِ، قَالَ: "وَكَانَ فِي جِوَارِنَا
فَلَمَّا فُطِنَ لَهُ تَحَوَّلَ إِلَى وَاسِطَ."
* وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ مُوسَى
بْنِ وَجِيهٍ، فَرَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ مِثْلَهُ وَعُمَرُ بْنُ مُوسَى مَتْرُوكٌ مَنْسُوبٌ إِلَى الْوَضْعِ وَنَعُوذُ
بِاللهِ مَنِ الْخُذْلَانِ.
* وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ آخَرَ مَجْهُولٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ،
* وَرَوَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ
الْمَكِّيُّ بِإِسْنَادٍ آخَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ مُرْسَلًا، وَأَبُو الْوَلِيدِ ضَعِيفٌ،
وَلَا يَثْبُتُ عَنِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ، وَأَصَحُّ
مَا رُوِيَ فِيهِ حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ الَّذِي قَدْ
تَقَدَّمَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَإِنَّمَا فِيهِ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ مَنَ
التَّابِعِينَ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ، مَعَ مَا رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي
الْمَسْحِ عَلَى الْعِصَابَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ." اهـ
فالحديث ضعيف: ضعفه الألباني _رحمه الله_ في "تمام
المنة في التعليق على فقه السنة" (ص: 133)، والأرنؤوط _رحمه الله_ في
"تحقيق سنن ابن ماجه" – ط. دار الرسالة (1/ 418) (رقم: 657)
قال الألباني _رحمه الله_ في "تمام المنة في
التعليق على فقه السنة" (ص: 134_135):
"عن ابن عمر أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الجبائر.
أخرجه الدارقطني وقال:
"أبو عمارة يعني محمد بن أحمد بن المهدي
أحد رواته ضعيف جدا ولا يصح هذا الحديث مرفوعا".
وقد رواه البيهقي 1 / 228 عن ابن عمر موقوفا عليه
بسند صحيح ثم قال:
"هو عن ابن عمر صحيح".
وقال البيهقي بعد أن ساق الحديث الثاني من طريق
الأول وأشار إلى طرقه الأخرى وضعفها كلها:
"ولا يثبت في هذا الباب شيء وأصح ما روي
فيه حديث عطاء بن أبي رباح الذي تقدم - يعني حديث جابر - وليس بالقوي وإنما فيه
قول الفقهاء من التابعين___
فمن بعدهم مع ما روينا عن ابن عمر في المسح على
العصابة".
قلت: فأنت
ترى البيهقي قد اعتمد في الباب على أقوال الفقهاء وأثر ابن عمر المشار إليه آنفا
فلو كان الحديث قويا بهذه الطرق لاحتج البيهقي بذلك لأنه من القائلين بتقوية
الحديث بكثرة الطرق ولكنه لم يفعل مع احتياجه للحديث وذلك لشدة ضعف طرقه كما بينا.
ولذلك ذهب ابن حزم إلى أنه لا يشرع المسح على
الجبيرة قال 2 / 74 - 75:
"برهان ذلك قول الله تعالى: {لا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" فسقط بالقرآن والسنة كل ما عجز
عنه المرء وكان التعويض منه شرعا والشرع لا يلزم إلا بقرآن أو سنة ولم يأت قرآن
ولا سنة بتعويض المسح على الجبائر والدواء من غسل ما لا يقدر على غسله فسقط القول
بذلك".
ثم ذكر عن الشعبي ما يوافق قوله ومثله عن داود
وأصحابه وهو الحق إن شاء الله.
وأجاب عن أثر ابن عمر المتقدم بأنه فعل منه رضي
الله عنه وليس إيجابا للمسح عليها وقد صح عنه أنه كان يدخل الماء في باطن عينيه في
الوضوء والغسل ولا يشرع ذلك فضلا عن أن يكون فرضا!" اهـ
اختلاف العلماء:
قال البسام _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من
بلوغ المرام" (1/ 432):
"اختلف العلماء في التيمم عمَّا تحت
الجبيرة:
فذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد: إلى
الاكتفاء بالمسح؛ فلا يجب التيمُّم معه.
وذهب الإمام الشافعي: إلى التيمُّم عمَّا تحت
الجبيرة، مع المسح عليها.
والقولُ الأوَّل أصحُّ؛ إذ لا يجمع بين مبدل ومبدل
منه.
ولعلَّ القول بمذهب الشَّافعي هو الذي حمَلَ
المؤلِّف على ذكر هذا الحديث هنا.
من فوائد الحديث:
قال البسام _رحمه الله_ في توضيح الأحكام من بلوغ
المرام (1/ 431)
ما يؤخذ من الحديث:
1 - فيه مشروعية المسح على الجبيرة،
والجبيرةُ: كلُّ ما وضع على كسر أو جرح من أخشاب أو جبس أو خِرَق أو غير ذلك، تربط
على الكسر أو الجرح.
2 - المسحُ على الجبيرة يخالفُ المسحَ على
الخفَّيْنِ وعلى العمامة والخمار ببعض الأحكام، وقد تقدَّمت في باب المسح على
الخفين، ونعيدها هنا وهي:
(أ) يمسحُ على الجبيرة بالحدَثَيْنِ الأكبر
والأصغر؛ بخلاف الخف والعمامة والخمار: ففي الأصغر فقط.
(ب) أنَّ مسح الجبيرة يمتد حتَّى يبرأ الجرح
أو الكسر؛ بخلاف الخف ونحوه: فالمسح يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيَّام ولياليها
للمسافر.
(ج) أنَّه يمسح على الجبيرة كلِّها، عند
المالكية والشافعية والحنابلة، وقال الحنفية: يكفي مسح أكثرها؛ بخلاف الخف
والعمامة والخمار: فعلى بعضه، وتقدَّمت صفته.
(د) الصحيح من قولي العلماء: أنَّه لا يشترط
في الجبيرة ربطها على طهارة؛ بخلاف الخف والعمامة والخمار.
هذه أهم الأحكام التي تفارق الجبيرةُ فيها كلَّ
واحد من الخفين والعمامة والخمار، وهي راجعةٌ إلى أنَّ مسح الجبيرة مَسْحُ ضرورة،
لا يمكنُ قياسها على الخفين، وأمَّا ما عداهما فمسحُهُ رخصةٌ وسهولةٌ وتيسير.
3 - هذا الحديثُ والَّذي بعده مِنْ أدلَّةِ
مشروعية المسح على الجبيرة، وسماحةِ أحكامِ الشريعة.
وقال العثيمين _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال
والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 376_377):
"وعلى هذا، فنقول: إذ حصل للإنسان جُرح يضره
الماء غسلا ومسحا، وقد عصب عليه عصابة فإنه يمسح هذه العصابة ويكفي، فإن كان يضره
الغسل والمسح والإعصاب- بمعنى: أن بقاءه هاويا للهواء والشمس أقرب للشفاء- فهنا
يتعين التيمم. هذا أقرب الأقوال في هذه المسألة.
مسائل مهمة في المسح على الجبيرة:
ويبقى النظر في مسائل:
هل يشترط أن يضع هذه الجبيرة على طهارة كما
قلنا ذلك في الخفين؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، منهم من قال: إنه يشترط لأنه ساتر
ممسوح بدلا من غسله فيجب أن يكون على طهارة كالخف، ومنهم من يقول: لا يشترط أن
يكون وضعه على طهارة أولا لأنه لا يمكن القياس؛ لأن بين مسح الخفين ومسح الجبائر
فروقا كثيرة.
وثانيا: أنه يأتي الإنسان على حين غرة لا يتمكن من
الوضوء مثلا إنسان سقط من السيارة وانكسرت رجله أو يده كيف نقول إنه يلزمه أن يذهب
ويتطهر ثم يجبرها؟ ، هذا فيه مشقة، وربما إذا برد محل الكسر يصعب جدا جبره،
فالصواب إذن أنه يشترط أن تكون على طهارة.
المسألة الثانية: هل
تمسح في الحديث الأكبر والأصغر - أعني: الجبائر-؟
الجواب: نعم، تمسح في الحدث الأصغر والأكبر؛ لأن
مسحها ضرورة ليس اختيارا كالخف فيجوز أن يمسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر.
المسألة الثالثة: هل
لها مدة معينة؟ الجواب: لا ليس لها مدة معينة؛ لأن هذه ضرورة فتقدر بقدرها، وبناء
على هذا نقول: متى برئ الجرح أو جبر الكسر وجبت إزالتها ولا يجوز إبقاؤها بعد ذلك.
فإذا جبر الكسر أو برئ الجرح فهل يلزمه أن يعيد
الاغتسال إن كان قد اغتسل عن جنابة أو الوضوء أو لا يلزه؟ الصواب: لا يلزمه؛ لأن
هذه الطهارة طهارة كاملة، وإذا كانت طهارة كاملة حسب ما أمر فإنه لا يلزمه أن يعيد
الغسل ولا الوضوء.
فإن قال قائل: ألستم تقولون: إنه لو عدم الماء
وتيمم عن جنابة أو عن وضوء ثم وجد الماء فإنه لا يصلي إلا بعد استعماله؟___
فالجواب: بلى، لكن هناك فرق بين طهارة التيمم وهذه
الطهارة: هل الطهارة تعتبر طهارة ماء؛ لأنه غسل بقية جسده ومسح على الجبائر،
فالطهارة إذن طهارة ماء، وطهارة التيمم طهار التراب بدل، فإذا وجد المبدل منه تعين
استعماله، هذا هو الفرق.
المسألة الرابعة: هل
يجوز المسح عليها فيما لو وضع عليها شيئا من الحرير، يعني: جعل الربط أي العصابة
من الحرير وةهو رجل، هل يجوز المسح عليها أو لا يجوز؟
نقول: يجوز المسح عليه إذا كان يتضرر بحلها؛ لأن
المسح عزيمة وليس رخصة حتى نقول إنه لا يستباح في المعصية، بل نقول: يجوز المسح
عليه ما دام يخشى الضرر بحلها.
لو قال قائل: إذا كان يمكنه أن يحلها ثم يعيدها هل
يلزمه ذلك؟
نقول: إذا كان لا يتضرر بهذا ولا يخشى على نفسه من
الضرر؛ لأن الحكم يدور على علته مثل بعض اللزقات التي تكون على موضع الألم، أحيانا
يكون في الإنسان ألم في صدره أو في ظهره أو في أحد أعضائه فيضع عليه لزقه. نقول:
إذا كان لا يتضرر بخلعها وجب عليه أن يخلعها ثم يعيدها بعد ذلك، وإن كان يتضرر أو
يخشى الضرر فإنه لا يلزمه، وهذا يقع كثيرا فيمن يكون عليه لزقة في ظهره، ويقع عليه
جنابة، ويقول: أنا إذا خلعتها لا أتضرر غاية ما هنالك أن تفوت عليه هذه اللزقة
فنقول: هذا لا يضر؛ لأن ثمنها قليل، وما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب، والواجب
غسل جميع البدن؛ أما إذا كان يخشى منها الضرر فلا، فإن الله تعالى قد رفع الحرج عن
هذه الأمة." اهـ
مباحث تتعلق بالمسح على
الجبيرة:
* المبحث الأوَّل: حُكم المسح على
الجَبيرة
يجوز المسحُ على الجَبيرةِ في الوضوءِ، أو الغُسلِ، أو التيمُّم، وهذا
باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحنفيَّة ، والمالكيَّة ،
والشَّافعيَّة ، والحنابلة ؛ وذلك لأنَّ الموضِعَ المُصابَ مَستورٌ بما يَسوغُ سترُه
به شَرعًا، فجاز المسحُ عليه كالخفَّينِ
* المبحث الثَّاني: شروط المسح على
الجَبيرة
المطلب الأوَّل: أن
يكون غَسلُ العُضوِ المصابِ مِمَّا يَضُرُّ به
شرْطُ المَسحِ على الجَبيرة أن يكون غَسْلُ العُضوِ
المنكِسر أو المجروحِ، ممَّا يضرُّ به الماءُ، أو كان يُخشى حدوثُ الضَّرر بنزْعِ
الجبيرة، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحنفيَّة ،
والمالكيَّة ، والشَّافعيَّة ، والحنابلة
الأدلَّة:
أوَّلًا: من
الكتاب عمومُ قَولِ الله _تعالى_: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا) [البقرة: 286]
ثانيًا: مِن
السُّنَّةِ
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ
صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال:
(إذا أمرْتُكم بأمرٍ فأتُوا منه ما استطعتُم) رواه
البخاري (7288) واللفظ له، ومسلم (1337).
ثالثًا: أنَّ
في نزْع الجَبيرةِ ضَررًا؛ وهو مرفوعٌ في الشَّريعةِ
المطلب الثَّاني: أن
يكونَ مسْحُ العضوِ المصابِ ممُّا يضرُّ به
يَمسَحُ على الجَبيرة مَن لا يُمكِنُه المسحُ على
العُضوِ المصابِ، وهذا مَذهَبُ الحنفيَّة ، والمالكيَّة ، وروايةٌ عن أحمد ؛ وهو
اختيارُ ابنِ تيميَّة ، وابن القيِّم ، وابن باز ؛ وذلك لأنَّ جوازَ المسحِ على
الجَبيرةِ للعُذر، ولا عُذرَ إذا قدَر على المسحِ على نفْسِ الجُرحِ
المطلب الثَّالث: أن
تكونَ الجَبيرةُ على قدْرِ الضَّرورة
يُشتَرَطُ أن تكونَ الجَبيرةُ على قدْرِ الضَّرورةِ
، نصَّ على هذا المالكيَّة ، والشَّافعيَّة ، والحنابلة ؛ وذلك لأنَّ القاعدة
الشرعيَّةَ: أنَّ ما أُبيحَ للضَّرورةِ يُقدَّرُ بِقَدَرِها
المبحث الثَّالث: ما لا يُشترط في المسح
على الجبائر
المطلب الأوَّل: لا
يُشتَرَطُ أن توضَعَ على طَهارة
لا يُشتَرَطُ في المسحِ على الجبيرةِ أن يكونَ
وَضْعُها على طهارةٍ؛ وهذا مَذهَبُ الحنفيَّة ، والمالكيَّة ، وهو وجهٌ للشَّافعيَّة
، وروايةٌ عن أحمد ، واختاره ابنُ قُدامة ، وابنُ تيميَّة ، وابن باز ، وابن
عثيمين
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ
الكَسرَ والجُرحَ يقَع بَغتةً، ويطرأُ على الإنسانِ من غير اختياره، فوضْعُها على
طهارةٍ ممَّا لا ينضبط، ويغلُظُ على النَّاسِ جدًّا، وفيه حَرَجٌ، وقد يترتَّب على
تأخيرِها إلى تطهُّرِه ضَرَرٌ كبيرٌ، وقد يكون مُغمًى عليه
ثانيًا: أنَّ
المسحَ عليها جاز دفعًا لمشقَّةِ نَزْعِها، ونزْعُها يشقُّ إذا لَبِسَها على غيرِ
طَهارةٍ، كمشقَّتِه إذا لَبِسَها على طهارةٍ
ثالثًا: أنَّه
لا يصحُّ قياسُها على الخفَّين؛ لوجودِ الفروقِ بينهما
المطلب الثَّاني: لا
يُشتَرَط أن يكونَ المسحُ مِن الحدَث الأصغَرِ
يجوزُ المسحُ على الجَبيرةِ في الحدَث الأصغَرِ
والأكبر، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحنفيَّة ،
والمالكيَّة ، والشَّافعيَّة ، والحنابلة
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ
المسحَ على الجَبيرةِ مِن باب الضَّرورة، والضرورةُ لا فرْقَ فيها بين الحدَث
الأصغَر والأكبَرِ، بخِلاف المسحِ على الخفَّين؛ فهو رُخصةٌ
ثانيًا: أنَّ
هذا العضوَ الواجِبَ غَسْلُه سُتِرَ بما يَسوغ سَترُه به شرعًا؛ فجاز المسحُ عليه
كالخفَّين
المطلب الثالث: لا
يُشتَرَط لها توقيت بزمن؛ بل يمسحُ حتَّى يحصُلَ البُرْء
المسحُ على الجبيرةِ غيرُ مُؤَقَّتٍ بزمنٍ، بل
يمسحُ عليها حتَّى يحصُلَ البُرْءُ، وذلك باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ
الأربَعةِ: الحنفيَّة ، والمالكيَّة ، والشافعيَّة ، والحنابلة
وذلك للآتي:
أولًا: لأنَّ
الرُّخصةَ وردت غيرَ مُقَيَّدة، بخلافِ الخُفِّ
ثانيًا: لأنَّ
الحاجة تدعو إلى استدامةِ الجَبيرةِ
المبحث الرَّابع: صفة المسح على الجَبيرة
المطلب الأوَّل: استيعابُ
المسحِ على الجَبيرة
يجِبُ استيعابُ الجَبيرة بالمسحِ، وهو مَذهَبُ
الجُمهورِ: المالكيَّة ، والشَّافعيَّة على الأصحِّ ، والحنابلة ، وهو قولٌ
للحنفيَّة
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّه
أُجيزَ للضَّرورةِ؛ فيجبُ مَسحُ الجميع
ثانيًا: أنَّه
لا يشقُّ استيعابُها بالمسحِ، بخلاف الخفِّ؛ فإنَّه يشقُّ استيعابُ جَميعه،
ويُتلِفُه المسحُ
ثالثًا: أنَّ
المسحَ على الجبيرةِ بَدلٌ عن غَسلِ العُضوِ، فإذا كان يجِبُ استيعابُ العُضوِ
بالغَسلِ، فإنَّه يجِبُ في بدَلِه
المطلب الثَّاني: عددُ
مرَّات المَسحِ على الجَبيرة
المسحُ على الجَبيرة يكون مرَّةً واحدة، وهذا باتِّفاقِ
المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحنفيَّة ، والمالكيَّة ، والشَّافعيَّة ،
والحنابلة
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّه
مسْحٌ؛ فلا يُسنُّ فيه التَّكرارُ، كمسح الرَّأس، ومسْحِ الخفَّين
ثانيًا: أنَّ
طهارَتَه مخفَّفة؛ فينبغي أن يكون مخفَّفًا في الكَيف ومخفَّفًا في الكمِّ
المبحث الخامس: هل سقوط الجَبيرة ينقُض
الوضوء؟
لا ينتقِضُ الوضوءُ بسقوط الجَبيرة، سواءٌ كان عن
بُرءٍ أو غيره؛ وهو اختيارُ ابنِ حَزمٍ، وابن تيميَّة، وابن باز، وابن عثيمين
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ
سُقوطَ الجبيرةِ ليس بحدَثٍ
ثانيًا: أنَّه
لم يأتِ نصٌّ بإيجابِ الوُضوءِ
ملحق الفوائد:
في هذا الأثر فوائدُ فقهيةٌ وأصوليةٌ وتربوية، وإن
كان إسناده واهيًا جدًّا، إلا أن معناه صحيحٌ تشهد له القواعد العامة والنصوص
الأخرى، ومن فوائده ما يأتي"
الفائدة الأولى: تقرير
قاعدة رفع الحرج عن المكلَّفين
ففي الأمر بالمسح على الجبيرة دليلٌ على أن الشريعة
مبناها على اليسر، وأنها لا تُكلّف العبد ما فيه إضرارٌ بنفسه أو مشقّةٌ خارجة عن
المعتاد.
الفائدة الثانية: اعتبار
العجز مؤثّرًا في انتقال الحكم،
فدلّ الأثر على أن العجز عن الأصل – وهو غسل العضو
– يُنقِل المكلَّف إلى البدل المشروع، وهو المسح، تحقيقًا لمقصود الطهارة بحسب
الاستطاعة.
الفائدة الثالثة: مشروعية
السؤال عن النوازل والأحوال الطارئة،
ففعل عليٍّ رضي الله عنه يدلّ على أن من عَرَضت له
نازلةٌ لم تكن في حال السعة، لزمه أن يسأل أهل العلم، ولا يُقدِم على العبادة بغير
علم.
الفائدة الرابعة: عناية
الشريعة بحفظ الأبدان،
فالأمر بالمسح دون الغسل يدلّ على تقديم دفع الضرر،
وصيانة البدن عن ما يزيد الكسر أو يؤخّر البرء، وهذا من كمال رحمة الشريعة
وحكمتها.
الفائدة الخامسة: أن
الطهارة تراعى فيها الأحوال والقدرة،
فالطهارة ليست حكمًا جامدًا، بل تتنوّع صورها بحسب
حال المكلَّف من صحةٍ ومرضٍ وسفرٍ، وكلّ ذلك داخلٌ في قوله تعالى: فاتقوا الله ما
استطعتم.
الفائدة السادسة: أصل
مشروعية المسح على الجبائر عند أهل العلم،
وإن كان هذا الخبر ضعيف الإسناد، إلا أن الفقهاء
تلقّوا معناه بالقبول، وعضدوه بآثارٍ أخرى صحيحة، فصار أصلًا معمولًا به في أبواب
الطهارة.
الفائدة السابعة: أن
الضرورات تُقدَّر بقدرها،
فالمسح إنما شُرع على موضع الجبيرة خاصة، دون تعدٍّ
إلى غيره، وفي ذلك ضبطٌ للرخصة، ومنعٌ من التوسّع فيها بغير حاجة.
الفائدة الثامنة: الجمع
بين المحافظة على العبادة وحفظ النفس،
فالأثر يدلّ على أن الشريعة لا تُسقِط العبادة مع
القدرة على أصلها أو بدلها، بل تُبقيها مع التخفيف، جمعًا بين حق الله وحق العبد.
الفائدة التاسعة: تواضع
الصحابة في طلب الحكم الشرعي،
فعليٌّ رضي الله عنه، مع منزلته وفضله، لم يستقلّ
برأيه، بل رجع إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_، وفيه تعليم للأمة لزوم الاتباع،
وترك الجرأة على الفتوى.
الفائدة العاشرة: أن
ضعف الإسناد لا يلزم منه بطلان المعنى،
فهذا الأثر مثالٌ لما يذكره أهل العلم من أن بعض
الأخبار الضعيفة قد يكون معناها صحيحًا، إذا وافق أصول الشرع، وشهدت له الأدلة
الأخرى.
فهذه جملةٌ من فوائد هذا الأثر، تُظهر حكمة
الشريعة، وسماحتها، ومراعاتها لأحوال العباد في عباداتهم.
[1] قال العثيمين _رحمه الله_
في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية
(1/ 374):
"والجبائر:
عبارة عن أعواد أربعة أو اثنين تشد على محل الكسر بعد أن يلائم الكسر بعضه إلى
بعض، ثم تشد عليه هذه الجبائر وتحتها خرقة وفوقها خرقة، وذلك من أجل أن ينضبط
العظم حتى لا يختل بعد أن كان متلائما، وهذا النوع من الجبائر مفيد جدا وهو أفيد
بكثير مما يفعله الأطباء الآن من وضع الجِبْسِ؛ لأن الجبس لا يقدر أن يشد الرجل
جيدا ثم إنه يكون فيه رائجة كريهة، وهو أيضا مؤذ للإنسان من جهة ثقله وتحمله، لكن
هذه الجبائر يسيرة جدا، ولا تكلف، والغالب أنها أسرع نجاحا مما يفعله الأطباء الآن."
اهـ
Komentar
Posting Komentar