فضل الصيام (1) من الإخلاص والصبر وكف النفس

 

قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قالَ اللَّهُ:

* كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به، والصِّيَامُ جُنَّةٌ،

* وإذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ،

* فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: "إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ."

* والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ.

* لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ.

أخرجه البخاري (رقم: 1904)، ومسلم (١١٥١) باختلاف يسير

 

في رِوايةِ صَحيحِ مُسلِمٍ: «كلُّ عمَلِ ابنِ آدَمَ يُضاعَفُ، الحَسَنةُ عشْرُ أمثالِها إلى سَبْعِ مِئةِ ضِعفٍ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: (إلَّا الصَّومَ؛ فإنَّه لي وأنا أَجْزي به)»

 

بين النبي ﷺ عن ربِّه سبحانه في هذا الحديث القدسي عِظَمَ منزلة الصيام وخصوصيَّته بين سائر الأعمال؛ فالأعمال الصالحة كلُّها يرجع نفعها إلى العبد، ويُثاب عليها بحسب سنَّة المضاعفة المعروفة من عشر حسنات إلى سبعمئة ضعف،

 

أمّا الصوم فقد اختصَّه الله تعالى لنفسه تشريفًا وتعظيمًا، فقال: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»؛ أي: أن ثوابه غير مقدَّر بعددٍ معيَّن، بل هو عطاءٌ مفتوح بحسب فضل الله وكرمه، وذلك لما فيه من إخلاصٍ خفيٍّ، لا يطَّلع عليه إلا الله.

 

وبيّن الحديث كذلك أن الصيام وقايةٌ للعبد؛ يقيه من المعاصي والشهوات المحرمة في الدنيا ومن النار في الآخرة،

ولهذا أُمر الصائم أن يتحلّى بالأدب والسكينة، فيترك الفحش والخصام، فإن تعرّض له أحدٌ بالأذى قال: "إني صائم"؛ تذكيرًا لنفسه وردعًا لخصمه.

 

ثم ذكر النبي محمد ﷺ فضيلتين عظيمتين للصائم:

* فرحةً عاجلة عند فطره لإتمام عبادته، وفرحةً آجلة عند لقاء ربِّه حين يرى ثواب صيامه.

*  كما أخبر أن تغيّر رائحة فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك، لأن ذلك الأثر ناشئٌ عن طاعةٍ محبوبةٍ لله.

 

فالصوم عبادةٌ فريدة تجمع الإخلاص والصبر وكفَّ النفس، وأن جزاءه أعظم من سائر الأعمال، لأن الله تولّى جزاءه بنفسه، فجعل ثوابه بلا حدٍّ معلوم، تكريمًا لأهله ورفعًا لدرجتهم.

 

فوائد ودروس:

 

في هذا الحديثِ الجليلِ من كلامِ النَّبيِّ محمد ﷺ عن ربِّ العزَّةِ جلَّ وعلا فوائدُ جمَّةٌ، ومعانٍ عظيمة، منها:

١ ـ بيانُ شرفِ الصيامِ وعلوِّ منزلتِه

إذ خصَّه اللهُ بالإضافةِ إلى نفسِه دون سائر الأعمال، وهذه الإضافةُ إضافةُ تشريفٍ وتعظيم، كما يُقال: بيتُ الله وناقةُ الله.

٢ ـ إثباتُ صفةِ الجزاءِ لله تعالى على الوجه اللائق به

فقوله: «وأنا أجزي به» يدلُّ على أن جزاء الصوم مفوَّضٌ إلى مشيئة الله وعظيم فضله، لا يقدَّر بعددٍ معيَّن.

٣ ـ أن الأعمالَ تتفاضلُ عند الله

فليست الحسناتُ سواءً في الفضل، بل منها ما يضاعَف أضعافًا كثيرة، ومنها ما يخرج عن حدِّ العدِّ إلى فضل الله المطلق.

٤ ـ فضيلةُ الإخلاصِ وخفاءِ العمل

لأن الصيام سرٌّ بين العبد وربِّه، لا يطّلع على حقيقتِه إلا الله، فكان أبلغَ في تحقيق الإخلاص.

٥ ـ أن الصيام جُنَّةٌ

أي وقايةٌ وسِتر، يقي صاحبَه من المعاصي في الدنيا ومن النار في الآخرة، فصار بمنزلة الترس للمقاتل.

٦ ـ النهيُ عن الفُحشِ والخصام حال الصوم

وذلك يدلُّ على أن المقصود من الصيام ليس ترك الطعام فحسب، بل تهذيب الأخلاق وكفُّ الجوارح.

٧ ـ مشروعيةُ دفعِ السيئة بالحسنة

فإن سابَّه أحدٌ قال: إني صائم، وفيه تعليمُ الحلم وكسرُ حدَّة الغضب.

٨ ـ استحبابُ إعلانِ الصوم عند الحاجة

لا على وجه الرياء، بل على وجه دفع الشر أو التعليم، لأن النبي ﷺ أذن في قول: إني صائم.

٩ ـ بيانُ فضلِ آثار الطاعة وإن كانت في ظاهرها مكروهة

فرائحةُ فم الصائم مستكرهةٌ عند الناس، لكنها عند الله أطيبُ من المسك؛ لأنها ناشئة عن عبادة.

١٠ ـ إثباتُ محبةِ الله لأعمال الطاعة وأهلها

إذ شبَّه ما ينشأ عن الطاعة بالطيب، وهذا يدل على رضاه عنها وقبولها.

١١ ـ أن للصائم فرحتين

فرحةً عاجلةً عند الفطر لإتمام النعمة، وفرحةً آجلةً عند لقاء الرب لتمام الثواب؛ فجمع الله له بين سرور الدنيا والآخرة.

١٢ ـ إثباتُ لقاء الله يوم القيامة

وفيه ردٌّ على من أنكر الرؤية أو اللقاء، لأن الحديث نصٌّ في حصوله.

١٣ ـ أن الجزاء مرتبطٌ بالعمل

فقوله: «فرح بصومه» دليل على أن سبب الفرح ثوابُ العمل الصالح.

١٤ ـ الترغيبُ العظيم في الصيام

إذ لو لم يكن فيه إلا هذه الخصائص لكفى باعثًا على المسارعة إليه.

١٥ ـ أن الشريعة تُرَبِّي على ضبط النفس

فالصائم مأمور بكفِّ شهواته الظاهرة والباطنة، فكان الصوم مدرسةً تربويةً كاملة.

خلاصة المعاني:

 

فالحديث أصلٌ عظيمٌ في بيان منزلة الصيام، وأنه عبادةُ الإخلاص والصبر، وأن ثوابَه فوق التصوّر والتقدير، وأنه ليس مجرّد امتناعٍ عن الطعام، بل مقامٌ إيمانيٌّ يربّي القلب والخلُق معًا.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة