الحديث الثاني والأربعون من بهجة قلوب الأبرار
|
الحديث الثاني والأربعون: عن جابر بن عبد الله _رضي الله عنه_
قَالَ : «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ. فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ،
وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ» رواه البخاري. |
تخريج الحديث:
أخرجه
البخاري (3/ 79) (رقم: 2214)، مسلم (3/ 1229) (رقم: 1608)
شرح الحديث:
قال
الفوزان _حفظه الله_ في "الملخص الفقهي" (2/ 115):
"باب
في أحكام الشفعة:
تعريف الشفعة لغة: الشفعة بإسكان الفاء مأخوذة من الشفع، وهو
الزوج؛ لأن الشفيع بالشفعة بضم المبيع إلى ملكه الذي كان منفردًا.
والشفعة
ثابتة بالسنة الصحيحة، شرعها الله تعالى: سدّا لذريعة المفسدة المتعلقة بالشركة.
الملخص
الفقهي (2/ 116)
وكانت
الشفعة معروفة عند العرب في الجاهلية، كان الرجل إذا أراد بيع منزل أو حائطه؛ أتاه
الجار والشريك والصاحب إليه فيما باعه، فيشفعه، ويجعله أولى رجل به، فسميت الشفعة،
وسمي طالبها شافعا.
والشفعة في عرف الفقهاء: «استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن
انتقلت إليه بعوض مالي، فيأخذ الشفيع نصيب شريكه البائع بثمنه الذي استقر عليه
العقد في الباطن».
فيجب
على المشتري أن يسلم الشقص المشفوع فيه إلى الشافع بالثمن الذي تراضيا عليه في الباطن."
اهـ
وقال
ابن القيم _رحمه الله_ في "إعلام الموقعين عن رب العالمين" (2/ 92):
"مِنْ
مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَعَدْلِهَا وَقِيَامِهَا بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ
وُرُودُهَا بِالشُّفْعَةِ، وَلَا يَلِيقُ بِهَا غَيْرُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ حِكْمَةَ
الشَّارِعِ اقْتَضَتْ رَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ الْمُكَلَّفِينَ مَا أَمْكَنَ، فَإِنْ
لَمْ يُمْكِنْ رَفْعُهُ إلَّا بِضَرَرٍ أَعْظَمَ مِنْهُ بَقَّاهُ عَلَى حَالِهِ،
وَإِنْ أَمْكَنَ رَفْعُهُ بِالْتِزَامِ ضَرَرٍ دُونَهُ رَفَعَهُ بِهِ،
وَلَمَّا
كَانَتْ الشَّرِكَةُ مَنْشَأَ الضَّرَرِ فِي الْغَالِبِ، فَإِنَّ الْخُلَطَاءَ
يَكْثُرُ فِيهِمْ بَغْيُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، شَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ
رَفْعَ هَذَا الضَّرَرِ: بِالْقِسْمَةِ تَارَةً
وَانْفِرَادِ كُلٍّ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ بِنَصِيبِهِ، وَبِالشُّفْعَةِ
تَارَةً وَانْفِرَادِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِالْجُمْلَةِ إذَا لَمْ
يَكُنْ عَلَى الْآخَرِ ضَرَرٌ فِي ذَلِكَ؛
فَإِذَا
أَرَادَ بَيْعَ نَصِيبِهِ وَأَخَذَ عِوَضَهُ، كَانَ شَرِيكُهُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ
الْأَجْنَبِيِّ، وَهُوَ يَصِلُ إلَى غَرَضِهِ مِنْ الْعِوَضِ مِنْ أَيِّهِمَا
كَانَ؛ فَكَانَ الشَّرِيكُ أَحَقَّ بِدَفْعِ الْعِوَضِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ،
وَيَزُولُ عَنْهُ ضَرَرُ الشَّرِكَةِ، وَلَا يَتَضَرَّرُ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّهُ
يَصِلُ إلَى حَقِّهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْعَدْلِ
وَأَحْسَنِ الْأَحْكَامِ الْمُطَابِقَةِ لِلْعُقُولِ وَالْفِطَرِ وَمَصَالِحِ
الْعِبَادِ.
وَمِنْ
هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ التَّحَيُّلَ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ مُنَاقِضٌ لِهَذَا
الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ الشَّارِعُ وَمُضَادٌّ لَهُ." اهـ
وفي
"صحيح مسلم" (3/ 1229) (رقم: 1608): عَنْ جَابِرٍ، قَالَ:
قَالَ
رَسُولُ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:
«مَنْ
كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ، أَوْ نَخْلٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى
يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ، وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ»
وقال
الفوزان في "الملخص الفقهي" (2/ 116)
وقال
صلى الله عليه وسلم: "لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه"، فدل الحديث
على أنه لا يحل له أن يبيع حتى يعرض على شريكه.
|
قال المؤلف الشيخ عبد الرحمن السعدي
_رحمه الله_ في "بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار"، ط. الوزارة (ص:
99_100) : "يؤخذ من هذا الحديث: أحكام الشفعة
كلها، وما فيه شفعة، وما لا شفعة فيه. والشفعة إنما هي في الأموال المشتركة.
وهي قسمان: عقار وغيره. فأثبت في هذا الحديث الشفعة في
العقار، ودل على أن غير العقار لا شفعة فيه، فالشركة في الحيوانات، والأثاثات،
والعقود، وجميع المنقولات لا شفعة فيها، إذا باع أحدهما نصيبه منها. وأما العقارات: فإذا أفرزت وحددت الحدود، وصرفت الطرق
واختار كل من الشريكين نصيبه، فلا شفعة فيها، كما هو نص الحديث، لأنه يصير حينئذ
جارا، والجار لا شفعة له على جاره. وأما إذا لم تحد الحدود ولم تصرف
الطرق، ثم باع أحدهم نصيبه: فللشريك أو الشركاء الباقين الشفعة، بأن يأخذوه
بالثمن الذي وقع عليه العقد، كل على قدر ملكه. وظاهر الحديث: أنه لا فرق بين العقار الذي تمكن
قسمته. وهذا هو الصحيح، لأن الحكمة في الشفعة - وهي إزالة الضرر عن الشريك -
موجودة في_____النوعين. والحديث عام. وأما ما استدل به على التفريق بين
النوعين: فضعيف. واختلف العلماء في شفعة
الجار على جاره، إذا
كان بينهما حق من حقوق الملكين، كطريق مشترك، أو بئر أو نحوهما: * فمنهم: من أوجب الشفعة في هذا النوع، وقال:
إن هذا الاشتراك في هذا الحق نظير الاشتراك في جميع الملك، والضرر في هذا كالضرر
هناك، وهو الذي تدل عليه الأدلة. * ومنهم: من لم يثبت فيه شفعة، كما هو المشهور
من مذهب الإمام أحمد. * ومنهم: من أثبت الشفعة للجار مطلقا، وهذه
الصورة عنده من باب أولى، كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة. والنبي صلى الله عليه وسلم أثبت
للشريك الشفعة: إن شاء أخذ، وإن شاء لم يأخذ، وهو من جملة الحقوق، التي لا تسقط
إلا بإسقاطها صريحا، أو بما يدل على الإسقاط. وأما اشتراط المبادرة جدا إلى الأخذ
بها، من غير أن يكون له فرصة في هذا الحق المتفق عليه: فهذا قول لا دليل عليه. وما استدلوا به من الحديثين اللذين
أوردوهما: «الشفعة كحل العقال»[1]، «الشفعة لمن واثبها»[2] طَلَبَها حين علِم بالبيع، ولم يتراخ
في طلبها، فلم يصحَّ منهما عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ شيْءٌ. فالصحيح: أن هذا الحق كغيره من الحقوق من خيار
الشرط، أو العيب أو نحوها، الحق ثابتٌ إلا إن أسقطه صاحبه بقول أو فعل، والله
أعلم." اهـ |
الأحكام المتعلقة بالشفعة:
1 -
لا يجوز للشريك أن يبيع نصيبه حتى يؤذن ويعرض على شريكه، فإن باع، ولم يؤذنه فهو
أحق به.
2 -
لا تثبت الشفعة في غير الأرض والعقار، كالمنقولات من الأمتعة والحيوان ونحو ذلك.
3
- الشفعة حق شرعي لا يجوز التحيل لإسقاطه؛ لأنها شرعت لدفع الضرر عن الشريك.
4
- تثبت الشفعة للشركاء على قدر ملكهم، ومن ثبتت له الشفعة أخذه بالثمن الذي بيعت
به سواء كان مؤجلاً أو حالاً.
5
- تثبت الشفعة بكون الحصة المنتقلة عن الشريك مبيعة بيعاً صريحاً أو ما في معناه،
فلا شفعة فيما انتقل عن ملك الشريك بغير بيع: كموهوب بغير عوض، وموروث، وموصى به.
6
- لابد أن يكون العقار المنتقل بالبيع قابلاً للقسمة، فلا شفعة فيما لا يقسم:
كحمام صغير، وبئر، وطريق.
7
- الشفعة تثبت المطالبة بها فور علمه بالبيع، وإن لم يطالب بها وقت البيع سقطت،
إلا إذا لم يعلم فهو على شفعته، كذلك لو أخَّر طلبه لعذر، كالجهل بالحكم أو غير
ذلك من الأعذار.
8
- محل الشفعة الأرض التي لم تقسم، ولم تحد، وما فيها من غراس وبناء فهو تابع لها.
فإذا قسمت لكن بقي بعض المرافق المشتركة بين الجيران كالطريق والماء ونحو ذلك،
فالشفعة باقية في أصح قولي أهل العلم.
9
- ولابد للشفيع مِنْ أخذ جميع المبيع، فلا يأخذ بعضه ويترك بعضه، وذلك دفعاً للضرر
عن المشتري.
[1] أخرجه ابن ماجه في سننه (2/ 835) (رقم : 2500)، وهو ضعيف جدا كما
صرح بذلك الألباني في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (5/
379) (رقم : 1542) لأجل محمد بن الحارث البصري، وهو راوٍ متروك،
وفيه كذلك : محمد بن عبد الرحمن ابن البيلماني،
الكوفى النحوى (مولى عمر بن الخطاب) ضعيف، و قد اتهمه ابن عدي و ابن حبان.
[2] وهو حديث مقطوع من كلام شريح القاضي _رحمه الله_ : أخرجه عبد
الرزاق الصنعاني في "مصنفه" (8/ 83) (رقم : 14406)، وسريج بن يونس
المروذي البغدادي في "القضاء" (ص: 37) (رقم : 56)،
والحديث المقطوع ليس بدليل يحتج به، وإنما هو
اجتهادات بعض أهل، إن وافق الحق قبل، وإلا فلا! والله أعلم بالصواب
Komentar
Posting Komentar