شرح الحديث السابع والثلاثين من كتاب "الأربعون حديثا في التربية والمنهج" للسدحان
|
الحديث
السابع والثلاثون عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا ، ثُمَّ قَالَ: "هَذَا
سَبِيلُ اللهِ ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ، ثُمَّ
قَالَ : هَذِهِ سُبُلٌ - قَالَ يَزِيدُ : مُتَفَرِّقَةٌ
-، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ
قَرَأَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا
السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]." |
تخريج الحديث:
أخرجه
أحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (1/ 435 و 1/ 465) (رقم: 4142 و 4437)،
والنسائي في "السنن الكبرى" (10/ 95) (رقم: 11109_11110)، وأبو داود
الطيالسي في "مسنده" (1/ 197) (رقم: 241)، وسعيد بن منصور في "التفسير
من السنن" (5/ 112) (رقم: 935)، والدارمي في "سننه" – ت. الزهراني
(1/ 119) (رقم: 209)، والبزار في "مسنده" = البحر الزخار (5/ 99 و 5/
113 و 5/ 131 و 5/ 251) (رقم: 1677 و 1694 و 1718 و 1865)، وابن نصر المروزي في "السنة"
(ص: 9_10) (رقم: 11_12)، وابن وضاح في "البدع" (1/ 67) (رقم: 75)، الشاشي
في "مسنده" (2/ 48_51) (رقم: 535_537)، وابن أبي حاتم في
"تفسيره" (5/ 1422) (رقم: 8102)، وابن حبان في "صحيحه" (1/
180_181) (رقم: 6_7)، والآجري في "الشريعة" (1/ 290_292) (رقم: 11_12)، وابن
بطة في "الإبانة الكبرى" (1/ 292_294) (رقم: 126_128)، واللالكائي في
"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (1/ 90 و 1/ 91) (رقم: 94 و 96)، والحاكم
في "المستدرك على الصحيحين" (2/ 261 و 2/ 348) (رقم: 2938 و 3241)، وأبو
نعيم في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (6/ 263).
والحديث حسنٌ صحيح: صرح بذلك الألباني _رحمه الله_ في "تخريج
مشكاة المصابيح" (1/ 58) (رقم: 166)، و"التعليقات الحسان على صحيح ابن
حبان" (1/ 146) (رقم: 6_7)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان" (2/
176) (رقم: 1741 و 1742)، و"ظلال الجنة" (1/ 13) (رقم: 16 و 17)، و"التوسل
أنواعه وأحكامه" (ص: 123).
شرح الحديث:
قال
عبيد الله الرحمني _رحمه الله_ في "مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح"
(1/ 265):
"قوله:
* (خط
لنا) أي خط لأجلنا تقريباً وتفهيماً وتعليماً لنا؛ لأن التصوير والتمثيل إنما يسلك
ويصار إليه لإبراز المعاني المحتجبة، ورفع الأستار عن الرموز المكنونة؛ لتظهر في
صورة المشاهد المحسوس، فيساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه.
* (خطاً)،
أي: مستوياً مستقيماً
* (هذا
سبيل الله)، أي: هذا الدين القويم والصراط المستقيم، وهما الاعتقاد الحق والعمل
الصالح، وهذا الخط لما كان مثالاً سماه سبيل الله، كذا قاله ابن الملك.
قال القاري: والأظهر أن المشار إليه بهذا هو الخط
المستوي، والتقدير: هذا مثل سبيل الله، أو هذا
سبيل الله مثلاً. وقيل: تشبيه بليغ معكوس، أي سبيل الله الذي هو عليه وأصحابه مثل
الخط في كونه على غاية الاستقامة.
* (ثم
خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله) أي خطوطاً منحرفة عن يمين الخط المستوى وعن شماله.
(وقال: هذه) أي الخطوط (سبل) أي سبل للشيطان. (على كل سبيل) أي رأسه (منها) أي من
السبل (شيطان) من الشياطين، (يدعو) ذلك الشياطين الناس (إليه) أي سبيل من السبل،
وفيه: إشارة إلى أن سبيل الله وسط وقصد، ليس
فيه تفريط ولا إفراط، وسبل أهل البدع منحرفة عن الاستقامة
وفيها تقصير وغلو.
* (وقرأ)
أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {وأن هذا} بالفتح والتشديد على تقدير: اُتْلُ
عليهم، وقيل: على تقدير لام التعليل المتعلقة بـ"اتبعوه"، أي اتبعوه
لأنه مستقيم،
و"هذا" إشارة إلى ما ذكر في
الآيتين قبله من الأوامر والنواهي، وقيل: الإشارة إلى ما ذكر في هذه السورة أي
سورة الأنعام، فإنها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة.
* (صراطي)
أي ديني وهو خبر "أن". (مستقيماً) حال مؤكدة والعامل فيها اسم الإشارة.
(الآية) بعدها
* {ولا
تتبعوا السبل} أي سبل الشياطين المنحرفة الزائغة من طرق الشرك والبدعة والضلالة.
{فتفرق بكم} بحذف إحدى التائين منصوب بإضمار
"أن" بعد الفاء في جواب النهي. {عن سبيله} [153:6] إشارة إلى أنه لا يمكن اجتماع سبيل الحق مع السبل
الباطلة،
* وفيه: أن أصحاب سبيل الحق والصراط المستقيم
هي الفرقة الناجية، وأصحاب السبل المنحرفة هي الفرق الغيرُ الناجيةِ." اهـ
قال
القاضي البيضاوي _رحمه الله_ في "تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة" (1/
138):
"(سبيل
الله): هو الرأي القويم والصراط المستقيم، وهما: الاعتقاد الحق والعمل الصالح،
وذلك لا تتعدد أنحاؤه، ولا تختلف جهاته، لكن له درجات ومنازل يقطعها السالك بعلمه
وعمله. فمن زل قدمه، وانحرف عن أحد هذه المنازل، فقد ضل سواء السبيل، وتباعد عن
المقصد المقصود، ولا يزال سيره وسعيه يزيد له انهماكا في الضلال وبعدا عن المرمى،
إلا أن يتداركه الله بفضله، فيلهمه أنه ليس على الطريق، وأنه لو استمر على ما هو
عليه أفضى به إلى الهلاك، وهو التوبة، فينكص على عقبيه حتى يلتحق بالمقام الذي
انحرف عنه، وهو الإنابة ثم يأخذ منها في سلوك ما يليها، وهو السداد." اهـ
المعنى الإجمالي للحديث:
أخبر
عبدُ الله بن مسعودٍ _رضي الله عنه_:
أنَّ
النبيَّ ﷺ قرَّب المعنى إلى الأفهام بخطٍّ محسوس، فخطَّ خطًّا مستويًا، وقال: (هذا
سبيلُ الله)، أي دينُه القويم وصراطُه المستقيم الجامعُ بين صحة الاعتقاد وصلاح
العمل،
ثم
خطَّ خطوطًا منحرفةً عن يمينه وشماله، وبيَّن أنَّها سُبُلٌ متفرِّقة، على رأس
كلِّ واحدٍ منها شيطانٌ يدعو الناس إليه، ليُخرجهم عن الجادّة ويصدَّهم عن طريق
الهدى.
ثم
تلا ﷺ قولَ الله _تعالى_: {وأنَّ هذا صراطي مستقيمًا فاتَّبعوه ولا تتَّبعوا السبل
فتفرَّق بكم عن سبيله}،
فدلَّ
ذلك على أنَّ سبيلَ الحق واحدٌ لا يتعدَّد، وهو وسطٌ بين
الإفراط والتفريط، وأنَّ ما عداه من الطرق فروعُ ضلالةٍ وبدعٍ وزيغ، يزينها
الشيطان لأهلها،
فلا
يجتمع الحقُّ والباطل في طريقٍ واحد، بل من اتَّبع الصراط المستقيم كان من الفرقة
الناجية، ومن ركن إلى السُّبل المتشعِّبة، تتفرَّقْ به الهوى عن سواء السبيل.
|
قال
الشيخ عبد العزيز بن محمد السدحان _حفظه الله_ في كتابه "الأربعون حديثا في
التربية والمنهج" (ص: 79_80): "قوله: (خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ خَطًّا ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا سَبِيلُ اللهِ ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا)، * فيه: تَنَوُّعُ وسائِلِ إيْضَاحِ الْعِلْمِ للناس، وقوله: (ثم قال: هذا سبيل الله) * فيه: أن سبيل الحق واحدٌ * وفيه: أن أحكام الشريعة ثابتة مع اختلاف الأعصار والأمصار * وفيه: أن معرفة الحق مردها إلى أحكام الشريعة على هدي محمد
_صلى الله عليه وسلم_. وقوله: (ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ،
ثُمَّ قَالَ : هَذِهِ سُبُلٌ) * فيه: كثرة سبل الضلال * وفيه: اتفاق سبُل أهل الضلال على مخالفة سبيل الحق مع اختلاف
تشعبهم في سبل الردى والهوى قوله: (عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ)، *
فيه: كثرة دعاة الباطل * وفيه أن دعاة الباطل هم شياطين الإنس، وأعظم أعوانهم إخوانهم
من شياطين الحن. {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا
يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 202] وكلاهما
يجتمعات في محاربة دعوة الأنبياء، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ
عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ
الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112] وقوله: ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ
وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]."
* فيه: أن الاستشهاد بالنصوص في الوعظ ودعوة الناس من أعظم أسباب
التأثير {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45] * وفيه: موافقة السنة للكتاب، وتأكيدها على ما جاء في الكتاب، {كُلٌّ
مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] * وفي الحديث: أن على دعاة الخير أن يلزموا
منهج الحق، وأن يتبصروا في أمرهم، وأن
يكون منطلقهم في دعوة الناس من منهج النبي _صلى
الله عليه وسلم_، وأن لا يغتَرُّوا بكثرة الدعوات ومناشطِها حتى يعرضوا كل ذلك
على منهج النبي _صلى الله عليه وسلم_: والشرع
ميزان الأمور كلها - وشاهد لفرعها وأصلها |
قال ابن تيمية _رحمه الله_ في "الجواب الصحيح
لمن بدل دين المسيح" (3/ 179_180):
فَالصِّرَاطُ: هُوَ الطَّرِيقُ الْمَحْدُودُ
الْمُعْتَدِلُ الَّذِي يَصِلُ سَالِكُهُ إِلَى مَطْلَبِهِ بِسُرْعَةٍ، وَقَدْ
ذَكَرَ اللَّهُ لَفْظَ الصِّرَاطِ فِي كِتَابِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَلَمْ
يُسَمِّ اللَّهُ سَبِيلَ الشَّيْطَانِ سِرَاطًا، بَلْ سَمَّاهَا سُبُلًا، وَخَصَّ
طَرِيقَهُ بِاسْمِ الصِّرَاطَ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:___{وَأَنَّ هَذَا
صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ
بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] .
وَفِي السُّنَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
مَسْعُودٍ قَالَ: «خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - خَطًّا، وَخَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ:
هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ وَهَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ
يَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ أَجَابَهُ قَذَفَهُ فِي النَّارِ ثُمَّ قَرَأَ:
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا
فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}
[الأنعام: 153] » .
فَسَمَّى - سُبْحَانَهُ - طَرِيقَهُ صِرَاطًا،
وَسَمَّى تِلْكَ سُبُلًا، وَلَمْ يُسَمِّهَا صِرَاطًا كَمَا سَمَّاهَا سَبِيلًا،
وَطَرِيقُهُ يُسَمِّيهِ سَبِيلًا كَمَا يُسَمِّيهِ صِرَاطًا." اهـ
وقال ابن القيم _رحمه الله_ في "مدارج السالكين
بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين" (1/ 38):
وَهَذَا لِأَنَّ الطَّرِيقَ الْمُوَّصِلَ إِلَى
اللَّهِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَا بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، لَا
يَصِلُ إِلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَلَوْ أَتَى النَّاسُ
مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ، وَاسْتَفْتَحُوا مِنْ كُلِّ بَابٍ، فَالطُّرُقُ عَلَيْهِمْ
مَسْدُودَةٌ، وَالْأَبْوَابُ عَلَيْهِمْ مُغَلَّقَةٌ إِلَّا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ
الْوَاحِدِ، فَإِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِاللَّهِ، مُوَصِّلٌ إِلَى اللَّهِ، قَالَ
اللَّهُ تَعَالَى {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} [الحجر: 41] قَالَ
الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ صِرَاطٌ إِلَيَّ مُسْتَقِيمٌ
قال ابن تيمية _رحمه الله_ في "مجموع الفتاوى"
(1/ 162):
"وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ بِمَا
لَيْسَ مِنْ الْحَسَنَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا أَمْرَ إيجَابٍ وَلَا اسْتِحْبَابٍ
فَهُوَ ضَالٌّ مُتَّبِعٌ لِلشَّيْطَانِ وَسَبِيلُهُ مِنْ سَبِيلِ الشَّيْطَانِ."
اهـ
ملحق الفوائد:
وفيما يلي فوائدُ كثيرةٌ مستنبطةٌ من حديث عبد الله
بن مسعود _رضي الله عنه_ في رسم النبي ﷺ للخطوط وبيانه سبيلَ الله وسبلَ الشيطان:
(1) أنَّ سبيلَ الله واحدٌ لا يتعدَّد، وهو
الصراطُ المستقيم الذي بعث الله به أنبياءه، فلا يُنال الحقُّ بتشعُّب الآراء
وتفرُّق المناهج.
أي: أنَّ الدين الذي ارتضاه الله لعباده طريقٌ
واحدٌ واضحُ المعالم، لا يَحتمل التلوُّن ولا التشعُّب في أصوله.
(2) أنَّ ما عدا هذا السبيل من الطرق كلُّها
سُبُلُ ضلالة، وإن كثر سالكوها أو زخرفت أسماؤها.
فكلُّ طريقٍ خالف الوحي فهو باطلٌ، وإن تزيَّن
بالانتساب إلى العلم أو الإصلاح.
(3) أنَّ سُبُلَ الباطل متفرِّقةٌ كثيرة،
بخلاف سبيل الحق، فإنَّه واحدٌ مستقيم. لأنَّ الهوى متشعِّب، والحقُّ مضبوطٌ بقيود
الشرع.
(4) أنَّ لكلِّ طريقٍ من طرق الضلال شيطانًا
خاصًّا يدعو الناس إليه ويزيِّن لهم باطله.
أي: أنَّ وراء كلِّ بدعةٍ داعيةً من شياطين الإنس
أو الجن يزيِّنها ويحضُّ عليها.
(5) أنَّ الشيطان لا يكتفي بالوسوسة الخفيّة،
بل يتصدَّر الدعوة إلى البدع والضلالات. فهو يُنشئ مذاهب وأفكارًا ليجتذب بها
الناس عن سواء السبيل.
(6) أنَّ التمثيل الحسيّ في التعليم أدعى
للفهم وأرسخ في القلوب من مجرَّد القول. إذ تصوير المعنى بالخطوط أوقع في النفس
وأقرب إلى الفهم.
(7) أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقرن البيان النظري
بالصورة المشاهدة لتقريب المعاني. لأنه جمع بين القول والرسم ليحصل البيان التام.
(8) أنَّ الاستقامة هي لزوم الوسط والقصد، لا
ميل فيه إلى غلوٍّ ولا إلى تقصير. فلا يُنال الهدى بالغلوّ ولا بالجفاء، بل بسلوك
الجادّة.
(9) أنَّ الانحراف عن الصراط إنما يكون إمّا
بإفراطٍ أو بتفريط، وكلاهما خروجٌ عن سواء السبيل. فالمبالغة في الدين أو التهاون
فيه كلاهما ضلال.
(10) أنَّ البدعَ إنما تنشأ من الميل عن الجادّة،
لا من نفس الصراط المستقيم. فلا تظهر البدعة، إلا بعد الانحراف عن أصل السنّة.
(11) أنَّ الآية الكريمة أصلٌ جامع في وجوب
اتباع السنة وترك طرق الأهواء. إذ أمرت باتباع الصراط ونهت عن السبل.
(12) أنَّ من اتَّبع السبل المتفرِّقة تفرَّق
قلبه ورأيه، فلم يجتمع له نورُ الهداية. لأنَّ من تشتَّتت طرقه تشتَّت مقصده
ونيته.
(13) أنَّ الحقَّ لا يُعرف بكثرة أتباعه، بل
بدليله واستقامته. فربَّ طريقٍ قليل السالكين وهو الحق، وكثير السالكين وهو
الباطل.
(14) أنَّ أهلَ الصراط المستقيم هم الفرقةُ
الناجية، لا من تفرَّق في الأهواء والمذاهب المحدثة. لأنهم لزموا ما جاء به النبي ﷺ
دون زيادة ولا نقصان.
(15) أنَّ الاجتماع الحقيقي هو الاجتماع على
الحق، لا الاجتماع على الأسماء والشعارات.
(16) أنَّ من لزم سبيلَ الله عصمه الله من
تلاعب الشياطين ودعواتهم. فمن ثبت على الصراط، عصمه الله من كيد الشيطان.
(17) أنَّ أعظم أسباب الضلال اتِّباعُ
السُّبل بعد قيام الدليل على الصراط المستقيم. فليس الهلاك في الجهل وحده، بل في
الإعراض بعد البيان.
(18) أنَّ العلم وحده لا يكفي، بل لا بدَّ من
الثبات على الطريق وعدم الالتفات إلى المنحرفات. فكم من عالمٍ عرف الطريق ثم مال
عنه فهلك.
(19) أنَّ التفرُّق في الدين سببُ الهلاك في
الدنيا والآخرة. إذ به تضيع الهيبة وتكثر الفتن.
(20) أنَّ هذا الحديث ميزانٌ تُعرَض عليه
المناهج والدعوات، فما وافق الخطَّ المستقيم قُبِل، وما مال عنه، رُدَّ على صاحبه
كائنًا من كان. فكلُّ دعوةٍ تُعرض على هذا الأصل، فما وافقه قُبِل، وما خالفه
رُدَّ على صاحبه.
Komentar
Posting Komentar