شرح الحديث 243
|
123- باب العفو والصفح عن الناس 243 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ
قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا،
فَقِيلَ: "أَلَا نَقْتُلُهَا؟" قَالَ: «لَا»، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ
اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_." [قال الشيخ الألباني: صحيح] |
رواة الحديث:
* حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ (ثقة: ت. ت. 228 هـ و قيل 227 هـ):
عبد الله بن عبد الوهاب الحَجَبِي، أبو محمد البصري، من كبار الآخذين عن تبع
الأتباع، روى له: خ س
* قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ
الْحَارِثِ (ثقة ثبت: ت. 186 هـ):
خالد بن الحارث بن عبيد بن سليمان بن عبيد بن سفيان
بن مسعود (ويقال: خالد بن الحارث بن سليم) الْهُجَيمي،
أبو عثمان البصري، المولود: 120 هـ، من الوسطى من أتباع التابعين، روى له : خ م د ت س ق
* قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ثقة حافظ متقن: ت. 160
هـ بـ البصرة):
شعبة
بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم الأزدي، أبو بسطام الواسطي
ثم البصري (مولى عبدة بن الأغر مولى يزيد بن المهلب)، من كبار أتباع
التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* عَنْ هِشَامِ
بْنِ زَيْدٍ (ثقة):
هشام بن زيد بن أنس بن مالك الأنصاري، من صغار التابعين، روى
له: خ م د ت س ق
* عَنْ أَنَسٍ (صحابي:
ت. 93 هـ):
أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن
جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري النجارى ، أبو حمزة
المدني، روى له: خ م د ت س ق
نص
الحديث:
عَنْ أَنَسٍ:
أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ
مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا، فَقِيلَ: "أَلَا نَقْتُلُهَا؟" قَالَ: «لَا»،
قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ
اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_."
وفي "صحيح مسلم" (4/ 1721):
"عَنْ أَنَسٍ:
أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ _صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا
إِلَى رَسُولِ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ؟
فَقَالَتْ: "أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ"، قَالَ: «مَا
كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ»
قَالَ: - أَوْ قَالَ - «عَلَيَّ»
قَالَ قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: «لَا»، قَالَ:
«فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_»
وفي "سنن أبي داود" (4/ 174) (رقم: 4512):
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ
الصَّدَقَةَ»
حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ
خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ
الصَّدَقَةَ»
زَادَ: فَأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً
مَصْلِيَّةً سَمَّتْهَا فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مِنْهَا وَأَكَلَ الْقَوْمُ فَقَالَ: «ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّهَا
أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ»
فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ
الْأَنْصَارِيُّ فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ «مَا حَمَلَكِ عَلَى الَّذِي
صَنَعْتِ؟»
قَالَتْ: "إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ
الَّذِي صَنَعْتُ، وَإِنْ كُنْتَ مَلِكًا أَرَحْتُ النَّاسَ مِنْكَ"،
فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُتِلَتْ،
ثُمَّ قَالَ: فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ «مَازِلْتُ أَجِدُ مِنَ
الْأَكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ فَهَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي»
مرسل صحيح
وفي "فتح الباري" لابن حجر (7/ 497):
"وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ
حُسَيْنٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ:
أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْيَهُودِ أَهْدَتْ لِرَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةً مَسْمُومَةً فَأَكَلَ فَقَالَ
لِأَصْحَابِهِ أَمْسِكُوا فَإِنَّهَا مَسْمُومَةٌ وَقَالَ لَهَا مَا حَمَلَكِ
عَلَى ذَلِكَ قَالَتْ أَرَدْتُ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَيُطْلِعَكَ اللَّهُ وَإِنْ
كُنْتَ كَاذِبًا فَأُرِيحَ النَّاسَ مِنْكَ قَالَ فَمَا عَرَضَ لَهَا.
فتح الباري لابن حجر (7/ 497_498):
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ:
يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَهَا أَوَّلًا ثُمَّ لَمَّا
مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ مِنَ الْأَكْلَةِ قَتَلَهَا وَبِذَلِكَ أَجَابَ
السُّهَيْلِيُّ وَزَادَ أَنَّهُ كَانَ تَرَكَهَا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ
لِنَفْسِهِ ثُمَّ قَتَلَهَا بِبَشَرٍ قِصَاصًا،
قُلْتُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَهَا لِكَوْنِهَا
أَسْلَمَتْ وَإِنَّمَا أَخَّرَ قَتْلَهَا حَتَّى مَاتَ بِشْرٌ لِأَنَّ بِمَوْتِهِ
تَحَقَّقَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ بِشَرْطِهِ،
وَوَافَقَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَلَى
تَسْمِيَتِهَا زَيْنَبَ بِنْتِ الْحَارِثِ وَأَخْرَجَ الْوَاقِدِيُّ بِسَنَدٍ لَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا مَا حَمَلَكِ عَلَى مَا فَعَلْتِ
قَالَتْ قَتَلْتَ أَبِي وَعَمِّي وَزَوْجِي وَأَخِي قَالَ فَسَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ
بْنَ جَعْفَرٍ فَقَالَ عَمُّهَا يَسَارٌ وَكَانَ مِنْ أَجْبَنِ النَّاسِ وَهُوَ
الَّذِي أُنْزِلَ مِنَ الرَّفِّ وَأَخُوهَا زُبَيْرٌ وَزَوْجُهَا سَلَّامُ بْنُ
مُشْكِمٍ.
وَوَقَعَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: أُخْتُ مَرْحَبٍ،
وَبِهِ جَزَمَ السُّهَيْلِيُّ وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي
الدَّلَائِلِ بِنْتُ أَخِي مَرْحَبٍ، وَلَمْ يَنْفَرِدِ
الزُّهْرِيُّ بِدَعْوَاهُ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ،
فَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِي
مَغَازِيهِ، وَلَفْظُهُ بَعْدَ قَوْلِهَا (وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا أَرَحْتَ
النَّاسَ مِنْكَ، وَقَدِ اسْتَبَانَ لِي الْآنَ أَنَّكَ صَادِقٌ، وَأَنَا
أُشْهِدُكَ وَمَنْ حَضَرَ أَنِّي عَلَى دينك وَأَن__لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)،
قَالَ: فَانْصَرَفَ عَنْهَا حِينَ أَسْلَمَتْ.
قال ابن حجر _رحمه الله_ في "فتح الباري" (7/
498):
وَقَدِ اشْتَمَلَتْ قِصَّةُ خَيْبَرَ عَلَى
أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ:
* مِنْهَا جَوَازُ قِتَالِ الْكُفَّارِ فِي أَشْهُرِ
الْحُرُمِ وَالْإِغَارَة عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ بِغَيْرِ إِنْذَارٍ
وَقِسْمَة الْغَنِيمَةِ عَلَى السِّهَامِ وَأَكْل الطَّعَامِ الَّذِي يُصَابُ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا
يَدَّخِرَهُ وَلَا يُحَوِّلَهُ
وَأَنَّ مَدَدَ الْجَيْشِ إِذَا حَضَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ
الْحَرْبِ يُسْهَمُ لَهُ إِنْ رَضِيَ الْجَمَاعَةُ كَمَا وَقَعَ لِجَعْفَرٍ
وَالْأَشْعَرِيِّينَ وَلَا يُسْهَمُ لَهُمْ إِذَا لَمْ يَرْضَوْا كَمَا وَقَعَ
لِأَبَانَ بْنِ سَعِيدٍ وَأَصْحَابِهِ وَبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ
وَمِنْهَا تَحْرِيمُ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ
وَأَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ وَتَحْرِيمُ
مُتْعَةِ النِّسَاءِ
وَجَوَازُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَيَثْبُتُ
عَقْدُ الصُّلْحِ وَالتَّوَثُّقِ مِنْ أَرْبَابِ التُّهَمِ
وَأَنَّ مَنْ خَالَفَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَا شَرَطَ
عَلَيْهِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ وَهُدِرَ دَمُهُ
وَأَنَّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ
الْقِسْمَةِ لَمْ يَمْلِكْهُ وَلَوْ كَانَ دُونَ حَقِّهِ
وَأَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ
بَيْنَ قِسْمَتِهَا وَتَرْكِهَا
وَجَوَازُ إِجْلَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا اسْتَغْنَى
عَنْهُمْ
وَجَوَازُ الْبِنَاءِ بِالْأَهْلِ بِالسَّفَرِ
وَالْأَكْلُ مِنْ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَبُولِ
هَدِيَّتِهِمْ وَقَدْ ذَكَرْتُ غَالِبَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فِي أَبْوَابِهَا
وَالله الْهَادِي للصَّوَاب." اهـ
وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في
شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (36/ 34):
(أَنَّ امْرَأة يَهُودِيةً) اسمها زينب بنت الحارث، أخت مِرْحب
اليهوديّ، كذا جاءت مسمّاةً في "مغازي موسى بن عُقبة"، وفي
"الدلائل" للبيهقيّ، قاله صاحب "التنبيه". واختُلف في
إسلامها. " اهـ
كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 198)
اللهوات جمع لهاة: وَهِي اللحمة المتدلية من الحنك
الْأَعْلَى، فَهِيَ حَمْرَاء مُتَعَلقَة.
المعنى الإجمالي للحديث:
دلّ هذا الحديث على عظيم خُلُق النبي ﷺ في العفو والحِلم
والصفح، مع قدرته الكاملة على المعاقبة والانتقام؛ فإن المرأة اليهودية تعمّدت
تسميم الشاة لتقتل النبي ﷺ، ومع ذلك لما أُحضرت بين يديه، واستُشير في قتلها، أبى
ذلك وقال: «لا»، فكان عفوه ﷺ عفوَ قدرةٍ لا عفوَ عجز، ورحمةً بالخلق، وتعليمًا
للأمة خُلُق الإحسان وكظم الغيظ.
وبيّن الحديث ما تحمّله النبي ﷺ من الأذى في سبيل الدعوة،
وأن أثر ذلك السم بقي ظاهرًا في جسده الشريف، يعرفه أنس رضي الله عنه في
لَهَوَاته، ومع هذا لم يزده الأذى إلا صبرًا ورفقًا، فاجتمع في هذا الموقف كمالُ
الشجاعة، وسَعة الصدر، وحسن السياسة الشرعية، وتقرير أصلٍ عظيمٍ من أصول المعاملة،
وهو أن العفو عند المقدرة من أشرف الأخلاق، وأعلاها منزلة.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 94) (رقم: 243)،
صحيح البخاري (3/ 163) (رقم: 2617)، صحيح مسلم (4/ 1721/ 45) (رقم: 2190)، سنن أبي
داود (4/ 173) (رقم: 4508)، مسند أحمد - عالم الكتب (3/ 218) (رقم: 13285)، المعجم
الأوسط (3/ 43) (رقم: 2417)، السنن الكبرى للبيهقي (8/ 82 و 10/ 19) (رقم: 16005_16006
و 19716)، دلائل النبوة للبيهقي (4/ 259)
قال الإثيوبي في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح
الإمام مسلم بن الحجاج" (36/ 34):
"جمع الله لنبيِّه فيه بين النبوَّة والشهادة؛ مبالغةً في
الترفيع والكرامة."
وقال ابن هبيرة في الإفصاح عن معاني الصحاح (5/ 62):
* وفيه جواز أكل ذبائحهم.
* وأما قول أنس: ما زلت أعرفها في لهوات رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -.
اللهوات: جمع لهاة، وهي اللحمة المتدلية من الحنك الأعلى
فهي حمراء متعلقة، والمعمول عليه هو قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ما
كان الله ليسلطك علي) وهذا كان في غزاة خيبر.
* واسم هذه اليهودية زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم.
وقال محمد بن سعد: التثبت عندنا أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - قتلها، وإنما قتلها لأنها نقضت العهد بذلك، وإن كان هو قد سلمه الله
عز وجل، وقد اتفق المسلمون على أنه من سب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتل
فكيف بمن سمه؟!
ملحق الفوائد:
فيما يلي فوائدٌ عديدةٌ مستنبطةٌ من هذا الحديث الشريف:
1 - بيان كمال خُلُق النبي ﷺ في العفو والصفح
فإنه ﷺ عفا عمّن قصدت قتله بالسم، مع ثبوت الجناية، فكان
عفوه عفوَ اقتدار، لا عفوَ اضطرار، وذلك من أعلى مراتب الأخلاق.
2- أن العفو عند المقدرة من أشرف خصال الكرام
إذ لو شاء ﷺ لأمر بقتلها قصاصًا، فلما ترك ذلك دلّ على أن
الصفح عند القدرة أكمل في باب الفضل والإحسان.
3 - إظهار سعة حلمه ﷺ وثباته عند الأذى
فقد أصابه من السم أذى باقٍ في جسده الشريف، ومع ذلك لم
يحمله الألم على التشفي أو الانتقام.
4 - أن الصبر على أذى الناس خُلُق الأنبياء
فالحديث شاهدٌ على أن طريق الدعوة محفوفٌ بالأذى، وأن الصبر
عليه من دلائل الصدق وكمال الإيمان.
5 - جواز ترك العقوبة لمصلحةٍ راجحة
ففي امتناعه ﷺ عن قتلها دليلٌ على أن الإمام قد يترك
العقوبة إذا رأى في ذلك مصلحةً شرعيةً أرجح.
6 - بيان الفرق بين العفو في حق النفس وحق غيرها
فإن عفوه ﷺ كان فيما تعلّق بحقه الشخصي، لا فيما فيه اعتداءٌ
على حقوق الأمة.
7 - الدلالة على بشرية النبي ﷺ وتأثره بما يصيبه
إذ بقي أثر السم يُعرف في لهواته، وفي ذلك ردٌّ على من غلا
فأنكر عنه البشرية.
8 - إظهار صدق رواية الصحابة ودقة نقلهم
حيث نقل أنس رضي الله عنه الأثر الباقي في جسده ﷺ، ولم
يَكتم ما فيه إيلامٌ أو مشقة.
9 - أن المعجزة لا تقتضي انتفاء الأسباب
فمع كونه ﷺ مؤيدًا بالوحي، إلا أنه أكل، وتأثر بالسم، فدلّ
على جريان السنن الكونية عليه.
10 - التنبيه على عظم جرم الغدر والخيانة
إذ سُمِّي الطعام مسمومًا، وفي ذلك إشارة إلى قبح الغدر،
وإن عفا عنه النبي ﷺ لحكمة.
11 - تعليم الأمة سياسة النفوس بالرحمة لا بالقسوة
فإن العفو قد يكون أدعى لقبول الحق، وأبلغ في كسر شوكة
العداوة.
12 - إثبات خُلُق الرحمة في الشريعة الإسلامية
فالحديث أصلٌ في أن الإسلام دين عدلٍ ورحمة، لا دين تشفٍّ
وانتقام.
13 - أن الابتلاء لا ينافي علو المنزلة
فما أصاب النبي ﷺ من الألم لم ينقص من قدره، بل زاده رفعةً
وأجرًا.
14 - استحباب كظم الغيظ وترك مقابلة الإساءة بالإساءة
لما في ذلك من تهذيب النفس، وإصلاح القلوب، واقتداءٍ بسيد
الخلق ﷺ.
فهذه جملةٌ من فوائد هذا الحديث الجليل، تدلّ على عظيم
شمائل النبي ﷺ، وكمال شريعته، وحسن تأديبه لأمته بالقول والفعل.
Komentar
Posting Komentar