شرح الحديث 2 (باب ما جاء في خلق رسول الله _صلى الله عليه وسلم_) من الشمائل المحمدية
|
[2] – (2) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَصْرِيُّ
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبْعَةً، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ
وَلَا بِالْقَصِيرِ، حَسَنَ الْجِسْمِ، وَكَانَ شَعْرُهُ لَيْسَ بِجَعْدٍ وَلَا
سَبْطٍ أَسْمَرَ اللَّوْنِ، إِذَا مَشَى يَتَكَفَّأُ» |
رواة الحديث:
* حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ
الْبَصْرِيُّ (صدوق: ت. 244 هـ):
حميد بن مسعدة بن المبارك السامي الباهلي، أبو علي (ويقال: أبو العباس)، البصري، كبار
الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: م د ت س ق
* قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ
الثَّقَفِيُّ (ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين: ت.
194 هـ):
عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت الثقفي أبو محمد البصري (وجده: الحكم بن أبى العاص، أخو
عثمان بن أبى العاص، ولهما صحبة)، من الوسطى من أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* عَنْ حُمَيْدٍ (ثقة
مدلس: ت. 142 هـ):
حميد بن أبى حميد الطويل البصري،
أبو عبيدة الخزاعى (ويقال: السلمي، ويقال: الدارمي)، مولى طلحة الطلحات (خال حماد
بن سلمة)، من صغار التابعين، روى له: خ م د ت س
ق
* عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (صحابي:
ت. 93 هـ):
أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن
جندب بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار الأنصاري النجاري،
أبو حمزة المدني، روى له: خ م د ت س ق
نص الحديث وشرحه
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_ رَبْعَةً، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، حَسَنَ الْجِسْمِ،
وَكَانَ شَعْرُهُ لَيْسَ بِجَعْدٍ وَلَا سَبْطٍ أَسْمَرَ
اللَّوْنِ، إِذَا مَشَى يَتَكَفَّأُ»
وقال إبراهيم بن إبراهيم بن حسن اللَّقَّانِيُّ[1]
المالكي (المتوفى: 1041هـ) _رحمه الله_ في "بهجة المحافل وأجمل الوسائل
بالتعريف برواة الشمائل" (1/ 66):
"قوله: (أسمر اللون)،
قال الحافظ أبو الفضل العراقي:
هذه اللفظة (أعني أسمر اللون)، انفرد بها حميد عن
أنس، ورواه غيره من الرواة عنه بلفظ أزهر اللون،
ثم نظرنا من روى صفة لونه _عليه السلام_ غير أنس،
فكلهم وصفه بالبياض دون السُّمْرَةِ وهم خمسة عشر صحابياً، فتكون روايةُ حميدٍ
شاذةً." اهـ
وقال محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (المتوفى: 1353 هـ) _رحمه الله_ في "تحفة
الأحوذي" (10/ 68):
"(وَلَا بِالْآدَمِ) مِنَ الأدمة بالضم
بمعنى السمرة أي لَيْسَ بِأَسْمَرَ،
وَهَذَا يُعَارِضُ مَا فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عَنْ
أَنَسٍ فِي بَابِ الْجُمَّةِ وَاتِّخَاذِ الشَّعْرِ:
أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَسْمَرَ اللَّوْنِ،
وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا: بِأَنَّ
الْمَنْفِيَّ إِنَّمَا هُوَ شِدَّةُ السُّمْرَةِ، فَلَا يُنَافِي إِثْبَاتَ
السُّمْرَةِ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ، عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ (أَسْمَرَ
اللَّوْنِ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ انْفَرَدَ بِهَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ
وَرَوَاهُ عَنْهُ غَيْرُهُ مِنَ الرُّوَاةِ بِلَفْظِ (أَزْهَرَ اللَّوْنِ)،
وَمَنْ رَوَى صِفَتَهُ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_ غَيْرُ أَنَسٍ، فَقَدْ وَصَفَهُ بِالْبَيَاضِ دونَ السُّمْرَةِ، وَهُمْ خَمْسَةَ عشرة صَحَابِيًّا قَالَهُ الْحَافِظُ
الْعِرَاقِيُّ.
وَحَاصِلُهُ: تَرْجِيحُ رِوَايَةِ الْبَيَاضِ
بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ وَمَزِيدِ الْوَثَاقَةِ، وَلِهَذَا قَالَ بن الْجَوْزِيِّ: "هَذَا
حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ كُلِّهَا."
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِـ"السُّمْرَةِ": الْحُمْرَةُ، لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُطْلِقُ عَلَى
كُلِّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ أَسْمَرُ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ رِوَايَةُ
الْبَيْهَقِيِّ: (كَانَ أَبْيَضَ بَيَاضُهُ إِلَى السُّمْرَةِ)،
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ
الْمُرَادَ بِالسُّمْرَةِ حُمْرَةٌ تُخَالِطُ الْبَيَاضَ وَبِالْبَيَاضِ
الْمُثْبَتِ فِي رِوَايَةِ مُعْظَمِ الصَّحَابَةِ مَا يُخَالِطُ الْحُمْرَةَ وآدم
بمد الهمزة وأصله أدم بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى وَزْنِ أَفْعَلُ أُبْدِلَتِ
الثَّانِيَةُ أَلِفًا
وفي "أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل" (ص:
50) للهيتمي:
"(إذا مشى يتكفأ) بالهمز وتركه تخفيفا:
أى تكفأ كأنما ينحط من صبب." اهـ
وفي "شرح السنة" للبغوي (13/ 220):
"قَوْله (ربعَة): هُوَ الرجل بَين
الرجلَيْن، كَمَا قَالَ: لَيْسَ بالطويل وَلَا بالقصير." اهـ
المعنى الإجمالي للحديث:
حكى أنس بن مالك _رضي الله عنه_ في هذا الحديث
وصفًا مختصرًا ودقيقًا لهيئة النبي _صلى الله عليه وسلم_.
فأخبر أنه كان ربعةً؛ أي وسطًا في القامة، ليس
بالطويل ولا بالقصير. كما ذكر أنه _صلى الله عليه وسلم_ كان حسن الجسم، متناسق
الخِلقة، جميل الهيئة.
ووصف أنس بن مالك _رضي الله عنه_ شعْره بأنه ليس
شديد الجعودة، ولا شديد النعومة، بل كان وسطًا بينهما، وهي هيئة أكمل ما يكون من
الجمال.
ثم ذكر لون بشرته _صلى الله عليه وسلم_ بأنه كان
أسمرَ لونًا، أي" فيه سمرة يسيرة طبيعية تزيده جمالًا. ووصف مشيته بأنها
يتكفّأ؛ أي يميل في مشيه ميلًا خفيفًا مع قوة ونشاط، فيمشي بثباتٍ وقصد، لا
بخُيلاء ولا بتباطؤ.
فالحديث أعطى صورة معتدلة عن جمال خَلق النبي ﷺ
وتناسق هيئته وحُسْنِ مشيته، مما يدل على كمال خِلقته وأدبه _صلى الله عليه وسلم_.
تخريج الحديث:
أخرجه الترمذي في "الشمائل المحمدية" – ط.
المكتبة التجارية (ص: 29) (رقم: 2)، وفي "سننه" – ت. شاكر (4/ 233)
(رقم: 1754)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" – ط. العلمية (1/ 317)، وأبو
يعلى الموصلي في "مسنده" (6/ 445) (رقم: 3832)، والآجري في "الشريعة"
(3/ 1496) (رقم: 1019)، وأبو جعفر ابن البَخْتَرِيُّ في "مجموع فيه مصنفاته"
(ص: 264) (رقم: 271)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (4/ 313)
(رقم: 7750)، والبغوي في "شرح السنة" (13/ 220) (رقم: 3640)، وابن عساكر
في "تاريخ دِمَشْقَ" (3/ 277_278)، وأبو طاهر السِّلَفِيُّ في "التاسع
والعشرون من المشيخة البغدادية" (ص: 29) (رقم: 24)، والضياء المقدسي في
"الأحاديث المختارة" = "المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم
يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما" (5/ 304) (رقم: 1949).
والحديث صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "مختصر الشمائل" (ص: 13) (رقم: 2)
من فوائد الحديث:
هذا الحديث من روايات الشمائل النبوية التي وصفت
هيئة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وفيه فوائد جليلة، ومنها:
1_ فيه: إثبات كمال خِلقته _صلى الله عليه
وسلم_، فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ وُصف بالاعتدال في الطول والقصر والجسم، وهذا
من تمام جماله.
2_ فيه: إثبات أن صفات النبي _صلى الله عليه
وسلم_ وسط بين الإفراط والتفريط، ليس بالطويل المفرط، ولا بالقصير المفرط، ولا
شعره شديد الجعودة ولا شديد الانسِبال، ولا أبيضُ بحتٌ، ولا شديد السُّمرة، بل
وسط.
3_ فيه: بيان أن الوسطية جمال، فالكمال في
الوسط، وهو ما تحلى به رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ خَلقًا وخُلقًا.
4_ فيه: بيان دقّة النقل في السيرة النبوية
حيث نُقل إلينا وصف النبي _صلى الله عليه وسلم_ الخَلقِي بأدق التفاصيل، وهذا
يُظهر عناية الصحابة برواية هيئته كما هي، مما يزيد في اليقين بصدقه ويدل على
واقعية السيرة.
5_ فيه: إظهار محبة الصحابة للنبي _صلى الله
عليه وسلم_، إذ نقلوا صفته الخَلقية بأدق التفاصيل، ولا يكون ذلك إلا بدافع المحبة
العظيمة.
6_ فيه: بيان كمال جسده _صلى الله عليه وسلم_،
فقوله "حسن الجسم" أي متناسق الأعضاء، لا عيب فيه ولا نقص، وهذا من
دلائل نبوته.
7_ فيه: إثبات سمرته _صلى الله عليه وسلم_:
أي أن بشرته تميل إلى السمرة المشرقة، وهي لون غالب على العرب، مما يقوي صلته
بقومه.
8_ فيه: وصف مشيه الشريف: "يتكفأ"
أي يميل إلى الأمام بقوة ونشاط، وفيه دلالة على عزيمة وهمّة عالية.
9_ فيه: تربية المسلم على الاعتناء بالهيئة،
لأن الرسول _صلى الله عليه وسلم_ كان على أكمل حال في مظهره، فيقتدى به في
الاعتدال والجمال.
10_ فيه: دلالة على يسر الدين، فلم يكن شعره
معقودًا بالعقد ولا منسدلًا جدًا، بل وسطًا، مما يُشير إلى البعد عن التكلّف.
11_ فيه: إثبات بشرية الرسول _صلى الله عليه
وسلم_، وصفه باللون والطول والشعر والجسم مما يؤكد أنه بشر، لكن أعظم البشر.
12_ فيه: زيادة الإيمان بصدقه _صلى الله عليه
وسلم_، إذ نقلت إلينا صفته كما هي، ولو كان مدّعٍ للنبوة من تلقاء نفسه لتكلّف في
ذكر المبالغات.
13_ فيه: تعليم المسلمين الدقة في الرواية،
فالصحابة ضبطوا صفاته هيئة وهيئة، مما يعلّم طالب العلم التثبت.
14_ فيه: بيان أن الكمال الحسي تبع للكمال
المعنوي، فجمال صورته تابع لجمال خلقه ودينه ورسالته.
15_ فيه: إشارة إلى سرعة مشيه _صلى الله عليه
وسلم_، لأنه كان إذا مشى كأنه ينحدر من صبب، مما يدل على الجد في حياته وعدم إضاعة
الوقت.
16_ فيه: إثبات عناية الأمة بسنته، حيث دونت
كتب خاصة في وصف هيئته _صلى الله عليه وسلم_ مثل الشمائل، وذلك لحبهم له ورغبتهم
في الاقتداء به.
17_ فيه: رد على من غلا في وصفه _صلى الله
عليه وسلم_ بما ليس فيه، فالحديث يبين أوصافه الحقيقية بلا مبالغة، بخلاف ما فعله
الغلاة.
18_ فيه: اقتداء في المشية، حيث يستحب للمسلم
أن يكون ذا مشية جِدِّيَّة قوية بلا كبر ولا تكبر.
19_ فيه: تجديد محبة المؤمن للنبي _صلى الله
عليه وسلم_ عند قراءة أوصافه، فكلما وصف لنا ازداد الشوق إليه والإيمان به.
[1] قل شهاب الدين العجمي (المتوفى: 1086 هـ) _رحمه الله_ في
"ذيل لب اللباب في تحرير الأنساب (ص: 213): "اللَّقَّاني: إلى لَقَّانة
قرية بالبحيرة من أعمال مصر." اهـ
Komentar
Posting Komentar