شرح الحديث 192-194 (الترغيب في الوضوء وإسباغه) من صحيح الترغيب

 

192 - (18) [صحيح] وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:

"ألا أدُلُّكم على ما يَمْحو الله به الخطايا، ويرفعُ به الدرجاتِ؟ ".

قالوا: بلى يا رسول الله. قال:

"إسباغُ الوضوءِ على المكارهِ، وكثرةُ الخُطا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصلاةِ___بعد الصلاةِ، فذلكُمُ الرِّباط؛ فذلكم الرِّباط؛ فذلكم الرِّباط".

رواه مالك ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بمعناه

__________

(1) انظر لفظه في (5/ 9 - المشي إلى المساجد).

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه ومالك في "الموطأ" – ت. الأعظمي (2/ 224) (رقم: 557)، مسلم في "صحيحه" (1/ 219/ 41) (رقم: 251)، والنسائي في "سننه" (1/ 89) (رقم: 143)، وفي "السنن الكبرى" (1/ 128) (رقم: 138)، وابن ماجه في "سننه" (1/ 148) (رقم: 428).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 93) (رقم: 282)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 511) (رقم: 2618)، و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (2/ 338) (رقم: 1035)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 245 و 1/ 310) (رقم: 310 و 448)

 

من فوائد الحديث:

 

قال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (6/ 367):

"(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 - (منها): بيان فضل إسباغ الوضوء على المكاره،

وأخرج ابن عبد البرّ رحمهُ اللهُ في "التمهيد" بسند صحيح، عن سعيد بن المسيّب، عن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إسباغ الوضوء في المكاره، وإعمال الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة تَغسل الخطايا غَسْلًا" ["التمهيد" 20/ 224].___

ورَوَى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عُبيد بن عُمير، قال:

(مِن صدق الإيمان وبِرّه: إسباغُ الوضوء في المكاره، ومن صدق الإيمان وبِرّه أن يخلو الرجل بالمرأة الجميلة، ويَدَعَها، ولا يَدَعُها إلا لله _عزَّ وجلَّ_) ["الاستذكار" 6/ 218 - 219]

ثم إن المكاره قد تكون ببرودة الماء في الشتاء، أو حرارته في الصيف، أو ألم الجسم، أو نحو ذلك، كما أسلفناه قريبًا.

2 - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ رحمهُ اللهُ: هذا الحديث من أفضل الأحاديث التي تُروى في فضائل الأعمال ["الاستذكار" 6/ 218].

3 - (ومنها): مشروعيّة طرح العالم المسألة على المتعلّم، وابتداؤه بالفائدة، وعرضُها على من يرجو حفظها، وحملها، قاله ابن عبد البرّ رحمهُ اللهُ أيضًا.

4 - (ومنها): الترغيب في كثرة الخطا إلى المساجد، وذلك يكون ببعد المسجد، أو تكرار الذهاب إليه، أو بهما معًا.

5 - (ومنها): فضل انتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد، فإن المنتظر يعدّ كأنه في الصلاة ما دامت الصلاة تحبسه، فقد أخرج الشيخان من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: أخَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلما صلى أقبل علينا بوجهه، فقال: "إن الناس قد صَلَّوا، ورَقَدُوا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

193 - (19) [حسن صحيح] ورواه ابن ماجه أيضاً (2)، وابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي سعيد الخدري؛ إلا أنهما قالا فيه:

قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

"ألا أدلّكم على ما يُكَفِّرُ اللهُ به الخطايا، ويزيد به في الحسناتِ، وُيكَفِّر به الذنوبَ؟".

قالوا: بلى يا رسول الله!

قال: "إسباغُ الوضوءِ على المكروهاتِ، وكثرةُ الخُطا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصلاةِ بعد الصلاةِ، فذلكُم الرباط".

رواه ابن حبان في "صحيحه" عن شُرَحْبيل بن سعد عنه (3).

__________

(2) قلت: وإسناده حسن، وهو عند ابن حبان من طريق أخرى كما أشار إليه المؤلف في آخر الحديث، وقد رواه الدارمي أيضاً من الطريق الأول، وكذا أحمد. ورواه الحاكم (1/ 191) من طريق ثالث، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.

(3) وسيأتي لفظه في (5 - الصلاة /22 - الترغيب في انتظار الصلاة).

 

نص الحديث:

 

ورواه ابن ماجه أيضاً (2)، وابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي سعيد الخدري؛ إلا أنهما قالا فيه:

قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

"ألا أدلّكم على ما يُكَفِّرُ اللهُ به الخطايا، ويزيد به في الحسناتِ، وُيكَفِّر به الذنوبَ؟".

قالوا: بلى يا رسول الله!

قال: "إسباغُ الوضوءِ على المكروهاتِ، وكثرةُ الخُطا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصلاةِ بعد الصلاةِ، فذلكُم الرباط".

رواه ابن حبان في "صحيحه" عن شُرَحْبيل بن سعد عنه

 

شرح المفردات:

 

فيما يلي شرح المفردات الغريبة الواردة في هذا الحديث الشريف:

* قوله: «ألا أَدُلُّكم»، ألا: أداةُ تنبيهٍ واستفتاح، يُقصد بها تشويق السامع، وحثّه على الإصغاء. (أدلّكم): أرشدكم وأبيِّن لكم الطريق، والدلالة هنا دلالةُ تعليمٍ وإرشادٍ إلى الخير.

* قوله: «على ما يُكَفِّرُ اللهُ به الخطايا» (يُكفِّر): يُزيل ويَمحُو، وأصل التكفير الستر، أي يستر الله بها الذنوب ويمحو أثرها. (الخطايا): جمع خطيئة، وهي الذنوب، والمراد بها الصغائر على الأصل، وقد تُلحق بها غيرها مع التوبة.

* قوله: «ويزيدُ به في الحسنات»، (يزيد): يُضاعف ويُنَمِّي، أي يرفع بها الدرجات، ولا يقتصر على مجرد المحو. (الحسنات): الأعمال الصالحة وما يترتب عليها من الثواب.

* قوله: «إسباغ الوضوء»، (الإسباغ): الإتمام والإكمال مع الاستيعاب، ومنه الثوب السابغ أي التام الواسع. (الوضوء): الطهارة بالماء المخصوصة المعروفة شرعًا، وسُمِّي وضوءًا لما فيه من الوضاءة والنقاء.

* قوله: «عند المكاره»، (المكاره): جمع مكروه، وهو ما تكرهه النفوس وتشقّ عليها، كشدّة البرد، أو المرض، أو الكسل.

* قوله: «وكثرةُ الخطى إلى المساجد»، (كثرة): تكرار وتعدّد. (الخطى): جمع خُطْوة، وهي المسافة بين القدمين عند المشي. (المساجد): مواضع السجود، والمراد بيوت الله التي تُقام فيها الصلاة جماعة.

* قوله: «وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة»، (الانتظار): المكث مع الترقّب والتشوّف. (بعد الصلاة): أي بعد الفراغ من صلاةٍ، ينتظر العبد دخول وقت الصلاة الأخرى، وقلبه معلّق بها.

المعنى الإجمالي لهذا الحديث:

 

بين هذا الحديث النبوي الكريم أبوابًا عظيمةً من أبواب المغفرة ورفعة الدرجات، قد يخفى قدرُها على كثير من الناس مع سهولة فعلها ويسرها، فأرشد النبي _صلى الله عليه وسلم_ أمته إلى أعمالٍ يسيرة في ظاهرها، جليلةٍ في ميزانها عند الله تعالى.

 

فدلّهم _صلى الله عليه وسلم_  على أن إسباغ الوضوء على المشقّات، مع ما فيه من مجاهدة النفس، وكثرة الخطى إلى المساجد ابتغاء الصلاة، وانتظار الصلاة بعد الفراغ من الصلاة،

 

كلّها أسبابٌ تمحو الذنوب، وتزيد في الحسنات، وتربط القلب بالعبادة، وتجعل حياة المسلم دائرةً حول الطاعة والذكر.

 

وفي الحديث ترغيبٌ في الصبر على المشقة في سبيل الله، وبيانٌ أن كثرة الأجور لا تكون دائمًا بكثرة الأعمال، بل بحسن القصد، والمداومة، ومخالفة الهوى، وأن من جعل صلاته محور يومه، وطهارته عنوان استقامته، رفعه الله درجات، وغفر له زلاته، والله أعلم.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه ابن ماجه في "سننه" (1/ 148 و 1/ 255) (رقم: 427 و 776)، وأحمد في "مسنده" - عالم الكتب (3/ 3) (رقم: 10994)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 15) (رقم: 44)، وعبد بن حميد في "المنتخب" – ت. صبحي السامرائي (ص: 303) (رقم: 984)، سنن الدارمي – ت. الزهراني (1/ 259) (رقم: 708)، مسند الحارث = بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (1/ 271) (رقم: 153)، صحيح ابن حبان (2/ 127) (رقم: 402)، وغيرهم.

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (1/ 413) (رقم: 403).

 

وأخرجه ابن حبان (3/ 314) (رقم: 1039) عَنْ شُرَحْبِيلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مرفوعا، وصححه الألباني _رحمه الله_ في صحيح الترغيب والترهيب (1/ 310) (رقم: 447).

 

فوائد الحديث:

 

فيما يلي فوائد كثيرة مستنبطة من هذا الحديث الشريف:

1/ عِظَمُ منزلة الطهارة في الشريعة،

ففي الحديث دلالةٌ بيِّنة على أن الطهارة ليست عملاً آليًّا، بل عبادةٌ جليلة، تُمحى بها الخطايا وتُرفع بها الدرجات، إذا أُتي بها على وجهها المشروع، ظاهراً وباطناً.

2/ فضل إسباغ الوضوء مع وجود المشقّة،

فخصَّ النبي _صلى الله عليه وسلم_ إسباغ الوضوء عند المكاره، لأن العبادة إذا قارنتها مجاهدةُ النفس، كان أبلغ في الثواب، وأعظم في الأجر، إذ النفوس مجبولةٌ على الفرار من الكلفة.

3/ أن المشقّة اليسيرة تزيد العمل شرفًا،

ففي قوله: «عند المكاره» إشعارٌ بأن العمل إذا وقع مع ثِقَلٍ على الطبع، عَظُم قدرُه، لا لأن المشقة مقصودةٌ لذاتها، ولكن لما فيها من صدق الامتثال.

4/ فضل المشي إلى المساجد على كثرة الخطى

فجعل النبي _صلى الله عليه وسلم_ كثرةَ الخطى سببًا لتكفير السيئات، لما فيها من دوام السعي إلى بيوت الله، وتكرار قصد العبادة، وفي ذلك تربيةٌ للنفس على لزوم الجماعة.

5/ أن الأجر يتبع كثرة الحركة في الطاعة،

فدل الحديث على أن كل خطوةٍ يخطوها العبد إلى المسجد ليست سعيًا ضائعًا، بل مكتوبةٌ في الميزان، محفوظةٌ عند الرحمن، وإن دقّت وخفيت.

6/ شرف المساجد ورفعة قدرها

فإفراد المساجد بالذكر دليلٌ على شرفها، وأن قصدها عبادةٌ مستقلة، لا يُنظر فيها إلى نفس الصلاة فقط، بل إلى طريقها وما قبلها.

7/ فضل انتظار الصلاة بعد الصلاة،

فانتظار الصلاة عبادة قلبية، يُثاب عليها العبد وإن لم يتحرك بجوارحه، لأن قلبه معلّقٌ بالطاعة، متشوّفٌ إلى الوقوف بين يدي الله.

8/ أن دوام الصلة بالصلاة من أعظم القرب،

ففي الحديث إشارةٌ إلى أن من جعل ما بين الصلاتين انتظارًا، فقد عاش في عبادةٍ متصلة، كأن زمانه كلَّه صلاةٌ وحضور.

9/ اجتماع تكفير السيئات وزيادة الحسنات،

فجمع النبي _صلى الله عليه وسلم_ بين محو الخطايا وتكثير الحسنات، ليُعلِم أن فضل الله لا يقتصر على إزالة النقص، بل يتعدّاه إلى الزيادة والكمال.

10/ أن العمل القليل إذا داوم عليه العبد عظم أجره،

فالأعمال المذكورة ليست من كبار الأعمال الظاهرة، ولكن لما كانت متكررةً ملازمة، صار مجموعها سببًا لعظيم الأثر.

11/ الترغيب النبوي في العمل قبل الأمر به،

فافتتح النبي _صلى الله عليه وسلم_ الحديث بقوله: «ألا أدلّكم»، وهذا من حسن تعليمه _صلى الله عليه وسلم_، إذ يشوّق النفوس ويهيئ القلوب لقبول الوصية.

12/ أن الطريق إلى تزكية النفس يبدأ بالباطن والظاهر معًا

فالوضوء تزكيةٌ للجسد، والمشي تزكيةٌ للجوارح، والانتظار تزكيةٌ للقلب، فاجتمع صلاح الظاهر والباطن في نسقٍ واحد.

13/ أن كثرة الأعمال الصغيرة تَغلِب قلّة الأعمال الكبيرة

فدل الحديث على أن دوام العمل، ولو كان يسيرًا في صورته، أبلغ أثرًا من العمل المنقطع، وإن عظم في أعين الناس.

14/ الحث على مخالفة هوى النفس،

فإن النفس تكره البرد، وتستثقل المشي، وتملّ الانتظار، فجاء الحديث بتربيةٍ عملية على كسر هذا الهوى، وحمله على الطاعة.

15/ أن أعظم ما يُصلِح العبد لزومُ الصلاة ومقدماتها، إذ لم يذكر النبي _صلى الله عليه وسلم_ نوافل معقّدة، ولا أعمالًا شاقّة، بل ذكر ما يتصل بالصلاة، لأنها عمود الدين وأصل الاستقامة.

 

 

 

 

194 - (20) [صحيح لغيره] وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

"أتاني الليلةَ رَبِّي [في أحسن صورة، فـ] (1) فـقال: "يا محمد! أتدري فِيمَ يختصم الملأُ الأعلى؟"

قلتُ: "نعم؛ في الكفّارات، والدّرجاتِ، ونَقْلِ الأقدام للجماعاتِ، وإسباغِ الوضوء في السَّبَرات (2)، وانتظارِ الصلاةِ بعد الصلاةِ، ومن حافظ عليهِنَّ عاشَ بخيرٍ، وماتَ بخيرٍ، وكان من ذنوبه كيومَ ولدته أمه".

رواه الترمذي في حديثٍ يأتي بتمامه إن شاء الله تعالى في "صلاة الجماعة"، وقال:

"حديث حسن" (3).

(السَّبَرات): جمع سَبْرة، وهي شدة البرد.

__________

(1) سقطت من الأصل، فاستدركتها من "الترمذي"، وقد ذُكِرَتْ في المكان المشار إليه في الكتاب وفي غيره. وكان الأصل: أتاني الليلة آتٍ من ربي"، ولا أصل لها عند الترمذي، ولا عند غيره ممن أخرج الحديث، وهي مفسدة للمعنى كما هو ظاهر، والعجيب أنّ هذا الخطأ تكرر في الكتاب كلما ذكر، كالمكان المذكور، وغفل عن ذلك كله المغفلون الثلاثة؟ وهذا الإتيان كان في المنام كما في حديث معاذ الصحيح.

(2) بفتح الباء الموحدة خلافاً لضبط المؤلف كما سيأتي بيانه في (5 - الصلاة/ 16)، ولفظ الترمذي وغيره: "المكاره"، وأما لفظ "السبرات" فهو من حديث أبي عبيدة في رواية الطبراني، وهو مخرج في "الصحيحة" (3169).

(3) قلت: وهو كما قال، أو أعلى، فإن هذا القدر منه له شاهدان من حديث أبي رافع وطارق ابن شهاب في "المجمع" (237). والحديث يأتي في (5 - الصلاة /16 - الترغيب فى صلاة الجماعة. . .)، وهو مخرج في "ظلال الجنة" (1/ 169 - 170).[1]

 

ترجمة ابن عباس:


الأعلام للزركلي (4/ 95)

ابن عبَّاس (3 ق هـ - 68 هـ = 619 - 687 م)

عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أبو العباس: حبر الامة، الصحابي الجليل.

ولد بمكة. ونشأ في بدء عصر النبوّة، فلازم رسول الله صلّى الله عليه وسلم وروى عنه الأحاديث الصحيحة. وشهد مع علي الجمل وصفين. وكف بصره في آخر عمره، فسكن الطائف، وتوفي بها. له في الصحيحين وغير هما 1660 حديثا. 

قال ابن مسعود: نعم، ترجمان عباس. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسا كان أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس، الحلال والحرام والعربية والأنساب والشعر. 

وقال عطاء: كان ناس يأتون ابن عباس في الشعر والأنساب، وناس يأتونه لأيام العرب ووقائعهم، وناس يأتونه للفقه والعلم، فما منهم صنف إلا يقبل عليهم بما يشاؤون. وكان كثيرا ما يجعل أيامه يوما للفقه، ويوما للتأويل، ويوما للمغازي، ويوما للشعر، ويوما لوقائع العرب. وكان عمر إذا أعضلت عليه قضية دعا ابن عباس وقال له: أنت لها ولأمثالها، ثم يأخذ بقوله ولا يدعو لذلك أحدا سواه.

وكان آية في الحفظ، أنشده ابن أبي ربيعة قصيدته التي مطلعها: " أمن آل نعم أنت غاد فمبكر " فحفظها في مرة واحدة، وهي ثمانون بيتا، وكان إذا سمع النوادب سد أذنيه بأصابعه، مخافة أن يحفظ أقوالهن. ولحسان بن ثابت شعر في وصفه وذكر فضائله. وينسب إليه كتاب في " تفسير القرآن - ط " جمعه بعض أهل العلم من مرويات المفسرين عنه في كل آية فجاء تفسيرا حسنا.


شرح مفردات الحديث:

 

وقال شهاب الدين أبو عبد الله فضل الله بن حسن، الشهير بـ"التُّورِبِشْتِي" (المتوفى: 661 هـ) _رحمه الله_ في "الميسر في شرح مصابيح السنة" (1/ 210):

"(الملأ) هي الجماعة التي تملأ العيون رواء، والقلوب مهابة وبهاء فله وجه.

وأراد بـ (الملأ الأعلى): الملائكة؛ وصفوا بذلك: إما اعتبارا بمكانهم، وإما اعتبارا بمكانتهم،

والمراد بـ (الاختصام): التقاول الذي كان بينهم في الكفارات والدرجات؛ شبه تقاولهم في ذلك وما يجري بينهم من السؤال والحوار بما يجري بين المتخاصمين." اهـ

 

وقال شهاب الدين أبو عبد الله فضل الله بن حسن، الشهير بـ"التُّورِبِشْتِي" (المتوفى: 661 هـ) _رحمه الله_ في "الميسر في شرح مصابيح السنة" (1/ 211_212):

"ومعنى (اختصام الملائكة في الدرجات والكفارات): تفاوضهم في فضل كل واحد من الجنسين، أعني: الدرجات والكفارات.

ويحتمل: أن يكون المراد منه: اغتباط الملائكة ببني آدم بهذه الفضائل؛ لاختصامهم بها، أو تقاولهم في فضل البشر، والسبب الموجب لذلك، مع تهافتهم في الشهوات؛ وتماديهم في الجنايات؛ وذلك لما أيدوا به من الكفارات والدرجات؛ فإن أحدهم إذا تقرب إلى ربه بالمشي إلى المساجد؛ لإدراك فضيلة الجماعة، أو جلس في المسجد بعد أداء الفريضة منتظرا لفريضة أخرى، أو أبلغ الماء حيث أمر بإبلاغه على وجه الإسباغ___في أوان يدخل منه على النفوس كراهية- فإن الله يمحو به خطاياه؛ لما فيه من مجاهدة النفس، ومخالفة الهوى، ومصارعة الطباع البشرية، وإذا أطعم الطعام؛ ولم يطع الشح الذي جبل عليه، أو بذل السلام؛ تواضعا لمن هو مثله، وتوددا إلى عباد الله المؤمنين، أو قام بالليل؛ إيثارا للمكايدة على الاستراحة في جنب طاعة الله، فإن الله يرفع درجاته بذلك، ويمحو به خطاياه." اهـ

 

إليك شرح المفردات الغريبة الواردة في هذا الحديث،

* (الملأ الأعلى): هم سكان السماوات من الملائكة المقرَّبين، سمُّوا ملأً لاجتماعهم، وأعلى لعلوِّ مكانهم وقدرهم. والمراد بالاختصام: المباحثة والمذاكرة في بيان مراتب الأعمال وعلو شأنها، لا خصومة نزاعٍ وتدافع.

* (يختصم)، الاختصام هنا ليس من باب الخصومة المذمومة، وإنما هو من باب المفاضلة والتدارس، أي: يتذاكرون أيُّ الأعمال أعظم أجرًا وأرفع درجة.

* (الكفّارات): جمع كفّارة، وهي ما يُكفِّر الله به الخطايا، أي يسترها ويمحو أثرها، من الأعمال الصالحة التي تجبُر التقصير وتمحو الذنوب الصغائر.

* (الدَّرجات): المنازل الرفيعة في الجنة، وما يُعطيه الله لعباده من علوِّ المقام ورفعة المنـزلة بسبب الطاعة.

* (نقل الأقدام إلى الجماعات): المشي بالرِّجلين إلى الصلوات التي تُقام جماعةً في المساجد، وسُمِّي نقلًا لما فيه من تحمُّل ومشقة وسعيٍ بالطاعة.

* (إسباغ الوضوء): الإتمام والإكمال، وهو إيصال الماء إلى جميع أعضاء الوضوء على الوجه المشروع من غير تقصير.

* (السَّبَرات): جمع سَبْرة، وهي شدة البرد وقسوته.

والمعنى: إتمام الوضوء مع كراهة النفس بسبب البرد وشدته، لا سيما في أوقات الشتاء.

* (المكاره): جمع مكروه، والمراد بها: ما تكرهه النفوس من المشقة والتعب، كالبرد، والمرض، والكسل، وثقل القيام بالطاعة.

* (انتظار الصلاة بعد الصلاة): ملازمة القلب لتوقع الصلاة المقبلة بعد الفراغ من التي قبلها، سواء بالبقاء في المسجد أو بتعلق القلب بها، وهو من دوام العبادة حكمًا. إلا أن الظاهر أنه بقاء المرْءِ في المسجد انتظارا للصلاة بعد الصلاة.

* (عاش بخير): عاش في طاعة وسعة صدر، وبركة في عمره، وحسن توفيق من الله.

* (مات بخير): خُتم له بخاتمة صالحة، وسلامة من سوء العاقبة، وحُسن لقاء الله.

* (كيوم ولدته أمه)، أي: خاليًا من الذنوب، نقيَّ الصحيفة، قد مُحيت عنه خطاياه، تشبيهًا له بحال المولود الجديد الذي لم يُكتب عليه ذنب.

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

بين هذا الحديث الجليل عِظَمَ شأن بعض الأعمال التي قد يستخفّ بها كثيرٌ من الناس، مع أنها محلُّ عنايةٍ عظيمةٍ في الملأ الأعلى، حتى يقع فيها الاختصام، أي المباحثة وبيان الفضل وعلوّ المنـزلة.

 

فقد أخبر النبي _صلى الله عليه وسلم_ أن الله _تعالى_ أعلمه بأن الملأ الأعلى يتدارسون ويتفاضلون في ذكر الكفّارات والدرجات، وهي الأعمال التي تمحو الذنوب وترفع المقامات، ومن أعظمها: المشي إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في أوقات الشدّة والمشقّة، وانتظار الصلاة بعد الصلاة.

 

فالحديث يدل على أن هذه الطاعات، مع كونها ظاهرةً يسيرة، لها أثرٌ بالغ في تطهير العبد من الذنوب، ورفعه في الدرجات، حتى يكون محافظُها في عيشٍ طيّبٍ، وخاتمةٍ حسنة، ويخرج من ذنوبه خروجَ المولود من بطن أمه، صفاءً ونقاءً.

 

وفيه – أيضًا - إشارةٌ إلى أن ملازمة العبد لهذه الأعمال دليل على صدق إيمانه، وحسن تعظيمه لشعائر الله، إذ جعل قلبه معلقًا بالطاعة، وجوارحه ساعيةً إليها، فينال بذلك خير الدنيا والآخرة.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه الترمذي في "سننه" – ت. شاكر (5/ 366_367) (رقم: 3233_3234)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (1/ 368) (رقم: 3484)، وعبد بن حميد في "المنتخب" – ت. صبحي السامرائي (ص: 228) (رقم: 682)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (4/ 475) (رقم: 2608)، وابن خزيمة في "التوحيد" (2/ 538) (رقم: 56)، والآجُرِّيّ في "الشريعة" (3/ 1547_1549) (رقم: 1039_1040)، والطبراني في "الدعاء" (ص: 420) (رقم: 1418)، والدارقطني في "رؤية الله" (ص: 326) (رقم: 241_245).

 

والحديث صحيح: "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 226) (رقم: 726)، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (3/ 147) (رقم: 684)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 72) (رقم: 59)

 

وفي "موسوعة الألباني في العقيدة" (3/ 835):

[قال الإمام معلقًا على قوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «فعلمت ما في السموات والأرض»]:

يعني ما أعلمه الله تعالى مما فيهما من الملائكة والأشجار وغيرهما، وهو عبارة عن سعة علمه الذي فتح الله عليه، ولابد من هذا التقييد الذي ذكرناه؛ إذ لا يصح إطلاق القول بأنه علم جميع الكائنات التي في السماوات والأرض، كما قال العلامة الشيخ علي القاري (1/ 463) وهو الظاهر. "تحقيق مشكاة المصابيح" (1/ 225)." اهـ

 

وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سلطان بن خميس الملقب بـ"أبابطين" (المتوفى: 1282هـ) _رحمه الله_ تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس (ص: 39_40):

"وليس في ذلك ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم علم على ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ، ولا أنه علم مفاتيح الغيب. قال غير واحد ممن شرح الحديث: يحمل ذلك على أن الله سبحانه كشف له عن الأعيان الموجودة إذ ذاك. وهذا___هو الظاهر وهو صريح رواية "فعلمت ما في السماء والأرض" ورواية "فعلمت ما بين المشرق والمغرب" وما موصولة، أي فعلمت الذي بين المشرق والمغرب، أي الموجود بينهما، يوضح ذلك لو قلت: دخلت دار فلان فعلمت ما فيها، إنما يتناول علمك الموجود فيها من الأشياء حين دخولك، لا ما يوجد فيها بعد ذلك والله أعلم." اهـ


ملحق الفوائد:

 

فيما يلي فوائد كثيرة مستنبطة من هذا الحديث العظيم:

1 – فيه: شرف هذه الأعمال عند الله _تعالى_،

ففي الحديث دلالة ظاهرة على عِظَم شأن الأعمال المذكورة، إذ كانت محلَّ مباهاةٍ ومذاكرةٍ بين الملأ الأعلى، وما كان كذلك فلا يكون إلا جليل القدر، رفيع المنـزلة.

2 – فيه: أن الملائكة تتذاكر في فضائل الأعمال، ففيه إثبات أن الملائكة _عليهم السلام_ يتباحثون في الطاعات، ويتدارسون مراتبها، وفي ذلك حثٌّ لبني آدم على الاقتداء بأهل السماء في تعظيم القُرُبات.

3 – فيه: فضل الكفّارات وأنها تمحو الخطايا، فدل الحديث على أن الله _تعالى_، فجعل لعباده أبوابًا تُكفِّر الذنوب، رحمةً منه وفضلًا، ليبقى العبد بين خوفٍ ورجاء، لا يقنط من رحمة الله، ولا يأمن مكره.

4 – فيه: أن المشقة في الطاعة سبب لزيادة الأجر، فإسباغ الوضوء في السَّبرات، والمشي إلى الجماعات، وانتظار الصلاة، كلها أعمال يشوبها تعبٌ ومشقة، وقد تقرر أن الأجر على قدر النَّصَب.

5 – فيه: فضل إسباغ الوضوء على المكاره، ففيه أن تمام الطهارة مع كراهة النفس أدلّ على صدق العبودية، لأن النفس لا تحمل عليه إلا لمحبّة الله وابتغاء مرضاته.

6 – فيه: عِظَم أجر المشي إلى صلاة الجماعة، إذ خصّه الحديث بالذكر، مما يدل على أن نقل الأقدام إلى المساجد ليس أمرًا هيِّنًا، بل هو من أسباب رفع الدرجات وتكفير السيئات.

7 – فيه: أن انتظار الصلاة عبادة مستقلة، فانتظار الصلاة بعد الصلاة عملٌ قائم بنفسه، يُكتب به الأجر، وإن لم يكن العبد في صلاةٍ حقيقة، لما فيه من دوام تعلّق القلب بالطاعة.

8 – فيه: أن الطاعة المتواصلة سبب لحسن العاقبة، لقوله: «من حافظ عليهن عاش بخير، ومات بخير»، ففيه أن الثبات على الأعمال الصالحة سبب لحياة طيبة وخاتمة حسنة.

9 – فيه: أن الأعمال المذكورة سبب لتكفير الذنوب كلها حتى يصير العبد بعد محافظته عليها كهيئة المولود الجديد، خالي الصحيفة، طاهر الجَنان، وذلك غاية ما يتمناه العبد في دنياه وأخراه.

10 – فيه: أن كثرة العمل ليست شرطًا في عظم الأجر، فالحديث دلّ على أن أعمالًا يسيرةً في صورتها عظيمةً في ميزانها، إذا صدقت فيها النية، وعُظِّم فيها أمر الله _تعالى_.

11 – فيه: فضل المحافظة، لا مجرد الفعل، إذ علّق الوعد العظيم على المحافظة، لا على الفعل العارض، وفي ذلك تنبيه إلى أن الديمومة أحب إلى الله من الانقطاع.

12 – فيه: أن الطهارة مفتاح الخيرات، فقد تكرر ذكر الوضوء في أحاديث الفضائل، لما فيه من تطهير الظاهر والباطن، وتهيئة العبد للوقوف بين يدي الله.

13 – فيه: أن هذه الأعمال تجمع بين عبادة الجوارح والقلب، فالوضوء عمل جارحة، والمشي عمل بدن، وانتظار الصلاة عمل قلب، وفي ذلك كمال العبودية.

14 – فيه: بيان سعة رحمة الله بعباده، إذ جعل أسباب المغفرة ميسورة، وجعل أبواب الخير مفتوحة، ولم يحصر القرب منه في أعمال شاقة أو خاصة بطبقة دون طبقة.

15 – فيه: الحث على تعظيم شأن الصلاة، فجميع الأعمال المذكورة متعلقة بالصلاة: طهارتها، وجماعتها، وانتظارها، مما يدل على أنها عمود الدين وأعظم أركانه بعد الشهادتين.

16 – فيه: أن خيرية العيش مرتبطة بالطاعة، فقوله: «عاش بخير» دليل على أن السعادة الحقيقية ليست في كثرة المال ولا في رفاه العيش، وإنما في لزوم طاعة الله.

17 – فيه: أن حسن الخاتمة ثمرة حسن السيرة، فمن أحسن العمل في حياته، وأدام الطاعة، أكرمه الله بحسن اللقاء عند موته.

18 – فيه: تربية للنفس على مجاهدة الهوى، لأن النفس تنفر من البرد والمشقة والانتظار، فإذا أُلزمت بالطاعة انقادت، واستقامت، وصَلُح حالها.



[1]  وللحافظ ابن رجب الحنبلي _رحمه الله_ كتاب في شرح هذا الحديث، سماه "اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى"

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة