شرح الحديث 191 (الترغيب في الوضوء وإسباغه) من صحيح الترغيب

 

191 - (17) [صحيح] وعن علي بن أبي طالب؛ أنّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:

"إسباغُ الوضوء في المكاره، وإعمالُ الأقدامِ إلى المساجِدِ، وانتظارُ الصلاةِ بعد الصلاةِ؛ يغسل الخطايا غسلاً".

رواه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح، والحاكم، وقال:

"صحيح على شرط مسلم".

 

ترجمة علي بن أبي طالِب _رضي الله عنهما_:

 

قال الزركلي في "الأعلام" (4/ 295):

"علي بن أبي طالِب (23 ق هـ - 40 هـ = 600 - 661 م)

علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، أبو الحسن: أمير المؤمنين، رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين، وابن عم النبي وصهره، وأحد الشجعان الأبطال، ومن أكابر الخطباء والعلماء بالقضاء، وأول الناس إسلاما بعد خديجة. ولد بمكة، وربي في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه.

وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد. ولما آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه قال له: أنت أخي، وولي الخلافة بعد مقتل عثمان ابن عفان (سنة 35 هـ)." اهـ


عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِه، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِد، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاة، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ"). رواه مسلم

 

وفي "سنن ابن ماجه" (1/ 165)

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَفَّارَاتُ الْخَطَايَا، إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَإِعْمَالُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ»

 

وقال الأمير الصنعاني _رحمه الله_ في "التنوير شرح الجامع الصغير" (2/ 307):

"(إسباغ الوضوء) بالغين المعجمة إتمامه وإكماله (في المكاره) جمع مكره، وهو: ما يكرهه الإنسان ويسؤه ويشق عليه.

والكُرْهُ: بالضم المشقة كالوضوء مع البرد الشديد والعلل التي يتأذى معها بإمساس الماء مع إعوازه والحاجة إلى طلبه والسعي في تحصيله وابتياعه بالثمن الغالي وما أشبه ذلك من الأسباب الشاقة قاله ابن الأثير." اهـ

 

وقال السندي في "الحاشية على سنن ابن ماجه" (1/ 165):

"قَوْلُهُ (وَإِعْمَالُ الْأَقْدَامِ) بِالْكَسْرِ مَصْدَرُ عَمِلَ أَيْ جَعَلْتُهَا عَامِلَةً أَيْ سَاعِيَةً إِلَى الْمَسَاجِدِ دَاعِيَةً إِلَيْهَا وَفَتْحُ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ عَمَلٌ بَعِيدٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ

 

المعنى الإجمالي للحديث

 

بيّن هذا الحديث الجليلُ أن من أعظم الأعمال التي تُطهِّر العبد من ذنوبه وتغسل خطاياه غسلاً تامًّا: أن يُتمَّ وضوءه على أكمل وجه، ولا سيما في الأحوال الشاقّة التي تنفر منها النفوس، كشدّة البرد، أو تعب البدن، أو قلّة الماء ومشقّة تحصيله؛ فكلما كانت العبادة أشقّ على النفس وأبعد عن الهوى، كان أجرها أعظمَ وأكمل في تكفير السيئات.

 

وبيَّن الحديث – أيضا - أن كثرة السعي بالأقدام إلى المساجد، وتحمل مشقة المشي إليها، ثم لزوم انتظار الصلاة بعد الصلاة، دليل على صدق الإيمان وعلو الهمة في الطاعة، وأن هذه الأعمال المتتابعة من إسباغ الوضوء، والمشي إلى بيوت الله، وترقب الصلوات، تتضافر لتكون سببًا عظيمًا في محو الخطايا، وتنقية القلب، ورفع الدرجات، حتى يصير العبد كلما جدّد طهارته وجدّد معه صفحةً جديدة من الصفاء مع الله تعالى.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه القاسم بن سلام في "الطُّهُوْر" (ص: 107) (رقم: 14)، وعبد بن حميد في "المنتخب" – ت. صبحي السامرائي (ص: 60) (رقم: 91)، مسند البزار = البحر الزخار (2/ 161) (رقم: 528_529)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (1/ 379) (رقم: 488)، وابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك" (ص: 18) (رقم: 36)، والدارقطني في "العلل الواردة في الأحاديث النبوية" (3/ 223)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (1/ 223) (رقم: 456)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (4/ 258 و 4/ 359) (رقم: 2484_2486 و 2639)، وابن عبد البر في "التمهيد" (20/ 224)، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (2/ 102) (رقم: 477).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 221) (رقم: 926)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 246 و 1/ 310) (رقم: 313 و 449)

 

من فوائد الحديث:

 

قال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (6/ 367):

"(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 - (منها): بيان فضل إسباغ الوضوء على المكاره،

وأخرج ابن عبد البرّ رحمهُ اللهُ في "التمهيد" بسند صحيح، عن سعيد بن المسيّب، عن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إسباغ الوضوء في المكاره، وإعمال الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة تَغسل الخطايا غَسْلًا" ["التمهيد" 20/ 224].___

ورَوَى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عُبيد بن عُمير، قال:

(مِن صدق الإيمان وبِرّه: إسباغُ الوضوء في المكاره، ومن صدق الإيمان وبِرّه أن يخلو الرجل بالمرأة الجميلة، ويَدَعَها، ولا يَدَعُها إلا لله _عزَّ وجلَّ_) ["الاستذكار" 6/ 218 - 219]

ثم إن المكاره قد تكون ببرودة الماء في الشتاء، أو حرارته في الصيف، أو ألم الجسم، أو نحو ذلك، كما أسلفناه قريبًا.

2 - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ رحمهُ اللهُ: هذا الحديث من أفضل الأحاديث التي تُروى في فضائل الأعمال ["الاستذكار" 6/ 218].

3 - (ومنها): مشروعيّة طرح العالم المسألة على المتعلّم، وابتداؤه بالفائدة، وعرضُها على من يرجو حفظها، وحملها، قاله ابن عبد البرّ رحمهُ اللهُ أيضًا.

4 - (ومنها): الترغيب في كثرة الخطا إلى المساجد، وذلك يكون ببعد المسجد، أو تكرار الذهاب إليه، أو بهما معًا.

5 - (ومنها): فضل انتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد، فإن المنتظر يعدّ كأنه في الصلاة ما دامت الصلاة تحبسه، فقد أخرج الشيخان من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: أخَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلما صلى أقبل علينا بوجهه، فقال: "إن الناس قد صَلَّوا، ورَقَدُوا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

 

ملحق الفوائد:

 

إليك ـ أيها الفاضل ـ فوائدَ جليلةً مستنبطةً من هذا الحديث الشريف:

1 ـ فيه: فضلُ إسباغِ الوضوءِ على تمامه وكماله، فيدلّ الحديث على أنَّ إتمام الوضوء وإحسانَ أعضائه غَسلاً ومسحًا، من أجلِّ القُرَب وأعظمِها أثرًا في تطهير العبد من آثامه، إذ جعله الشارع سببًا لغسل الخطايا غَسلاً، والغَسلُ أبلغُ من مجرّد المحو؛ لأنّه يقتضي الإزالةَ مع التنقية.

2 ـ فيه: بيان عِظَم الأجر عند المشقّة والكُره، ففي قوله: «في المكاره» تنبيهٌ على أنَّ الأعمال إذا صُحِبَت بمجاهدة النفس، ومخالفة الهوى، وتحمل الكَلَف والتعب، كانت أعظمَ ثوابًا، فإنّ تحمل المشقّة مَحَكُّ الصدق، ومِيزانُ الإخلاص، وبها تُعرف مراتبُ العاملين.

3 ـ فيه: أنَّ العبادةَ الحقَّة ما وافقت أمرَ الله، لا هوى النفس، فإنّ النفس قد تنشط للوضوء في الرخاء، وتكسل عنه في البلاء،

فجاء الشرع يمدح من لازم الطاعة في حال الكُرْه كما في حال الرغبة، ليُفهم أنّ العبودية قائمة على الامتثال، لا على اللذة والهوى.

4 ـ فيه: فضلُ السعي إلى المساجد بالمشي على الأقدام، فقوله: «وإعمال الأقدام إلى المساجد» يدلّ على أنَّ تحريكَ القدمين في قصد بيوت الله عبادةٌ قائمةٌ بذاتها، وأنَّ الخطوات تُكتَب للعبد حسناتٍ، وتمحى بها سيئات، وترتفع بها درجات.

5 ـ فيه: تفضيلُ القصد إلى المساجد، ولو مع بُعد المسافة، ففي الإعمال معنى التكليف وبذل الجهد، وفيه: إشعارٌ بأنّ من باعدت بينه وبين المسجد دارُه، ثم لم يمنعه ذلك من ملازمته، فقد عَظُمَ نصيبه من الفضل، وارتفعت منزلته عند الله.

6 ـ فيه: شرفُ انتظار الصلاة بعد الصلاة، فقوله: «وانتظار الصلاة بعد الصلاة» يدل على أنَّ القلب إذا تعلّق بالصلاة قبل دخول وقتها، كان ذلك من دلائل حياة الإيمان فيه، حتى كأنّ العبد مقيمٌ في عبادة دائمة لا تنقطع.

7 ـ فيه: أنَّ انتظار الصلاة عبادةٌ مستقلة، فليس الانتظار فراغًا ولا بطالة، بل هو عبادةٌ تامةُ الأجر، تُكتَب في صحيفة العبد، وإن كان جالسًا ساكنًا، ما دام قلبه متشوّفًا إلى لقاء ربه في مصلاه.

8 ـ فيه: اجتماعُ الطهارةِ الظاهرةِ والباطنة، فإسباغ الوضوء طهارةٌ للجوارح، وانتظار الصلاة طهارةٌ للقلب، وإعمال الأقدام طهارةٌ للسعي، فإذا اجتمعت هذه الثلاثة، صارت عبوديةً كاملةَ الأركان: قلبًا وقالبًا وسعيًا.

9 ـ فيه: أنَّ هذه الأعمال أسبابٌ لمغفرة الذنوب، لا لزيادة الحسنات فحسبُ! إذ قال: «يغسل الخطايا غسلاً»، والغسل إزالةٌ لما تراكم من دنس الذنوب، فليس الثواب مقصورًا على كتابة الأجور، بل يتعدّاه إلى محو الأوزار وتطهير الصحائف.

10 ـ فيه: بيان سَعة رحمة الله _تعالى_ بعباده المؤمنين، فإنه _سبحانه_ جعل من أعمالٍ يسيرةٍ في ظاهرها، عظيمةٍ في آثارها، أسبابًا لغفران الذنوب، رحمةً بعباده، وتخفيفًا عنهم، ليستكثروا من أسباب رضوانه، ولا ييأسوا من عفوه.

11 ـ فيه: أنَّ دوامَ هذه الأعمال طريقُ الثبات على الطاعة، فمن داوم على الوضوء، وعلى شهود الجماعات، وعلى انتظار الصلوات، أَلِفَ الطاعةَ حتى تصير له خُلُقًا وسجيّة، لا تكليفًا عارضًا ولا عادةً فاترة.

12 ـ فيه: أنّ هذا الحديث أصلٌ في تربية النفوس على المجاهدة، إذ جمع بين الطهارة مع المشقة، والمشي مع التعب، والانتظار مع الصبر، فصار منهجًا ربانيًّا في تزكية النفوس، وسياستها بسياط الصدق، حتى تستقيم على سواء السبيل.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة