شرح الحديث 152 (باب القتصاد في الطاعة) من رياض الصالحين
|
[151] وعن أبي رِبعِي حنظلة بنِ الربيعِ
الأُسَيِّدِيِّ الكاتب أحدِ كتّاب رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ : "لَقِيَنِي
أَبُو بَكر _رضي الله عنه_ فَقَالَ: "كَيْفَ أنْتَ، يَا حنْظَلَةُ؟" قُلْتُ : "نَافَقَ
حَنْظَلَةُ"! قَالَ: "سُبْحَانَ
الله مَا تَقُولُ؟!" قُلْتُ : "نَكُونُ
عِنْدَ رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_ يُذَكِّرُنَا بالجَنَّةِ وَالنَّارِ
كأنَّا رَأيَ عَيْنٍ، فإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُول الله _صلى الله عليه
وسلم_، عَافَسْنَا الأَزْواجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ نَسينَا كَثِيراً"،
قَالَ أَبُو
بكر _رضي الله عنه_: "فَوَالله، إنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا"، فانْطَلَقْتُ
أَنَا وأبُو بَكْر حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_.
فقُلْتُ: "نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُول اللهِ!" فَقَالَ
رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_: «وَمَا ذَاكَ؟» قُلْتُ: "يَا
رَسُول اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ والجَنَّةِ، كأنَّا
رَأيَ العَيْن، فإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الأَزْواجَ
وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ نَسينَا كَثِيراً." فَقَالَ
رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_: «وَالَّذِي
نَفْسي بِيَدِهِ، لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونونَ عِنْدِي، وَفي الذِّكْر،
لصَافَحَتْكُمُ الملائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا
حَنْظَلَةُ سَاعَةً وسَاعَةً» ثَلاَثَ مَرَات. رواه
مسلم. قولُهُ: «رِبْعِيٌّ» بِكسر الراء. وَ «الأُسَيِّدِي» بضم الهمزة
وفتح السين وبعدها ياء مكسورة مشددة. وقوله: «عَافَسْنَا»
هُوَ بِالعينِ والسينِ المهملتين أي: عالجنا ولاعبنا. وَ «الضَّيْعاتُ» : المعايش. |
ترجمة
حنظلة بن الربيع الأُسَيِّدِيِّ _رضي الله عنه_:
تهذيب الكمال
في أسماء الرجال (7/ 438) (1560):
"م ت س
ق: حنظلة بن الربيع بن صيفي بن رياح بن الحارث بن معاوية بن مجاشع (ويُقال: مخاشن)
بن معاوية بن شريف بن جَرْوَةَ بن أُسَيِّد بنِ عَمْرو بن تميم التميمي، أبو ربعي
الأسيّدي، المعروف بـ"حنظلة الكاتب"، أخو رياح بن الربيع، وابن أخي أكثم
بن صيفي حكيم العرب، نزل الكوفة ثم انتقل إلى
قرقيسيا، له ولأخيه صحبة.
وفي مختصر
تاريخ دمشق (7/ 281_282) لابن منظور الأفريقي:
"حنظلة
بن الربيع بن صيفِيٍّ بن رباح بن الحارث بن معاوية بن مخاشن،
أبو رِبْعِيٍّ التميميُّ الأُسَيْدِيُّ: كاتب
سيدنا رسول الله _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، شهد مع خالد حروبه بالعراق،
ثم قدم معه دومة الجندل من كور دمشق، ثم أتى معه إلى سُوَاءَ، ووجهه خالد بالأخماس
إلى أبي بكر الصديق _رضي الله عنه_.___
حنظلة الكاتب:
كتب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرة كتاباً، فسمي بذلك. وكانت الكتابة
في العرب قليلاً. وقيل: إنه سمي الكاتب، لأنه كتب للنبي _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_ الوحي. وكان بالكوفة، فلما شتم عثمان
انتقل إلى قرقيسيا وقال: لا أقيم ببلد يشتم فيه عثمان.
وتوفي
بعد علي، وكان معتزلاً للفتنة حتى مات." اهـ
باختصار
وفي "الإصابة
في تمييز الصحابة" (2/ 117) لابن حجر:
"حنظلة
بن الربيع بن صيفي بن رباح بن الحارث بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيّد بن عمرو بن تميم، أبو ربعي، يقال له: "حنظلة الكاتب." وهو ابن أخي أكثم بن
صيفي.
روى عن النبي _صلّى
اللَّه عليه وسلّم_، وكتب له، وأرسله إلى أهل
الطائف فيما ذكر ابن إسحاق. وشهد القادسيّة، ونزل
الكوفة، وتخلّف عن علي يوم الجمل، ونزل قرقيسياء
حتى مات في خلافة معاوية. ويقال: إن الجنّ لما مات رَثَتْهُ." اهـ
وفي "الاستيعاب
في معرفة الأصحاب" (1/ 379_380) لابن عبد البر: "حنظلة بن الربيع (يقال:
ابن ربيعة، والأكثر ابن الربيع) بن صيفي الكاتب
الأُسَيِّدِيُّ التميمي، يكنى أبا ربعي، من بنى أُسيد بن عمرو بن نميم، من بطن
يقال لهم "بنو شريف"، وبنو أسيد بن عمرو
بن تميم من أشراف بني تميم. وهو أُسيّد بكسر الياء وتشديدها.___مات حنظلة الكاتب
في إمارة معاوية بن أبي سفيان، ولا عقب له." اهـ
قال المزي في
"تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (7/ 442):
"وَقَال
أَبُو الحسن الدارقطني: وأما شريف، فهو شريف بن جروة بْن أسيد بْن عَمْرو بْن
تميم، من ولده حنظلة بن الربيع الكاتب وأكثم بن صيفي بن رياح، عاش أكثم مئة وتسعين
سنة.
وفي "الأعلام"
للزركلي (2/ 286):
"حَنْظَلَة
الكاتِب (000 - نحو 45 هـ = 000 - نحو 665 م):
حنظلة بن
الرَّبيع بن صيفيّ التميمي: صحابي، يقال له (حنظلة الكاتب)، لأنه كان من كتاب
النبي _صلى الله عليه وسلم_، وهو ابن أخي أكثم بن صيفيّ. شهد القادسية ونزل الكوفة،
وتخلف عن عليّ يوم الجمل. ونزل قرقيسياء (بين الخابور والفرات) حتى مات في خلافة
معاوية." اهـ
فائدة
نسبية:
وفي اللباب في
تهذيب الأنساب (1/ 61) لابن الأثير الجزري :
"الأُسَيِّدِيُّ _بِضَم الْألف وَفتح السِّين الْمُهْملَة
وَكسر الْيَاء الْمُشَدّدَة المنقوطة بِاثْنَتَيْنِ من تحتهَا وَالدَّال
الْمُهْملَة بعْدهَا_: هَذِه النِّسْبَة إِلَى
أُسَيِّد، وَهُوَ بطن من تَمِيم، يُقَال لَهُ أسيِّد بن عَمْرو بن تَمِيم،
مِنْهَا: حَنْظَلَة
بن الرّبيع الْكَاتِب، وَسيف بْن عمر الأسيدي صَاحب كتاب الْفتُوح وَغَيرهمَا. قلت:
المحدثون يشددون الْيَاء فِي هَذِه النِّسْبَة. وَأما النُّحَاة، فَإِنَّهُم يسكّنونها."
اهـ
حنظلة بن
الربيع بن صيفى بن رياح بن الحارث بن معاوية بن مجاشع ، و يقال : مخاشن ، بن
معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم التميمى ، أبو ربعى الأسيدى
المعروف بحنظلة الكاتب ، أخو رياح بن الربيع ، و ابن أخى أكثم ابن صيفى حكيم العرب
، نزل الكوفة ثم انتقل إلى قرقيسيا ، له و لأخيه صحبة . اهـ .
و قال جرير بن
عبد الحميد ، عن مغيرة : خرج حنظلة الكاتب ، و جرير بن عبد الله و عدى بن حاتم من
الكوفة فنزلوا قرقيسيا ، و قالوا : لا نقيم ببلد يشتم فيه عثمان .
و قال أحمد بن
عبد الله ابن البرقى : إنما سمى الكاتب لأنه كتب للنبى صلى الله عليه و سلم الوحى
، و كان بالكوفة فلما شتم عثمان انتقل إلى قرقيسيا ، و قال : لا أقيم ببلد يشتم
فيه عثمان ، و توفى بعد على ، و كان معتزلا للفتنة حتى مات ، جاء عنه حديثان .
نص
الحديث:
وعن أبي
رِبعِيٍّ حنظلةَ بْنِ الربيعِ الأُسَيِّدِيِّ الكاتب أحدِ كتّاب رَسُول الله - صلى
الله عليه وسلم -، قَالَ :
"لَقِيَنِي
أَبُو بَكر _رضي الله عنه_ فَقَالَ: "كَيْفَ أنْتَ، يَا حنْظَلَةُ؟"
قُلْتُ : "نَافَقَ
حَنْظَلَةُ"!
قَالَ: "سُبْحَانَ
الله مَا تَقُولُ؟!"
قُلْتُ : "نَكُونُ
عِنْدَ رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_ يُذَكِّرُنَا بالجَنَّةِ وَالنَّارِ
كأنَّا رَأيَ عَيْنٍ، فإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُول الله _صلى الله عليه
وسلم_، عَافَسْنَا الأَزْواجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ نَسينَا كَثِيراً"،
قَالَ أَبُو
بكر _رضي الله عنه_: "فَوَالله، إنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا"،
فانْطَلَقْتُ
أَنَا وأبُو بَكْر حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_.
فقُلْتُ: "نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُول اللهِ!"
فَقَالَ
رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_: «وَمَا ذَاكَ؟»
قُلْتُ: "يَا
رَسُول اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ والجَنَّةِ، كأنَّا رَأيَ
العَيْن، فإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الأَزْواجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ
نَسينَا كَثِيراً."
فَقَالَ
رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_:
«وَالَّذِي
نَفْسي بِيَدِهِ، لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونونَ عِنْدِي، وَفي الذِّكْر،
لصَافَحَتْكُمُ الملائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا
حَنْظَلَةُ سَاعَةً وسَاعَةً» ثَلاَثَ مَرَات. رواه مسلم.
قولُهُ: «رِبْعِيٌّ» بِكسر الراء. وَ «الأُسَيِّدِي» بضم الهمزة
وفتح السين وبعدها ياء مكسورة مشددة. وقوله: «عَافَسْنَا»
هُوَ بِالعينِ والسينِ المهملتين أي: عالجنا ولاعبنا. وَ «الضَّيْعاتُ» : المعايش.
قال الإثيوبي
"البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (42/ 598):
"وقال الْجَزَرِيُّ:
النفاق ضدّ الإخلاص، وأراد به في هذا الحديث: أنني
في الظاهر إذا كنت عند النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخلصت، وإذا
انفردت عنه، رغبت في الدنيا، وتركت ما كنت عليه، فكأنه نوعٌ من مخالفة الظاهر
للباطن، وما كان يرضى أن يسامح به نفسه، وكذلك كان الصحابة _رضي الله عنهم_ أجمعين
يؤاخذون أنفسهم بأقل الأشياء." اهـ
قال
النووي _رحمه الله_ في "شرح صحيح مسلم" (17 / 66_67):
"قوله (نافق
حنظلة):
معناه: أنه
خاف أنه منافق حيث كان يحصل له الخوف فى مجلس النبى _صلى الله عليه و سلم_، ويظهر
عليه ذلك مع المراقبة والفكر والاقبال على الآخرة فاذا خرج اشتغل___بالزوجة
والأولاد ومعاش الدنيا.
وأصل النفاق:
إظهار ما يكتم خلافه من الشر، فخاف أن يكون ذلك نفاقا، فأعلمهم النبى _صلى الله
عليه و سلم_ أنه ليس بنفاق وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك ساعة وساعة أى ساعة كذا
وساعة
وقال
أبو العباس القرطبي رحمه الله_ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم"
(9 / 488):
"وقوله:
(نافق حنظلة). إنكار منه على نفسه لما وجد منها في خلوتها خلاف ما يظهر منها بحضرة
النبي!! فخاف أن يكون ذلك من أنواع النفاق ، وأراد من نفسه أن يستديم تلك الحالة
التي كان يجدها عند موعظة النبي –صلى الله عليه وسلم- ولا يشتغل عنها بشيء."
اهـ
وقال
المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (7 / 184):
"(على
الحال التي تقومون بها من عندي)،
أي" من
صفاء القلب والخوف من الله _تعالى_، لصافحتكم الملائكة – قيل: أي: علانية -، وإلا
فكون الملائكة يصافحون أهل الذكر حاصل.
وقال بن حجر:
أي عيانا في سائر الأحوال (في مجالسكم وعلى فرشكم وفي طرقكم)،
قال الطيبي:
المراد الدوام (ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ) أي: ساعة كذا وساعة كذا، يعني لا يكون
الرجل منافقا بأن يكون في وقت على الحضور، وفي وقت على الفتور، ففي ساعة الحضور
تؤدون حقوقَ ربكم، وفي ساعة الفتور تقضون حظوظ أنفسكم." اهـ
Syarah Kitab,
[28 Jan 2026 17.08]
المفهم لما
أشكل من تلخيص كتاب مسلم" للقرطبي (7/67-68):
"وقول
أبي بكر رضي الله عنه: (والله، إنا لنلقى مثل هذا): رد على غلاة الصوفية، الذين
يزعمون دوام مثل تلك الحال، ولا يعرجون بسببها على أهل، ولا مال.
ووجه الرد :
أن أبا بكر أفضل الناس كلهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى يوم القيامة ،
ومع ذلك : لم يدع خروجا عن جبلة البشرية ، ولا تعاطى من دوام الذكر ، وعدم الفترة
: ما هو خاصة الملائكة .
وقد ادعى قوم
منهم دوام الأحوال ، وهو ـ بما ذكرناه ـ شبه المحال ...
وعلى الجملة :
فسنة الله في هذا العالم الإنساني : جعلُ تمكينهم في تلوينهم ، ومشاهدتهم في
مكابدتهم .
وسر ذلك : أن
هذا العالم متوسط بين عالمي الملائكة والشياطين ، فمكن الملائكة في الخير بحيث
يفعلون ما يؤمرون ، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون ، ومكن الشياطين في الشر
والإغواء بحيث لا يغفلون ، وجعل هذا العالم الإنساني متلونا ، ؛ فيمكنه ، ويلونه ،
ويفنيه ، ويبقيه ، ويُشهده ، ويُفقده ، وإليه أشار صاحب الشفاعة بقوله : ( ولكن يا
حنظلة : ساعة وساعة ) ، وقال في حديث أبي ذر -رضي الله عنه - : ( وعلى العاقل أن
يكون له ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يفكر فيها
في صنع الله ، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب (
هكذا الكمال ،
وما عداه ترهات ، وخيال " .
المعنى
الإجمالي للحديث:
بين هذا
الحديث حالًا يعتري المؤمنين الصادقين، وهو تفاوت أحوال القلب بين أوقات الإقبال على الذكر والموعظة، وأوقات الاشتغال بأمور الدنيا المباحة.
فقد خاف حنظلة
رضي الله عنه على نفسه النفاق، حين رأى أن حال قلبه عند رسول الله ﷺ، من شدة
الخشوع والخوف واستحضار الجنة والنار، لا تدوم له إذا رجع إلى معاشه وأهله
وأولاده، فظن أن هذا التغير مذموم.
فأقره أبو بكر
رضي الله عنه على أصل الشعور، إذ وجد في نفسه مثل ذلك، ثم بين لهما النبي ﷺ أن هذا
ليس من النفاق في شيء، بل هو من طبيعة البشر، وأن
دوام الحال على مرتبة واحدة من الإيمان والذكر غير مقدور عليه.
وأوضح ﷺ أن لو
داموا على حالهم عند الذكر والموعظة، لبلغوا منزلة عظيمة، لكن رحمة الله اقتضت أن
تكون حياة المؤمن «ساعة وساعة»: ساعة للعبادة
والإقبال، وساعة للراحة والاشتغال بالمباحات، من
غير غفلة محرمة ولا تفريط في الواجبات.
فالحديث أصل
عظيم في فهم تدرج أحوال الإيمان، ورفع الحرج عن المؤمن، والتحذير من الغلو في
محاسبة النفس بغير علم، مع الدعوة إلى المداومة على الذكر والطاعة بحسب الطاقة،
دون تكلف أو تنطع.
تخريج
الحديث:
أخرجه (مسلم) [3/
6941 و 6942 و 6943] (2750)، و(الترمذيّ) في "الزهد" (2452 و 2514)، و
(ابن ماجة) في "الزهد" (4239)، و(أحمد) في "مسنده" (4/ 178 و
346)، و (البيهقيّ) في "شُعب الإيمان" (2/23)، و (ابن عساكر) في
"تاريخ دمشق" (15/ 323)، والله تعالى أعلم.
فوائد
الحديث:
قال الإثيوبي
_رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج"
(42/ 604):
"في
فوائده:
1 - (منها):
أنه ينبغي للمؤمن أن يكون شديد الخوف من النفاق على___نفسه، وقد ترجم البخاريّ -
رَحِمَهُ اللهُ - على هذا في "كتاب الإيمان" من "صحيحه"،
فقال:
"باب خوف المؤمن أن يحبط عمله، وهو لا يشعر"، وقال إبراهيم التيميّ: (ما
عرضت قولي على عملي، إلَّا خَشِيتُ أن أكون مُكَذِّبًا)، وقال ابن أبي مليكة: (أدركت
ثلاثين من أصحاب النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلهم يخاف النفاق على
نفسه، ما منهم أحدٌ يقول: (إنه على إيمان جبريل، وميكائيل)، ويُذكَرُ عن الحسن: (ما
خافه إلَّا مؤمن، ولا أمِنَه إلَّا منافق، وما يُحذر من الإصرار على النفاق، والعصيان
من غير توبة؛ لقول الله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ
يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]. انتهى [خ].
2 - (ومنها):
بيان ما كان عليه الصحابة - رضي الله عنهم - من شدّة الخوف من النفاق، مع قوّة
إيمانهم، واجتهادهم في إخلاص العمل لله تعالى.
قال الحافظ
ابن رجب - رَحِمَهُ اللهُ - في كتابه الممتع، جامع العلوم والحكم": كان
الصحابة - رضي الله عنهم - يخافون النفاق على أنَّفسهم، وكان عمر يسأل حذيفة عن نفسه،
وسئل أبو رجاء العُطارديّ: هل أدركت من أدركت من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخشون النفاق؟ فقال: نعم إني أدركت منهم بحمد الله صدرًا حسنًا،
نَعَم شديدًا، نعم شديدًا، وقال البخاريّ في "صحيحه": وقال ابن أبي مليكة:
أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلهم يخاف
النفاق على نفسه، ويُذكر عن الحسن لْال: ما خافه إلَّا مؤمن، ولا أمِنه إلَّا
منافق. انتهى.
وروى الحسن:
أنه حلف ما مضى مؤمن قط، ولا بقي إلَّا وهو من النفاق غير آمن، وما مضى منافق قط،
ولا بقي إلَّا وهو من النفاق آمن، وكان يقول: من لَمْ يَخَفْ النفاق فهو منافق،
وسمع رجل أبا الدرداء يمعوذ من النفاق في صلاته، فلما سلم قال له: ما شأنك وشان
النفاق؟ فقال: اللَّهُمَّ اغفر لي ثلاثًا، لا تأمن البلاء، والله إن الرجل ليُفتَن
في ساعة واحدة، فينقلب عن دينه.
والآثار عن
السلف في هذا كثيرة جدًّا، قال سفيان الثوريّ: خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث،
فذكر منها، قال: نحن نقول: نفاق، وهم يقولون: لا نفاق، وقال الأوزاعيّ: قد خاف عمر
النفاق على نفسه، قيل لهم: إنهم___يقولون: إن عمر لَمْ يَخَفْ أن يكون يومئذ
منافقًا حتى سأل حذيفة، ولكن خاف أن يُبتلَى بذلك قبل أن يموت، قال: هذا قول أهل
البدع، يشير إلى أن عمر كان يخاف على النفاق على نفسه في الحال الظاهر أنه أراد أن
عمر كان يخاف نفسه في الحال من النفاق الأصغر، والنفاق الأصغر وسيلة إلى النفاق
الأكبر كما أن المعاصي بريد الكفر، وكما يُخشَى على من أصر على المعصية أن يُسلَب
الإيمان عند الموت، كذلك يُخشَى على من أصر على خصال النفاق أن يُسلب الإيمان، فيصير
منافقًا خالصًا.
وسئل الإمام
أحمد: ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ قال: ومن يأمَن على نفسه النفاق؟ .
قال: ومن أعظم
خصال النفاق العمليّ أن يعمل الإنسان عملًا، ويُظهر أنه قصد به الخير، وإنما
عَمِله ليتوصل به إلى غرض له سيئ، فيتم له ذلك، ويتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه،
ويفرح بمكره وخداعه، وحَمْد الناس له على ما أظهره، ويتوصل به إلى غرضه السيئ الذي
أبطنه،
وهذا قد حكاه
الله في القرآن عن المنافقين واليهود، فحَكى عن المنافقين أنهم: {وَالَّذِينَ
اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ
إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}
[التوبة: 107]،
وأنزل في اليهود:
{لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ
يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ
الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188)} [آل عمران: 188]، وهذه الآية
نزلت في
اليهود: سألهم النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن شيء فكتموه، وأخبروه
بغيره، فخرجوا، وقد أَرَوْه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك، وفَرِحوا
بما أوتوا من كتمانهم، وما سئلوا عنه، قال ذلك ابن عباس، وحديثه مخرَّج في "الصحيحين".
وفيهما أيضًا
عن أبي سعيد: أنَّها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا خرج النبيّ - صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى الغزو، وتخلفوا عنه فرحوا بمقعدهم خلافه، فإذا قدم
رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الغزو اعتذروا إليه، وحلفوا،
وأحبوا أن يُحمدوا بما لَمْ يفعلوا.
وفي حديث ابن مسعود
- رضي الله عنه - عن النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "قال من
غشنا فليس منا،___والمكر والخديعة في النار" [رواه الطبرانيّ، وصححه ابن
حبَّان.]، وقد وصف الله المنافقين بالمخادعة، ولقد
أحسن أبو
العتاهية في قوله [من الخفيف]:
لَيْس دُنْيَا
إِلَّا بِدِينٍ وَلَيْسَ الدْ ... دِينُ إِلَّا مَكَارِمَ الأَخْلَاقْ
إَنَّمَا
الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّا ... رِ هُمَا مِنْ خِصَالِ أَهْلِ النِّفَاقْ
ولمّا تقرّر
عند الصحابة - رضي الله عنهم - أن النفاق هو اختلاف السرّ والعلانية خَشِي بعضهم
على نفسه أن يكون إذا تغيّر عليه حضور قلبه، ورقّته، وخشوعه عند سماع الذكر برجوعه
إلى الدنيا، والاشتغال با لأهل والأولاد والأموال، أن يكون ذلك منه نفاقًا، كما في
"صحيح مسلم" عن حنظلة الأُسَيِّديّ: أنه مرّ به
أبو بكر - رضي
الله عنهما - ... الحديث.
وفي
"مسند البزار" عن أنس قال: قالوا: يا رسول الله إنا نكون عندك
على حال، فإذا
فارقناك كنا على غيره، قال: "كيف أنتم وربّكم؟ " قالوا: الله
ربنا في السر
والعلانية، قال: "ليس ذاكم من النفاق". انتهى [راجع: "جامع العلوم
والحكم" 2/ 491 - 495].
3 - (ومنها):
ما قاله القرطبيّ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقول أبي بكر - رضي الله عنه -: "والله
إنا لنلقى
مثل هذا"
ردّ على غلاة الصوفية الذين يزعمون دوام مثل تلك الحال، ولا يعرجون بسببها على
أهل، ولا مال، ووَجْه الردّ أن أبا بكر - رضي الله عنه - أفضل الناس كلهم بعد رسول
الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى يوم القيامة، ومع ذلك، فلم يدّع
خروجًا عن جبلّة البشرية، ولا تعاطى من دوام الذكر، وعدم الفترة ما هو خاصة
الملائكة، وقد ادّعى قوم منهم دوام الأحوال، وهو بما ذكرناه شبه المحال، وإنما
الذي يدوم المقامات، لكنها تتفاوت فيها المنازلات، والمقام: ما يحصل للإنسان بسعيه
وكسبه، والحال: ما يحصل له بهبة ربه، ولذلك قالوا: المقامات مكاسب، والأحوال
مواهب، ومن طاب وقته علا نَعْته، ومن صفا وارده طاب وِرْدُه.___
وعلى الجملة:
فسُنَّة الله في هذا العالم الإنسانيّ جَعْلُ تمكينهم في تلوينهم، ومشاهدتهم في
مكابدتهم، وسِرُّ ذلك أن هذا العالَم متوسّط بين عالَمَي الملائكة والشياطين،
فمكّن الملائكة في الخير بحيث يفعلون ما يؤمرون، ويسبّحون الليل والنهار لا
يفترون، ومكَّن الشياطين في الشرّ والإغواء، بحيث لا يغفلون، وجعل هذا العالم
الإنسانيّ متلوّنًا، فيمكّنه، ويُلَوِّنه، ويُفنيه ويُبقيه، ويُشهده، ويُفقده،
وإليه أشار النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوله: "ولكن يا حنظلة!
ساعة وساعة".
وقال في حديث
أبي ذرّ - رضي الله عنه -: "وعلى العاقل أن يكون له ساعاتٌ: ساعة يناجي فيها
ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته
من المطعم والمشرب"، هكذا الكمال، وما عداه تُرّهاتٌ وخيال. انتهى ["المفهم" 7/ 67 - 68]، والله
تعالى أعلم.
وقال القرطبي في
"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (7/67-68):
"وقول أبي
بكر رضي الله عنه: (والله، إنا لنلقى مثل هذا): رد على غلاة الصوفية، الذين يزعمون
دوام مثل تلك الحال، ولا يعرجون بسببها على أهل، ولا مال.
ووجه الرد: أن
أبا بكر أفضل الناس كلهم بعد رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ إلى يوم القيامة، ومع
ذلك: لم يدَّعِ خروجا عن جبلة البشرية، ولا تعاطى من دوام الذكر، وعدم الفترة: ما
هو خاصة الملائكة .
وقد ادعى قوم
منهم دوام الأحوال، وهو ـ بما ذكرناه ـ شبه المحال ...
وعلى الجملة:
فسنة الله في هذا العالم الإنساني: جعلُ تمكينهم في تلونهم ، ومشاهدتهم في
مكابدتهم.
وسر ذلك: أن
هذا العالم متوسط بين عالمي الملائكة والشياطين، فمكن الملائكة في الخير بحيث
يفعلون ما يؤمرون، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومكن الشياطين في الشر
والإغواء بحيث لا يغفلون، وجعل هذا العالم الإنساني متلونا، فيمكنه، ويلونه،
ويفنيه، ويبقيه، ويُشهده، ويُفقده، وإليه أشار صاحب الشفاعة بقوله: (ولكن يا حنظلة:
ساعة وساعة)، وقال في حديث أبي ذر _رضي الله عنه_: (وعلى العاقل أن يكون له ساعات:
ساعةٌ يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر فيها في صنع الله، وساعة
يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب"، هكذا الكمال، وما عداه ترهات ، وخيال."
اهـ
وقال الحريملي
في "تطريز رياض الصالحين" (1 / 127):
"قال بعض
العارفين: الحال التي يجدونها عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي الذكر مواجيد،
والمواجيد تجيء وتذهب، وأما المعرفة، فهي ثابتة لا تزول .
وفي حديث أبي
ذر المشهور: «وعلى العاقل أنْ يكون له ساعات ، ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب
فيها نفسه ، وساعة يفكَّر فيها في سمع الله إليه ، وساعة يخلو فيها لحاجته من مطعم
ومشرب ». وبالله التوفيق .
قال عطية سالم
في "شرح الأربعين النووية" (61 / 3)
"ومن خير
من أصحاب رسول الله؟ أولئك الذين أشربت قلوبهم الإيمان بالله وبرسوله، وأولئك الذي
زادت شفافية قلوبهم وأرواحهم، وتأثروا فعلاً بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن
الجوزي في "صيد الخاطر" (1 / 23_24):
قد يعرض عند
سماع المواعظ للسامع يقظة، فإذا انفصل عن مجلس الذكر، عادت القسوة والغفلة، فتدبرت
السبب في ذلك، فعرفته. ثم رأيت الناس___يتفاوتون في ذلك، فالحالة العامة أن القلب
لا يكون على صفته من اليقظة عند سماع الموعظة وبعدها؛ لسببين:
أحدهما: أن
المواعظ كالسياط، والسياط لا تؤلم بعد انقضائها، وإيلامها وقت وقوعها.
والثاني: أن
حالة سماع المواعظ يكون الإنسان فيها مزاح العلة1، قد تخلى بجسمه وفكره عن أسباب
الدنيا، وأنصت بحضور قلبه؛ فإذا عاد إلى الشواغل، اجتذبته بآفاتها، فكيف يصح أن
يكون كما كان؟!
وهذه حالة تعم
الخلق؛ إلا أن أرباب اليقظة يتفاوتون في بقاء الأثر، فمنهم من يعزم بلا تردد،
ويمضي من غير التفات، فلو توقف بهم ركب الطبع، لضجوا، كما قال حنظلة عن نفسه:
نَافَقَ حَنْظَلَةُ
ومنهم أقوامٌ
يميل بهم الطبع إلى الغفلة أحيانًا، ويدعوهم ما تقدم من المواعظ إلى العمل أحيانا،
فهم كالسنبلة تميلها الرياح.
وأقوام لا
يؤثر فيهم إلا بمقدار سماعه، كماء دحرجته على صفوان
وقال ابن
تيمية في "جامع المسائل" – ت. عزير شمس (4 / 62)
فهؤلاء كانوا
يخافون على أنفسهم النفاقَ لكمالِ علمهم وَإيمانهم، وِلهذا كان عبد الله بن مسعود
وغيره من السلف يستثنون الإيمان، فيَقُول أحدُهم: (أنا مؤمنٌ إن شاء الله). وقد
تقدم التنبيهُ على مجامع الظلم. والله سبحانَه أعلم." اهـ
وقال ابن
القيم في "مفتاح دار السعادة" (1 / 149)
وعلامة هذا
انشراح الصدر لمنازل الايمان وانفساحه وطمأنينة القلب لأمر الله والانابة الى ذكر
الله ومحبته والفرح بلقائه والتجافي عن دار الغرور،
كما في الاثر
المشهور: (إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح قيل وما علامة ذلك قال التجافي عن دار
الغرور والانابة الى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله).
وهذه هي الحال
التي كانت تحصل للصحابة عند النبي _صلى الله عليه وسلم_ إذا ذكرهم الجنة والنار، كما
في الترمذي وغيره من حديث الجريري عن أبي عثمان النهدي عن حنظلة الاسدي." اهـ
مجموع فتاوى
ورسائل العثيمين - (20 / 248)
ومن حكم
الصيام: أن القلب يتخلى للفكر والذكر، لأن تناول الشهوات يستوجب الغفلة ، وربما
يُقَسِّي القلب ويُعْمِي عن الحق ،
ولذلك أرشد
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى التخفيف من الطعام والشراب، فقال
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه ، بحسب ابن
آدم لقيمات يُقِمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه »،
وفي الحديث «
أن حنظلة الأسيدي - وكان من كُتَّاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
- قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نافق حنظلةُ . فقال رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وما ذاك ؟ " قال : يا رسول الله
نكون عندك تذَكِّرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأيُ عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا
الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا ». وفيه: «ولكن يا حنظلة ساعة وساعة »
ثلاث مرات،
وقال أبو
سليمان الدارني: إن النفس إذا جاعت، وعطشت، صفا القلب ورق، وإذا شبعت، عَمِيَ
القلب." اهـ
Syarah Kitab,
[28 Jan 2026 17.08]
المفهم لما
أشكل من تلخيص كتاب مسلم" للقرطبي (7/67-68):
"وقول
أبي بكر رضي الله عنه: (والله، إنا لنلقى مثل هذا): رد على غلاة الصوفية، الذين
يزعمون دوام مثل تلك الحال، ولا يعرجون بسببها على أهل، ولا مال.
ووجه الرد :
أن أبا بكر أفضل الناس كلهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى يوم القيامة ،
ومع ذلك : لم يدع خروجا عن جبلة البشرية ، ولا تعاطى من دوام الذكر ، وعدم الفترة
: ما هو خاصة الملائكة .
وقد ادعى قوم
منهم دوام الأحوال ، وهو ـ بما ذكرناه ـ شبه المحال ...
وعلى الجملة :
فسنة الله في هذا العالم الإنساني : جعلُ تمكينهم في تلوينهم ، ومشاهدتهم في
مكابدتهم .
وسر ذلك : أن
هذا العالم متوسط بين عالمي الملائكة والشياطين ، فمكن الملائكة في الخير بحيث
يفعلون ما يؤمرون ، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون ، ومكن الشياطين في الشر
والإغواء بحيث لا يغفلون ، وجعل هذا العالم الإنساني متلونا ، ؛ فيمكنه ، ويلونه ،
ويفنيه ، ويبقيه ، ويُشهده ، ويُفقده ، وإليه أشار صاحب الشفاعة بقوله : ( ولكن يا
حنظلة : ساعة وساعة ) ، وقال في حديث أبي ذر -رضي الله عنه - : ( وعلى العاقل أن
يكون له ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يفكر فيها
في صنع الله ، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب (
هكذا الكمال ،
وما عداه ترهات ، وخيال " .
ملحق الفوائد:
في هذا الحديث
الجليل فوائد كثيرة، ومن أعظمها ما يأتي:
1- شدة خوف
الصحابة من النفاق مع كمال إيمانهم
ففي قول حنظلة
رضي الله عنه: «نافق حنظلة» دليل على كمال ورعهم، وخوفهم على قلوبهم من التقلب، مع
أنهم من خيار هذه الأمة، فكيف بمن بعدهم؟ وهذا الخوف من أعلام صدق الإيمان، لا من
دلائل النفاق.
2- أن اختلاف
أحوال القلب لا يُعَدُّ نفاقًا
دل الحديث على
أن فتور القلب بعد النشاط، وضعف الاستحضار بعد القوة، أمرٌ جبلي لا يسلم منه أحد،
وليس ذلك من النفاق الاعتقادي ولا العملي، ما دام أصل الإيمان ثابتًا، والعمل
جارياً على وفق الشرع.
3- أن النفاق
الحقيقي غير ما توهمه حنظلة
فالنفاق
المذموم هو مخالفة الظاهر للباطن في أصل الدين، أو في خصال الشر، لا مجرد تفاوت
الحال بين الخشوع والغفلة اليسيرة، ولهذا لم يُقِرَّ النبي ﷺ حنظلة على وصف نفسه
بالنفاق.
4- مشروعية
الشكوى إلى أهل العلم والفضل فيما يشكل على القلب
فإن حنظلة رضي
الله عنه لم يكتم ما في نفسه، بل بادر إلى عرض حاله على رسول الله ﷺ، وفيه دليل
على أن علاج أمراض القلوب يكون بسؤال العلماء والرجوع إلى أهل البصيرة.
5- فضل أبي
بكر رضي الله عنه وموافقته لأحوال الصحابة
حيث أقر حنظلة
على أصل ما يجد، وقال: «إنا لنلقى مثل هذا»، فدل على كمال تواضعه، ومشاركته إخوانه
في أحوال النفس، مع علو منزلته وسبقه.
6- بيان أثر
مجالس الذكر والموعظة في حياة القلوب
إذ وصف حنظلة
حالهم عند النبي ﷺ بأنهم كأنهم يرون الجنة والنار رأي عين، وفيه دليل على أن سماع
العلم والوعظ يحيي القلوب، ويقوي الإيمان، ويبعث على اليقين.
7- أن
الاشتغال بالدنيا المباحة قد يُضعف استحضار الآخرة دون أن يقدح في الإيمان
فقوله:
«عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات» يدل على أن الانشغال بالمعاش والأهل سببٌ
لفتور الذكر، وهذا لا يُذَمُّ إذا كان في حد الاعتدال ولم يشغل عن واجب.
8- أن دوام
أعلى مراتب الإيمان غير مقدور للبشر
وفي قوله ﷺ:
«لو تدومون على ما تكونون عندي» إشارة إلى أن تلك الحال حال كمال، لا حال دوام،
وأن الله لم يكلّف عباده بما لا يطيقون.
9- عظيم فضل
دوام الذكر لو تحقق
إذ أخبر ﷺ أن
الملائكة كانت تصافحهم في الطرق وعلى الفرش، وهذا بيان لشرف مقام أهل الذكر، وعلو
منزلتهم عند الله، وإن كان ذلك لا يدوم لهم على الدوام.
10- تقرير
قاعدة عظيمة في تربية النفس: الاعتدال
فقوله ﷺ:
«ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» أصلٌ جامع في السير إلى الله، يرد الغلو والتنطع،
ويهذب النفس على الجمع بين العبادة والراحة، وبين حق الله وحق النفس والأهل.
11- أن
الشريعة مبنية على اليسر ورفع الحرج
فالحديث شاهد
على أن الله لم يرد من عباده أن يكونوا ملائكة، بل بشرًا يعبدونه مع ضعفهم
وحاجاتهم، ولهذا رخّص لهم في التنقل بين الأحوال المباحة.
12- أن محاسبة
النفس مطلوبة إذا لم تفضِ إلى اليأس
فإن محاسبة
حنظلة كانت باعثًا على السؤال والرجوع، لا على القنوط وترك العمل، وفيه تعليم
للمؤمن أن يوازن بين الخوف والرجاء.
13- أن
الإيمان يزيد وينقص
يزيد بالطاعة
والذكر، وينقص بالغفلة والانشغال، دون أن يزول أصله، وهذا مذهب أهل السنة
والجماعة، دل عليه هذا الحديث دلالة ظاهرة.
14- حسن تعليم
النبي ﷺ ورحمته بأمته
فلم يعنّف،
ولم يوبّخ، بل بيّن، وطمأن، وقرّر القاعدة، وكررها ثلاثًا؛ تأكيدًا وشفقة،
وتعليمًا للأمة إلى يوم القيامة.
15- أن المؤمن
يجمع بين الجد والاجتهاد، وبين السماحة والرفق
فليس من الدين
حمل النفس على الدوام في أعلى المراتب، ولا من الحكمة تركها هملاً، بل الطريق
الوسط هو السنة والهدى.
Komentar
Posting Komentar