شرح الحديث 150 (باب الاقتصاد في الطاعة) من رياض الصالحين

 

[150] وعن أَبي محمدٍ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرو بن العاصِ _رضي الله عنهما_ قَالَ:

"أُخْبرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنِّي أقُولُ:

"وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيلَ مَا عِشْتُ."

فَقَالَ رسولُ الله _صلى الله عليه وسلم_: «أنتَ الَّذِي تَقُولُ ذلِكَ؟»،

فَقُلْتُ لَهُ: "قَدْ قُلْتُهُ - بأبي أنْتَ وأمِّي - يَا رسولَ الله."

قَالَ: «فَإِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثةَ أيَّامٍ، فإنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا وَذَلكَ مِثلُ صِيامِ الدَّهْرِ»

قُلْتُ: فَإِنِّي أُطيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ،

قَالَ: «فَصُمْ يَوماً وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ»

قُلْتُ: فَإنِّي أُطِيقُ أفضَلَ مِنْ ذلِكَ،

قَالَ: «فَصُمْ يَوماً وَأَفْطِرْ يَوماً، فَذلِكَ صِيَامُ دَاوُد _صلى الله عليه وسلم_، وَهُوَ أعْدَلُ الصيامِ»،

 

وفي رواية: «هُوَ أفْضَلُ الصِّيامِ»

فَقُلْتُ: "فَإِنِّي أُطيقُ أفْضَلَ مِنْ ذلِكَ."

فَقَالَ رسولُ الله _صلى الله عليه وسلم -: «لا أفضَلَ مِنْ ذلِكَ»،

قال: وَلأنْ أكُونَ قَبِلْتُ الثَّلاثَةَ الأَيّامِ الَّتي قَالَ رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_ أحَبُّ إليَّ مِنْ أهْلي وَمَالي.

 

وفي رواية: «أَلَمْ أُخْبَرْ أنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وتَقُومُ اللَّيلَ؟»

قُلْتُ: "بَلَى، يَا رَسُول الله."

قَالَ: «فَلا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ؛ فإنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ لِعَيْنَيكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإنَّ بِحَسْبِكَ أنْ تَصُومَ في كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، فإنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذلِكَ صِيَامُ الدَّهْر»

فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قُلْتُ: "يَا رَسُول الله، إنِّي أجِدُ قُوَّةً."

قَالَ: «صُمْ صِيَامَ نَبيِّ الله دَاوُد وَلا تَزد عَلَيهِ»

قُلْتُ: "وَمَا كَانَ صِيَامُ دَاوُد؟" قَالَ: «نِصْفُ الدَّهْرِ»

فَكَانَ عَبدُ الله يقول بَعدَمَا كَبِرَ: "يَا لَيتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَة رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_."

 

وفي رواية: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهرَ، وَتَقْرَأُ القُرآنَ كُلَّ لَيْلَة؟»

فقلت: "بَلَى، يَا رَسُول الله، وَلَمْ أُرِدْ بذلِكَ إلا الخَيرَ."

قَالَ: «فَصُمْ صَومَ نَبيِّ اللهِ دَاوُد، فَإنَّهُ كَانَ أعْبَدَ النَّاسِ، وَاقْرَأ القُرْآنَ في كُلِّ شَهْر»

قُلْتُ: "يَا نَبيَّ اللهِ، إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ؟"

قَالَ: «فاقرأه في كل عشرين»

قُلْتُ: "يَا نبي الله، إني أطيق أفضل من ذلِكَ؟"

قَالَ: «فَاقْرَأهُ في كُلِّ عَشْر»

قُلْتُ: "يَا نبي اللهِ، إنِّي أُطيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ؟"

قَالَ: «فاقْرَأهُ في كُلِّ سَبْعٍ، وَلا تَزِدْ عَلَى ذلِكَ»

فشدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ،

وَقالَ لي النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_: «إنَّكَ لا تَدرِي، لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمُرٌ»

قَالَ: فَصِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لي النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ قَبِلتُ رُخْصَةَ نَبيِّ الله _صلى الله عليه وسلم_.

وفي رواية: «وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً» .

وفي رواية: «لا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ» ثلاثاً.

وفي رواية: «أَحَبُّ الصِيَامِ إِلَى اللهِ تَعَالَى صِيَامُ دَاوُد، وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى صَلاةُ دَاوُدَ: كَانَ ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وَلا يَفِرُّ إِذَا لاقَى» .

وفي رواية:

قال: «أنْكَحَني أَبي امرَأةً ذَاتَ حَسَبٍ وَكَانَ يَتَعَاهَدُ كنَّتَهُ - أي: امْرَأَةَ وَلَدِهِ -، فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا.

فَتقُولُ لَهُ:

"نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشاً، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفاً مُنْذُ أتَيْنَاهُ."

فَلَمَّا طَالَ ذلِكَ عَلَيهِ، ذَكَرَ ذلك للنَّبيِّ _صلى الله عليه وسلم_،

فَقَالَ: «القِنِي بِهِ»

فَلَقيتُهُ بَعد ذلك،

فَقَالَ: «كَيْفَ تَصُومُ؟»

قُلْتُ: "كُلَّ يَومٍ."

قَالَ: «وَكَيْفَ تَخْتِمُ؟»

قُلْتُ: "كُلَّ لَيْلَةٍ." وَذَكَرَ نَحْوَ مَا سَبَقَ،

وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى بَعْضِ أهْلِهِ السُّبُعَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ، يَعْرِضُهُ مِنَ النَّهَارِ ليَكُونَ أخفّ عَلَيهِ باللَّيلِ، وَإِذَا أَرَادَ أنْ يَتَقَوَّى أفْطَرَ أيَّاماً وَأحْصَى وَصَامَ مِثْلَهُنَّ كرَاهِيَةَ أنْ يَترُكَ شَيئاً فَارَقَ عَلَيهِ النَّبيَّ _صلى الله عليه وسلم_.

كل هذِهِ الرواياتِ صحيحةٌ، مُعظمُها في الصحيحين، وقليل مِنْهَا في أحدِهِما.

 

ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي _رضي الله عنه_:

 

وفي "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (3/ 79_80):

"عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ العَاصِ بنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ * (ع) ابْنِ هَاشِمِ بنِ سُعَيْدِ بنِ سَعْدِ بنِ سَهْمِ بنِ عَمْرِو بنِ هُصَيْصِ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غَالِبٍ____ : الإِمَامُ، الحَبْرُ، العَابِدُ، صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَابْنُ صَاحِبِهِ، أَبُو مُحَمَّدٍ (وَقِيْلَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَقِيْلَ: أَبُو نُصَيْرٍ) القُرَشِيُّ، السَّهْمِيُّ.

وَأُمُّهُ: هِيَ رَائِطَةُ بِنْتُ الحَجَّاجِ بنِ مُنَبِّهٍ السَّهْمِيَّةُ، وَلَيْسَ أَبُوْهُ أَكْبَرَ مِنْهُ إِلاَّ بِإِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ نَحْوِهَا. وَقَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَبِيْهِ - فِيْمَا بَلَغَنَا -.

وَيُقَالُ: كَانَ اسْمُهُ العَاصَ، فَلَمَّا أَسْلَمَ غَيَّرَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِـ"عَبْدِ اللهِ".

وَلَهُ: مَنَاقِبُ، وَفَضَائِلُ، وَمَقَامٌ رَاسِخٌ فِي العِلْمِ وَالعَمَلِ، حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِلْماً جَمّاً. يَبْلُغُ مَا أَسْنَدَ: سَبْعُ مائَةِ حَدِيْثٍ، اتَّفَقَا لَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحَادِيْثَ، وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ بِثَمَانِيَةٍ، وَمُسْلِمٌ بِعِشْرِيْنَ." اهـ

 

وفي "مشاهير علماء الأمصار" (ص: 93) لابن حبان:

"عبد الله بن عمرو بن العاص، أبو محمد (وقد قيل: أبو نصر)، كان بينه وبين أبيه ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً، مات سنة ثلاث وستين (63 هـ) وله ثنتان وسبعون (72) سنة." اهـ

 

وفي "حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة" (1/ 215) للسيوطي:

"قال ابن الربيع: شهد فتح مصر، واختط بها، ولأهلها عنه أكثر من مائة حديث." اهـ

 

وفي "الأعلام" لِلزِّرِكْلِيّ (4/ 111):

"عبد الله بن عمرو بن العاص، من قريش : صحابي، من النساك. من أهل مكة. كان يكتب في الجاهلية، ويحسن السريانية. وأسلم قبل أبيه. فاستأذن رسول الله صلّى الله عليه وسلم في أن يكتب ما يسمع منه، فأذن له.

وكان كثير العبادة حتى قال له النبي _صلى الله عليه وسلم_:

"إن لجسدك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لعينيك عليك حقا." الحديثَ.

وكان يشهد الحروب والغزوات. ويضرب بِسَيْفَيْنِ. وحمل راية أبيه يوم اليرموك. وشهد صفين مع معاوية. وولاه معاوية الكوفة مدة قصيرة.

ولما ولي يزيد، انزوى - في إحدى الروايات - بجهة عسقلان، منقطعا للعبادة. وعمي في آخر حياته. واختلفوا في مكان وفاته. له 700 حديث." اهـ

 

المعنى الإجمالي للحديث برواياته:

 

دلّ هذا الحديث بجميع طرقه وألفاظه على أنَّ الشريعةَ مبناها على الاعتدال والاقتصاد، وأنَّ أكملَ الهدي في العبادة هو ما وافق سُنَّة النبي ﷺ، لا ما حمل النفسَ على المشقّة الدائمة والانقطاع عن حقوقها الواجبة.

 

فقد أنكر النبي ﷺ على عبد الله بن عمرو _رضي الله عنهما_ عزمَه على صيام الدهر وقيام الليل كله، وبيّن له أن ذلك مما لا يُطاق دوامُه، وأن العبادة إنما تُطلب على وجهٍ يُداوَم عليه، بلا سآمة ولا تضييعٍ للحقوق.

 

وفي الحديث: تقريرٌ عظيمٌ لقاعدةٍ شرعيةٍ جليلة، وهي أن للجسد حقًّا، وللعين حقًّا، وللزوجة والولد والضيف حقًّا،

فلا يجوز أن تُهدر هذه الحقوق باسم التعبّد والتقرّب، بل العبادةُ الحقّة ما جَمَعَ بين حقِّ الله وحقوق عباده.

ولهذا وجّه النبي ﷺ إلى الصيام المشروع الذي تتحقق به الفضيلة مع السلامة من الغلو، فابتدأ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ثم رخّص في الزيادة لمن قوي، حتى انتهى إلى صيام داود _عليه السلام_، وهو أعدل الصيام وأفضله: صيام يوم وإفطار يوم، ولا أفضل من ذلك.

 

واشتمل الحديث – أيضا - على بيان سُنَّة التدرّج في العبادة، والنهي عن التشديد على النفس، فإن من شدّد شُدِّد عليه، ومن أخذ بالرخصة كان ذلك أحرى بالثبات والعاقبة الحسنة.

وقد شهد عبد الله بن عمرو _رضي الله عنهما_ في آخر عمره بندمه على تركه رخصة النبي ﷺ، فكان في ذلك أعظمُ شاهدٍ على أن الأخذ بالأيسر المشروع خيرٌ وأبقى.

 

وفيه أيضًا بيان المنهج القويم في قراءة القرآن، وأن المقصود منها التدبّر والدوام، لا مجرّد الإسراع في الختم، وأن أفضل الأحوال ما كان أرفق بالنفس وأجمع للقلب، ولذلك حدّ النبي ﷺ الغاية بقراءة القرآن في سبع، ونهى عن الزيادة على ذلك.

 

وخلاصةُ الأمر: أن الحديث بجميع رواياته أصلٌ عظيم في ذمّ الغلو والتنطّع، وبيان أن أحبَّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلّ، وأن الكمال ليس في كثرة العمل مع التفريط، بل في موافقة السُّنّة، ولزوم الوسط، وحسن العاقبة.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه (البخاريّ) في "التهجّد" (1153) و"الصوم" (1976 و 1977 و 1978 و 1979) و"أحاديث الأنبياء" (3418 و 3419) و"فضائل القرآن" (5052)، و (مسلم) (1159)، و (أبو داود) في "الصوم" (2427)، و (النسائيّ) في "الصيام" (4/ 209 - 212) (رقم: 2388_2395).

 

من فوائد الحديث :

 

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (21/ 444):

"(المسألة الثالثة): في فوائد حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - هذا على اختلاف ألفاظه، فقد قال القرطبي -رَحِمَهُ اللهُ -: حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - اشتَهَرَ، وكَثُر رواته، فكثر اختلافه حتى ظَنَّ من لا بصيرة عنده: أنه مضطرب، وليس كذلك؛ فإنه إذا تُتُبِّع اختلافه، وضم بعضه إلى بعض انتَظَمَت صورته، وتناسب مساقه؛ إذ ليس فيه اختلاف تناقض، ولا تهاتر، بل يرجع اختلافه إلى أَنْ ذَكَرَ بعضُهم ما سكت عنه غيره، وفَصَّل بعض ما أجمله غيره، وسنشير إلى بعضه - إن شاء الله تعالى. انتهى ["المفهم" 3/ 224].

1 - (منها): بيان أفضلية صوم يوم، وإفطار يوم.

2 - (ومنها): تفقّد الإمام لأمور رعيته كلياتها، وجزئياتها، وتعليمهم ما يُصلحهم.

3 - (ومنها): بيان رفق النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بأمته، وشفقته عليهم، وإرشاده إياهم إلى ما يُصلحهم، وحثّه لهم على ما يطيقون الدوام عليه، ونهيهم عن التعمّق والإكثار من العبادات التي يُخاف عليهم الملل بسببها، أو تركها، أو ترك بعضها، وقد بَيَّن - صلى الله عليه وسلم - ذلك في الحديث الماضي في الباب السابق بقوله: "عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لن يمل حتى تملوا"، وكان يقول: "أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه، وإن قلّ"، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآتي في الباب: "لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل"، وقد ذم الله تعالى قوماً أكثروا العبادة، ثم فَرَّطوا فيها، فقال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27] الآية.

4 - (ومنها): الندب إلى الدوام على ما وظّفه الإنسان على نفسه من العبادة.___

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (21/ 445)

5 - (ومنها): جواز الإخبار عن الأعمال الصالحة، والأوراد، ومحاسن الأعمال، ولا يخفى أن محلّ ذلك عند أمن الرياء.

6 - (ومنها): الحضّ على ملازمة العبادة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - مع كراهته لعبد الله بن عمرو تشدّده على نفسه حضّه على الاقتصاد، كأنه قال له: ولا يمنعك اشتغالك بحقوق من ذكر من النفس، والأهل، والأضياف أن تضيّع حقّ العبادة، وتترك المندوب جملة، ولكن اجمع بينهما.

7 - (ومنها): أنه لا يجوز للإنسان أن يُجهد نفسه بالعبادة حتى يَضعُف عن القيام بحقوق زوجته، من الجماع، والاكتساب.

وقد اختلف العلماء فيمن كفّ عن جماع زوجته، فقال مالك: إن كان بغير ضرورة الزم به، أو يفرّق بينهما، ونحوه عن أحمد، والمشهور عند الشافعيّة أنه لا يجب عليه، وقيل: يجب مرّة، وعن بعض السلف في كلّ أربع ليلة، وعن بعضهم في كلّ طهر مرّة ["الفتح" 10/ 374].

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي هو القول بوجوب جماعها إذا طلبت منه ذلك؛ لأن هذا من المعاشرة بالمعروف التي أوجبها الله تعالى بقوله: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، وقال تعالى أيضاً: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231]، وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه من "كتاب النكاح"، إن شاء الله تعالى.

8 - (ومنها): فضيلة نبيّ الله داود - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، حيث إنه كان أعبد الناس.

9 - (ومنها): بيان منقبة الصحابيّ الجليل عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -، حيث كان بهذه المنزلة من الالتزام بالعبادة، وعدم الالتفات إلى الدنيا، وشهواتها.

10 - (ومنها): جواز القَسَمَ على التزام العبادة، وفائدته الاستعانة باليمين على النشاط لها، وأن ذلك لا يخلّ بصحة النية، والإخلاص فيها.

11 - (ومنها): أن اليمين على التزام العبادة لا يُلحقها بالنذر الذي يجب الوفاء به.

12 - (ومنها): جواز الحلف من غير استحلاف.___

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (21/ 446)

13 - (ومنها): أن النفل المطلق لا ينبغي تحديده، بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص، والأوقات، والأحوال.

14 - (ومنها): الإشارة إلى الاقتداء بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في أنواع العبادات، كما أمر - صلى الله عليه وسلم - عبد الله هنا، وكما أمر الله نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، حيث قال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] الآية.

15 - (ومنها): زيارة الفاضل للمفضول في بيته.

16 - (ومنها): إكرام الضيف بإلقاء الفُرُش، ونحوها تحته، كما يأتي في قوله: "فألقيت له وسادة من أدم ... إلخ"، وتواضع الزائر بجلوسه دون ما يفرش له، وأنه لا حرج عليه في ذلك؛ إذا كان على سبيل التواضع والإكرام للمزور.

17 - (ومنها): بيان النهي عن صوم الدهر؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صام من صام الأبد"، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب." اهـ

 

وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 120):

"في هذا الحديث: دليل على أنَّ أفضل الصيام صوم يوم وإفطار يوم وكراهة الزيادة على ذلك.

قال الخطابي:

محصل قصة عبد الله بن عمرو: أنَّ الله تعالى لم يتعبد عبده بالصوم خاصة، بل تعبّده بأنواعٍ من العبادات، فلو استفرغ جهده لقصَّر في غيره، فالأَوْلى الاقتصاد فيه ليتبقى بعض القوة لغيره.

قال الحافظ:

وفي قصة عبد الله بن عمرو من الفوائد:

* بيان رفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمته، وشفقته عليهم، وإرشاده إياهم إلى ما يصلحهم، وحثّه إياهم على ما يطيقون الدوام عليه، ونهيهم عن التعمُّق في العبادة لما يخشى من إفضائه إلى الملل أو ترك البعض، وقد ذم الله تعالى قومًا لا زموا العبادة ثم فرطوا فيها.

* وفيه: جواز الإخبار عن الأعمال الصالحة، والأوراد، ومحاسن الأعمال، ولا يخفى أنَّ محل ذلك عند أمن الرياء. انتهى ملخصًا." اهـ

 

وقال عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "لطائف المعارف" (1 / 124):

"وهذا كله يدل على أن أفضل الصيام أن لا يستدام، بل يعاقب بينه وبين الفطر، وهذا هو الصحيح من قولي العلماء، وهو مذهب أحمد وغيره. وقيل لعمر: (إن فلانا يصوم الدهر، فجعل يقرع رأسه بقناة معه)." اهـ

 

وقال محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر التونسي، المعروف بـ"ابن عاشور" المالكي (المتوفى : 1393 هـ) _رحمه الله_ في "التحرير والتنوير" (5 / 190):

"والنهي إنما هو تحريم ذلك على النفس،.أما ترك تناول بعض ذلك في بعض الأوقات من غير التزام ولقصد التربية للنفس على التصبر على الحرمان عند عدم الوجدان، فلا بأس به بمقدار الحاجة إليه في رياضة النفس.

وكذلك الإعراض عن كثير من الطيبات للتطلع على ما هو أعلى من عبادة أو شغل بعمل نافع، وهو أعلى الزهد، وقد كان ذلك سنة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وخاصة من أصحابه، وهي حالة تناسي مرتبته ولا تتناسب مع بعض مراتب الناس." اهـ

 

وقال إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي، الشهير بـ"الشاطبي" (المتوفى: 790هـ) _رحمه الله_ في "الاعتصام" (1 / 302):

"وهذا الحديث قد جمع التنبيه على حق الأهل بالوطء والاستمتاع وما يرجع إليه، والضيفِ بالخدمة والتأنيس والمواكلة وغيرها، والولدِ بالقيام عليهم بالاكتساب والخدمة، والنفس بترك إدخال المشقات عليها، وحق الرب _سبحانه_ بجميع ما تقدم وبوظائف أخر: فرائض ونوافل آكد مما هو فيه.

والواجب: أن يعطى لكل ذى حق حقه وإذا التزم الإنسان أمرا من الامور المندوبة أو أمرين أو ثلاثةً، فقد يصده ذلك عن القيام بغيرها أو عن كماله على وجهه فيكون ملوما." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

فيما يلي فوائد كثيرة مستخرجة من هذا الحديث العظيم:

1- بيان كمال شفقة النبي ﷺ على أمته، فإنه ﷺ لم يقرّ عبدَ الله بن عمرو على ما ألزم به نفسه من المشقة الدائمة، بل ردّه إلى الرفق، إذ كان مقصوده حفظَ الدين والنفس معًا، لا استفراغَ الجهد المؤدي إلى السآمة والانقطاع.

2- أن العبادة مبناها على الاتباع لا على مجرد الحماسة، فإن عبد الله _رضي الله عنه_ أراد الخير، ومع ذلك عُدِّلَ فعله، فدلّ على أن قصد الخير لا يُغني عن موافقة السنة.

3- النهي عن الغلو في العبادة والتشديد على النفس، ففي قوله ﷺ: «فإنك لا تستطيع ذلك» إشارةٌ إلى أن التكليف بما لا يُطاق شرعًا مذمومٌ، وإن صدر من العبد على وجه التطوّع.

4- أن دوام القليل أنفع من كثير منقطع، إذ أرشده ﷺ إلى ما يداوم عليه من صيامٍ ونومٍ وقيام، لأن العمل إذا داوم عليه صاحبه، كان أرجى للقبول.

5- مشروعية الجمع بين حقوق الله وحقوق النفس، ففي قوله ﷺ: «وإن لجسدك عليك حقًّا» تقريرٌ لأصلٍ عظيم، وهو أن العبادة لا تكون بإهمال البدن وإضعافه، ولا تكون بأداء حق مع تفريط حق.

6- إثبات حق العين بالنوم والراحة، ففيه ردٌّ على من يرى السهر الدائم قربةً مطلقة، إذ جعل ﷺ للعين حقًا، لا يجوز إهماله.

7- وجوب رعاية حق الزوجة والأهل، ففي ذكر حق الزوجة والولد دليلٌ على أن الانشغال بالعبادة لا يسوّغ تضييع حقوق الأهل.

8- اعتبار حق الضيف والزائر، فإن الضيف من الحقوق المؤكدة، ومن آداب الإسلام ألا يحرم حقه بحجة العبادة.

9- فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وبيان أن القليل إذا ضوعف أجره صار في ميزان الثواب كثيرًا.

10- أن الحسنة تضاعف عشر أمثالها، ففيه ترغيبٌ عظيم في العمل الصالح، وإن قلّ، لأن مضاعفة الأجر من فضل الله _عز وجل_.

11- أن صيام ثلاثة أيام يعدل صيام الدهر في الأجر، وهذا من رحمة الله بهذه الأمة، حيث فتح لها أبواب الأجور بغير مشقة عظيمة.

12- فضل صيام داود عليه السلام، وأنه أعدل الصيام وأفضله، لأنه وسطٌ بين الإفراط والتفريط.

13- أن أفضل الأعمال أوسطها، كما قالوا: خير الأمور أوساطها، وهو أصلٌ دلّ عليه هذا الحديث دلالة واضحة.

14- النهي عن صيام الدهر كله، ففي قوله ﷺ: «لا صام من صام الأبد» بيان أن هذا الفعل مذموم غير محمود شرعًا.

15- أن الشدة في العبادة تورث الندم في الكِبَر، كما ندم عبد الله بن عمرو _رضي الله عنه_ حين كبر، وتمنى قبول الرخصة.

16- أن الرخصة النبوية نعمة ينبغي اغتنامها، فإنها شريعة ورحمة، لا نقص فيها، بل هي من تمام الهدي.

17- أن الإنسان لا يدري ما يعرض له في مستقبل عمره، ففي قوله ﷺ: «لعلك يطول بك عمر» حكمة بالغة، إذ القوة اليوم قد تضعف غدًا.

18- استحباب قراءة القرآن على وجه لا يورث الملل، فإن الإكثار المفرط قد يفضي إلى التعب وترك التدبر.

19- أن ختم القرآن في سبع غاية الكمال، ولا ينبغي الزيادة عليها؛ لئلا يختل الفهم والتدبر.

20- أن العبادة إذا شُدد فيها على النفس شُدد الحكم فيها، كما قال عبد الله: فشدّدتُ فشُدِّد عليَّ، وهي قاعدة تربوية عظيمة.

21- بيان أن داود _عليه السلام_ كان أكمل الناس عبادة مع القوة والجهاد، فجمع بين العبادة والشجاعة، ولم يكن من أهل العجز والانقطاع.

22- أن العبادة الحقة لا تصرف عن حقوق المعاشرة الزوجية، ففي قصة زوجته دليلٌ على أن ترك هذا الحق خللٌ في الديانة.

23- جواز مراجعة العالم واستفتائه في شؤون العبادة، كما راجع عبد الله النبي ﷺ مرارًا.

24- أن الشريعة جاءت برفع الحرج ودفع المشقة، وهو أصلٌ مطّرد في هذا الحديث بجميع طرقه.

25- أن العمل الموافق للسنة أحب إلى الله _تعالى_ من العمل الكثير المخالف لها، ولو كان العمل في ظاهره أشد وأعظم.

26 - فهذا الحديث ميزانٌ عظيم في باب العبادة، به يُعرف حدُّ المشروع من الممنوع، وبه يُسدّ باب الغلو، ويُفتح باب الاعتدال، وهو شاهدٌ على أن أكمل الهدي هدي محمد ﷺ.

 

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ