شرح 112 (باب التيمم) من بلوغ المرام
|
112 - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ
الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: "خَرَجَ
رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءً،
فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي
الْوَقْتِ، فَأَعَادَ
أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا
رَسُولَ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_، فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ؟ فَقَالَ
لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: (أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ)،
وَقَالَ لِلْآخَرِ: (لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ)". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ |
ترجمة أَبِي سَعِيْدٍ
الْخُدْرِيِّ:
قال الزركلي _رحمه الله_ في "الأعلام"
(3/ 87):
"أَبو سَعِيد الخُدْري (10 ق هـ - 74 هـ
= 613 - 693 م)
سعد بن مالك بن سنان الخدريّ
الأنصاري الخزرجي، أبو سعيد: صحابي، كان من ملازمي النبي _صلى الله عليه
وسلّم_، وروى عنه أحاديث كثيرة. غزا اثنتي عشرة
غزوة، وله 1170 حديثا. توفي في المدينة." اهـ
نص الحديث:
وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ
الْخُدْرِيِّ _رضي الله عنه_، قَالَ:
"خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتْ
الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءً، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا[1]
فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ،
فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ[2]،
وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_،
فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ؟
فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: (أَصَبْتَ
السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ)، وَقَالَ لِلْآخَرِ: (لَكَ الْأَجْرُ
مَرَّتَيْنِ)[3]".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ
وفي "سنن النسائي" (1/ 213):
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَجُلَيْنِ تَيَمَّمَا
وَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا مَاءً فِي الْوَقْتِ، فَتَوَضَّأَ أَحَدُهُمَا وَعَادَ
لِصَلَاتِهِ مَا كَانَ فِي الْوَقْتِ وَلَمْ يَعُدِ الْآخَرُ، فَسَأَلَا
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يَعُدْ:
«أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ». وَقَالَ لِلْآخَرِ: «أَمَّا
أَنْتَ فَلَكَ مِثْلُ سَهْمِ جَمْعٍ»
المعنى الإجمالي للحديث:
دل هذا الحديث على سَعةِ الشريعة ويُسرِها، وأن
الله _تعالى_ لم يكلِّف عباده ما لا يطيقون، فإذا عُدِمَ الماءُ عند دخول وقت
الصلاة شُرِعَ التيمم، وكان مُجزئًا تصحُّ به الصلاة ولا تُعاد بعد ذلك، ولو
وُجِدَ الماء في الوقت.
وبيّن الحديث – أيضا - أن مَنْ عَمِلَ بالحكم
المشروع في وقته، فقد أصاب السُّنَّة وبرئت ذمته، وأن من أعاد الصلاة بعد وجود
الماء، لم يكن مخطئًا ولا مأزورًا، بل أُثيب على اجتهاده وزيادته في العمل، فكان
له أجران: أجر الصلاة الأولى بالتيمم، وأجر الثانية بالوضوء.
وفيه تقرير قاعدةٍ عظيمة، وهي أن العبادات تُؤدَّى
على حسب الاستطاعة والحال، وأن الحكم يدور مع علّته وجودًا وعدمًا،
فإذا زالت العلّة بعد تمام العبادة لم يؤثِّر ذلك
في صحتها، وأن اختلاف الفعل مع صحة الدليل لا يوجب التنازع، بل قد يكون كلٌّ
مأجورًا بحسب قصده واتباعه.
تخريج الحديث:
أخرجه أبو داود في "سننه" (1/ 93) (رقم: 338)،
والنسائي في "سننه" (1/ 213) (رقم: 433)، والدارمي في "سننه" (1/
576) (رقم: 771)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (2/ 234 و 8/ 48) (رقم: 1842
و 7922)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (1/ 286) (رقم: 632)، والدارقطني
في "سننه" (1/ 348) (رقم: 727)، والبيهقي في "السنن الكبرى"
(1/ 353) (رقم: 1094)، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/ 482).
والحديث صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 166) (رقم: 533)،
وقال الألباني _رحمه الله_ في "صحيح أبي داود"
- الأم (2/ 167_168):
"فقد ثبت الحديث مسنداً ومرسلاً. وقد
قال النووي في "المجموع " (2/306) :
(ومثل هذا المرسل يحتج به الشافعي وغيره، كما
قدَمنا في مقدمة الكتاب:
أن الشافعي يحتج بمرسل كبار التابعين إذا أسند من
جهة أخرى، أو يرسل من جهة أخرى، أو يقول به بعض الصحابة، أو عوام العلماء، وقد وجد
في هذا___
الحديث شيئان من ذلك:
أحدهما: ما
قدمناه قريباً عن ابن عمر رضي الله عنه: أنه أقبل من الجُرُفِ، حتى إذا كان
بالمربد؛ تيمم وصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة، فلم يُعِدِ الصلاة. وهذا
صحيح عن ابن عمر كما سبق.
الثاني: روى
البيهقي بإسناده عن أبي الزناد قال:
كان مَنْ أدركتُ من فقهائنا الذين ينتهى إلى قولهم؛
منهم سعيد بن المسيب- وذكر تمام فقهاء المدينة السبعة-، يقولون: من تيمم وصلى، ثم
وجد الماء وهو في الوقت أو بعده؛ لا إعادة عليه)." اهـ
وقال الإثيوبي في "ذخيرة العقبى في شرح
المجتبى" (5/ 621):
"والحاصل أن حديث الباب موصول صحيح، لا
يُعَلُّ بالرواية المرسلة لأن من وصله ثقات، فلا يضر إرسال من أرسله, لأنه إذا
اختلف الوصل والإرسال قدم الوصل على الإرسال على الراجح كما قال الحافظ السيوطي في
ألفية الأثر:
وَقَدِّم الرَّفْعَ كَالاتِّصَالِ ... منْ ثقَةٍ
لِلوَقْفِ وَالإرْسَالِ." اهـ
من فوائد الحديث:
وقال علي بن
سلطان، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى: 1014 هـ) _رحمه الله_ في "مرقاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (2/ 485):
"أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا رَأَى
الْمَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ
الْوَقْتُ بَاقِيًا،
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ
دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهَا، وَهِيَ
صَحِيحَةٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ:
يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ،
أَمَّا إِذَا تَيَمَّمَ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ
قَبْلَ دُخُولِ الصَّلَاةِ، فَالْإِجْمَاعُ عَلَى بُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ."
اهـ
وقال علي بن
سلطان، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى: 1014 هـ) _رحمه الله_ في "مرقاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (2/ 485):
"(لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ):
أَيْ: لَكَ أَجْرُ الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ، فَإِنَّ
كُلًّا مِنْهُمَا صَحِيحَةٌ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَثُوبَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا
يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وَفِيهِ: إِشَارَةٌ
إِلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَحْوَطِ أَفْضَلُ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ»." اهـ
وقال محمد بن إسماعيل الحسني، الكحلاني، المعروف بـ"الأمير الصنعاني" (المتوفى: 1182 هـ) _رحمه
الله_ في "سبل السلام" (1/ 144):
"وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ
الِاجْتِهَادِ فِي عَصْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَعَلَى
أَنَّهُ لَا يَجِبُ الطَّلَبُ وَالتَّلَوُّمُ لَهُ، أَيْ الِانْتِظَارُ. وَدَلَّ
عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَى مَنْ صَلَّى بِالتُّرَابِ، ثُمَّ
وَجَدَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ وَقِيلَ: بَلْ
يُعِيدُ الْوَاجِدُ فِي الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
-: (فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ)،
هَذَا قَدْ وَجَدَ الْمَاءَ؛ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِيمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ
بَعْدَ الْوَقْتِ وَقَبْلَ خُرُوجِهِ، وَحَالَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا،
وَحَدِيثُ " أَبِي سَعِيدٍ " هَذَا
فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ حَالَ الصَّلَاةِ، فَهُوَ مُقَيَّدٌ،
فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ الْمُطْلَقُ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ
قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ فَأَمِسَّهُ بَشَرَتَك؛ أَيْ إذَا وَجَدْته
وَعَلَيْك جَنَابَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ، فَيُقَيَّدُ بِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُ بِالْإِعَادَةِ فِي
الْوَقْتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا}
[المائدة: 6] وَالْخِطَابُ مُتَوَجِّهٌ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ
بَعْدَ فِعْلِ الصَّلَاةِ لَمْ يَبْقَ لِلْخِطَابِ تَوَجُّهٌ إلَى فَاعِلِهَا،
كَيْفَ وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (وَأَجْزَأَتْك
صَلَاتُك) لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ، إذْ الْإِجْزَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ
الْفِعْلِ مُسْقِطًا لِوُجُوبِ إعَادَةِ الْعِبَادَةِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ قَدْ
أَجْزَأَهُ." اهـ
وقال شيخنا عبد المحسن بن
حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد
البدر _حفظه الله_ في "شرح سنن أبي داود" – تفريغ الشاملة (52/
18):
"قوله: (أصبت السنة) دليل على أن هذا هو
الحق؛ لأن من أصاب السنة، فقد أدى ما عليه، وفرغ من الصلاة، وقد حصلت على وجه
مشروع، ووجود الماء بعد ذلك لا يؤثر، لكن بعضهم قال: "إن عليه الإعادة"،
ولكن هذا الحديث يدل على أنه لا إعادة عليه؛ لأن قوله: (أصبت السنة) يعني أن هذا
هو الحق." اهـ
وقال شيخنا عبد المحسن بن
حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد
البدر _حفظه الله_ في "شرح سنن أبي داود" – تفريغ الشاملة (52/
19):
"حكم من صلى بالتيمم ووجد الماء قبل
إتمام الصلاة:
أما من كان في الصلاة ووجد الماء فقال بعض أهل
العلم: إنه يخرج من الصلاة ويتوضأ ويصلي، وبعضهم قال: يستمر، لكن الذي يظهر أنه
يخرج من الصلاة ويتوضأ؛ لأنه وجد الماء قبل أدائها وقبل إتمامها، فإذاً: يرجع إلى
الأصل، وأما الذي فرغ منها وانتهى فهو الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام:
(أصبت السنة)." اهـ
وقال
محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب المالكي
الأزهري، أبو محمد السّبكي (المتوفى 1352 هـ)
_رحمه الله_ في "المنهل العذب
المورود شرح سنن أبي داود" (3/ 196):
"(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يسوغ
الاجتهاد في زمنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وتقدم الخلاف في ذلك، وعلى
مشروعية التيمم عند فقد الماء، وعلى أن مرجع المهمات إلى الرئيس، وعلى أن المسئول
يطلب منه إجابة السائل المستفهم، وعلى أن الله تعالى لا يضيع أجر العاملين، وعلى
أن من صلى بالتيمم المشروع لا تجب عليه الإعادة إذا وجد الماء قبل خروج الوقت."
اهـ
وقال عبد الله بن عبد الرحمن البسام التميمي (المتوفى: 1423 هـ) _رحمه الله_ في
"توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 426_427):
"ما يؤخذ من الحديث:
1 - مشروعيَّة التيمُّم، واستقرارُ أمره لدى
المسلمين في عهد النَّبي -صلى الله عليه وسلم-.
2 - فَقْدُ الماء هو أحدُ عُذْرَيِ الطهارة
بالتيمُّم؛ كما قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا
طَيِّبًا} [المائدة: 6].
3 - جوازُ التيمُّم على ما تصاعد على وجه
الأرض من أي تربة كانت، وعلى أي شيء طاهر على ظهر الأرض؛ لعموم الحديث، وعدم
تخصيصه بشيء.
4 - لابد من طهارةِ ما يُتيَمَّمُ به مِنْ
ترابٍ أو متاع، فلا يصحُّ التيمُّم بنجس؛ لقوله: {صَعِيدًا طَيِّبًا}.
5 - أنَّ مَنْ صَلَّى بالتيمم عادمًا للماء،
ثمَّ وجده بعد الصلاة، لم يعدها، فقد أجزأته صلاتُهُ وأصابَ السُّنَّة؛ كما قال
-صلى الله عليه وسلم-، وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فإذا وجد
الماء، فليتق الله ولْيُمِسَّه بشرته" فهذا عامٌّ فيما قبل الصلاة الحاضرة
ولما بعدها، إلاَّ أنَّه إن كان قد صلَّى بالتيمم عادمًا للماء، فصلاته صحيحة ولا
يعيدها، ويبقى إمساسُ البشرة بالماء لما يستقبل من العبادات التي يشترط لصحتها
الطهارة.
6 - أمَّا المعيد فله أجران: أجر الصلاة بالتيمُّم،
وأجر الصلاة بالماء، ولكنَّ إصابةَ السُّنَّةِ أفضلُ من الإعادة.
7 - جوازُ الاجتهاد في مسائل العلم في زمن
النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكنَّ أرجحَ الأقوال: أنَّ__الاجتهاد لا يكون في
زمنه إلاَّ في حالِ غيبتِهِ، وبُعْدِهِ عن مكان المستفتي.
8 - اختلَفَ العلماء في جواز التيمُّم بجميع
ما تصاعد على وجه الأرض:
فذهب الإمامان الشَّافعي وأحمد: إلى أنَّه لا يصح
التيمُّم إلاَّ بتراب له غبار؛ واحتجا بقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ
وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]، وما ليس له غبار لا يَعْلَقُ باليد منه شيء،
فلا يجوزُ التيمُّم به؛ كما احتجا بما رواه مسلم من حديث حذيفة أنَّ النَّبي -صلى
الله عليه وسلم- قال: "وجعلت لنا الأرضُ مسجدًا، وجُعلت تربتها لنا
طهورًا".
وذهب الإمامان أبو حنيفة، ومالك: إلى جواز التيمُّم
بكلِّ ما تصاعد على وجه الأرض، سواءٌ كانت ذاتَ غبار أو غير ذات غبار؛ كالرمل،
والحصى، والسباخ، والرطب، واليابس، ومحروق، وحجر، وحشيش، وشجر، وعلى ما عليها من
فرش، وحيوان، وغير ذلك، فلا يستثنيان شيئًا ممَّا على وجه الأرض.
وذهب إلى هذا الأوزاعيُّ، وسفيان الثوري.
قال النووي: وهو وجهٌ لبعض أصحابنا.
وهو الروايةُ الأخرى عن الإمام أحمد، اختارها شيخ
الإسلام، وابن القيم، واستظهرها ابن مفلح في الفروع، وصوَّبها في الإنصاف؛ لقوله
تعالي: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6]، وقوله -صلى الله عليه
وسلم-: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا".
فعموم النصوص تفيدُ جوازَ التيمُّم بجميعِ ما
تصاعَدَ على وجه الأرض." اهـ
وقال الألباني _رحمه الله_ في "الثَّمَرِ
المستطاب في فقه السنة والكتاب" (1/ 32):
"فإذا وجد الماء، فإنه لا يعيد ما صلى
وهو مذهب الأربعة." اهـ
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (5/ 621)
المسألة الخامسة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز التيمم في أول
الوقت لمن يجد الماء بعد الصلاة في الوقت، هذا على النسخة التي فيها "باب
التيمم___لمن يجد الماء بعد الصلاة"،
وهو الموافق لحديث الباب وأما على النسخة الأخرى
"باب التيمم لمن لم يجد الماء بعد الصلاة"
فيكون المعنى أنه لا يجوز التيمم في أول الوقت، إلا
لمن لم يجد الماء في الوقت، فلو تيمم ثم وجد الماء بعد الصلاة بتيممه، فعليه
الإعادة لأن تيممه غير صحيح، بسبب وجدانه الماء في أول الوقت، وهذا قول لبعض
العلماء، كما سيأتي، لكنه غير مناسب لحديث الباب. فتأمل.
ومنها: جواز الاجتهاد في زمنه - صلى الله عليه وسلم
-.
ومنها: الرجوع إلى النص ولو بعد الاجتهاد، طلبا
لموافقة اجتهاده النص.
ومنها: وجوب الاستفتاء إذا نزلت نازلة، ووجوب
الإجابة عليها على من كان عالما.
ومنها: أن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت لا
تجب عليه الإعادة، وسيأتي الكلام عليه.
ومنها: أن من عمل بالاحتياط يؤجر عليه، وإن كان لا
يجب عليه
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (5/ 624)
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن
المنذر هو التحقيق الحقيق بالقبول والسماع، وما عداه لا يؤيده نص ولا إجماع،
والحاصل أن من صلى في أول الوقت بالتيمم مبادرة إلى أداء الصلاة في وقتها المستحب،
فقد أتى بما أمر به، وندب إليه، فكان ممن أحسن عملا، والله أعلم.
وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى
في شرح المجتبى" (5/ 625):
قال الجامع عفا الله عنه:
هذا الذي رجحه ابن المنذر هو الظاهر الحقيق
بالقبول، لحديث الباب، حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي لم يعد مع وجوده
الماء في الوقت: "أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك" فإنه نص صريح قاطع للنزاع
فلا رأي، ولا قياس مع النص، ولقد أجاد من قال." اهـ
وقال العيني _رحمه الله_ في "شرح أبي داود"
(2/ 156)
"واستفيد من الحديث: أن الرجل إذا صلى
بالتيمم، ثم وجد الماء قبل خروج الوقت لا إعادة عليه." اهـ
وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "فتح
ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 369_371):
"في هذا الحديث فوائد:
* منها: أن
طلب الماء لا يجب إذا كان الإنسان قد علم أنه ليس حوله ماء؛ لأن هذا السياق ليس
فيه أنهما طلبا الماء ولم يجداه، بل قال: "ليس معهما ماء"، وهو كذلك؛
أي: إذا كنت في أرض تعلم أنه ليس حولك ماء فلا حاجة للطلب؛ لأن الطلب زيادة عناء
وذهاب وقت، أما إذا كنت في أرض تجهلها فلابد أن تبحث فيما حولك هل يوجد ماء أو لا؟
فلو قال قائل: حتى لو كان يعلم أن هذا المكان ليس
فيه ماء ألا يمكن أن يكون قد نزل المطر، وصارت الأرض غدران؟
نقول: هذا ممكن، لكن الأصل عدمه لاسيما في أيام
الصيف.
* ومن فوائد هذا الحديث: أن
الرجل إذا تيمم وصلى ثم وجد الماء فإنه لا يعيد الصلاة، وهذا له ثلاث صور:
الأول: إما
أن يجد الماء بعد انتهاء الوقت؛ فهاذ لا إعادة عليه قولا واحدا.
الثاني: وإما
أن يجده بعد الصلاة في الوقت؛ ففي ذلك خلاف بين العلماء منهم من قال: إنه يجب عليه
أن يتوضأ ويعيد الصلاة، ومنهم من قال: لا.
والثالث: أن يجد الماء وهو يصلي، مثل أن يكون له
صاحب ذهب يأتي بالماء، أو تمطر السماء في أثناء الصلاة فيحصل الماء، فهذا أيضا فيه
خلاف، لكن الخلاف فيه ضعف في كونه يستمر.___
فأما الأول وقلنا:
ليس عليه إعادة، وهو الذي وجده بعد الوقت.
وأما الثاني: ففيه
خلاف قوي، والصحيح أنه لا قضاء عليه؛ وذلك لأنه أبرأ ذمته بفعل الصلاة على الوجه
المطلوب، ولا يمكن أن يوجب الله على العبد صلاتين.
والثالث: إذا وجده
في أثناء الصلاة فمنهم من قال: إنه يجب عليه أن يعيد الصلاة؛ لأنه لما وجده في
أثناء الصلاة بطل التيمم، فإذا بطل التيمم صار كمن أحدث في أثناء الصلاة، وجب عليه
أن يخرج منها ويستأنفها، وهذا القول هو الراجح أنه
إذا وجد الماء في أثناء الصلاة بطل تيممه فبطلت صلاته، وعليه
أن يعيد الصلاة من جديد بعد الوضوء، والحديث الذي أمامنا "ثم وجد
الماء في الوقت" هو في الصورة الوسط؛ يعني: بعد الصلاة وقبل خروج الوقت.
* ومن فوائد هذا الحديث: جواز
الاجتهاد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأنهما اجتهدا، وسبق اجتهاد آخر من حديث
عمار بن ياسر، فأما إذا كان النبي غائبا فلا إشكال في أن الإنسان يجتهد، لكن هل
يجوز الاجتهاد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم؟ في هذا خلاف، والصواب أنه جائز
بمعنى: أن الإنسان لو تكلم بالشيء في عهد الرسول - عليه الصلاة والسلام-في حضرته
وأقره الرسول - عليه الصلاة والسلام- فهو جائز، لكن قد يقال: إنه ربما يكون من سوء
الأدب أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ومن فوائد هذا الحديث: حلم
النبي صلى الله عليه وسلم وعدم توبيخه لمن اجتهد ولو أخطأ؛ لأن النبي صلى الله
عليه وسلم قال للذي أعاد: "لك الأجر مرتين" مع أنه خالف السنة لكنه
مجتهد.
ومن فوائد هذا الحديث: أن
الإنسان إذا فعل العبادة يظن أن فعلها واجب عليه، فإنه يثاب على ذلك، ولو أخطأ؛
لأنه عمل طاعة لله وتقربا إليه فيؤجر على هذا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن
إصابة السنة خير من كثرة العمل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي لم يعد:
"أصبت السنة". ومعلوم أن إصابة السنة خير من كثرة العمل.
فإن قال قائل: وهل لو أعاد أحد الآن بعد أن تبينت
السنة لو أعاد الصلاة بعد وجود الماء هل يؤجر أو لا يؤجر؟
نقول: إنه لو كان علم بالسنة فإنه لا يؤجر، بل لو
قيل: إنه يأثم لكان له وجه؛ لأنه إذا وجد الماء بعد انتهاء الصلاة، فإنه ليس عليه
إعادة، لكنه لو لم يعلم بالسنة وأعاد بناء على أن ذلك هو الواجب عليه فإن الحكم
واحد؛ بمعنى: أن الحكم الذي حكم به الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أعاد
ينطبق تماما على من جهل السنة في عصر وأعاد.
ومن فوائد هذا الحديث: تشجيع
من أصاب السنة في عمله حتى يقوى على معرفة السنة ليكون مصيبا لها لقول النبي صلى
الله عليه وسلم: "أصبت السنة"، ولم يقل: "أجزأتك صلاتك" فقط،
أو ما أشبه___ذلك من العبارات، لكن قال: "أصبت السنة: ؛ تشجيعا له ولغيره،
على أن يحرص على إصابة السنة." اهـ
ملحق الفوائد:
هذا الحديث من الأحاديث الفقهية المهمة في باب
التيمم مشتملة على فوائد جليلة:
1 ـ في الحديث: دلالةٌ بيِّنة على أنَّ
التيممَ طهارةٌ شرعيةٌ قائمةٌ مقامَ الوضوء عند فقد الماء، يُرفع بها الحدثُ
حُكمًا، وتصحُّ بها الصلاة من غير نُقصان، لقوله _صلى الله عليه وسلم_: «أصبتَ
السُّنَّة وأجزأتك صلاتك».
2 ـ فيه: بيانُ كمالِ يُسر الشريعة ورفْعِ
الحرَج عن الأمة، إذ لم تُلزم المكلَّف بإعادة العبادة بعد خروجها من عهدته صحيحةً
موافقةً للحكم في وقتها.
3 ـ وفيه: تقريرُ قاعدةٍ عظيمة، وهي أنَّ
العبادة إذا أُدِّيَت على وجهها المشروع بحسب الحال والقدرة، أجزأت، ولا يُلتفت
إلى ما يطرأ بعد الفراغ منها.
4 ـ وفي الحديث: دليلٌ على أنَّ وجودَ الماء
بعد الصلاة، لا يُبطِل ما صُلي بالتيمم، ما دام التيمم وقع مع عدم الماء، إذ
العبرة بحال الأداء، لا بما بعده.
5 ـ وفيه: تعليمٌ نبويٌّ رفيع للأمة في حُسن
التعامل مع اختلاف الاجتهاد، فلم يُعنِّف النبي _صلى الله عليه وسلم_ أحدًا من
الرجلين، بل صدَّق هذا وأثاب ذاك.
6 ـ وفي قوله _صلى الله عليه وسلم_ للذي
أعاد: «لك الأجر مرتين» بيانُ أنَّ الاجتهاد مع قصد الخير والاحتياط للدين مأجورٌ،
وإن لم يكن هو الأَولى.
7 ـ وفيه: أنَّ إصابة السُّنَّة ليست بكثرة
العمل، وإنما بموافقته للهدي النبوي، فإن الذي لم يُعِد كان أقرب للسُّنَّة وإن
كان عمله أقل ظاهرًا.
8 ـ ويدل الحديث على أنَّ الشرع يراعي اختلاف
مراتب الناس في الفهم والاحتياط، فلا يُسوِّي بين المتعنت والمجتهد، ولا بين
المفرِّط والمتحرِّي.
9 ـ وفيه: أنَّ العمل المشروع لا يُنقَض
بالشك الطارئ بعده، فإن الصلاة بالتيمم وقعت صحيحةً، فلا يقدح فيها ما استجد بعد
ذلك.
10 ـ وفي الحديث: تأصيلٌ لقاعدةٍ فقهيةٍ
مشهورة، وهي: «البدلُ يقوم مقامَ المبدَل عنه عند العجز، ويُسقِط الطلبَ».
11 ـ وفيه: بيانُ فضل سؤال أهل العلم والرجوع
إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ أو وَرَثَتِهِ عند الاشتباه، فإن الرجلين لم يركنا
إلى رأيهما، بل سألا عن الحكم.
12 ـ وفيه: أنَّ تعدُّد الأجور قد يحصل
باختلاف النيات مع صحة الأصل، فمن وافق السُّنَّة فله أجرها، ومن زاد اجتهادًا فله
أجر الزيادة.
13 ـ وفيه: إشعارٌ بأنَّ الخلاف السائغ لا
يفسد الودَّ ولا يوجب التبديع ولا التفسيق، بل قد يكون كلٌّ من المختلفين محمود
القصد مأجور السعي.
14 ـ ويدل الحديث على أنَّ الاحتياط المشروع
ما وافق الدليل، لا ما خالفه، فإن الإعادة لم تكن أرجح، وإن كان صاحبها مأجورًا.
15 ـ وفي الحديث تربيةٌ نبويةٌ عظيمة على
اتباع السنة، وتعظيم النص، وترك التشدد، والرضا بحكم الله في كل حال.
فهذه جملةٌ من فوائده، وفيه غير ذلك لمن فتح الله
عليه، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[1] قال
القاري _رحمه الله_ في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (2/ 485):
"(فَتَيَمَّمَا
صَعِيدًا طَيِّبًا)، "أَيْ: قَصَدَاهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ،
فَالْمُرَادُ بِهِ: الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، أَوْ فَتَيَمَّمَا بِالصَّعِيدِ عَلَى
نَزْعِ الْخَافِضِ، وَأُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ." اهـ
[2] قال
القاري _رحمه الله_ في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (2/ 485):
"(فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ بِوُضُوءٍ) إِمَّا ظَنًّا بِأَنَّ
الْأُولَى بَاطِلَةٌ، وَإِمَّا احْتِيَاطًا."
[3] قال
العثيمين _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط.
المكتبة الإسلامية (1/ 369)
"وقال
للآخر: لك الأجر مرتين" أما أحدهما- أي: أحد الأجرين- فهو تيممه وصلاته
الأولى، وأما الثاني فبوضوئه صلاته الثاني، وإنما قال للثاني: "لك الأجر
مرتين"؛ لأنه فعل الثاني؛ أي: الوضوء وإعادة الصلاة، متأولا ظانا أن هذا هو
الواجب عليه، والمجتهد من هذه الأمة - والحمد لله- لا يمكن أن يحرم من الأجر، له
الأجر إن أخطأ فأجر واحد، وإن أصاب فأجران، المهم أن الأجر مرتين على صلاته الأولى
بالتيمم، وعلى صلاته الثانية بالوضوء، رواه أبو داود والنسائي." اهـ
Komentar
Posting Komentar