شرح الحديث 110-110 (باب التيمم) من بلوغ المرام

 

110 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا_، قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_:

"التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ." رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَ الْأَئِمَّةُ وَقْفَهُ.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (12/ 367) (رقم: 13366)، والدارقطني في "سننه" (1/ 332) (رقم: 685)، المستدرك على الصحيحين للحاكم (1/ 287) (رقم: 634)، السنن الكبرى للبيهقي (1/ 318) (رقم: 997)

سنن الدارقطني (1/ 332) عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ , عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , عَنْ نَافِعٍ , [ص:333] عَنِ ابْنِ عُمَرَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

 

المستدرك على الصحيحين للحاكم (1/ 287) (رقم: 636)

 

قال الدارقطني _رحمه الله_ في "سننه" (1/ 333) إثر روايته للحديث:

"كَذَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ مَرْفُوعًا، وَوَقَفَهُ يَحْيَى بْنُ الْقَطَّانِ وَهُشَيْمٌ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ الصَّوَابُ." اهـ

 

قال البيهقي _رحمه الله_ في "السنن الكبرى" (1/ 319):

"رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فَرَفَعَهُ، وَهُوَ خَطَأٌ. وَالصَّوَابُ بِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ.

وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، وَنَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ التَّيْمِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَسُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ ضَعِيفَانِ لَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمَا. وَالصَّحِيحُ: رِوَايَةُ مَعْمَرٍ وَغَيْرِهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ فِعْلِهِ." اهـ

 

قال الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" (7/ 433_434) (رقم: 3427):

"(التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين) . ضعيف

رواه الطبراني (3/ 199/ 2)، والحاكم (1/ 179) عن علي بن ظبيان عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً.

قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ عبد الله بن عمر هو العمري المكبر، ضعيف سيىء الحفظ، ووقع في "المستدرك": "عبيد الله بن عمر" مصغراً، ولعله خطأ مطبعي.

وعلي بن ظبيان ضعيف جداً. قال ابن معين: (كذاب خبيث). وقال البخاري: (منكر الحديث). وقال النسائي: (متروك الحديث).___

وله طريق أخرى، يرويه قرة بن سليمان: حدثنا سليمان بن داود الجزري: سمعت سالماً ونافعاً يحدثان عن ابن عمر به. أخرجه البزار (ص37) وقال:

"الحفاظ يوقفونه على ابن عمر، على أن محمد بن ثابت العصري قد رواه عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -".

قال الشيخ الهيثمي:

"سليمان؛ قال أبو زرعة: متروك".

وكذا قال في "مجمع الزائد" (1/ 262-263) .

قلت: وقرة بن سليمان؛ قال أبو حاتم: "ضعيف الحديث".

ثم ذكره من حديث أبي أمامة أيضاً، وقال:

"رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه جعفر بن الزبير، قال شعبة فيه: وضع أربع مئة حديث".

وحديث محمد بن ثابت العصري، أخرجه أبو داود وغيره، وأعلوه بالنكارة، كما بينت في "ضعيف أبي داود" (58) .

 

وقال البسام _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 420):

"قال العلماءُ عن هذا التعارُضِ بين حديثِ عمَّارٍ وحديثِ ابن عمر:

(أ) حديثُ عَمَّارٍ في الصحيحين، وحديثُ ابن عمر في سنن الدَّارقطني، التي لم يلتزمْ صاحبها بِصِحَّةِ الأحاديث، بل كثيرًا ما يروي فيها الأحاديثَ الضعيفة، فحديثُ ابن عمر ليس له نسبةٌ مع حديث عمَّار من حيثُ الصحةُ.

(ب) حديث عمَّار مرفوعٌ إلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، أما حديثُ ابن عمر فهو من كلام ابن عمر، وليس من كلام النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وإن كان مما لا مجالَ فيه للرأي، فَفَرْقٌ بين المرفوع والموقوف.

(ج) كلُّ الروايات التي وردَتْ بالضربتين، فهي إما موقوفةٌ لم تُرْفَعْ إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وإما ضعيفةٌ لا تقومُ بها حُجَّة." اهـ

 

وقال في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 420):

"قال ابن عبد البر:

الآثارُ المرفوعةُ ضربةٌ واحدة، وما روي من ضربتين فكلُّها مضطربةٌ، وقال أبو زرعة عن حديث ابن عمر: حديثٌ باطل، وقال ابن القيم: لم يصحَّ شيءٌ في الضربتين، وقال الألباني: وفي الضربتين أحاديثُ واهيةٌ معلولةٌ.

6 - لذا فالصحيح في هذا الباب والعمدة هو حديثُ عمَّار، وبه جزم البخاريُّ في صحيحه، فقال: "باب: التيمُّمُ ضربةٌ"، وقال في الفتح: هذا هو الواجب المجزىء.

 

قال ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (ص: 665_666):

إبراهيم بن محمد الفابزاني، قال: سمعت أبا بكر الأثرم، يقول:

"كنا في مجلس البويطي؛ فقرأ علينا عن الشافعي أن التيمم ضربتان. فقلت له: ورويت حديث عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم-: "إن التيمم ضربة واحدة". فحك من كتابه "ضربتين" وصيره "ضربة" على حديث عمار. وقال: قال الشافعي: إذا رأيتم عن رسول الله الثبت فاضربوا على قولي، وارجعوا إلى الحديث وخذوا به فإنه قولي.

 

قال ابن الصلاح في طبقات الفقهاء الشافعية (2/ 681_682)

قَالَ أَبُو بكر الْأَثْرَم صَاحب أَحْمد: كُنَّا فِي مجْلِس الْبُوَيْطِيّ فَقَرَأَ علينا عَن الشَّافِعِي أَن التَّيَمُّم ضربتان، فَقلت لَهُ: قد ثَبت حَدِيث عمار بن ياسرٍ___(رَضِي الله عَنهُ)، عَن النَّبِي [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] ، أَن التَّيَمُّم ضَرْبَة وَاحِدَة، فحك من كِتَابه ضربتين، وصيره ضَرْبَة على حَدِيث عمار، وَقَالَ: قَالَ الشَّافِعِي: إِذا رَأَيْتُمْ عَن رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] الثبت فاضربوا على قولي، وَارْجِعُوا إِلَى الحَدِيث، وخذوا بِهِ، فَإِنَّهُ قولي.

وَرُوِيَ هَذَا الْحَافِظ أَبُو بكر بَان مرْدَوَيْه، وَهُوَ القَوْل الَّذِي حُكيَ عَن الْقَدِيم، ثمَّ إِن التَّيَمُّم للْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ فَحسب، فَاعْلَم، وَالله أعلم.

 

اختلاف أهل العلم في كيفيّة التيمّم:

 

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (8/ 467_470):

(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في كيفيّة التيمّم:

قال الإمام ابن المنذر رَحمه اللهُ: اختلفوا في كيفية التيمم:

* فقالت طائفة: يبلغ به الوجه واليدين إلى الآباط، هكذا قال الزهري.

* وقالت طائفة: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، هذا قول ابن عمر، والحسن، والشعبيّ، وسالم، ورُوي ذلك عن جابر.

وقال النخعيّ: أعجب إليّ أن يبلغ به إلى المرفقين، وهذا قول مالك، والليث، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وسفيان، والشافعيّ، وأصحاب الرأي.

وقال أبو ثور: ضربتين أحب إليّ.

قال: ومن حجة بعض القائلين بهذا القول أحاديث ثلاثة:

[أحدها]: حديث نافع، قال: انطلقت مع ابن عمر إلى ابن عباس في حاجة، فكان من حديثه يومئذ أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بال، قال: فمر عليه رجل، فسلّم عليه، فلم يرد عليه السلام، حتى ضرب بيديه على الحائط، ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، فمسح بهما ذراعيه، ثم رد عليه السلام.

[والحديث الثاني]: رواه الأعرج، عن أبي الصِّمّة، أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - تيمم، فمسح وجهه وذراعيه.

[والحديث الثالث]: ما رواه الربيع بن بدر، عن أبيه، عن جدّه، عن أسلع، قال: كنت مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فأصابتني جنابة، فقال: "يا أسلع قُمْ، فارحل لي"، فقلت: أصابتني جنابة، فسكت، فنزلت آية التيمم، فأراني التيمم، فضرب بيديه، فمسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما.

* وقالت طائفة: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الرسغين، رُوي هذا القول عن عليّ.___


 

وقالت طائفة: التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهذا قول عطاء، ومكحول، والشعبيّ، ورُوي ذلك عن ابن المسيّب، والنخعيّ، وبه قال الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق.

واحتجت هذه الفرقة بحُجَج، فأعلى ما احتَجَّت به الأخبار الثابتة عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الدالة على صحة هذا القول، كحديث عمّار - رضي الله عنه - هذا المتّفق عليه.

قال ابن المنذر رحمه اللهُ: وأما الأخبار التي رُويت عن عمار التي فيها ذكر اختلاف أفعالهم حين نزلت آية التيمم قبل أن يأتوا النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فيُعَلِّمهم صفة التيمم مما فعلوه عند نزول الآية احتياطًا، فلما جاؤوه علّمهم، فقال لعمار: "إنما كان يكفيك هذا"، وفي قوله: "إنما كان يكفيك هذا"، دليل على أن الفعل الذي كان منهم كان قبل أن يُعْلِمهم، والدليل على صحة هذا القول أن عمارًا عَلَّمهم بعد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في ولايته أيام عمر على الكوفة التيمم ضربة للوجه والكفين.

ومما احتجت به هذه الفرقة أنهم قد أجمعوا على أن عليه في التيمم أن يمسح بوجهه وكفيه، واختلفوا فيما زاد على ذلك، فثبت فرض ما أجمعوا عليه بالكتاب، واختلفوا فيما زاد على الوجه والكفين، ولا يجب الفرض باختلاف، ولا حجة مع قائله، وفي تعليمه - صلى الله عليه وسلم - أصحابه صفة التيمم، دليلٌ على معنى ما أراد الله تعالى بقوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43]؛ لأنه المبين عن الله معنى ما أراد، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، وقد بَيَّن لَمّا قال لعمار: "إنما يكفيك هذا" أن الذي فرض الله مسح الوجهين والكفين.

وقد احتَجَّ مكحول بحجة أخرى، قال: لَمَّا قال تعالى في الوضوء: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: 6]، وقال في آية التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}، ولم يستثن إلى المرافق، ثم قال: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، قال مكحول: فإنما تُقْطَع يد السارق الكفّ من الْمَفْصِل.

قال ابن المنذر رَحمه اللهُ: قد ذكرنا معاني الأخبار التي فيها ذكر تيممهم قبل أن يأتوا النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وتعليمه إياهم، فأما الأخبار الثلاثة التي احتَجَّ بها مَن رأى أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، فمعلولة كلها، لا يجوز أن يُحْتَجَّ بشيء منها، فمنها حديث محمد بن ثابت، ولم يرفعه غيره،___

وقد دَفَع غيرُ واحد من أهل العلم حديثه، قال يحيى بن معين: محمد بن ثابت ليس بشيء، وهو الذي رَوَى حديث نافع، عن ابن عمر في الضربتين يُضَعَّف، وقال البخاريّ: محمد بن ثابت، أبو عبد الله البصريّ في حديثه عن نافع، عن ابن عمر في التيمم، خالفه أيوب، وعبيد الله، وابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر فعله، فسَقَط أن يكون هذا الحديث حجةً؛ لضعف محمد في نفسه، ومخالفة الثقات له، حيث جعلوه من فعل ابن عمر.

وأما حديث إبراهيم بن أبي يحيى، فقد دفعه جماعة، نَهَى عنه مالك، وشَهِد عليه يحيى بن معين وابن أبي مريم بالكذب، وقال يحيى بن سعيد: كنا نتهمه بالكذب، وتركه ابن المبارك، وتكلم فيه أحمد، قال: كان يأخذ حديث الناس، فيجعله في كتبه، وقال يحيى بن معين: إبراهيم ليس بثقة كذّاب رافضيّ، وقد كثر كلام المتكلمين في إبراهيم.

وأما حديث الربيع بن بدر، فهو إسناد مجهول؛ لأن الربيع لا يُعْرَف برواية الحديث، ولا أبوه، ولا جده، والأسلع غير معروف، فالاحتجاج بهذا الحديث يَسْقُط من كل وجه. انتهى كلام ابن المنذر - رحمه الله – ["الأوسط" 2/ 47 - 54].

وقال في "الفتح" عند قوله: "يكفيك الوجه والكفّان"، ما نصّه:

ويستفاد من هذا اللفظ أن ما زاد على الكفين ليس بفرض، كما تقدم، واليه ذهب أحمد، وإسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن خزيمة،

ونقله ابن الجهم وغيره عن مالك، ونقله الخطابيّ عن أصحاب الحديث،

وقال النوويّ:

رواه أبو ثور وغيره عن الشافعيّ في القديم، وأنكر ذلك الماورديّ وغيره، قال: وهو إنكار مردود؛ لأن أبا ثور إمام ثقة، قال: وهذا القول، وإن كان مرجوحًا - أي في المذهب - فهو القويّ في الدليل. انتهى كلامه في "شرح المهذب"، وأجاد في المقال.

وقال في "شرح مسلم" في الجواب عن هذا الحديث: إن المراد به بيان صورة الضرب للتعليم، وليس المراد به بيان جميع ما يحصل به التيمم.

وتُعُقِّب بأن سياق القصة يدلّ على أن المراد به بيان جميع ذلك؛ لأن___ذلك هو الظاهر، من قوله: "إنما يكفيك"،

وأما ما استَدَلَّ به مَن اشترط بلوغ المسح إلى المرفقين، من أن ذلك مشترط في الوضوء، فجوابه: أنه قياس في مقابلة النصّ، فهو فاسد الاعتبار، وقد عارضه مَن لم يشترط ذلك بقياس آخر، وهو الإطلاق في آية السرقة، ولا حاجة لذلك مع وجود هذا النصّ.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه في "الفتح" من الردّ على من اشترط بلوغ المسح إلى المرفقين مستدلًّا بالقياس بأن ذلك قياس فاسد؛ لمعارضته النصّ تحقيق نفيس جدًّا.

وقال قبل ذلك عند قول البخاريّ: "بابٌ التيممُ للوجه والكفين"، ما نصّه: أي هو الواجب المجزئ، وأَتَى بذلك بصيغة الجزم، مع شهرة الخلاف فيه؛ لقوّة دليله، فإن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يَصِحَّ منها سوى حديث أبي جُهيم وعمّار - رضي الله عنهما -، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، فأما حديث أبي جهيم، فورد بذكر اليدين مُجْمَلًا (1)، وأما حديث عمار، فورد بذكر الكفين في "الصحيحين"، وبذكر المرفقين في "السنن"، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط، فأما رواية المرفقين، وكذا نصف الذراع ففيهما مقال، وأما رواية الآباط، فقال الشافعيّ وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فكل تيمم صحّ للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعده، فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره، فالحجة فيما أَمَر به، ومما يُقَوِّي رواية "الصحيحين" في الاقتصار على الوجه والكفين، كون عمار - رضي الله عنه - كان يُفتي بعد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابيّ المجتهد. انتهى ما في "الفتح" ["الفتح" 1/ 530]، وهو تحقيقٌ نفيسٌ.

قال الجامع عفا الله عنه:

خلاصة القول في المسألة أن الراجح قول من قال: إن التيمّم بضربة واحدة للوجه والكفّين فقط، ولا يُشرع المجاوزة إلى المرفقين؛ لعدم صحّة الدليل على ذلك، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل." اهـ

 

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (1/ 364)

في هذا الحديث من الفوائد:

* أنه لابد من ضربتين في التيمم، ولكن ما دمنا صححنا أنه موقوف، فيكون هذا على رأي ابن عمر، والسنة بخلافه، بل والقرآن بخلافه؛ لأن الله قال في التيمم: "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6].

ونحن نرى أن القرآن الكريم إذا أطلق اليد، فهي الكف فقط،

ولهذا أجمع العلماء على أنه لا يقطع في السرقة إلا الكف؛ لأن الله قال: {أيديهما} [المائدة: 38]، ولم يقيد،

أما في الوضوء، فنَعَمْ إلى المرفق؛ لأن الله قيد ذلك فقال: {وأيديكم إلى المرافق}.

وفي قوله: {وأيديكم إلى المرافق} دليل واضح على أن (اليد) إذا أطلقتْ، لم تبلغ المرفق، وإنما المراد بها: الكف،

وعليه يكون هذا الأثر من قول ابن عمر، ولكن لا عبرة به ما دام خالف ظاهر القرآن وصريح السنة، فإنه لا عبرة به؛ لأن قول الصحابي لا يكون حجة إذا خالف النص القرآني أو النبوي،

وأيضا المعنى يقتضي عدم مسح الذراع؛ لأن الذراع غالبا يكون خفيا، إما في الثوب، وإما في الرداء، فلا يظهر عليه أثر التعبد بتمرغ الإنسان أو بتعفير الإنسان وجهه ويديه، بخلاف الوجه وبخلاف الكف فإنه يظهر عليهما الغبار - غبار التراب- حتى يتبين أن هذا الرجل تعبد لله تعالى بتعفير وجهه وكفيه تقربا إلى الله واحتسابا للأجر.

 

111 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-:

"الصَّعِيدُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِيْنَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ."

رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، وَلَكِنْ صَوَّبَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِرْسَالَهُ،

 

وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ نَحْوُهُ، وَصَحَّحَهُ

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البزار في "البحر الزخار" (17/ 309) (رقم: 10068)

والحديث صحيح لغيره: صححه الألباني _رحمه الله_ في صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 718) (رقم: 3861)،

 

وأورد له شاهدا عن أبي ذر _رضي الله عنه_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (7/ 64) (رقم: 3029).

 

ففي سنن أبي داود (1/ 90) (رقم: 332):

عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: اجْتَمَعَتْ غُنَيْمَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ ابْدُ فِيهَا». فَبَدَوْتُ إِلَى الرَّبَذَةِ فَكَانَتْ تُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ فَأَمْكُثُ الْخَمْسَ وَالسِّتَّ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أبُو ذَرٍّ». فَسَكَتُّ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَبَا ذَرٍّ لِأُمِّكَ الْوَيْلُ». فَدَعَا لِي بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ فَجَاءَتْ بِعُسٍّ فِيهِ مَاءٌ فَسَتَرَتْنِي بِثَوْبٍ وَاسْتَتَرْتُ بِالرَّاحِلَةِ، وَاغْتَسَلْتُ فَكَأَنِّي أَلْقَيْتُ عَنِّي جَبَلًا فَقَالَ «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ»

وأخرجه أبو داود في "سننه" (1/ 91) (رقم: 333)، والنسائي في "سننه" (1/ 171) (رقم: 322)، والترمذي في "سننه" – ت. شاكر (1/ 211) (رقم: 124) – صحيح: "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 165) (رقم: 530)، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (1/ 181) (رقم: 153)، و"صحيح أبي داود" - الأم (2/ 148 و2/ 151) (رقم: 358 و 359)

 

من فوائد الحديث:

 

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (5/ 285):

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز الصلوات بتيمم واحد، وسيأتي اختلاف أهل العلم في المسألة التالية.

ومنها: أن التيمم رافع للحدث لا مبيح له على الراجح كما سيأتي.

ومنها: أن وجود الماء ناقض للتيمم، لقوله في آخر الحديث كما تقدم عند أبي داود: "فإذا وجدت الماء فأمسَّهُ جلدك". اهـ

 

وقال في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (5/ 286):

"قال الجامع عفا الله عنه: أرجح المذاهب عندي المذهب الثاني:

فيصلي المتيمم بتيممه ما شاء من الصلوات، الفرض والنفل، ما لم ينتقض تيممه يحدث، أو وجود ماء، لحديث الباب: "الصعيدُ وَضُوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين". اهـ

 

وقال العثيمين في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 366)

ففي هذا الحديث فوائد: أولا: جواز التيمم من جميع الأرض؛ لقوله: "الصعيد وضوء المسلم" بدون تقييد.

ومن فوائده: أن التيمم يقوم مقام الماء بقوله: "وضوء"؛ والوضوء هو ما يتوضأ به الإنسان الذي يجد الماء؛ وهذا هو القول الراجح وقد بيناه فيما سبق، وقلنا: إن التيمم إذا تعذر استعمال الماء يقوم مقامه في كل شيء حتى لو تيمم لنافلة فله أن يصلي فريضة، ولو تيمم لقراءة القرآن فله أن يصلي فريضة؛ لأنه يقوم مقامه من كل وجه.

ومن فوائد هذا الحديث: أنه متى تعذر استعمال الماء ولو طال الزمن فإن التيمم جائز لقوله: "وإن لم يجد الماء عشر سنبن".

ومن فوائد هذا الحديث: جواز استعمال المبالغة في الكلام، وإذا وقع الكلام على سبيل المبالغة قلة أو كثرة فلا مفهوم له، وهذا موجود في القرآن وفي السنة، قال الله تعالى: {فمن___يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الولولة: 7، 8].

ومن يعمل دون ذلك فكذلك، لكن ذكر مثقال الذرة على سبيل المبالغة،

ومنه أيضا: قول الرسول صلى الله عليه وسلم:

"من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله يوم القيامة".

فمن اقتطع دون ذلك فالحكم في حقه كذلك؛ لأن هذا ذكر على سبيل المبالغة، ومنه على أحد القولين قوله تعالى: {إن نستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80]. يعني: وإن استغفرت أكثر فالحكم كذلك؛ لأن هذا ذكر على سبيل المبالغة قلة أو كثرة ليس له مفهوم".

ومن فوائد هذا الحديث: بطلان طهارة التيمم في وجود الماء لقوله: "فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته"، وعلى هذا فإذا تيمم للجنابة ثم وجد الماء وجب عليه ان يغتسل لقوله: "فليتق الله وليمسه بشرته"، وإذا تيمم للوضوء ثم وجد الماء فعليعه أن يتوضأ به، لا يقول: إنه ارتفع حدثي بالتيمم ولا يعود الحدث إلا بموجب جديد؛ لأننا نقول: إنه ارتفاع مقيد بوجود الماء، أو بزوال العذر إذا تيمم لضرره باستعمال الماء، وقد حكى شيخ الإسلام رحمه الله الاتفاق على أنه إذا وجد الماء وجب عليه استعماله، حتى ولو قلنا بأن التيمم رافع لنه رافع ما دام السبب موجودا، فإذا لم يوجد فعليه أن يستعمل الماء.

ومن فوائد هذا الحديث: أنه لو تيمم مع وجود الماء فطهارته غير شرعية؛ لقوله: "وليمسه بشرته"، فإنه لو تيمم مع وجود الماء خالف الأمر باستعماله وبتقوى الله ومخالفة الواجب وقوع في المحرم، ومعلوم أن الشيء المحرم لا يستفيد به الإنسان شيئا، فهو لا يرفع الحدث، ولا يحل الحرام ولا يملك به المبيع، ولا غير ذلك، إذن لو تيمم مع وجود الماء وصلى فلا عبرة به، وصلاته باطلة، وعليه أن يتوضأ أو يغتسل ويصلي.

فإن قال قائل: ما هو الضابط في الوجود وعدم الوجود؟

نقول: متى كان في حمل الماء مشقة فهو واجد او غير واجد؟ غير واجد، وإذا لم يكن مشقة فإنه يحمله كما لو كان عنده سيارة فيها [خزان] كبير فيه ماء، نقول: يجب عليك أن تحمل الماء أما إذا لم يكن كذلك فإننا لا نوجب عليه مثل أن يسافر في سيارة صغيرة فإننا لا نوجب عليه أن يحمل الماء؛ لما في ذلك في المشقة.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة