شرح الحديث 52 (الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء) من صحيح الترغيب

 

52 - (4) [صحيح] وعن أبي بَرْزَة رضي الله عنه عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:

"إنّما أخشى عليكم شهواتِ الغَيّ[1] في بطونكم وفروجكم، ومُضِلاَّتِ الهوى[2]".

رواه أحمد والبزّار والطبراني في "معاجمه الثلاثة"، وبعض أسانيدهم رواته ثقات.

 

برجمة أبي برزة الأسلمي:

 

(خ م د ت س ق) نضلة بن عبيد، أبو برزة الأسلمي، صاحب النبى _صلى الله عليه وسلم_.

واسمه: نضلة بن عبيد بن عابد بن الحارث بن حبان بن ربيعة بن دعبل بن أنس بن خزيمة بن مالك بن سلامان بن أسلم .

وهو معروف بكنيته. أسلم قديما، وشهد فتح مكة مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وروى عنه أنه قال: (أنا قتلت ابن خطل تحت أستار الكعبة). اهـ .

 

و قال المزى :

قال البخاري: نزل البصرة، وذكر له حديث: غزوت مع النبى _صلى الله عليه وسلم_ سبع غزوات .

 

وقال أبو نضرة، عن عبد الله بن مولة القشيري: (كنت بالأهواز إذ مر بى شيخ ضخم على دابة له ، فإذا أبو برزة)

 

وفي "إكمال تهذيب الكمال" (12/ 49):

وفي "كتاب الصريفيني": (شهد أحدا وخيبر وفتح مكة)،

وقال أبو أحمد الحاكم: مات سنة أربع وستين.

وفي «الطبقات»: كانت لأبي برزة جفنة من ثريد غدوة، وجفنة عشية للأرامل والمساكين، وكان أبيض الرأس واللحية." اهـ

 

وذكره محمد بن سعد فى الطبقة الثالثة، قال: و كان من ساكنى المدينة، ثم تحول إلى البصرة، وغزا خراسان، فمات بها، وولده فى داره بالبصرة.

 

و قال الحافظ أبو بكر الخطيب: سكن المدينة، و شهد مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فتح مكة ، ثم تحول إلى المدينة فنزلها، وحضر مع على بن أبى طالب قتال الخوارج بالنهروان ، وورد المدائن فى صحبته،

وغزا بعد ذلك خراسان فمات بها .

قال أبو برزة: كانت العرب تقول: )من أكل الخبز سمن(، قال: فلما فتحنا خيبر أجهضناهم عن خبزة لهم، فقعدت عليها فأكلت منها حتى شبعت، فجعلت أنظر فى عِطْفَيَّ هل سمنت!

عن الحسن بن حكيم الثقفى عن أمه:

(وكانت أمة لأبى برزة أن أبا برزة كان يقوم من جوف الليل إلى الماء، فيتوضأ، ولا يوقظ أحدا من خدمه، وهو شيخ كبير، ثم يصلى)." اهـ

 

وقال خليفة بن خياط: وافى خراسان، ومات بها بعد سنة أربع و ستين بعدما أخرج ابن زياد من البصرة.

 

روى له الجماعة.

 

قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (10 / 447):

(ومما يؤيد ذلك: أن فى صحيح البخارى أنه شهد قتال الخوارج بالأهواز ،

زاد الإسماعيلي: مع المهلب بن أبى صفرة .

وكان ذلك فى سنة خمس و ستين، كما جزم به محمد بن قدامة و غيره، و كان

عبد الملك قد ولى الخلافة بالشام. اهـ[3] .

 

نص الحديث وشرحه:

 

وعن أبي بَرْزَة رضي الله عنه عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:

"إنّما أخشى عليكم شهواتِ الغَيّ في بطونكم وفروجكم، ومُضِلاَّتِ الهوى".

رواه أحمد والبزّار والطبراني في "معاجمه الثلاثة"، وبعض أسانيدهم رواته ثقات.

 

وفي "الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني" (19/ 280) للساعاتي:

"الغيى (بفتح الغين المعجمة وتشديد الياء التحتية)،

أصله: الضلال والانهماك في الباطل. والظاهر: أنَّ المراد هنا: أكل ما تشتهيه نفسه من ملذات الدنيا سواء كان حلالا أو حراما وعدم التعفف عن الزنا ارضاءا لشهوته." اهـ

 

وفي الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (19/ 280) للساعاتي:

"(مُضِلاَّتِ الهوى) أي: فعل ما تهواه نفسه من المعاصي، فإنها تبطل عمله الصالح وتضيعه، مأخوذ من الضلال الضياع، ويقال مثل ذلك في الفتن، والله أعلم." اهـ

قلت: والبدع من الأهواء المضلة!

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

بين النبي ﷺ في هذا الحديث خوْفَهُ على أمَّتِه من أخطر ما يفسد الدين ويهدم الأخلاق، وهو اتباع الشهواتِ المحرمةِ، والانجراف وراء الأهواء المضلِّلة.

 

فالنبي ﷺ لا يخشى على أمته الفقرَ أو ضعف الدنيا بقدر ما يخشى عليهم شهوات الغيّ؛ وهي الشهوات التي تجرّ صاحبها إلى الضلال والانحراف، خاصة ما يتعلق بـ ملذات البطن من أكل الحرام والشره والطمع، و ملذات الفرج من الفواحش والزنا والنظر المحرم.

ثم حذّرهم من الهوى المضلّ؛ وهو اتباع الآراء الباطلة، والانجراف خلف الشبهات والأفكار المنحرفة، وترك ما أنزل الله من الهدى.

 

فالحديث يحصر أسباب الهلاك في أمرين خطيرين:

1. الشهوات المحرمة التي تغري الجسد.

2. الأهواء المضلّة التي تفسد العقل والقلب.

وإذا اجتمعا، فهما أصلُ كلِّ فتنة وضلال في الدنيا، وسببُ انحراف الأمم السابقة، وبهما تحصل الفتنة العامة والخاصة.

 

تخريج الحدبث :

 

أخرجه أحمد في "مسنده" (33/ 18 و 33) (رقم : 19773 و 19787)[4]، وابن أبي عاصم في "السنة" (1/ 12) (رقم : 14)، والبزار في في "مسنده" = "البحر الزخار" (9/ 292) (رقم : 3844) و (10/ 370) (رقم : 4503)[5]، والطبراني في "المعجم الصغير" (1/ 309) (رقم : 511)، والخرائطي في "اعتلال القلوب" (1/ 46) (رقم : 88)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (2/ 32)، والدولابي في "الكنى والأسماء" (2/ 479) (رقم : 866)، وابن بشران في "الأمالي" - الجزء الثاني (ص: 207) (رقم : 1354)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في "مشيخته" (ص: 49) (رقم : 23) كلهم عَنْ أبي الْحَكَمِ (وهو علي بن الحكم أبو الحكم البناني البصري)، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ _رضي الله عنه_

 

وأخرجه والبيهقي في "الزهد الكبير" (ص: 164) (رقم : 371): عن الحسن عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ _رضي الله عنه_

 

من فوائد الحديث"

 

ذم الهوى (ص: 16)

وَاعْلَمْ أَنَّ الْهَوَى يَسْرِي بِصَاحِبِهِ فِي فُنُونٍ وَيُخْرِجُهُ مِنْ دَارِ الْعَقْلِ إِلَى دَائِرَةِ الْجُنُونِ

وَقَدْ يَكُونُ الْهَوَى فِي الْعِلْمِ فَيَخْرُجُ بِصَاحِبِهِ إِلَى ضِدِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ الْعِلْمُ

وَقَدْ يَكُونُ فِي الزُّهْدِ فَيَخْرُجُ إِلَى الرِّيَاءِ

وَكِتَابُنَا هَذَا لِذَمِّ الْهَوَى فِي شَهَوَاتِ الْحِسِّ وَإِنْ كَانَ يَشْتَمِلُ عَلَى ذَمِّ الْهَوَى مُطْلَقًا

وَإِذْ قَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ ذَمِّ الْهَوَى مَا أَمْلاهُ الْعَقْلُ فَلْنَذْكُرْ مِنْ ذَلِكَ مَا يحويه النَّقْل

فصل قَدْ مَدَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُخَالَفَةِ الْهَوَى فَقَالَ {وَنَهَى النَّفْسَ عَن الْهوى} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ هُوَ نَهْيُ النَّفْسِ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهَا

قَالَ مُقَاتِلٌ هُوَ الرَّجُلُ يُهِمُّ بِالْمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ مَقَامَهُ لِلْحِسَابِ فَيَتْرُكُهَا

وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} [الأعراف: 176]،

وَقَالَ : {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]،

وَقَالَ : {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]،

وَقَالَ {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} [الروم: 29]،

وَقَالَ: {وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 14]

وَقَالَ : {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50]،

وَقَالَ : {لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 119]،

وَقَالَ : {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الكهف: 28]،

وَقَالَ: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} [البقرة: 120]

وَقَالَ : {فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا} [النساء: 135]،

وَقَالَ : {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } [ص: 26]." اهـ

 

اعتلال القلوب للخرائطي (1/ 46)

بَابُ ذَمِّ الْهَوَى وَأَتْبَاعِهِ

 

جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 477)

وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَنِ اتَّبَعَ الشَّهَوَاتِ، قَالَ تَعَالَى:

{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا - إِلَّا مَنْ تَابَ} [مريم: 59 - 60] [مَرْيَمَ: 59 - 60] .

وَصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ» .

وَفِي " الْمُسْنَدِ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا سَمِينًا فَجَعَلَ يُومِئُ بِيَدِهِ إِلَى بَطْنِهِ وَيَقُولُ: لَوْ كَانَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا، لَكَانَ خَيْرًا لَكَ» .

وَفِي " الْمُسْنَدِ " عَنْ أَبِي بَرْزَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ شَهَوَاتُ الْغَيِّ فِي بُطُونِكُمْ وَفُرُوجِكُمْ، وَمُضِلَّاتُ الْهَوَى»

 

وقال السفاريني رحمه الله_ في "غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب" (2/ 457_458):

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ:

مُخَالَفَةُ الْهَوَى تُورِثُ الْعَبْدَ قُوَّةً فِي بَدَنِهِ وَقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْغَالِبُ لِهَوَاهُ أَشَدُّ مِنْ الَّذِي يَفْتَحُ الْمَدِينَةَ وَحْدَهُ.

وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَرْفُوعِ «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» .

وَكُلَّمَا تَمَرَّنَ عَلَى مُخَالَفَةِ هَوَاهُ اكْتَسَبَ قُوَّةً عَلَى قُوَّتِهِ، وَبِمُخَالَفَتِهِ لِهَوَاهُ تَعْظُمُ حُرْمَتُهُ وَتَغْزُرُ مُرُوءَتُهُ. قَالَ مُعَاوِيَةُ خَالُ الْمُؤْمِنِينَ: الْمُرُوءَةُ تَرْكُ الشَّهَوَاتِ وَعِصْيَانُ الْهَوَى.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذَا أَشْكَلَ عَلَيْك أَمْرٌ أَنْ لَا تَدْرِيَ أَيَّهمَا أَرْشَدُ___

فَخَالِفْ أَقْرَبَهُمَا مِنْ هَوَاك، فَإِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الْخَطَأُ فِي مُتَابَعَةِ الْهَوَى. وَقَالَ بِشْرٌ الْحَافِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَرَضِيَ عَنْهُ: الْبَلَاءُ كُلُّهُ فِي هَوَاك. وَالشِّفَاءُ كُلُّهُ فِي مُخَالَفَتِك إيَّاهُ. .

وَقَدْ قِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَا أَبَا سَعِيدٍ أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ جِهَادُك هَوَاك.

قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَسَمِعْت شَيْخَنَا يَعْنِي شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ يَقُولُ: جِهَادُ النَّفْسِ وَالْهَوَى أَصْلُ جِهَادِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى جِهَادِهِمْ حَتَّى يُجَاهِدَ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ أَوَّلًا حَتَّى يَخْرُجَ إلَيْهِمْ، فَمَنْ قَهَرَ هَوَاهُ عَزَّ وَسَادَ، وَمَنْ قَهَرَهُ هَوَاهُ ذَلَّ وَهَانَ وَهَلَكَ وَبَادَ." اهـ

 

وقال الهيتمي _رحمه الله_ في "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (1/ 165):

"عَدُّ هَذَا كَبِيرَةً هُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الصَّلَاحُ الْعَلَائِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ، وَالْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَعِبَارَةُ الْجَلَالِ فِي تَعْدَادِ الْكَبَائِرِ: "السَّادِسَةَ عَشْرَةَ الْبِدْعَةُ وَهِيَ الْمُرَادُ بِتَرْكِ السُّنَّةِ." انْتَهَى." اهـ

 

وقال عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ) في "موارد الظمآن لدروس الزمان" (4/ 429):

"فَلَمَّا دخل أكثر النَّاس فِي هاتين الفتنتين أو إحديهما أصبحوا متقاطعين متباغضين بعد أن كَانُوا إخواناً متحابين متواصلين،

فإن فتنة الشهوات عمت غالب الخلق ففتنوا بالدُّنْيَا وزهرتها، فصَارَت غايةُ قصدهم، لها يطلبون، وبها يرضون، ولها يغضبون، ولها يوالون، وعَلَيْهَا يعادون، فقطَّعوا لذَلِكَ أرحامهم، وسفكوا دماءهم، وارتكبوا معاصي الله بسبب ذَلِكَ.

وأما فتنة الشبهات والأهواء المضلة: فبسببها تفرق أَهْل القبلة، وصاروا شيعاً، وكفر بَعْضهمْ بعض، وأصبحوا أعداءً وفرقاً وأحزاباً بعد أن كَانُوا إخوانَاً، قُلُوبهمْ عَلَى قلب رجل واحد، فلم ينج من هذه الفرق كُلّهَا إلا الفرقة الواحدة الناجية.___

وهم فِي آخر الزمان الغرباء المذكورون فِي هذه الأحاديث الَّذِينَ يصلحون إِذَا فسد النَّاس ويصلحون ما أفسد النَّاس من السنَّة وهم الَّذِينَ يفرون بدينهم من الفتن وهم النزاع من القبائل.

وهم المذكورون فِي قوله _صلى الله عليه وسلم_:

(لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين عَلَى الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتي يأتي أمر الله وهم عَلَى ذَلِكَ)." اهـ من مجموع رسائل ابن رجب (1/ 318).

 

قلت:

قال أبو جعفر الطحاوي: «ونرى الجماعة حقا وصوابا، والفرقة زيغا وعذابا» [متن الطحاوية مع الشرح (2/ 775)].

 

قال الله _عز وجل_ :

{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]

 

وقال _تعالى_: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159]

 

وقال _تعالى_: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 31، 32]

 

وفي سنن أبي داود (4/ 198) (رقم: 4597): عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، أَنَّهُ قَامَ فِينَا فَقَالَ: أَلَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِينَا فَقَالَ:

"أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ: ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ."

 

ملحق الفوائد:

 

هذا الحديث من جوامع الكَلِم النبوي، وهو من الأحاديث الجامعة في باب التحذير من أصول الفتن والشرور. ومن فوائده الكثيرة ما يلي:

1_ فيه: بيان شفقة النبي ﷺ على أمته، إذ لم يترك ما فيه نفع إلا بيّنه، ولا ما فيه ضرر إلا حذّر منه، فخوفه عليهم من أعظم ما يبتلى به الناس.

قول الله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة: 128].

2_ فيه: أن أعظم ما يُخشى على العبد: الشهوات والأهواء، فالشهوات تُفسد العمل والسلوك، والأهواء تُفسد العقائد والفهوم.

قال ﷺ: «حُفَّتِ الجنةُ بالمكارهِ، وحُفَّتِ النارُ بالشهواتِ» [متفق عليه].

3_ فيه: تحذير من شهوة البطن، لأن أكل الحرام من أكبر أسباب فساد القلب، ومنع قبول الدعاء، والوقوع في الظلم والعدوان.

قال رسول الله ﷺ:

«أيها الناسُ، إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طيِّبًا» ثم ذكر الرجل يطيل السفر... «ومطعمُه حرامٌ، ومشربُه حرامٌ... فأنَّى يُستجابُ لذلك؟» [رواه مسلم].

4_ فيه: تحذير من شهوة الفرج

فهي من أعظم الفتن التي أهلكت الأمم السابقة، قال _تعالى_:

{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32].

قال الله تعالى:

{وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 80]

5_ فيه: تحذير من الهوى، لأن اتباع الهوى يصدّ عن سبيل الله، ويُضلّ عن الحق، ويوقع في البدع والانحراف.

قال تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} [القصص: 50].

6_ فيه: أن الغواية نوعان: غواية الشهوات وغواية الشبهات، فالشهوات تتعلق بالبطون والفروج، والشبهات تتعلق بالقلوب والعقول، وكلاهما مهلك.

قال تعالى عن إبليس: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} [الحجر: 39]،

وقال ﷺ: «إنَّ أخوفَ ما أخافُ على أُمَّتي الأئمَّةُ المضلِّين» [رواه أحمد والترمذي].

7_ فيه: أن الحديث جمع بين أصلين من أصول الفساد: المطاعم والمناكح، وأصل من أصول الانحراف: الأهواء.

فالأولان: فساد عملي، والثالث: فساد اعتقادي.

قال تعالى: ﴿ذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120]،

فظاهر الإثم يشمل المعاصي العملية (المطاعم والمناكح)، وباطنه يشمل فساد الاعتقاد والهوى.

8_ فيه: بيان أن الفتن نوعان: فتن الشبهات وفتن الشهوات. وهذا الحديث نص في النوعين جميعًا.

قال ﷺ: «تُعرَضُ الفتنُ على القلوبِ كالحصيرِ عودًا عودًا، فأيُّ قلبٍ أشربَها نُكِتَ فيه نُكتةٌ سوداء...» [رواه مسلم].

9_ فيه: تنبيه على خطورة البطن والفرج خاصة، لأن أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان: الفم والفرج.

قال ﷺ: «من يَضمنْ لي ما بينَ لَحيَيْهِ وما بينَ رِجْلَيْهِ أضمَن له الجنَّةَ» [رواه البخاري].

10_ فيه: أن من سلِم من هذه الثلاثة فقد سلِم له دينه في الغالب، فسلامة القلب من الهوى، والبطن من الحرام، والفرج من الفاحشة، هي جماع الخير.

قال ﷺ: «ألا وإنَّ في الجسدِ مضغةً إذا صلَحتْ صلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسدتْ فسد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ» [متفق عليه].

11_ فيه: أن النبي ﷺ كان يركّز على الأصول التي يكثر وقوع الناس فيها، فلم يذكر جميع المعاصي، وإنما نبّه على أمهاتها.

دل عليه قول عائشة رضي الله عنها:

«إنما نزل أول ما نزل منه سورٌ من المفصَّل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام...» [رواه البخاري].

12_ فيه: إشارة إلى أن الفتن الداخلية أخطر على الأمة من الفتن الخارجية، فالنبي ﷺ لم يقل: "أخشى عليكم عدوكم"، بل قال: "شهوات الغي ومضلات الهوى".

قال ﷺ: «إنما أخشى عليكم الدنيا أن تُفتَح عليكم كما فُتِحَتْ على مَن كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم» [متفق عليه].

13_ فيه: أن الهوى قد يلبس على صاحبه لباس الدين، فيرى الباطل حقًّا، والحق باطلاً، فلهذا سماه النبي ﷺ "مضلات الهوى".

قال ﷺ عن الخوارج: «يَقرؤون القرآنَ لا يُجاوزُ حَناجِرَهم، يمرُقون من الدِّينِ كما يَمرُقُ السَّهمُ من الرَّمِيَّةِ» [متفق عليه].

14_ فيه: أن العبد مأمور بمجاهدة نفسه، لأن النفس ميالة إلى الشهوة والهوى، فلا ينجو إلا من زكّاها.

قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: 69].

15_ فيه: بيان كمال النبوة، حيث لخّص النبي ﷺ أبواب الشرور كلها في جملة وجيزة جامعة.

قال ﷺ: «بُعثتُ بجوامعِ الكَلِمِ» [متفق عليه].


[1] وفي الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (19/ 280) للساعاتي:

"الغيى بفتح الغين المعجمة وتشديد الياء التحتية اصله الضلال والانهماك في الباطل. والظاهر: أنَّ المراد هنا: أكل ما تشتهيه نفسه من ملذات الدنيا سواء كان حلالا أو حراما وعدم التعفف عن الزنا ارضاءا لشهوته." اهـ

[2] وفي الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (19/ 280) للساعاتي:

"أي: فعل ما تهواه نفسه من المعاصي فإنها تبطل عمله الصالح وتضيعه مأخوذ من الضلال الضياع ويقال مثل ذلك في الفتن والله أعلم." اهـ

قلت: والبدع من الأهواء المضلة!

[3] وفي إكمال تهذيب الكمال (12/ 50):

"وفي البخاري: أنه شهد قتال الحرورية بالأهواز، وذكر المبرد أن قتالهم كان بها في سنة خمس وستين. وفي الإسماعيلي: حضرها مع المهلب بن أبي صفرة." اهـ

[4]  وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (4/ 420) (رقم: 19772):

حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ أَبُو الْأَشْهَبِ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مِمَّا أَخْشَى عَلَيْكُمْ شَهَوَاتِ الْغَيِّ فِي بُطُونِكُمْ وَفُرُوجِكُمْ وَمُضِلَّاتِ الْفِتَنِ»

[5]  وفي مسند البزار = البحر الزخار (9/ 308) بدون ترقيم، وبلفظ : "الأهواء" بدل لفظ "الهوى".

وقال الأرنؤوط في تعليقه على مسند أحمد ط الرسالة (33/ 18) : "رجاله ثقات رجال الشيخين، غير علي بن الحكم البُناني، فمن رجال البخاري، وهو لم يسمع من أبي برزة، ويحتمل أنه لم يدركه، فقد تقدمت وفاة أبي برزة في حدود سنة ستين أو أربع وستين، بينما تأخرت وفاة علي بن الحكم إلى سنة إحدى وثلاثين ومئة.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة