شرح الحديث 35 (بَابُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا) من الأدب للبخاري
|
19_ بَابُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ
بَعْدَ مَوْتِهِمَا 35 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
الْغَسِيلِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ
أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُسَيْدٍ يُحَدِّثُ
الْقَوْمَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ
بَعْدَ مَوْتِهِمَا أَبَرُّهُمَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، خِصَالٌ أَرْبَعٌ: الدُّعَاءُ
لَهُمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا، وَإِكْرَامُ
صَدِيقِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا رَحِمَ لَكَ إِلَّا مِنْ
قِبَلِهِمَا[1]» [قال الشيخ الألباني : ضعيف] |
رواة الحديث:
* حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ (ثقة ثبت: ت 218 هـ):
الفضل بن دكين : عمرو بن حماد بن زهير الكوفى (مشهور بكنيته)، من صغار أتباع
التابعين، روى له:
خ م د ت س ق
* قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ (صدوق: ت 172 هـ):
عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة الأنصارى الأوسى، أبو سليمان
المدنى، المعروف بـ"ابن الغسيل"، روى له: خ م د تم ق
* قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدٍ (صدوق):
أسيد بن على بن عبيد الساعدى الأنصارى، من صغار التابعين، روى له: بخ د
ق
* عَنْ أَبِيهِ (مقبول):
علي بن عبيد الأنصاري المدني (مولى أبى أسيد الساعدي)، من صغار التابعين، روى له: بخ د ق
* أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُسَيْدٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ:
مالك بن ربيعة بن البدن (ويقال: البدى)، أبو أسيد الساعدي الأنصاري (مشهور
بكنيته، شهد بدرا و غيرها)، روى له: خ م د ت س ق
وفي "الأعلام" للزركلي (5/ 261):
"مالك بن رَبِيَعة (000 - 60 هـ = 680 000 م): مالك بن ربيعة بن عمرو
" البَدَنِ " ابن عوف الخزرجي الساعدي، أَبُوْ
أُسَيْدٍ: صحابِيٌّ،
كانت معه راية بني ساعدة يوم الفتح. وروى أحاديث وكفّ بصره. واختلفوا في تاريخ
وفاته. وقيل: إنه آخر البدريين موتا. له 28. حديثا." اهـ
وقال أبو عبد الله الذهبي (المتوفى : 748 هـ) _رحمه الله_ في "سير
أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (2/ 538):
"مِنْ كُبَرَاءِ الأَنْصَارِ، شَهِدَ: بَدْراً،
وَالمَشَاهِدَ.
وَاسْمُهُ: مَالِكُ بنُ رَبِيْعَةَ بنِ البَدَنِ. لَهُ أَحَادِيْثُ. وَقَدْ
ذَهَبَ بَصَرُهُ فِي أَوَاخِرِ عُمُرِهِ... مَاتَ:
سَنَةَ أَرْبَعِيْنَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سَعْدٍ، وَخَلِيْفَةَ." اهـ
نص الحديث وشرحه:
* (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُسَيْدٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ،
قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَجُلٌ)
وفي رواية: (قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ) بِكَسْرِ اللَّامِ
بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَيْسَ فِي الْعَرَبِ سَلِمَةُ غَيْرَهُمْ.
* (يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ
شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِمَا أَبَرُّهُمَا؟)
أَيْ: أَصِلُهُمَا وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ الشَّيْءِ مِنَ الْبِرِّ
الْبَاقِي بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟
مِنْ مَعَانِي الْبِرِّ فِي اللُّغَةِ : الْخَيْرُ وَالْفَضْل وَالصِّدْقُ
وَالطَّاعَةُ وَالصَّلاَحُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ : يُطْلَقُ فِي الأْغْلَبِ عَلَى : الإْحْسَانِ بِالْقَوْل اللَّيِّنِ اللَّطِيفِ الدَّال
عَلَى الرِّفْقِ وَالْمَحَبَّةِ، وَتَجَنُّبِ غَلِيظِ الْقَوْل الْمُوجِبِ
لِلنُّفْرَةِ، وَاقْتِرَانِ ذَلِكَ بِالشَّفَقَةِ وَالْعَطْفِ وَالتَّوَدُّدِ وَالإْحْسَانِ بِالْمَال وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَفْعَال
الصَّالِحَاتِ.
* (قَالَ: " نَعَمْ، خِصَالٌ أَرْبَعٌ: الدُّعَاءُ
لَهُمَا)
أَيِ: الدُّعَاءُ وَمِنْهُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ
* (وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا)،
أَيْ: طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ لَهُمَا، وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، لأن
الاستغفار من الدعاء.
* (وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا)
أَيْ: إِمْضَاءُ وَصِيَّتِهِمَا مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمَا، وَلَوْ مِنْ بَعْدِ
عَهْدِهِمَا.
إذا عهدا إليه بشيء أو أوصيا بوصية، ينفذ تلك الوصية إذا كانت مشروعة وسائغة
وليست مخالفة للشرع، أما إذا كانت مخالفة للشرع فلا ينفذ ما كان مخالفاً للشرع.
* (وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا)،
يعني: أن يحسن إلى صديقهما؛ من أجل صداقته لأبيه، أو صداقة المرأة لأمه.
ففي سنن أبي داود (4/ 261) (رقم: 4843): عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ
إِجْلَالِ اللَّهِ: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ
الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي
عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» حسنه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب (1/ 151) (رقم : 98)
وفي "غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب" (1/ 393) للسفاريني:
"وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عُمَرَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا_:
«أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ
عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ، كَانَ يَرْكَبُهُ
وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ»،
قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: فَقُلْنَا أَصْلَحَك اللَّهُ، إنَّهُمْ الْأَعْرَابُ
وَهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ:
"إنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَإِنِّي
سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «وَإِنَّ
أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ».
* (وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا رَحِمَ لَكَ إِلَّا مِنْ
قِبَلِهِمَا)
يعني: صلة الأقارب التي تتعلَّقُ بالأب والأم؛ يعني: الإحسان إلى أقاربِ الأبِ
والأمِّ." اهـ من المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 212) للزيداني.
المعنى الإجمالي للحديث:
بيّن النبي _صلى الله عليه وسلم_ في هذا الحديث أن برّ الوالدين لا ينقطع
بموتهما، بل يستمر للولد أبواب واسعة يمكنه من خلالها الإحسانُ إليهما حتى بعد
وفاتهما.
فعندما سأل الرجل النبي _صلى الله عليه وسلم_: "هل بقي شيء من البر
أستطيع أن أقدّمه لوالديّ بعد موتهما؟"
أجابه النبي بأن ذلك ممكن، وذكر له أربعة أبواب عظيمة من البر:
1. الدعاء لهما.
2. الاستغفار لهما.
3. إنفاذ عهدهما أي تنفيذ وصاياهما المشروعة وما التزماه في حياتهما.
4. إكرام صديقهما.
5. وصلة الأقارب الذين لا تُعرف صلتهم إلا من جهة الوالدين.
فقرر الحديث أن برّ الوالدين لا ينتهي بموتهم، وأن الولد يستطيع أن ينفعهما
بأعمال كثيرة بعد وفاتهما، وأن من تمام البر الوفاء لما كانا يحبّانه، وإكرام من
كان لهما به صلة، وصلة أرحامهما، مما يدوم به الأجر له ولهما.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 27) (رقم: 35)، وأبو داود في
"سننه" (4/ 336) (رقم: 5142)، وابن ماجه في "سننه" (2/ 1208)
(رقم: 3664)، وأبو بكر ابن أبي شيبة في "الأدب" (ص: 190) (رقم: 132)،
وأحمد في "مسنده" - ط. عالم الكتب (3/ 497) (رقم: 16059)، والحسين بن حرب
المروزي في "البر والصلة" (ص: 45) (رقم: 87)، وأبو بكر الروياني في "مسنده"
(2/ 437) (رقم: 1460)، وأبو الفضل الزهري في "حديثه" (ص: 649) (رقم:
712) وابن حبان في "صحيحه" (2/ 162) (رقم: 418)، والطراني في
"المعجم الكبير" (19/ 267) (رقم: 592)، وفي "المعجم الأوسط"
(8/ 65) (رقم: 7976)، والبغوي في "معجم الصحابة" (5/ 182) (رقم: 2052)،
وأبو طاهر الْمُخَلِّصُ في "الْمُخَلِّصِيَّاتِ" (1/ 300 و 4/ 105) (رقم:
452 و 3082)، وأبو حفص ابن شاهين البغدادي في "الترغيب في "فضائل
الأعمال وثواب ذلك" (ص: 94) (رقم: 301)، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِي في "آداب
الصحبة" (ص: 121) (رقم: 199)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين"
(4/ 171) (رقم: 7260)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة
والجماعة" (6/ 1225) (رقم: 2170) والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/
45 و 4/ 102) (رقم: 6893 و 7102)، وفي "شعب الإيمان" (10/ 293) (رقم:
7514)، وفي "معرفة السنن والآثار" (5/ 282) (رقم: 7543)، والخطيب
البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (2/ 204) (رقم: 1622)،
وابن عساكر في "الأربعون البلدانية" (ص: 85_88)، وعبد
الرزاق بن عبد القادر الكيلاني البغدادي في "الأربعين الكيلانية" (ص: 19)، وابن الجوزي في "البر والصلة"
(ص: 131) (رقم: 175) كلهم من طريق أسيد بن على بن عبيد عن
أبيه علي بن عبيد مولى أبى أسيد عن أبى
أسيد الساعدى مرفوعاً.
والحديث ضعيف: ضعفه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها
السيئ في الأمة" (2/ 62) (رقم : 597).
وقال شيخنا عبد المحسن العباد _حفظه الله_ في "شرح سنن أبي داود"
(رقم : 5142):
والحديث ضعفه الألباني؛ لأن من رجاله عليَّ بْنَ
عُبَيْدٍ، وهو مقبول، ولكن الحديث له شواهد فيما يتعلق بالدعاء والاستغفار
لهما، وكذلك فيما يتعلق بإنفاذ العهد والوصية ما لم يكن محرماً، وكذلك من ناحية
البر وإكرام الصديق، وسيأتي الحديث الذي بعد هذا وفيه إكرام الرجل أهل ود أبيه.
إذاً: فالحديث وإن كان في إسناده رجل مقبولٌ، إلا أن له شواهد تدل عليه."
اهـ
من فوائد الحديث:
وقال محمد جمال الدين الْحَلاَّقُ، المشهير بـ"القاسمي"
(المتوفى: 1332هـ) _رحمه الله_ في "موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين"
(ص: 149):
"لَا يَخْفَى أَنَّهُ إِذَا تَأَكَّدَ الْقَرَابَةُ وَالرَّحِمُ
فَأَخَصُّ الْأَرْحَامِ وَأَمَسُّهَا الْوِلَادَةُ فَيَتَضَاعَفُ تَأَكُّدُ
الْحَقِّ فِيهَ." اهـ
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "الضياء اللامع من
الخطب الجوامع" (1/ 108):
"واعلموا أن ما يتصف به الناس من الأخلاق على وجهين: فأخلاق فاضلة شريفة
حث الدين عليها، وأمر بها، وأخلاق رذيلة سافلة حذر عنها، وزهد بها،
ألاَ، وإن من الأخلاق الفاضلة : بِرَّ الوالدَيْنِ، بالإحسان إليهما قولا
وفعلا في الحياة، وبعد الممات،
ألا، وإن من برهما بعد الموت: الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ وصيتهما
وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما،
ومن الأخلاق الفاضلة: صلة الأرحام، وذلك بتعاهدهم بالبر والإنفاق ولطف الكلام،
فإن من وصل رحمه وصله الله، ومن قطعها قطعه الله." اهـ
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "الضياء اللامع من
الخطب الجوامع" (7/ 502):
"أيها المسلمون، إن بر الوالدين يكون بـ: بذل المعروف، والإحسان إليهما
بالقول والفعل والمال:
* أما الإحسان بالقول فأن تخاطبهما باللين واللطف مستصحبًا كل لفظ طيب يدل على
اللين والتكريم،
* وأما الإحسان بالفعل، فأن تخدمهما ببدنك ما استطعت من قضاء الحوائج
والمساعدة على شؤونهما وتيسير أمورهما وطاعتهما في غير ما يضرك في دينك أو دنياك
والله أعلم بما يضرك في ذلك فلا تفت نفسك في شيء لا يضرك بأنه يضرك ثم تعصهما في
ذلك.
* وأما الإحسان بالمال: فأن تبذل لهما من مالك كل ما يحتاجان إليه طيبة به
نفسك منشرحًا به صدرك غير متبع له بمنة ولا أذى، بلْ تَبْذُلُهُ، وأنت ترى أن
المنة لهما في ذلك في قبوله والانتفاع به.
وإن بر الوالدين كما يكون في حياتهما يكون أيضًا بعد مماتهما." اهـ
وقال جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر، المعروف بـ"أبو بكر الجزائري" (المتوفى
1439 هـ) _رحمه الله_ في "منهاج المسلم" (ص: 131_132):
"وأمَّا الإحسانُ فيِ بابِ المعاملاتِ: فهوَ للوالدينِ: ببرهمَا الّذِي
هوَ طاعتهمَا، وإيصالُ الخيرِ إليهمَا، وكف الأذَى عنهمَا، والدعاءُ والاستغفارُ
لهمَا، وإنفاذُ عهدهمَا، وإكرامُ صديقهمَا.
وهوَ للأقاربِ: ببرِّهم ورحمتهم، والعطفِ والحدبِ عليهم، وفعلِ مَا يجملُ
فعلهُ معهم، وتركِ مَا يسيءُ إليهم، أوْ يقبحُ قولهُ أوْ فعلهُ معهم.
وهوَ لليتامَى: بالمحافظةِ علَى أموالهم، وصيانةِ حقوقهم، وتأديبهم وتربيتهم
وتركِ أذاهمْ، وعدمِ قهرهم، وبالهشِّ فيِ وجوههمْ، والمسحِ علَى رؤوسهمْ.
وهوَ للمساكينِ: بسدِّ جوعتهم، وسترِ عورتهم؛ بالحثِّ علَى إطعامهم وعدمِ
المساسِ بكرامتهم فلَا يُحتقرونَ ولَا يزدرونَ، ولَا يُنالونَ بسوء أوْ يمشونَ
بمكروهٍ.
وهوَ لابنِ السبيلِ: بقضاءِ حاجتهِ، وسدِّ خلتهِ، ورعايةِ مالهِ، وصيانةِ
كرامتهِ، وبإرشادهِ إنْ استرشدَ، وهدايتهِ إنْ ضل.
وهوَ للخادمِ: بإتيانهِ أجرَهُ قبلَ أنْ يجف عرقهُ، وبعدمِ إلزامهِ مَا لَا
يلزمهُ أوْ تكليفهِ بمِا لَا يطيقُ، وبصونِ كرامتهِ، واحترامِ شخصيتهِ، فإنْ كانَ
منْ خدمِ البيتِ فبإطعامهِ مما يطعمُ أهلهُ، وكسوتهِ ممّا يكسونَ، وهوَ لعمومِ
الناسِ بالتّلطُّفِ فيِ القولِ لهم، ومجاملتهم فيِ المعاملةِ والمخاطبةِ
بعدَ___أمرهم بالمعروفِ ونهيهم عنِ المنكرِ، وبإرشادِ ضالهم، وتعليمِ جاهلهم
وبإنصافهم منْ النَّفسِ، والاعترافِ بحقوقهم، وبكفِّ الأذَى عنهم وبعدمِ ارتكابِ
مَا يضرهم أوْ فعلِ مَا يؤذيهم.
وهوَ للحيوانِ: بإطعامهِ إنْ جاعَ، ومداواتهِ إنْ مرضَ، وبعدمِ تكليفهِ ما لَا
يطيقُ وحملهِ علَى مَا لَا يقدرُ، وبالرفقِ بهِ إنْ عملَ، وإراحتهِ إنْ
تعبَ." اهـ
أبي محمد عبد العزيز بن
محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ) _رحمه الله_ في
"مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار" (2/ 265):
"فاتقوا الله عباد الله، واعملوا جاهدين لرد بعض الجميل، واستجيبوا لأمر
الله ورسوله في الوصية بالوالدين؛ فهما -كما صح في الحديث- جنة العبد وناره. فمن
أحسن فعليه بمتابعة الإحسان، ومن فرط فعليه بالتكفير والتماس الغفران." اهـ
وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز
رياض الصالحين" (1 / 237):
"الحديث
دليل على أنَّ الدعاء للوالدين من البر، وقد قال الله تعالى: {وَقُل رَّبِّ
ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء (24) ] ." اهـ
وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز
رياض الصالحين" (1 / 237):
"وفيه:
الحث على صلة الأرحام وإكرام أصدقاء الوالدين وتنفيذ وصيتهما." اهـ
وقال أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي (المتوفى: 1188 هـ) _رحمه الله_ في "غذاء
الألباب شرح منظومة الآداب" – ط. الكتب العلمية (1 / 303)
وَقَالَ أَبُو
اللَّيْثِ فِي تَنْبِيهِهِ : فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ أَنَّ الْوَالِدَيْنِ إذَا
مَاتَا سَاخِطَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ هَلْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُرْضِيَهُمَا بَعْدَ
وَفَاتِهِمَا، قِيلَ لَهُ بَلْ يُرْضِيهِمَا بِثَلاثَةِ أَشْيَاءَ:
* أَوَّلُهَا:
أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ صَالِحًا فِي نَفْسِهِ، لأَنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ
أَحَبَّ إلَيْهِمَا مِنْ صَلاحِهِ،
* وَالثَّانِي:
أَنْ يَصِلَ قَرَابَتَهُمَا وَأَصْدِقَاءَهُمَا،
وَالثَّالِثُ:
أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمَا وَيَدْعُوَ لَهُمَا وَيَتَصَدَّقَ عَنْهُمَا .
وَذُكِرَ عَنْ
بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّ مَنْ دَعَا لأَبَوَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ
مَرَّاتٍ فَقَدْ أَدَّى حَقَّهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ((أَنِ اشْكُرْ لِي
وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ))
فَشُكْرُ
اللَّهِ أَنْ تُصَلِّيَ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ , وَكَذَا شُكْرُ
الْوَالِدَيْنِ أَنْ تَدْعُوَ لَهُمَا فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ,
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ." اهـ
وقال
محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي، الشهير بـ"ابْنِ الْحَاجِّ"
(المتوفى: 737 هـ) _رحمه الله_ في "المدخل" (3
/ 164):
"والصحبة
مع الوالدين ببرهما بالنفس والمال وخدمتهما في حياتهما وإنجاز وعدهما والدعاء لهما
في كل الأوقات ما داما في الحياة وحفظ عهدهما بعد الممات وإنجاز عاداتهما وإكرام
أصدقائهما فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن من أبر البر أن يصل
الرجل أهل ود أبيه." اهـ
وقال مفتي
الديار السعودية عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: 1420هـ) _رحمه الله_ في
"مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (30) جزءا (8 / 344):
"فمن بره
إنفاذها إذا كانت موافقة للشرع المطهر، ومن بر الوالدين: الصدقة عنهما، والدعاء
لهما، والحج والعمرة عنهما. والله ولي التوفيق." اهـ
وقال مفتي
الديار السعودية عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى:
1420هـ) _رحمه الله_ في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (30)جزءا - (25 /
368):
"فبرهما
والإحسان إليهما جميعا أمر مفترض، وحق الوالدة على الولد الذكر والأنثى أعظم وأكبر."
اهـ
وقال علي بن سلطان، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى
: 1014 هـ) _رحمه الله_ في "مرقاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (7/ 3092):
"إنَّ
الْعِبَادَ أُمِرُوا بِأَنْ لَا يَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، وَلَا يُرِيدُوا
بِطَاعَتِهِمْ غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَخْدِمُ أَبَوَيْهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ
يَخْدِمَ لِطَلَبِ مَنْزِلَةٍ عِنْدَهُمَا إِلَّا مِنْ حَيْثُ أَنَّ رِضَا اللَّهِ
فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُرَائِيَ بِطَاعَتِهِ
لِيَنَالَ بِهَا مَنْزِلَةً عِنْدَ الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ فِي
الْحَالِ، وَسَيَكْشِفُ اللَّهُ عَنْ رِيَائِهِ فَتَسْقُطُ مَنْزِلَتُهُ مِنْ
قَلْبِهِمَا أَيْضًا." اهـ
وفي "شرح
سنن ابن ماجه للسيوطي وغيره" (ص: 261):
"قَالَ
النَّوَوِيّ:
"وَفِي
هَذَا فضل صلَة أصدقاء الْأَب وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم باكرامهم وَهُوَ مُتَضَمّن
لبر الْأَب واكرامه لكَونه بِسَبَبِهِ وتلتحق بِهِ اصدقاء الام والاجداد والمشائخ
الزَّوْج وَالزَّوْجَة وَقد جَاءَت الْأَحَادِيث فِي اكرامه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ خلائل خَدِيجَة." انْتهى." اهـ
وقال محمد علي
بن محمد بن علان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي (المتوفى: 1057هـ) _رحمه الله_ في
"دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين" (3/ 192):
"قال
العاقولي: وفي الحديث تنبيه على اغتنام فضيلة الصلة، وأنها طاعة لا يكون إدراكها
إلا من جهتهما،
فإنه لو فرض
أن إنساناً تولد من تراب مثلاً ولم يولد له لم يكن لذلك الإنسان سبيل إلى دخول
الجنة من صلة الرحم، فإنه لا رحم له، فإذا كان الوالدان سبباً في مثل هذه الطاعة
وجب رعايتهما وحفظهما فيها." اهـ
وقال أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا
الساعاتي (المتوفى: 1378 هـ) _رحمه الله_ في "بلوغ الأماني من أسرار
الفتح الرباني" مع "الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني"
(19/ 39):
"من تمام
بر الأب: أن يصل الرجل صديق أبيه كما قال _صلى الله عليه وسلم_: (أن البر صلة
المرء أهل ود أبيه بعد أن يولى)، وسيأتي هذا الحديث في هذا الباب.
وقد كان صلى
الله عليه وسلم يصل صدائق خديجة رضي الله عنها برا بها فكيف بصديق الأب." اهـ
وقال أحمد بن
محمد بن علي بن حجر السعدي الأنصاري، المعروف بـ"الهيتمي" (المتوفى: 974 هـ) _رحمه الله_ في
"الزواجر عن اقتراف الكبائر" (2/ 105_107):
"قَالَ _تَعَالَى_:
{وَاعْبُدُوا
اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء:
36]
قَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ: يُرِيدُ الْبِرَّ بِهِمَا مَعَ اللُّطْفِ وَلِينِ الْجَانِبِ، فَلَا
يُغْلِظُ لَهُمَا فِي الْجَوَابِ، وَلَا يُحِدُّ النَّظَرَ إلَيْهِمَا، وَلَا
يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَيْهِمَا، بَلَى يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِمَا مِثْلَ
الْعَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ السَّيِّدِ تَذَلُّلًا لَهُمَا،
وَقَالَ _تَعَالَى_:___
{وَقَضَى
رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا
أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا} [الإسراء: 23]
{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا
كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]،
أَمَرَ
اللَّهُ _تَعَالَى_ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمَا، وَهُوَ الْبِرُّ وَالشَّفَقَةُ
وَالْعَطْفُ وَالتَّوَدُّدُ وَإِيثَارُ رِضَاهُمَا. وَنَهَى عَنْ أَنْ يُقَالَ
لَهُمَا أُفٍّ، إذْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْإِيذَاءِ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ حَتَّى
بِأَقَلِّ أَنْوَاعِهِ، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ أَنَّهُ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_ قَالَ:
«لَوْ عَلِمَ
اللَّهُ شَيْئًا أَدْنَى مِنْ أُفٍّ لَنَهَى عَنْهُ، فَلْيَعْمَلْ الْعَاقُّ مَا
شَاءَ أَنْ يَعْمَلَ فَلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلْيَعْمَلْ الْبَارُّ مَا شَاءَ
أَنْ يَعْمَلَ فَلَنْ يَدْخُلَ النَّارَ» .
ثُمَّ أَمَرَ
بِأَنْ يُقَالَ لَهُمَا الْقَوْلُ الْكَرِيمُ: أَيْ اللَّيِّنُ اللَّطِيفُ
الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْعَطْفِ وَالِاسْتِمَالَةِ وَمُوَافَقَةِ مُرَادِهِمَا
وَمَيْلِهِمَا وَمَطْلُوبِهِمَا مَا أَمْكَنَ سِيَّمَا عِنْدَ الْكِبَرِ،
فَإِنَّ
الْكَبِيرَ يَصِيرُ كَحَالِ الطِّفْلِ وَأَرْذَلَ؛ لِمَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنْ
الْخَرَفِ وَفَسَادِ التَّصَوُّرِ، فَيَرَى الْقَبِيحَ حَسَنًا وَالْحَسَنَ
قَبِيحًا،
فَإِذَا
طَلَبْت رِعَايَتَهُ وَغَايَةَ التَّلَطُّفِ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَأَنْ
يَتَقَرَّبَ إلَيْهِ بِمَا يُنَاسِبُ عَقْلَهُ إلَى أَنْ يَرْضَى فَفِي غَيْرِ
هَذِهِ الْحَالَةِ أَوْلَى.
ثُمَّ أَمَرَ
- تَعَالَى - بَعْدَ الْقَوْلِ الْكَرِيمِ بِأَنْ يَخْفِضَ لَهُمَا جَنَاحَ
الذُّلِّ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنْ لَا يُكَلِّمَهُمَا إلَّا مَعَ الِاسْتِكَانَةِ
وَالذُّلِّ وَالْخُضُوعِ وَإِظْهَارِ ذَلِكَ لَهُمَا، وَاحْتِمَالِ مَا يَصْدُرُ
مِنْهُمَا، وَيُرِيهِمَا أَنَّهُ فِي غَايَةِ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّهِمَا
وَبِرِّهِمَا، وَأَنَّهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ذَلِيلٌ حَقِيرٌ،
وَلَا يَزَالُ
عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُثَلِّجَ خَاطِرَهُمَا، وَيُبَرِّدَ قَلْبَهُمَا
عَلَيْهِ، فَيَنْعَطِفَا عَلَيْهِ بِالرِّضَا وَالدُّعَاءِ؛ وَمِنْ ثَمَّ طَلَبَ
مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَدْعُوَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ مَا سَبَقَ يَقْتَضِي
دُعَاءَهُمَا لَهُ كَمَا تَقَرَّرَ فَلْيُكَافِئْهُمَا إنْ فُرِضَتْ مُسَاوَاةٌ،
وَإِلَّا فَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ،
وَكَيْفَ
تُتَوَهَّمُ الْمُسَاوَاةُ، وَقَدْ كَانَا يَحْمِلَانِ أَذَاك وَكَلَّك وَعَظِيمَ
الْمَشَقَّةِ فِي تَرْبِيَتِك، وَغَايَةَ الْإِحْسَانِ إلَيْك، رَاجِينَ حَيَاتَك،
مُؤَمَّلِينَ سَعَادَتَك، وَأَنْتَ إنْ حَمَلْت شَيْئًا مِنْ أَذَاهُمَا رَجَوْت
مَوْتَهُمَا، وَسَئِمْت مِنْ مُصَاحَبَتِهِمَا؛ وَلِكَوْنِ الْأُمِّ أَحْمَلَ
لِذَلِكَ وَأَصْبَرَ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ عَنَاءَهَا أَكْثَرُ وَشَفَقَتَهَا
أَعْظَمُ بِمَا قَاسَتْهُ مِنْ حَمْلٍ وَطَلْقٍ وَوِلَادَةٍ وَرَضَاعٍ وَسَهَرِ
لَيْلٍ، وَتَلَطُّخٍ بِالْقَذَرِ وَالنَّجَسِ، وَتَجَنُّبٍ لِلنَّظَافَةِ
وَالتَّرَفُّهِ حَضَّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ عَلَى بِرِّهَا ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ، وَعَلَى بِرِّ الْأَبِ مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا فِي الْحَدِيثِ
الصَّحِيحِ:
«أَنَّ
رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ أُمُّك، قَالَ
ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّك، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّك، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟
قَالَ أَبُوك ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ» .
وَقَدْ رَأَى
ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - رَجُلًا يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ
حَامِلًا أُمَّهُ عَلَى رَقَبَتِهِ___
فَقَالَ: يَا
ابْنَ عُمَرَ أَتَرَى أَنِّي جَزَيْتهَا؟ قَالَ: لَا وَلَا بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ
وَلَكِنَّك أَحْسَنْت وَاَللَّهُ يُثِيبُك عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيرًا. «وَجَاءَ
رَجُلٌ إلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إنَّ لِي
امْرَأَةً وَإِنَّ أُمِّيَ تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا فَقَالَ سَمِعْت رَسُولُ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: الْوَالِدَةُ أَوْسَطُ
أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَإِنْ شِئْت فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوْ احْفَظْهُ» .
وَقَالَ - تَعَالَى -: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14]
فَانْظُرْ -
وَفَّقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ - كَيْفَ قَرَنَ شُكْرَهُمَا بِشُكْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: ثَلَاثُ آيَاتٍ نَزَلَتْ مَقْرُونَةً
بِثَلَاثٍ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهَا وَاحِدَةٌ بِغَيْرِ قَرِينَتِهَا.
إحْدَاهَا:
قَوْله _تَعَالَى_: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59]
فَمَنْ
أَطَاعَ اللَّهَ وَلَمْ يُطِعْ رَسُولَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ.
وَالثَّانِيَةُ:
قَوْله _تَعَالَى_: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]
فَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يُزَكِّ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ.
الثَّالِثَةُ:
قَوْله _تَعَالَى_: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14]
فَمَنْ شَكَرَ
اللَّهَ وَلَمْ يَشْكُرْ وَالِدَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ،
وَلِذَا قَالَ
_صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: «رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ
وَسَخَطُ اللَّهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ» ." اهـ
وقال مفتي
الديار السعودية عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: 1420هـ) _رحمه الله_ في
"فتاوى نور على الدرب لابن باز" - بعناية
الشويعر (14/ 265):
"فذكر
خمسة أشياء:
* الصلاة
عليهما يعني الدعاء لهم، ومن الصلاة عليهما صلاة الجنازة أيضا،
* والاستغفار
لهما طلب المغفرة لهما،
* والثالث:
إنفاذ عهدهما من بعدهما، إذا أوصيا بشيء ينفذه، إذا كانت وصية لا تخالف الشرع
ينفذها،
* والرابع:
صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، كإكرام أعمامك وعماتك وأخوالك وخالاتك، والإحسان
إليهم، وصلتهم، كل هذا من بر والديك،
* والخامس:
إكرام صديقهما، إذا كان لهما صديق تكرمه بما تستطيع بالكلام الطيب، والزيارة،
والدعوة إلى البيت، وإكرام الضيافة، ومواساته، إن كان فقيرا، كل هذا من إكرام
الصديق، والله المستعان." اهـ
وقال محمد لقمان بن محمد بن ياسين أبو عبد الله
الصِّدِّيْقِيُّ السلَفِيُّ (المتوفى 1441 هـ) _رحمه
الله_ في "رش البرد شرح الأدب المفرد" (ص 37):
"فقه الحديث:
1_ فيه الحث على الدعاء بالرحمة والمغفرة للوالدين .
٢_ الحث على إيفاء العهد الذي كان بين والديه وشخص آخر وتوفيا قبل إنجازه .
٣_ من تمام البر والصلة الإكرام والإنفاق على أصدقاء الوالدين وأصحابهما .
4_ فيه فضل صلة الأرحام، وأن الإنسان لا يستحق هذا الفضل إلا بسبب الوالدين
." اهـ
ملحق الفوائد:
والحديث تضمن فوائد جليلة، منها:
1. فيه: برّ الوالدين لا ينقطع بالموت،
فالحديث يدل على أن برّ الوالدين لا يقتصر على حياتهما، بل يبقى بابًا مفتوحًا
حتى بعد وفاتهما.
2. فيه: رحمة النبي _صلى الله عليه وسلم_ بأمته،
فإرشاد السائل إلى أبواب البر بعد الوفاة يدل على رحمة من النبي وحرصه على نفع
الناس وهدايتهم.
3. فيه: أن الدعاء أعظم ما ينفع الوالدين بعد الموت،
فقدّم النبي _صلى الله عليه وسلم_ الدعاء والاستغفار على بقية الأعمال، ففيه:
بيان عظم شأن الدعاء للوالدين.
4. فيه: استحباب الاستغفار للوالدين بصفة خاصة، فالاستغفار يجلب لهما رحمة
الله ويخفف عنهما ويزيد في حسناتهما.
5. فيه: مشروعية إنفاذ العهد والوعد للوالدين، وفيه التأكيد على الوفاء بالوصايا
المشروعة التي تركاها، ومنع تضييع ما كانا يحرصان عليه من الخير.
6. فيه: إكرام أصدقاء الوالدين من تمام البر،
فإكرام من كان له علاقة طيبة بالوالدين يُعد امتدادًا للبر ويجلب رضا الله.
7. فيه: أن الصلة لا تكون فقط بالوالدين بل بأقاربهما، فصلة الرحم من جهة الوالدين
من أتم صور البر والوفاء لهما.
8. فيه: أن برّ الوالدين باب واسع جدًا، فليس مقصورًا على النفقة والخدمة، بل
يشمل أعمالًا كثيرة مستمرة حتى بعد وفاتهما.
9. فيه: أن أعمال الولد الصالحة تعود على الوالدين، لأنهما سبب وجوده وتربيته،
ولذلك يصل ثواب البر والدعاء إليهما.
10. فيه: إثبات ارتباط البر بالإيمان وحسن الخلق، فالأعمال المذكورة كلها تدل
على حسن الوفاء والخُلق.
11. فيه: تعليم الصحابة والتابعين عمق معنى البر، فالسؤال من الصحابي يدل على
حرصه على مزيد من الخير، والجواب النبوي يشرح حقيقة البر.
12. فيه: حث للمسلمين على العمل للوالدين بعد وفاتهم، لأن موت الوالدين ليس
نهاية العلاقة، بل بداية باب دائم من البر.
13. فيه: أن إكرام الصديق من أخلاق النبوة،
وقد قال _صلى الله عليه وسلم_: «إن من أبرّ البر صلة الرجل أهل وُدّ أبيه».
14. فيه: أن حفظ العهد علامة وفاء، وهو من الأخلاق التي حث عليها الإسلام في
مجالات كثيرة.
15. فيه: أن صلة الرحم تزيد في العمر والرزق، وهي من الأعمال التي يجتمع فيها
البر والدعاء والرحمة.
16. فيه: أن الحديث يجمع بين حق الله وحق الخلق، فالدعاء حق لله، والوفاء
بالصداقة والرحم حق للخلق، وكلها متعلقة بالوالدين.
17. فيه: أن العبد قد يكون مقصرًا في حياة والديه، ففتح الله له باب التدارك
بعد موتهما.
18. فيه: أن برّ الوالدين المستمر سبب لعلو منزلتهما بعد الوفاة، فكل دعاء
جديد واستغفار جديد يرفع درجتهما عند الله.
19. فيه: أن الدعاء يصل للميت وينفعه، وهذا أصلٌ في مسائل أحكام الدعاء
للأموات.
20. فيه: الحث على معرفة من كان له علاقة بالوالدين حتى يقوم الابن بإكرامهم،
وهو من مكارم الأخلاق.
[1] وفي المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 212) للزيداني:
"قوله:
«وصلةُ الرَّحِم التي لا تُوْصَلُ إلا بهما»؛ يعني: صلة الأقارب التي تتعلَّقُ
بالأب والأم؛ يعني: الإحسان إلى أقاربِ الأبِ والأمِّ." اهـ
Komentar
Posting Komentar