شرح الحديث 242 (باب الدال على الخير) من الأدب المفرد

122- باب الدال على الخير

 

242 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ:

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "إِنِّي أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي"،

قَالَ: «لَا أَجِدُ، وَلَكِنِ ائْتِ فُلَانًا، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَحْمِلَكَ»،

فَأَتَاهُ فَحَمَلَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ»

[قال الشيخ الألباني: صحيح]

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ (ثقة لم يصب من ضعفه: ت. 223 هـ):

محمد بن كثير العبدي، أبو عبد الله البصري ( أخو سليمان بن كثير، وكان سليمان أكبر منه بخمسين سنة)، المولود: سنة 133 هـ، من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ م د ت س ق 

 

* قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ[1] (ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، وكان ربما دلس: ت. 161 هـ):

سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي (من ثور بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد)، المولود: سنة 97 هـ، من كبار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنِ الْأَعْمَشِ (ثقة حافظ عارف بالقراءات، ورع، لكنه يدلس: ت. 147 أو 148 هـ):

سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم، أبو محمد الكوفي الأعمش (وكاهل هو ابن أسد بن خزيمة)، المولود: سنة 61 هـ، من صغار التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ (ثقة: ت. 95 أو 96 هـ):

سعد بن إياس، أبو عمرو الشيباني الكوفي (من بني شيبان بن ثعلبة بن عُكَابَةَ، أدرك زمانَ النبى _صلى الله عليه وسلم_ ولم يَرَهُ)، من كبار التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ (صحابي: ت. 40 هـ بـ الكوفة):

عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن عمرو أُسَيْرَةَ بنِ عُسَيْرَةَ الأنصاري، أبو مسعود البدْرِيُّ (وأمه: سلمى بنت عامر بن عوف بن عبد الله)، روى له: خ م د ت س ق 

 

نص الحديث:

 

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ:

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "إِنِّي أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي"،

قَالَ: «لَا أَجِدُ، وَلَكِنِ ائْتِ فُلَانًا، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَحْمِلَكَ»،

فَأَتَاهُ فَحَمَلَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ»

 

وفي "سنن الترمذي" – ت. شاكر (5/ 41):

"عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ: "أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحْمِلُهُ..."

 

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (5/ 273):

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ:

أَنَّهُ قَالَ أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «مَا عِنْدِي مَا أُعْطِيكَ، وَلَكِنْ ائْتِ فُلَانًا» . فَأَتَى الرَّجُلَ فَأَعْطَاهُ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» أَوْ عَامِلِهِ."

 

وفي "صحيح ابن حبان" (4/ 554):

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ:

أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُبْدِعَ بِي، فَاحْمِلْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ عِنْدِي» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ».


 

وفي "شعب الإيمان" (10/ 114):

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الدَّالُّ عَلَى خَيْرٍ كَفَاعِلِهِ."

 

وقال شرف الحق العظيم آبادي (المتوفى: 1329 هـ) _رحمه الله_ في "عون المعبود" (14/ 26):

"(إِنِّي أُبْدِعَ بِي) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيِ: انْقَطَعَ بِي السَّبِيلُ لِمَوْتِ الرَّاحِلَةِ أَوْ ضَعْفِهَا

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: (قَوْلُهُ أُبْدِعَ بِي، مَعْنَاهُ: انْقَطَعَ بِي، وَيُقَالُ: أَبْدَعَتِ الرِّكَابُ إِذَا كَلَّتْ وَانْقَطَعَتْ) انْتَهَى

وَفِي "النِّهَايَةِ": (يُقَالُ: أَبْدَعَتِ النَّاقَةُ، إِذَا انْقَطَعَتْ عَنِ السَّيْرِ بِكَلَالٍ)، انْتَهَى.

(لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكَ عَلَيْهِ)، أَيْ: مِنَ الرَّكْبِ (فَلَعَلَّهُ أَنْ يَحْمِلَكَ) أَيْ يُعْطِيَكَ مَا تَرْكَبُ عَلَيْهِ (مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ)

قَالَ النَّوَوِيُّ:

(الْمُرَادُ: أَنَّ لَهُ ثَوَابًا كَمَا أَنَّ لِفَاعِلِهِ ثَوَابًا، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَدْرُ ثَوَابِهِمَا سَوَاءً) انْتَهَى،

وَذَهَبَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إِلَى أَنَّ الْمِثْلَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ إِنَّمَا هُوَ بِغَيْرِ تَضْعِيفٍ

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ:

(إِنَّهُ مِثْلُهُ سَوَاءٌ فِي الْقَدْرِ وَالتَّضْعِيفِ، لِأَنَّ الثَّوَابَ عَلَى الْأَعْمَالِ إِنَّمَا هُوَ___بِفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ يَهَبُهُ لِمَنْ يَشَاءُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ صَدَرَ مِنْهُ،

خُصُوصًا إِذَا صَحَّتِ النِّيَّةُ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الْأَعْمَالِ فِي طَاعَةٍ، عَجَزَ عَنْ فِعْلِهَا لِمَانِعٍ مَنَعَ مِنْهَا، فَلَا بُعْدَ فِي مُسَاوَاةِ أَجْرِ ذَلِكَ الْعَاجِزِ لِأَجْرِ الْقَادِرِ وَالْفَاعِلِ، أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ)، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ." اهـ

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

بين هذا الحديث أصلا عظيمًا من أصول الشريعة، وهو أن العبد إذا عجز عن فعل الخير بنفسه، وبذَل ما يستطيع من السعي والدلالة والإرشاد، فإنه يُؤجر على ذلك أجرًا عظيمًا، حتى يكون له مثلُ أجرِ مَنْ قام بالعمل فعليًا.

 

فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ لما لم يجد ما يحمل به الرجل المنقطع في سفره، لم يتركْه دون توجيه، بل دلَّه على من يمكنه مساعدته، فلما قُضيت حاجته، قال _صلى الله عليه وسلم_: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله».

 

فالحديث يدل على أن أبواب الخير واسعة، وأن الأجر لا يختص بمن باشر العمل فقط، بل يشمل من كان سببًا فيه بدلالة أو إرشاد أو إعانة أو توجيه، وأن النية الصادقة مع بذل الوُسع سبب لنيل الثواب، ولو حال العجز بين العبد وبين مباشرة العمل بنفسه، لأن الفضل كله من الله يؤتيه من يشاء.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 94) (رقم: 242)، ومسلم في "صحيحه" (3/ 1506/ 133) (رقم: 1893)، وأبو داود السِّجِسْتَانِيُّ في "سننه" (4/ 333) (رقم: 5129)، سنن الترمذي في "سننه" – ت. شاكر (5/ 41) (رقم: 2671)، وعبد الرزاق الصنعاني في "المصنف" (11/ 107) (رقم: 20054)، وأبو داود الطَّيالسي في "مسنده" (2/ 8) (رقم: 645)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (4/ 120 و 5/ 272 و 5/ 273) (رقم: 17084 و 22339 و 22351)، وابن أبي عاصم في "الجهاد" (1/ 268) (رقم: 78)، والدَّولابيّ في "الكنى والأسماء" (2/ 780) (رقم: 1350)، وأبو عوانة في "المستخرج" – ط. الجامعة الإسلامية (15/ 385_386) (رقم: 7843_7846)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (4/ 205) (رقم: 1546)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (ص: 52) (رقم: 104)، الْمَحَامِلِيُّ في "الأمالي" - رواية ابن يحيى البيع (ص: 417_418) (رقم: 487_488)، وابن الأعرابي في "المعجم" (2/ 450) (رقم: 879)، وابن حبان في "صحيحه" (1/ 525 و 4/ 554) (رقم: 289 و 1668)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (5/ 101) (رقم: 4791)، وأبو الشيخ الأصبهاني في "أمثال الحديث" (ص: 213) (رقم: 175)، وابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال" (ص: 146) (رقم: 507)، تَمَّامٌ الرازي في "الفوائد" (1/ 290) (رقم: 723)، وأبو نعيم في "تاريخ أَصْبَهَان" = "أخبار أصبهان" (2/ 235)، والقُضاعي في "مسند الشهاب" (1/ 85) (رقم: 86)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (9/ 49) (رقم: 17844)، وفي "شعب الإيمان" (10/ 113 و 10/ 114) (رقم: 7249 و 7250)، و"الآداب" (ص: 38) (رقم: 93)، و"الأربعون الصغرى" (ص: 147) (رقم: 89)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (1/ 74_75) (رقم: 58_59)

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الأدب المفرد" (ص: 108) (رقم: 181)، و"تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 72) (رقم: 209)، و"التعليقات الحسان" (3/ 224) (رقم: 1666)

 

 

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ في "شرح مشكل الآثار" (4/ 206_207):

"وَإِذَا كَانَ الدَّالُّ يَسْتَحِقُّ بِدَلَالَتِهِ عَلَى الْخَيْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِلُ بِذَلِكَ الْخَيْرِ كَانَ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً دَلَّ بِعَمَلِهِ بِهَا___النَّاسَ فَعَمِلُوهَا بَعْدَهُ يَكُونُ فِي سُنَّتِهِ إيَّاهَا لَهُمْ فِي الْأَجْرِ كَهُمْ فِيهِ فِي عَمَلِهِمْ إيَّاهَا وَكَذَلِكَ فِي الْوِزْرِ يَكُونُ سَنُّهُ إيَّاهُ لَهُمْ فِي عَمَلِهِمْ بَعْدَهُ بِهِ فِي الْوِزْرِ كَهُمْ فِيهِ وَمِمَّا يُقَوِّي ذَلِكَ أَيْضًا." اهـ

 

من فوائد الحديث:

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (13 / 39):

"فيه: فضيلة الدلالة على الخير والتنبيه عليه والمساعدة لفاعله

وفيه: فضيلة تعليم العلم ووظائف العبادات، لاسيما لمن يعمل بها من المتعبدين وغيرهم.

والمراد بـ(مثل أجر فاعله): أن له ثوابا بذلك الفعل كما أن لفاعله ثوابا ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواءً." اهـ

 

وقال شيخنا عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر _حفظه الله_ في "شرح سنن أبي داود" – تفريغ الشاملة (1 / 2):

"فالنبي _عليه الصلاة والسلام_، له من الأجر مثلُ أجورِ أمتِهِ من حِيْنِ بعثه الله إلى قيام الساعة؛ لأنه هو الذي دل الناس على هذا الحق والهدى." اهـ

 

وقال عبد الرؤوف بن تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ" (المتوفى: 1031 هـ) _رحمه الله في "فيض القدير" (6 / 127):

"إن جميع حسناتِنا وأعمالِنا الصالحةِ وعباداتِ كلِّ مسلِمٍ مُسَطَّرَةٌ في صحائِفِ نبينا _صلى الله عليه وسلم_ زيادة على ما له من الأجر،

ويحصل له من الأجور بعدد أمته أضعافا مضاعفة لا تحصى، يقصر العقل عن إدراكها، لأن كل مُهْدٍ ودالٍّ وعالِمٍ يحصل له أجر إلى يوم القيامة، ويتجدد لشيخه في الهداية مثل ذلك الأجر، ولشيخ شيخه مِثْلَاهُ، وللشيخ الثالث أربعةٌ، والرابع ثمانيةٌ،

وهكذا تضعف في كل مرتبة بعدد الأجور الحاصلة قبله إلى أن ينتهي إلى المصطفى _صلى الله عليه وسلم_." اهـ

 

وقال شيخنا عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر _حفظه الله_ في "شرح سنن أبي داود" – تفريغ الشاملة (1 / 2):

"وبعد الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم الناس فضلاً وإحساناً إلى الناس أصحابُ الرسولِ _صلى الله عليه وسلم_، الذين هم الواسطة بين الناس وبين الرسول _عليه الصلاة والسلام_، الذين تلقوا الكتاب والسنة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وبلغوهما إلى الناس،

فكل خير حصل للناس إنما جاء عن طريق الصحابة، والناس ما عرفوا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عن طريق الصحابة، فهم الذين جمعوا القرآن، وهم الذين حفظوا السنة، وهم الذين نقلوا الكتاب والسنة وأدوهما إلى الناس،

فكل من حفظ سنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وأداها إلى الناس فإن الله تعالى يثيبه مثلما يثيب من استفاد من هذه السنة." اهـ

 

وقال عبد الرؤوف بن تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ" (المتوفى: 1031 هـ) _رحمه الله في "فيض القدير" (6 / 127):

"وبه يظهر رجحان السلف على الخلف، وأنه كلما ازداد الخلف ازداد أجر السلف وتضاعف.

ومَنْ تأمل هذا المعنى، ورُزِقَ التوفيق، انبعثت همته إلى التعليم، ورغب في نشر العلم ليتضاعف أجره في الحياة وبعد الممات على الدوام، ويكف عن إحداث البدع والمظالم من المكوس وغيرها، فإنها تضاعف عليه السيئات بالطريق المذكور ما دام يعمل بها عامل،

فليتأمل المسلم هذا المعنى، وسعادةَ الدال على الخير، وشقاوةَ الدال على الشر." اهـ

 

وقال عبد الرؤوف بن تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ" (المتوفى: 1031 هـ) _رحمه الله في "فيض القدير" (6/ 127):

"عُلِمَ من هذا الحديث وحديث: (من دعا إلى هدًى) المتقدم:

أن كل أجر حصل للدال والداعي، حصل للمصطفى _صلى الله عليه وسلم_ مثلُه زيادة على ما له من الأجر الخاص من نفسه على دلالته أو هدايته للمهتدي وعلى ما له من الأجور على حسناته الخاصة من الأعمال والمعارف والأجور التي لا تصل جميع أمته إلى عرف نشرها، ولا يبلغون عشر عشرها.

وهكذا نقول: إن جميع حسناتنا وأعمالنا الصالحة وعباداتِ كل مسلم مسطَّرةٌ في صحائف نبينا _صلى الله عليه وسلم_ زيادة على ما له من الأجر.

ويحصل له من الأجور بعدد أمته أضعافا مضاعفة، لا تحصى. يقصر العقل عن إدراكها، لأن كل مُهْدٍ ودالٍّ وعالِمٍ، يحصل له أجر إلى يوم القيامة، ويتجدد لشيخه في الهداية مثلُ ذلك الأجر ولشيخ شيخه مثلاه وللشيخ الثالث أربعة والرابع ثمانية

وهكذا تُضَعَّف في كل مرتبة بعدد الأجور الحاصلة قبله إلى أن ينتهي إلى المصطفى _صلى الله عليه وسلم_ إذا فرضت المراتب عشرة بعد النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان للنبي _صلى الله عليه وسلم_ من الأجر ألْفٌ وأربعة وعشرون.

فإذا اهتدى بالعاشر حادي عشر صار أجر النبي _صلى الله عليه وسلم_ ألفين وثمانية وأربعين،

وهكذا كل ما زاد واحدا يتضاعف ما كان قبله أبدا إلى يوم القيامة وهذا أمر لا يحصره إلا الله فكيف إذا أخذ مع كثرة الصحابة والتابعين والمسلمين في كل عصر وكل واحد من الصحابة يحصل له بعدد الأجور الذي ترتبت على فعله إلى يوم القيامة وكل ما يحصل لجميع الصحابة حاصل بجملته للنبي صلى الله عليه وسلم وبه يظهر رجحان السلف على الخلف وأنه كلما ازاد الخلف ازداد أجر السلف وتضاعف،

ومن تأمل هذا المعنى ورزق التوفيق انبعثت همته إلى التعليم ورغب في نشر العلم ليتضاعف أجره في الحياة وبعد الممات على الدوام، ويكُفُّ عن إحداث البدع والمظالم من المكوس وغيرها، فإنها تضاعف عليه السيئات بالطريق المذكور ما دام يعمل بها عامل.

فليتأمل المسلم هذا المعنى، وسعادة الدال على الخير وشقاوة الدال على الشر، وقد مر بعض هذا في حديث: (من دعا...)." اهـ

 

وقال محمد بن إسماعيل الحسني، الكحلاني، المعروف بـ"الأمير الصنعاني" (المتوفى: 1182 هـ) _رحمه الله_ في "سبل السلام" (2/ 639):

"دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الْخَيْرِ يُؤْجَرُ بِهَا الدَّالُّ عَلَيْهِ كَأَجْرِ فَاعِلِ الْخَيْرِ، وَهُوَ مِثْلُ حَدِيثِ «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا»

وَالدَّلَالَةُ تَكُونُ بِالْإِشَارَةِ عَلَى الْغَيْرِ بِفِعْلِ الْخَيْرِ، وَعَلَى إرْشَادِ مُلْتَمِسِ الْخَيْرِ عَلَى أَنَّهُ يَطْلُبُهُ مِنْ فُلَانٍ وَالْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ وَتَأْلِيفِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ.

وَلَفْظُ (خَيْرٍ) يَشْمَلُ الدَّلَالَةَ عَلَى خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلِلَّهِ دَرُّ الْكَلَامِ النَّبَوِيِّ مَا أَشْمَلَ مَعَانِيَهُ وَأَوْضَحَ مَبَانِيَهُ وَدَلَالَتَهُ عَلَى خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ." اهـ

 

وقال محمد بن أبي بكر الدمشقي، المشهور بـ"ابن قيِّمِ الْجَوْزِيَّة" (المتوفى: 751 هـ)  _رحمه الله_ في "التفسير القيم" (1 / 355):

"فإنه بدلالته ونيته نزل منزلة الفاعل ومثله: (من دعا إلى هدى، فله مثل أجور من اتبعه، ومن دعا إلى ضلالة، عليه من___الوزر مثل آثام من اتبعه) لأجل نيته واقتران مقدورها بها من الدعوة.

ومثله إذا جاء المصلي إلى المسجد ليصلي جماعة، فأدركهم، وقد صلوا، فصلى وحده، كُتِبَ له مثْلُ أجْرِ صلاةِ الجماعةِ بنيته وسعيه، كما جاء مصرحا به في حديثٍ مرويٍّ.

ومثل هذا من كان له وِرْدٌ يصليه من الليل، فنام ومن نيته أن يقوم إليه، فغلب عينه نوم، كُتِبَ له أجرُ وِرْدِهِ، وكان نومه عليه صدقةً،

ومثله المريض والمسافر إذا كان له عملٌ يعمله، فشغل عنه المرض والسفر، كتب له مثل عمله، وهو صحيح مقيم.

ومثله من سأل الله الشهادة بصدق بَلَّغَهُ الله _سبحانه وتعالى_ منازل الشهداء، ولو مات على فراشه، ونظائر ذلك كثيرة." اهـ

 

وقال أبو العبَّاس أحمَدُ بنُ عُمَرَ بنِ إبراهيمَ، الأنصاريُّ القرطبيُّ (المتوفى: 656 هـ) _رحمه الله_ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (12/ 42)

"وقوله: (من دلَّ على خير، فله مثل أجر فاعله)؛ ظاهر هذا اللفظ: أن للدَّال من الأجر ما يساوي أجر الفاعل المنفق.

وقد ورد مثل هذا في الشرع كثيرًا؛ كقوله: (من قال مثل ما يقول المؤذن، كان له مثلُ أجره)،

وكقوله فيمن توضأ، وخرجَ إلى الصلاة، فوجد الناس قد صلَّوا: ((أعطاه الله من الأجرِ مثل أجر من حضرها، وصلاَّها).

وهو ظاهرُ قوله تعالى: { وَمَن يخرج مِن بيتهِ مُهاجرًا إلى اللهِ وَرَسُوله فَقَد} وقَعَ أجْرٌه على الله }،

وهذا المعنى يمكنُ أن يقال به، ويصار إليه بدليل : أن الثوابَ على الأعمال إنما هو تفضل من الله تعالى ، فيهبه لمن يشاء على أي شيءٍ صدر عنه ، وبدليل : أنَّ النية هي أصلُ الأعمال،

فإذا صحَّتْ في فعل طاعةٍ، فعجز عنها لمانعٍ منع منها فلا بُعدَ في مساواة أجر ذلك العاجز لأجر القادر الفاعل، أو يزيد عليه." اهـ

 

وقال ابن الجوزي _رحمه الله_ في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (2/ 206_207):

"فَكيف يتساوى الأجران؟

فَالْجَوَاب: أَن المثلية وَاقعَة فِي الْأجر، فالتقدير: لهَذَا أجْرٌ، كَمَا___أَن لهَذَا أجْرًا، وَإِن تفَاوت الأجران. وَمثل هَذَا قَوْلُه: (من سنّ سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا)، وَقَوله: (الخازن الْأمين الَّذِي يُعْطي مَا أَمر بِهِ أحد المتصدقين)، وَقَوله: (من جهز غازيا فقد غزا، وَمن خَلفه فِي أَهله بِخَير فقد غزا)،

وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الشَّرّ، فَإِنَّهُ لعن شَارِب الْخمر وعاصرها وحاملها حَتَّى عد عشرَة. وَلعن آكل الرِّبَا ومؤكله وكاتبه وشاهديه." اهـ

 

وقال الحسين بن محمود الزَّيْدَانيُّ الكوفي الضَّريرُ الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ، المشهورُ بـ"المُظْهِري" (المتوفى: 727 هـ) _رحمه الله_ في "المفاتيح في شرح المصابيح" (1/ 311):

"مَنْ أَمَرَ أحدًا بإعطاءِ صدقة أو بناءِ مسجدٍ أو مدرسةٍ أو رِباطٍ وغيْرِ ذلك من الخيرات، أو وعظ أحدًا حتى يخافَ الله _تعالى_، ويرجع من المعاصي إلى الصلاح، فله مِثلُ أجر مَنْ فعل خيرًا بقوله." اهـ

 

وقال محمد علي بن محمد بن علان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي (المتوفى: 1057 هـ) _رحمه الله_ في "دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين" (1/ 41_42):

"قال البيضاوي: أفعال العباد وإن كانت غير موجبة ولا مقتضية للثواب والعقاب بذواتها، إلا أن الله تعالى أجرى عادته الإلهية بربط الثواب والعقاب بها ارتباطَ المسببات بالأسباب، وليس للعبد تأثير في صدور الفعل عنه بوجه.

فكما يترتبان على ما يباشره ويزاوله بترتب كل منهما أيضاً على ما هو سبب في فعله كالإرشاد إليه والحث عليه.

ولما كانت الجهة التي بها استوجب المتسبب الأجر والجزاء غير الجهة التي استوجب بها المباشر لم ينقص أجره من أجره شيئاً.

وقال الطيبي: الهدى في الحديث ما يهتدى به من الأعمال، وهو بحسب التنكير مطلق شائع في جنس ما يقال له هدى يطلق على القليل والكثير، فأعظمه هدى من دعا إلى الله وأدناه هدى من دعا إلى إماطة الأذى عن طريق المسلمين،_____ومن ثم عظم شأن الفقيه الداعي المنذر حتى فضل واحد منهم على ألف عابد، لأن نفعه يعم الأشخاص والأعصار إلى يوم القيامة اهـ. وسيأتي في هذا المعنى مزيد إن شاء الله _تعالى_." اهـ

 

وقال الحسين بن محمد اللاعيّ، المعروف بـ"المَغرِبي" (المتوفى: 1119 هـ) _رحمه الله_ في "البدر التمام شرح بلوغ المرام" (10/ 227):

"فيه دلالة على فضيلة الدلالة على الخير، وأن ثواب الدلالة كثواب الفعل." اهـ

 

وقال محمد بن إسماعيل الحسني، الكحلاني، المعروف بـ"الأمير الصنعاني" (المتوفى: 1182 هـ) _رحمه الله_ في "التنوير شرح الجامع الصغير" (10/ 219):

"وفيه: حث على نشر العلم وتعليم العباد والدعاء لهم إلى كل خير." اهـ

 

وقال عبد الله بن عبد الرحمن البسام التميمي (المتوفى: 1423 هـ) _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (7/ 349):

"ما يؤخذ من الحديث:

1 - المؤمن هو الَّذي يكون قدوةً، وأسوةً في عمل الخيرات، وفعل الطيبات، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)} [الفرقان]، وقال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء: 73].

وجاء في مسلم (1017) من حديث جرير بن عبد الله؛ أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ سَنَّ سنَّةً في الإِسلام حسنةً، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أنْ ينقص من أجورهم من شيء".

2 - وحديث الباب يدل على أنَّ من دلَّ على خيرٍ، سواءٌ أكان من خير الدنيا، أو خير الآخرة: أنَّ له من الأجر مثل أجر من فعل، من غير أنْ ينقص من أجر المقتدى به شيء، وإنَّما هو أجرٌ بسبب كونه قدوةً في الخير، وأسوةً في عمل الإحسان.

3 - ومن أفضل الأَعمال الصالحة التي يتعدَّى نفعها، وتبقى ثمارها: هو العلم النَّافع، الَّذي هو شرع الله تعالى من أصوله وفروعه، وما أعان على فهمه، فمن نشر هذا العلم، فقد ضرب بسهمٍ وافرٍ من القدوة الحسنة، والدَّلالة على الصراط المستقيم، وقد أخرج النَّاس -بإذن الله تعالى- من ظلمات الجهل إلى نور العلم، والهداية، والإرشاد، ونال بهذا عظيم الأجر من الله تعالى، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "لأن يهديَ الله بك رجلًا واحداً خيرٌ لك من حُمْر النَّعم" [رواه البخاري (3009)، ومسلم (2406)]." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (6/ 299):

"فمن فوائد الحديث:

* الحث على الدلالة على الخير إما بالقول وإما بالفعل، ومن الدلالة على الخير دلالة الخطباء في مساجدهم يوجهون الناس، ودلالة الوعاظ في أماكن الوعظ يدلون الناس، ودلالة المعلمين في فصول الدراسة يعلمون الناس، ويدلونهم على الخير وأبواب هذا كثيرة جدًا.

* ومن فوائد الحديث: أن الأسباب لها أحكام المقاصد، فالدلالة على الخير سبب للخير، فإذا فعل الإنسان الخير كان للدال مثل أجره، فدل على أن الوسائل لها أحكام المقاصد.

* ومن فوائد الحديث: أن الأجر الحاصل للدال لا ينقص أجر المدلول لقوله: "فله مثل أجر فاعله"، ولم يقل: فالأجر بينهما؛ أي: بين الدال والمدلول، بل قال: "مثل أجر فاعله"،

وعلى هذا، فإن أجر المدلول لا ينقص بإعطاء الدال مثلَ أجْرِهِ، وفضلُ الله واسع." اهـ

 

وفي "المفيد في مجالس شهر رمضان من كلام الإمام ابن باز" (1 / 60) لِبندر بن عتيق المطيري:

"فالواجب على كل من لديه علم أن يذكر بذلك، وأن يناصح في الله ، ويدعو إليه حسب الطاقة، أداء لواجب التبليغ والدعوة، وتأسيا بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، وحذرا من إثم الكتمان الذي قد أوعد الله عليه في محكم القرآن، كما قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُون).

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من دل على خير فله مثل أجر فاعله)." اهـ

 

وقال مفتي الديار السعودية عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: 1420 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (30) جُزْءًا - (2 / 318):

"وبما تقدم يعلم أن مهمة المعلم مع كونها من أصعب المهام فهي مع ذلك من أشرف الوظائف , وأعظمها نفعا وأجلها قدرا إذا وفق صاحبها للإخلاص وحسنت نيته , وبذل جهده , كما أن له من الأجر مثل من انتفع بعلمه .

 

وقال مفتي الديار السعودية عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: 1420 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (30) جُزْءًا - (3 / 113)

"وفي ذلك حث وتحريض للدعاة على الدعوة والصبر عليها إذا كنت تحصل بذلك على مثل أجور من هداه الله على يدك ، فحقيق بك أن تشمر وأن تسارع إلى الدعوة وأن تصبر عليها وفي هذا خير عظيم." اهـ

 

وقال مفتي الديار السعودية عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: 1420 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (30) جُزْءًا - (5 / 294):

"ولا شك: أن ظهور أهل الحق في التلفاز من أعظم الأسباب في نشر دين الله, والردِّ على أهل الباطل؛ لأنه يشاهده غالبُ الناس من الرجال والنساء والمسلمين والكفار، ويطمئن أهل الحق إذا رأوا صورةَ من يعرفونه بالحق، وينتفعون بما يصدر منه، وفي ذلك أيضا محاربة لأهل الباطل وتضييق المجال عليهم." اهـ

 

وقال مفتي الديار السعودية عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: 1420 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (30) جُزْءًا - (13 / 278)

س : ما حكم إهداء قراءة القرآن الكريم للرسول _صلى الله عليه وسلم_، أو لغيره؟ (1)

ج : إهداء قراءة القرآن الكريم لروح الرسول صلى الله عليه وسلم والأموات، لا أصل له، وليس بمشروع، ولا فعله الصحابة رضي الله عنهم، والخير في اتباعهم.

ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم يعطى مثل أجورنا عما فعلناه من الخير فله مثل أجورنا ؛ لأنه الدال عليه ، عليه الصلاة والسلام ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : « من دل على خير فله مثل أجر فاعله »

فهو الذي دل أمته على الخير وأرشدهم إليه، فإذا قرأ الإنسان أو صلى أو صام أو تصدق، فالرسول يعطى مثل أجور هؤلاء من أمته؛ لأنه هو الذي دلهم على الخير وأرشدهم إليه عليه الصلاة والسلام ، فلا حاجة به إلى أن تهدى له القراءة أو غيرها ؛ لأن ذلك ليس له أصل." اهـ

 

وقال مفتي الديار السعودية عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: 1420 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (30) جُزْءًا - (23 / 266):

"الرسل لهم مثل أجور أتباعهم، ونبينا - صلى الله عليه وسلم - له مثل أجور أتباعه ، وكل عالم له مثل أجر من هداه الله على يديه." اهـ

 

وقال مفتي الديار السعودية عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: 1420 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (30) جُزْءًا - (23 / 376):

"ولا ريب أن المعلم هو المربي الروحي للطالب، فينبغي أن يكون ذا أخلاق فاضلة ، وسمت حسن حتى يتأسى به تلامذته ، كما ينبغي أن يكون محافظا على المأمورات الشرعية بعيدا عن المنهيات حافظا لوقته قليلَ الْمُزاح واسعَ البالِ، طلْقَ الوجهِ، حَسَنَ البِشْرِ، رَحْبَ الصدر جميلَ المظهرِ، ذا كفايةٍ ومقدرةٍ وسعَةِ اطلاعٍ، كثيرَ العلم بالأساليب العربية؛ ليتمكن من تأدية واجبه على أكمل وجه." اهـ

 

وقال مفتي الديار السعودية عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: 1420 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (30) جُزْءًا - (24 / 57):

"توزيع الكتب والأشرطة النافعة الصادرة من علماء السنة من أفضل القربات. لأن ذلك من نشر العلم والدعوة إلى الخير والله سبحانه وتعالى يقول: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا } (2) الآية. ويقول عز وجل: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } (3) الآية. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: « من دل على خير فله مثل أجر فاعله." اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (32/ 482_483):

"في فوائده:

1 - (منها): بيان حرص الصحابة - رضي الله عنهم - على الخروج في الجهاد في سبيل الله تعالى، ولو بسؤال الناس ما يتجهّزون به.

2 - (ومنها): ما كان عليه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من قلّة العيش، مع أن الله تعالى جعل مفاتيح الخزائن بيده، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "بُعثت بجوامع الكلم، ونُصِرت بالرعب، فبينا أنا نائم أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوُضعت في يدي"، قال أبو هريرة: وقد ذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنتم تنتثلونها.

3 - (ومنها): فيه فضيلة الدلالة على الخير، والتنبيه عليه، والمساعدة لفاعله.___

4 - (ومنها): أن فيه فضيلةَ تعليم العلم، ووظائف العبادات، لا سيما لمن يَعمل بها من المتعبدين، وغيرهم.

5 - (ومنها): أن ابن حبّان ترجم في "صحيحه" بقوله: "ذِكْر الخبر الدالّ على أن المؤذّن يكون كأجر من صلى بأذانه"، ثم أورد الحديث محتجًّا به، وهو استنباط حسنٌ، والله تعالى أعلم." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

في هذا الحديث الشريف فوائد كثيرة، من أهمها:

1 – فيه: فضل الدلالة على الخير،

فالدال على العمل الصالح، له أجر عظيم، حتى يكون له مثل أجر من باشره، وهذا يفتح للعبد بابًا واسعًا من أبواب الثواب.

2 – فيه: أن الخير لا ينحصر في المباشرة بالفعل،

فليس من شرط تحصيل الأجر أن يقوم الإنسان بالعمل بنفسه، بل يكفي أن يكون سببًا فيه، كالدلالة والإرشاد والتنسيق والتعريف بأهل الخير.

3 – فيه: سعة رحمة الله _تعالى_ حيث يعطي الأجر العظيم على الأعمال اليسيرة في صورتها، العظيمة في آثارها، مما يدل على سعة فضل الله وكرمه على عباده.

4 – فيه: أن العجز لا يُسْقِطُ الأجرَ مع صدق النية،

فالنبي _صلى الله عليه وسلم_، لَمَّا عجِزَ عن الحمل بنفسه، دلّ الرجل على غيره، فكان له الأجْرُ، وفيه: أن من نوى الخير وبذَل وُسْعَهُ ثم عجِز عنه، لا يُحْرَمُ الأجْرَ.

5 – فيه: الحث على تفريج كربات المسلمين، لأن الرجل كان منقطعًا في سفره، فأرشده النبي _صلى الله عليه وسلم_ إلى من يعينه، وفيه ترغيب في قضاء حوائج المحتاجين وإغاثة المنكوبين.

6 – فيه: فضل التعاون على البر والتقوى،

فالخير تمّ بتكامل الأدوار: فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ دلَّ، والرجل الآخر أعان، فاجتمع الأجر للطرفين.

7 – فيه: مشروعية الوساطة في الخير،

فالحديث أصل في جواز بل استحباب السعي بين الناس لقضاء الحوائج، وربط المحتاج بأهل الفضل.

8 – فيه: أن من كان سببًا في الخير كمن فعله في الأجر، فالدلالة سبب شرعي معتبر، يترتب عليه ثواب حقيقي، لا شكلي.

9 – فيه: التربية على الحرص والهمة العالية، فالمسلم لا يقف عند حدّ «لا أستطيع»، بل يبحث عن البديل المشروع ليُتمّ الخير.

10 – فيه: تعظيم شأن النية الصادقة، لأن من صدقت نيته في فعل الطاعة ثم عجز عنها، بلَّغه الله أجر العامل أو قريبًا منه، كما قرره أهل العلم.

11 – فيه: توجيه الناس إلى الحلول، لا إلى الأعذار، ففي الحديث تعليم عملي للقادة والدعاة أن يرشدوا الناس إلى المخارج، لا أن يكتفوا بالاعتذار.

12 – فيه: فتح أبواب الدعوة العملية، فالدلالة على الخير ليست محصورة في المال، بل تشمل التعليم، والتوجيه، ونشر السنن، وكل ما يُوصل إلى الطاعة.



[1]  يحتمل سفيان الثوري وسفيان الهلالي، لكن ورد مصرحا في "مكارم الأخلاق" للخرائطي (ص: 52)، و"مسند الشهاب" القُضاعي (1/ 85) بأنه سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، ثم وقفت على كلام الطبراني _رحمه الله_، فقال في "المعجم الأوسط" (5/ 101):

"وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، وَالنَّاسُ: عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ." اهـ ولله الحمد ومنة. 

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ