شرح الحديث 190 (باب الترغيب في الوضوء وإسباغه) من صحيح الترغيب

 

190 - (16) [صحيح] وعن عقبةَ بنِ عامرٍ عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:

"ما مِن مسلمٍ يتوضّأُ فَيُسبغُ الوُضوء، ثم يقومُ في صلاتِه، فَيَعلَمُ ما يقولُ، إلا انفَتَلَ وهو كيومَ وَلَدَتْه أمه. . ." الحديث.

رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم، واللفظ له، وقال:

"صحيح الإسناد"

 

ترجمة عقبة بن عامر الجهنيّ _رضي الله عنه_:

 

قال الزركلي _رحمه الله_ في "الأعلام" (4/ 240)

عُقْبَة بن عامِر (000 - 58 هـ = 000 - 678 م):

عقبة بن عامر بن عبس بن مالك الجهنيّ: أمير من الصحابة. كان رديف النبي _صلى الله عليه وسلم_، وشهد صفين مع معاوية، وحضر فتح مصر مع عمرو بن العاص. وولي مصر سنة 44 هـ وعزل عنها سنة 47 وولي غزو البحر.

ومات بمصر. كان شجاعا فقيها شاعرا قارئا، من الرماة. وهو أحد من جمع القرآن.

قال ابن يونس: ومصحفه بمصر إلى الآن (أي إلى عصر ابن يونس) بخطه على غير تأليف مصحف عثمان، وفي آخره: وكتبه عقبة بن عامر بيده. له 55 حديثا." اهـ

 

نص الحديث:

 

وعن عقبةَ بنِ عامرٍ عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:

"ما مِن مسلمٍ يتوضّأُ فَيُسبغُ الوُضوء، ثم يقومُ في صلاتِه، فَيَعلَمُ ما يقولُ، إلا انفَتَلَ وهو كيومَ وَلَدَتْه أمه. . ." الحديث.

رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم، واللفظ له، وقال:

"صحيح الإسناد"

قلت: صححه الألباني _رحمه الله_ في صحيح الترغيب والترهيب (1/ 355) (رقم: 546)

 

وفي "صحيح مسلم" (1/ 209):

عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ:

كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الْإِبِلِ فَجَاءَتْ نَوْبَتِي فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ[1]، فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ:

«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ»

قلت: صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 95) (رقم: 288)

 

المعنى الإجمالي للحديث بروايتيه:

 

بين هذا الحديث بلفظيه فضلًا عظيمًا من فضائل الطهارة والصلاة، وقرر أن كمال العبادة ليس في صورتها الظاهرة فقط، بل في اجتماع صحة العمل مع حضور القلب والإقبال على الله تعالى.

 

ففي الرواية الأولى:

أخبر النبي _صلى الله عليه وسلم_ أن المسلم إذا أسبغ الوضوء، فأدّاه كاملًا على الوجه المشروع، ثم قام إلى صلاته وهو يعي ما يقول من ذكر وقراءة ودعاء، خرج من صلاته وقد غُفرت ذنوبه، حتى يصير في الطهارة من الذنوب كحال المولود الجديد يوم ولادته.

 

وفي الرواية الثانية:

بيّن _صلى الله عليه وسلم_ أن من أحسن وضوءه، ثم صلى ركعتين مقبلًا عليهما بقلبه ووجهه (أي: حاضر القلب، صادق التوجّه، غير غافل ولا لاهٍ)، استحق دخول الجنة، وهذا وعد عظيم يدل على سعة فضل الله ورحمته.

 

فالمعنى الجامع بين الروايتين أن الوضوء الكامل سبب لتكفير الخطايا. والصلاة مع حضور القلب سبب لمغفرة الذنوب ورفعة الدرجات. وأن اجتماع إحسان العمل الظاهر مع خشوع القلب هو طريق القبول والثواب العظيم.

 

فالحديث قرر أن الطهارة ليست عادة، بل عبادة. وأن الصلاة الخالية من حضور القلب، لا تبلغ هذا الفضل. وأن من أقبل على الله بجوارحه وقلبه، جمع الله له بين المغفرة والجنة.

 

فالحديث يرشد المسلم إلى الإحسان في العبادة، وتعظيم شأن الخشوع والوعي في الصلاة،

وبيّن له أن الطريق إلى مغفرة الذنوب ورضوان الله مفتوح لمن أخلص وأحسن وأقبل على ربه بقلبه وبدنه.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه مسلم في "صحيحه" (1/ 209/ 17) (رقم: 234)، وأبو داود في "سننه" (1/ 43 و 1/ 238) (رقم: 169 و 906)، والترمذي في "سننه" – ت. شاكر (1/ 77) (رقم: 55)، والنسائي في "سننه" (1/ 95) (رقم: 151)، وابن ماجه في "سننه" (1/ 159) (رقم: 470) (رقم: 148)، وابن خزيمة في "صحيحه" (1/ 110) (رقم: 222)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (2/ 432) (رقم: 3508)، وأحمد في "مسنده" - عالم الكتب (4/ 153) (رقم: 17393).

 

والحديث صحيح: "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 95) (رقم: 288)، صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 1003) (رقم: 5756)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 282) (رقم: 395)

 

من فوائد الحديث:

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (3/ 428):

"المسألة الرابعة: في بعض فوائده.

يستفاد من هذا الحديث:

* الاعتناء بالإحسان في الوضوء،

* واستحباب ركعتين بعده، وأداؤهما بالخشوع والخضوع،

* وأن ذلك سبب لوجوب الجنة،

* وأن من فعل هكذا له البشارة بالموت على الإيمان؛ لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة، وهذا هو مأمول كل عاقل، وهو الذي فتت أكباد عباد الله الصالحين، فكل متمنياتهم الموت على الإيمان، فينبغي الحرص على هذا العمل الذي هو سبب الفلاح الأبدي، والنجاح السرمدي، نسأل الله تعالى أن يلهمنا ما فيه الفوز والرشاد، والفلاح في دار المعاد، إنه غني كريم، رؤوف رحيم.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

 

وقال يحيى بن هُبَيْرَة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (1/ 218_220):

"في هذا الحديث من الفقه:

* إسباغ الوضوء، والكمال فيه ثلاث مرار في كل عضو ما عدا الرأس، فإن فيه الخلاف. والإسباغ في اللغة: أن يشتمل العُضْوَ الغَسْلُ ويستوعبه، والثوب السابغ: الفاضل عن مقدار طول صاحبه. وقوله: {وأسبغ عليكم نعمه} أي عمكم بها.___

* وفيه أيضًا من الفقه: أن الصلاة التي يقبل عليها العبد بوجهه وقلبه إذا صح له منها ركعتان فصاعدًا وجبت له الجنة، وإنما يوفق لذلك من لا يؤدي شيئًا من أركان الصلاة إلا وهو مفكر فيما يقوله منه، إذ ليس جزء من أجزاء الصلاة، إلا وقد عين له ذكر من الأذكار بحسبه؛ حتى إنه إذا خر ساجدًا فيستحب له أن يمد الألف من اسم الله، ليكون بمقدار زمن هويه حتى يكون عند الأرض، فيقول: (أكبر)، فيأخذ في التسبيح؛ لئلا يخلو جزء من أجزائه صلاته من ذكر يشغله به.

وينبغي للمسلم أن يكرر اعتماد هذا على نفسه، وإن غفل في بعض صلاته عاد إلى التفهم بقي، فإنه إذا فكر في نفسه ومثل روحه كأنه يشاهد صورة قلبه وهو بين يدي الله عز وجل، وهو يرى صورة قلبه يلتفت يمينًا وشمالا بين يدي الله عز وجل استحيى وخجل من ذلك؛ لاسيما وقلبه إلى أشياء غير لازمة ولا مهمة، وقد يكون منها أشياء يقبح أن تخطر بقلب المؤمن في ذلك المقام، وعلى هذا فإن رحمة الله سبحانه اتسعت في الاحتساب لعبده بالصلاة التي هي صورة الصلاة.

وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة، فمن وفقه الله للطبقة العليا دائمًا فناهيك به، وإلا فليجتهد في أن تخلص له الفرائض على ذلك الوجه، فإن لم ينل ذلك فلا أقل من أن لا ينزل عن مقدار الركعتين اللتين قدرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأوجب عليهما الجنة، ومع ذلك فالفقهاء مجمعون على أن من خطر في قلبه وهو يصلي في فرض أو نفل خاطر من أمور الدنيا: المعاش أو غيره؛ فإن صلاته مجزئة عنه.

* وفيه من الفقه: أن الاستحباب للعبد أنه كلما جدد وضوءًا لصلاته فكذلك يجدد الشهادتين لله عز وجل بأنه: لا إله إلا هو؛ ولرسوله لصدقه في رسالته؛ احترازًا من غفلة قد كانت طرقت عليه أمرًا، أو شكًا أو ريبة أو غير ذلك مما يبطل___الصلاة. فإذا جدد الشهادة كان مجددًا لإسلامه قبل دخوله في الصلاة، فتصح صلاته ظاهرًا وباطنًا بيقين.

* وفيه من الفقه: أن أبواب الجنة ثمانية يدخل من أيها شاء؛ أي أن كل باب منها له أهل، فإن باب الصدقة يدخل منه المتصدقون، وباب الجهاد يدخل منه المجاهدون، والريان يدخل من الصائمون؛ فبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تلك الأعمال فرو على هذا الأصل من إقامة الشهادتين؛ فإذا أتى بهما كان مخيرًا في الفروع من أي أبواب الجنة شاء أن يدخل؛ من باب الصدقة أو من باب الجهاد أو غير ذلك." اهـ

 

وقال تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع المنفلوطي المصري الشافعي ، المعروف بـ"ابن دقيق العيد القشيري" (المتوفى: 702 هـ) _رحمه الله_ في "شرح الإلمام بأحاديث الأحكام" (5/ 165_166):

"الإحسان في الوضوء من جملة الشرائط المعتبرة في___حصولِ الوعود، والإحسانُ هو الإتيانُ به على الوجه المطلوب شرعاً، من غير غلُوٍّ ولا تقصير." اهـ

 

وقال عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "جامع العلوم والحكم" – ط. الرسالة (2/ 13):

"فَالْوُضُوءُ مِنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي لَا يُحَافِظُ عَلَيْهَا إِلَّا مُؤْمِنٌ." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

فيما يلي فوائد عديدة مستنبطة من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه بروايتيه:

1 – فيه: سعة فضل الله تعالى وعظيمُ رحمته إذ جعل لعبادة يسيرة - وضوءٍ وصلاة ركعتين - هذا الأجرَ العظيم.

2 – فيه: أن الجنة تُنال برحمة الله مع العمل الصالح، فالوعد بالجنة مرتبط بإحسان العمل، لا بمجرد الدعوى.

3 – فيه: إثبات أن تكفير الذنوب من آثار العبادات، وهو من عقيدة أهل السنة والجماعة.

4 – فيه: فضل الطهارة والصلاة في تطهير القلب والروح لا الجسد فقط.

5 – فيه: فضل إسباغ الوضوء وإحسانه، وهو إتمام أعضائه على الوجه المشروع مع الطمأنينة.

6 – فيه: أن الوضوء عبادة مستقلة، لا مجرد شرط للصلاة، يترتب عليها أجر عظيم.

8 – فيه: الحث على تعلّم صفة الوضوء الصحيح، لأن الفضل مترتب على إحسانه.

9 – فيه: بيان ارتباط الطهارة الظاهرة بالطهارة الباطنة، فالوضوء سبب لمغفرة الذنوب، كما أن الصلاة سبب آخر لمغفرة الذنوب.

10 – فيه: أن حضور القلب شرط لنيل الفضل الكامل لقوله: «يعلم ما يقول» و «مقبلًا عليهما بقلبه ووجهه».

11 – فيه: أن الصلاة ليست حركاتٍ مجردةً، بل عبادة قلبية وقولية وبدنية.

12 – فيه: فضل صلاة الركعتين بإقبال وخشوع، سواء كانت سنةَ وضوء أو غيرها.

13 – فيه: أن الخشوع يزيد الأجر ويعظم القبول بخلاف الصلاة مع الغفلة.

14 – فيه: أن الإخلاص وحضور النية سبب للقبول، فلا ينال هذا الفضل من صلّى عادة أو رياءً.

15 – فيه: أن العمل القليل قد يعظم بنيته، فيُوصل صاحبه إلى الجنة.

16 – فيه: أن العلم بما يُقال في الصلاة يعين على الخشوع، فينبغي فهم الأذكار والقراءة.

17 – فيه: التربية على الإحسان في العبادة كما في قوله _صلى الله عليه وسلم_: «أحسن وضوءه».

18 – فيه: أن كثرة الأشغال ليست عذرًا في ترك الخير كما في قصة عقبة رضي الله عنه مع رعاية الإبل.

19 – فيه: الترغيب في اغتنام الأوقات الفاضلة بالصلاة والطهارة.

20 – فيه: بشارة عظيمة للمذنبين بفتح باب التوبة إذ يخرج من الصلاة كيوم ولدته أمه.

21 – فيه: مشروعية ركعتي الوضوء واستحبابهما.

22 – فيه: أن الوعد بالمغفرة لا يعني إسقاط الفرائض، بل هو في حق من أدى الفرائض واجتنب الكبائر.

23 – فيه: أن النصوص يُفسِّر بعضها بعضًا فالروايتان اجتمعتا على معنى واحد بألفاظ مختلفة.

24 – فيه: أن الثواب قد يُذكر بصيغة المغفرة أو الجنة وكلاهما يدل على القبول التام.

25 – فيه: أن اجتماع صلاح الظاهر وصلاح الباطن هو سبب الفوز، وهما: وضوءٌ مُحسن، وصلاةٌ بخشوع.

26 – فيه: أن العبادة المتقنة سبب لعلو المنزلة لا مجرد كثرتها.

27 – فيه: أن الطريق إلى الجنة واضح وميسّر لمن صدق مع الله.

28 – فيه: أن الطاعات تجدد حياة القلب كما تُجدِّد الطهارة الجسد.

 

فالحديثان قررا أن الإحسان في الطهارة مع حضور القلب في الصلاة يفتحان باب المغفرة والجنة، وأن العبادة المقبولة هي ما اجتمع فيها صحة العمل، وإخلاص النية، وخشوع القلب.

 



[1]  قال السيوطي _رحمه الله_ في "شرح صحيح مسلم" (2/ 23): "فروحتها أَي رَددتهَا إِلَى مراحها فِي آخر النَّهَار." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ