شرح الحديث 148 (باب الاقتصاد في الطاعة) من رياض الصالحين
|
[148] وعن أَبي عبد الله جابر بن سمرة _رضي
الله عنهما_ قَالَ : "كُنْتُ
أصَلِّي مَعَ النَّبيِّ _صلى الله عليه وسلم_ الصَّلَوَاتِ، فَكَانتْ صَلاتُهُ
قَصْداً وَخُطْبَتُهُ قَصْداً." رواه مسلم. قوله:
«قَصْداً»: أي بين الطولِ والقِصرِ. |
ترجمة جابر بن سمرة أبو عبد الله السوائي العامري _رضي الله عنه_:
وفي
"تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (4/ 437) للمزي:
"جابر
بن سَمُرَة بن جنادة (ويُقال: ابن عَمْرو) ابن جندب بْن حجير بْن رئاب بْن حبيب
بْن سواءة بْن عامر بْن صعصعة السُّوائي، أَبُو
عَبْد اللَّهِ، ويُقال: أَبُو خالد، العامري.
وأمه: خالدة بنت أبي وقاص أخت سعد بْن أَبي
وقاص. لَهُ ولأبيه صحبة. نزل الكوفة، ومات بها، وله بها عقب." اهـ
وفي
الإصابة في تمييز الصحابة (1/ 543):
"قال
ابن السّكن : "يكنى أبا عبد اللَّه (ويقال : يكنى أبا خالد). نزل الكوفة،
وابتنى بها دارا، وتوفّي في ولاية بشر على العراق سنة
أربع وسبعين.
وقال
سلمة بن جنادة عن أبيه : صلّى عليه عمرو بن حريث." اهـ
فائدة نسبية:
وفي
"لب اللباب في تحرير الأنساب" (ص: 173):
"العامري: إلى عامر بن لؤي بن غالب. وعامر: بن صعصعة من قيس عيلان، وعامر بن عدي من تجيب،
وعامر بن ثعلبة، وعامر بن سعد من النخع، وعامر بن ملك من همدان." اهـ
نص
الحديث:
وعن أَبي عبد
الله جابر بن سمرة _رضي الله عنهما_ قَالَ :
"كُنْتُ
أصَلِّي مَعَ النَّبيِّ _صلى الله عليه وسلم_ الصَّلَوَاتِ، فَكَانتْ صَلاتُهُ
قَصْداً وَخُطْبَتُهُ قَصْداً." رواه مسلم.
قوله:
«قَصْداً»: أي بين الطولِ والقِصرِ.
وفي "صحيح
مسلم" (2/ 589):
عَنْ جَابِرِ
بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ»
وفي "صحيح
مسلم" (2/ 589):
جَابِرُ بْنُ
سَمُرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَخْطُبُ
قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ
أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ وَاللهِ صَلَّيْتُ مَعَهُ
أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ»
وفي "سنن
أبي داود" (1/ 288):
عَنْ جَابِرِ
بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا، يَقْرَأُ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ،
وَيُذَكِّرُ النَّاسَ»
سنن أبي داود
(1/ 289)
عَنْ جَابِرِ
بْنِ سَمُرَةَ السُّوَائِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُطِيلُ الْمَوْعِظَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِنَّمَا هُنَّ
كَلِمَاتٌ يَسِيرَاتٌ»
وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى:
676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (6 / 158_159):
"وكانت صلاته
قصدا وخطبته قصدا، لأن المراد___بالحديث الذي نحن فيه: أن
الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلا يشق على المأمومين، وهي
حينئذ قَصْدٌ، أي: معتدلة.
والخطبة قَصْدٌ
بالنسبة إلى وضعها.
قوله _صلى
الله عليه و سلم_: (وان من البيان سحرا)." اهـ
وقال علي بن سلطان، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى:
1014 هـ) _رحمه الله_ في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة
المصابيح" (5 / 85):
"قال
الطيبي: (القصد في الأصل هو الاستقامة في الطريقة ثم استعير للتوسط في الأمور
والتباعد عن الافراط ثم للتوسط بين الطرفين كالوسط وذلك لا يقتضي تساوي الصلاة
والخطبة." اهـ
إكمال المعلم
بفوائد مسلم (3/ 273)
وقوله فى هذا
الحديث: (فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة)، غير مخالف لقوله فى الحديث: (كانت صلاته
قصدًا وخطبته قصدًا)
وذلك أن كلَّ
واحدة قصدًا فى بابها، إذ سنة الخطبة بالتقصير
فكان تقصيره _عليه السلام_ فيها قصدًا غيرَ مخل بها،
وسنة
الصلاة التطويل، وتطويله _عليه السلام_ قصدٌ فيها غير
مخرجٍ لها بالتطويل إلى أذى من خلفه،
ولكل شىء عدل
وقصد فى ذاته، وإن خالف قصدَ أحدهما الأخرى." اهـ
المعنى
الإجمالي للحديث:
بين هذا
الحديث هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ في الصلاة والخطبة، وأنه كان يلتزم فيهما
بالاعتدال والتوسط، فلا يطيل إطالةً تشق على الناس، ولا يختصر اختصارًا يخلّ
بالمقصود، بل كان قصده فيهما قائمًا على مراعاة أحوال المصلين وتحقيق الخشوع
والفهم.
وفيه: دلالة
على أن السنة في الإمامة والخطابة هي سلوك طريق الوسطية، بحيث تكون الصلاة والخطبة
محققةً للمصلحة الشرعية من غير مشقة ولا تفريط.
تخريج
الحديث:
أخرجه مسلم في
"صحيحه" (2/ 591/ 41_42) (رقم: 866)، و أبو داود في "سننه" (1/
288) (رقم: 1101)، والترمذي في "سننه" – ت. شاكر (2/ 381) (رقم: 507)، والنسائي
في "سننه" (3/ 110 و 3/ 191 و 3/ 192) (رقم: 1418 و 1582 و 1584)، وفي
"السنن الكبرى" (2/ 308 و 2/ 309) (رقم: 1800 و 1802)، وابن ماجه في
"سننه" (1/ 351) (رقم: 1106)
والحديث
صحيح:
صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 441) (رقم: 1405)،
و"صحيح أبي داود" - الأم (4/ 265) (رقم: 1009)، و"التعليقات الحسان
على صحيح ابن حبان" (4/ 385) (رقم: 2791)، و"إرواء الغليل في تخريج
أحاديث منار السبيل" (3/ 70) (رقم: 604)
من
فوائد الحديث:
وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز
رياض الصالحين" (ص: 117):
"في هذا
الحديث: استحباب القصد في الصلاة، والخطبة وجميع الأمور." اهـ
وقال شرف الحق العظيم آبادي (المتوفى: 1329 هـ) _رحمه الله_
في "عون المعبود" (3 / 316_317):
"فيه
مشروعية إقصار___الخطبة، ولا خلاف في ذلك، واختلف في أقل ما يجزئ على أقوال مبسوطة
في كتب الفقه." اهـ
وقال شيخنا عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر _حفظه الله_ في "شرح سنن أبي داود"
– تفريغ الشاملة (1 / 2)
"وإنما
فيها إيجاز مع التمام، فخطبته كانت قصداً، بمعنى: أنها وجيزة، ولكنها كاملة، وذلك
أنه كان يأتي بالكلام الجامع المختصر الذي معناه واسع؛ لأنه أُعْطِيَ جوامع الكلم _صلى
الله عليه وسلم_. وجوامع الكلم: هي الكلمات القليلة المبانِيْ الواسعةُ المعانِيْ."
اهـ
وقال عبد الرؤوف بن تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ" (المتوفى: 1031 هـ) _رحمه الله
في "فيض القدير" (2 / 457):
"وقصر
الخطبة مندوبٌ، وأوجبه الظاهرية،
قال ابن حزم: (شاهدتُ
خطيب قرية أطال الخطبة، فأخبرني بعض الوجوه أنه بال في ثيابه، إذ لم يمكنه الخروج
من المقصورة)[1]."
اهـ
وقال أبو العبَّاس أحمَدُ بنُ عُمَرَ بنِ إبراهيمَ،
الأنصاريُّ القرطبيُّ (المتوفى: 656 هـ) _رحمه
الله_ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (3 / 375):
"والإكثار
في الخطبة مكروه؛ للتشدُّق والإملال للتطويل." اهـ
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 231):
"والظاهر
أنه يريد الجمعة، فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً، والقصد معناه التوسط، الذي ليس
فيه تخفيف مخل ولا تثقيل ممل، وقد ثبت عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال:
(إن طولَ صلاةِ الرجلِ وقِصَرِ خطبتِهِ مِئْنَةٌ من فقهه) أي: علامَةٌ على فقهه
ودليلٌ عليه،
ويؤخذ
من هذا الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يحمِّل نفسه
ويشق عليها في العبادة، وإنما يأخذ ما يطيق. والله الموفق." اهـ
نيل الأوطار -
(3 / 331_332):
"وإنما
كان إقصار الخطبة علامة من فقه الرجل لأن الفقيه هو المطلع على جوامع الألفاظ___فيتمكن
بذلك من التعبير باللفظ المختصر على المعاني الكثيرة." اهـ
وقال عبد
الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم
الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_
في كتابه "جامع العلوم والحكم" – ط. الرسالة (2/ 111):
"وَالْبَلَاغَةُ
فِي الْمَوْعِظَةِ مُسْتَحْسَنَةٌ، لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى قَبُولِ الْقُلُوبِ
وَاسْتِجْلَابِهَا، وَالْبَلَاغَةُ: هِيَ
التَّوَصُّلُ إِلَى إِفْهَامِ الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ، وَإِيصَالُهَا إِلَى
قُلُوبِ السَّامِعِينَ بِأَحْسَنِ صُورَةٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ
عَلَيْهَا، وَأَفْصَحِهَا وَأَحْلَاهَا لِلْأَسْمَاعِ، وَأَوْقَعِهَا فِي
الْقُلُوبِ. وَكَانَ النَّبِيُّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ يَقْصُرُ
خُطْبَتَهَا، وَلَا يُطِيلُهَا، بَلْ كَانَ يُبْلِغُ وَيُوجِزُ." اهـ
وقال عطية بن صقر المصري _رحمه الله_ في "فتاوى دار
الإفتاء المصرية" (10 / 299):
ومما يتصل
بهذا من أدب الدعوة والإمامة: ألا يطيل الإمام فى الصلاة مراعاة لظروف المأمومين،
فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة وقد صح فى "البخاري" و"مسلم":
أن الرسول _صلى
الله عليه وسلم_ قال لمعاذ حين اشتكى البعض طول صلاته "أفتَّان أنت يا
معاذ" ثلاث مرات،
والمعنى: أن
التطويل سبب لخروجهم من الصلاة، وسبب لكراهة صلاة الجماعة، وأنه عذاب لهم ،
والإسلام لا يحب ذلك .
ومن الأدب أن
تكون الموعظة مفهومة بأسلوب مناسب ،وليس فيها غرائب تحار فى فهمها العقول ، روى
البخارى عن على رضى اللّه عنه أنه قال : حدِّثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن
يكذَّب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
ملحق
الفوائد:
في هذا الحديث
الشريف فوائد كثيرة، من أهمها ما يأتي:
1 – فيه: مشروعية
التوسّط في العبادة، فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ لم يكن يطيل إطالةً مُملة، ولا
يختصر اختصارًا مُخلًّا، بل كان معتدلًا في عبادته.
2 – فيه: أن
الاعتدال هو المنهج الأكمل في الدين، فالوسطية سِمة ظاهرة في هدي النبي _صلى الله
عليه وسلم_ في الصلاة والخطبة وسائر شؤونه.
3 – فيه: مراعاة
أحوال المصلين والمستمعين، إذ فيهم الضعيف، والمريض، وصاحب الحاجة، فلا تُحمَّل
نفوسهم ما يشق عليهم.
4 – فيه: أن
طول العبادة ليس دليلًا على فضلها دائمًا، بل العبرة بموافقتها للسنة وتحقيق
المقصود منها.
5 – فيه: أن
قِصَر الخطبة من هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_، إذ هو أدعى للانتفاع وعدم الملل،
مع بقاء المعاني العظيمة.
6 – فيه: توجيه
الأئمة والخطباء إلى الحكمة في الأداء، فلا يَجْعَل الإمام عبادته الخاصة مقياسًا
لعبادة الناس.
7 – فيه: أن
الخشوع والفهم يتحققان بالاعتدال، فالإطالة الْمُفْرِطَةُ تضعّف حضور القلب، كما
أن الاختصار الشديد يَذهب بالفائدة.
8 – فيه: أن
العمل بالسنة في الظاهر والباطن هو سبيل النجاح، فهدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ أكمل
الهدي في التربية والتعليم والعبادة.
9 – فيه: جواز
وصف عبادة النبي _صلى الله عليه وسلم_ إجمالًا للاقتداء به، كما فعل جابر بن سمرة _رضي
الله عنه_.
10 – فيه: أن
المنبر موضع تعليم، لا موضع استعراض، فالقصد منه الهداية والتذكير، لا لمجرد
الإطالة.
[1] وذكر ابن حزم _رحمه الله_ مثالًا واقعيًّا يوضح
شدة الأذى المترتب على الإطالة، حيث أطال خطيبٌ في قريةٍ خطبته حتى اضطر بعض الناس
إلى حبس أنفسهم عن قضاء الحاجة، فبال أحدهم في ثيابه لعدم قدرته على الخروج.
والمقصود
من هذا الكلام التنفير من إطالة الخطب، وبيان أن المشروع هو مراعاة أحوال المصلين
ودفع المشقة عنهم، وأن الإطالة المفرطة مخالفة لهدي النبي ﷺ ومنافية لمقاصد
الشريعة في اليسر ورفع الحرج.
والمقصود
بـ «المقصورة» في كلام ابن حزم رحمه الله: هي موضعٌ مُحاط أو مُغلق داخل المسجد
يُجعل للخطيب أو للإمام، وغالبًا يكون قريبًا من المنبر أو حوله، يُحاط بحاجزٍ أو
جدارٍ قصير أو خشب، ولا يستطيع من كان بداخله الخروج منه بسهولة أثناء الخطبة أو
الصلاة.
فكان
بعض المساجد قديمًا يجعلون للمقصورة بابًا يُغلق، أو سياجًا يمنع الناس من الخروج،
إما لحفظ النظام أو لحماية الإمام، فمن كان داخلها لا يتمكن من الخروج عند الحاجة،
ولهذا ذكر ابن حزم أن الرجل لم يستطع الخروج لقضاء حاجته بسبب إغلاق المقصورة وطول
الخطبة.
Komentar
Posting Komentar