شرح الحديث 147 (باب الاقتصاد في الطاعة) من رياض الصالحين
|
[147] وعن عائشة
_رضي الله عنها_ : أنَّ رَسُول
الله _صلى الله عليه وسلم_ قَالَ : «إِذَا
نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ
النَّومُ، فإِنَّ أحدكم إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لا يَدْرِي لَعَلَّهُ
يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ». مُتَّفَقٌ
عَلَيهِ. |
ترجمة
عائشة بنت أبي بكر الصديق _رضي الله عنهما :
وفي
"سير أعلام النبلاء" - ط الرسالة (2/ 135) للذهبي:
"عَائِشَةُ
بِنْتُ الصِّدِّيْقِ أَبِي بَكْرٍ التَّيْمِيَّةُ أُمُّ المُؤْمِنِيْنَ * (ع)
بِنْتُ الإِمَامِ الصِّدِّيْقِ الأَكْبَرِ، خَلِيْفَةِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي قُحَافَةَ
عُثْمَانَ بنِ عَامِرِ بنِ عَمْرِو بنِ كَعْبِ بنِ سَعْدِ بنِ تَيْمِ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَيٍّ القُرَشِيَّةُ،
التَّيْمِيَّةُ، المَكِّيَّةُ، النَّبَوِيَّةُ، أُمُّ المُؤْمِنِيْنَ، زَوجَةُ
النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَفْقَهُ نِسَاءِ الأُمَّةِ عَلَى
الإِطْلاَقِ.
وَأُمُّهَا: هِيَ أُمُّ رُوْمَانَ بِنْتُ عَامِرِ
بنِ عُوَيْمِرِ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ بنِ عَتَّابِ بنِ أُذَيْنَةَ الكِنَانِيَّةُ.
هَاجَرَ بِعَائِشَةَ أَبَوَاهَا، وَتَزَوَّجَهَا نَبِيُّ اللهِ قَبْلَ مُهَاجَرِهِ بَعْدَ
وَفَاةِ الصِّدِّيْقَةِ خَدِيْجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ
بِبِضْعَةَ عَشَرَ شَهْراً، وَقِيْلَ: بِعَامَيْنِ. وَدَخَلَ بِهَا فِي شَوَّالٍ
سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، مُنَصَرَفَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ - مِنْ
غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعٍ.
فَرَوَتْ
عَنْهُ: عِلْماً كَثِيْراً، طَيِّباً، مُبَارَكاً فِيْهِ." اهـ
وفي
"معرفة الصحابة" لابن منده (ص: 939):
"وبقيت
إلى خلافة معاوية، وتوفيت سنة ثمان، وقيل: سبع وخمسين، وقد قاربت السبعين، وأوصت
أن تدفن بالبقيع، وكان وصيها: عبد الله بن الزبير بن العوام." اهـ
وفي
"الأعلام للزركلي" (3/ 240):
"عائِشَة
أم المُؤْمِنِين (9 ق هـ - 58 هـ = 613 - 678 م):
عائشة
بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان، من قريش: أفقه نساء المسلمين وأعلمهن
بالدين والأدب.
كانت
تكنى بأم عبد الله. تزوجها النبي صلى الله عليه
وسلم في السنة الثانية بعد الهجرة، فكانت أحب نسائه إليه، وأكثرهن رواية للحديث
عنه.
ولها خطب ومواقف. وما كان يحدث لها أمر إلا
أنشدت فيه شعرا. وكان أكابر الصحابة يسألونها عن الفرائض فتجيبهم. وكان (مسروق)
إذا روى عنها يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق.
وكانت
ممن نقم على (عثمان) عمله في حياته، ثم غضبت له بعد مقتله، فكان لها في هودجها،
بوقعة الجمل، موقفها المعروف.
وتوفيت في
المدينة. روي عنها 2210 أحاديث. ولبدر الدين
الزركشي كتاب (الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة - ط)." اهـ
نص الحديث:
وعن عائشة _رضي الله عنها_ :
أنَّ رَسُول
الله _صلى الله عليه وسلم_ قَالَ:
«إِذَا نَعَسَ
أَحَدُكُمْ، وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّومُ،
فإِنَّ أحدكم إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ
يَسْتَغْفِرُ، فَيَسُبُّ نَفْسَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وفي "سنن
النسائي" (1/ 99):
عَنْ
عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:
قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا نَعَسَ الرَّجُلُ وَهُوَ فِي
الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، لَعَلَّهُ يَدْعُو
عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَدْرِي»
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في
"البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (16/ 202):
"وفي
رواية النسائيّ من طريق أيوب، عن هشام: (فلينصرف)، والمراد
أنه ينصرف بالتسليم بعد إكمالها.
وقال الحافظ
-رَحِمَهُ اللَّهُ-: وحمله المهلَّب على ظاهره، فقال بقطع الصلاة لغلبة النوم عليه."
اهـ
ورد في "صحيح
مسلم" (1/ 543/ 223) (رقم: 787):
عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ
اللَّيْلِ، فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ،
فَلْيَضْطَجِعْ»[1]
المعنى
الإجمالي للحديث:
بين هذا
الحديث توجيهًا نبويًا حكيمًا في باب العبادة، وهو مراعاة
حضور القلب والفهم عند أداء الصلاة وسائر العبادات، وأن المقصود منها
الخشوع والعقل الواعي، لا مجرد الحركات الظاهرة.
فأمر النبي _صلى
الله عليه وسلم_ من غلبه النعاس، وهو يصلي أن ينام
حتى يزول عنه النوم، لئلا يؤدي العبادة وهو لا يدري ما يقول، فيقع في الخطأ من حيث
لا يشعر، فقد يقصد الاستغفار والدعاء، فإذا به يخرج منه كلامٌ غير لائق، كأن يسبّ
نفسه أو يدعو عليها، بسبب غياب الوعي.
والحديث يدل
على أن الشريعة قائمة على اليسر ورفع الحرج، وأن الله لا يريد من عباده المشقة
التي تُفضي إلى فساد العبادة، بل يريد عبادة صحيحة مقبولة قائمة على الفهم
والخشوع.
فالحديث يثبت
أن العبادة تُؤدَّى مع حضور القلب والعقل، وأن النوم والراحة عند الحاجة أولى من
الاستمرار في عبادة مع غياب الإدراك، لما في ذلك من حفظ مقاصد العبادة، وتحقيق
الخشوع، وسلامة اللفظ والقصد.
تخريج
الحديث:
أخرجه البخاري
في "صحيحه" (1/ 53) (رقم: 212)، ومسلم في "صحيحه" (1/ 542/ 222)
(رقم: 786)، وأبو داود في "سننه" (2/ 33) (رقم: 1310)، والترمذي في
"سننه" – ت. شاكر (2/ 186) (رقم: 355)، والنسائي في "سننه" (1/
99) (رقم: 162)، وفي "الكبرى للنسائي" (1/ 134) (رقم: 153)، وابن ماجه في
"سننه" (1/ 436) (رقم: 1370)، وغيرهم عن عائشة _رضي الله عنهما_
والحديث
صحيح:
صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 408) (رقم: 641)،
و"تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 391) (رقم: 1245)، صحيح الجامع الصغير
وزيادته (1/ 202) (رقم: 810_811 و 813)، و"صحيح أبي داود" (1183)، و"مختصر
مسلم" (رقم: 386).
من
فوائد الحديث:
وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في
"تطريز رياض الصالحين" (ص: 117):
"في هذا
الحديث: أمر الناعس في الصلاة أنْ ينصرف منها، يعني: بعدما يتمها خفيفة." اهـ
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 230):
"ومن حكم
ذلك أن الإنسان لنفسه عليه حق، فإذا أجبر نفسه على فعل العبادة مع المشقة فإنه
يكون قد ظلم نفسه، فأنت يا أخي لا تُفَرِّطْ فَتَقْصُرَ، ولا تُفْرِطْ فتزيدَ.
ويؤخذ
من هذا الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يحمل نفسه
ويشق عليها في العبادة، وإنما يأخذ ما يطيق. والله الموفق." اهـ
وقال محمود بن
أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه
الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (3/ 111):
"بَيَان
استنباط الْأَحْكَام:
الأول:
أَن فِيهِ الْأَمر بِقطع الصَّلَاة عِنْد غَلَبَة النّوم عَلَيْهِ، وَأَن وضوءه
ينْتَقض حِينَئِذٍ.
الثَّانِي:
أَن النعاس إِذا كَانَ أقل من ذَلِك يُعْفَى عَنهُ، فَلَا ينْتَقض وضوؤه، وَقد
أَجمعُوا على أَن النّوم الْقَلِيل لَا ينْقض الْوضُوء، وَخَالف
فِيهِ الْمُزنِيّ فَقَالَ: ينْقض قَلِيله وَكَثِيره، لما ذكرنَا.
وَقَالَ
الْمُهلب وَابْن بطال وَابْن التِّين وَغَيرهم: إِن الْمُزنِيّ خرق الْإِجْمَاع.
قلت: هَذَا تحامل مِنْهُم عَلَيْهِ، لِأَن الَّذِي قَالَه نقل عَن بعض الصَّحَابَة
التَّابِعين، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الثَّالِث:
فِيهِ الْأَخْذ بِالِاحْتِيَاطِ لِأَنَّهُ علل بِأَمْر مُحْتَمل.
الرَّابِع:
فِيهِ الدُّعَاء فِي الصَّلَاة من غير تعْيين بِشَيْء من الْأَدْعِيَة.
الْخَامِس:
فِيهِ الْحَث على الْخُشُوع وَحُضُور الْقلب فِي الْعِبَادَة، وَذَلِكَ لِأَن
الناعس لَا يحضر قلبه، والخشوع إِنَّمَا يكون بِحُضُور الْقلب." اهـ
وقال أبو حفص
عمر بن علي الشافعي المصري، المعروف بـ"سِرَاج
الدينِ ابنِ الْمُلَقِّنِ" (المتوفى: 804 هـ) _رحمه الله_ في
"التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (4/ 375):
"إن
ظاهره النهي عن الصلاة مع النعاس فقط، لا عدم الوضوء من النعاس الخفيف. إن مفهوم
تعليل النهي عن الصلاة معه بذهاب العقل المؤدي إلى أن يعكس الأمر، يريد أن يدعو
فيسب نفسه، أنه إذا لم يبلغ هذا المبلغ صلى به، أو أنه إذا بدأ به النعاس وهو في
النافلة يقتصر على إتمام ما هو فيه ولا يستأنف أخرى، فتماديه على حالته دال على أن
النعاس الكثير لا ينافي الطهارة، ويحتمل قطع
الصلاة التي هو فيها، إذ لا يستأنف غيرها."
وقال أبو حفص
عمر بن علي الشافعي المصري، المعروف بـ"سِرَاج
الدينِ ابنِ الْمُلَقِّنِ" (المتوفى: 804 هـ) _رحمه الله_ في
"التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (4/ 376_377):
"فيه:
الحث على الإقبال على الصلاة بخشوع وفراغ قلب ونشاط.
وأمر الناعس
بالنوم أو نحوه مما يذهب عنه النُعاس، وهذا عام في صلاة الفرض والنفل في الليل
والنهار، وهذا مذهب الشافعي والجمهور، لكن لا يخرج الفريضة عن وقتها، وحمله مالك
وجماعة كما قَالَ القاضي على نفل الليل؛ لأنها محل النوم غالبًا.
وقد ذكر - صلى
الله عليه وسلم - العلة، وهي [إبدال] الاستغفار بالسب، ومن صار في مثل هذِه الحالة
من ثقل النوم أدى إلى نقض طهارته وبطلان صلاته،___
وادعى
المهلب:
قيام الإجماع على بطلان طهارة وصلاة من انتهى إلى هذِه الحالة. قَالَ:
فأشبه من نهاه
الله عن مقاربة الصلاة في حال السكر بقوله تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ
وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]
على أنّ
الضَّحَّاك أَوَّلَ السكرَ بالنوم في الآية والأكثر على أنها نزلت في سكر الخمر.
وقد دل حديث
عائشة وأنس على أن من قد يقع منه ذَلِكَ، فقد حصل من فَقْدِ العقل في منزلةِ من لا
يعلم ما يقول، كما في السكر،
ومن كان كذلك
فلا تجوز صلاته، ودل القرآن على ما دلت عليه السنة، أنه لا ينبغي للمصلى أن يقرب
الصلاة مع شاغل يشغله عنها." اهـ
وقال عِيَاضُ
بْنُ مُوْسَى الْسَّبْتِيُّ، المعروف بـ"القاضي عياض
اليَحْصَبِيّ" (المتوفى: 544 هـ) _رَحِمَهُ اللهُ_ في "إِكْمَالِ
الْمُعْلِمِ بِفَوَائِدِ مُسْلِمٍ" (3/ 150_151):
"وقوله: (إذا
نعس أحدُكم فى الصلاة فليرقُد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلَّى وهو ناعسٌ
لعله يذهب يستغفِرُ فيسب نفسه) دليل على أنه لا يجب أن___يقرَبَ الصلاة من لا
يعقلها، ويؤديها على حقها، وأن يتفرغ من كل ما يشغل عن الخشوع فيها،
وقيل فى قوله
تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] أنه من
النوم، والحديث عام فى كل صلاة من الفرض والنفل، وحمله مالك على صلاة الليل."
اهـ
وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى:
676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (6/ 74):
"وَفِيهِ
الْحَثُّ عَلَى الْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ بِخُشُوعٍ وَفَرَاغِ قَلْبٍ
وَنَشَاطٍ وَفِيهِ أَمْرُ النَّاعِسِ بِالنَّوْمِ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يَذْهَبُ
عَنْهُ النُّعَاسُ،
وَهَذَا
عَامٌّ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ فِي الليل والنهار وهذا مذهبنا ومذهب
الجمهور لَكِنْ لَا يُخْرِجُ فَرِيضَةً عَنْ وَقْتِهَا. قَالَ الْقَاضِي
وَحَمَلَهُ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ عَلَى نَفْلِ اللَّيْلِ، لِأَنَّهُ مَحلُّ
النَّوْمِ غَالِبًا." اهـ
قال الحافظ أبو
الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى: 806 هـ) _رحمه الله_ في "طرح
التثريب في شرح التقريب" (3/ 90_91):
"ظَاهِرُ
لَفْظِ الْحَدِيثِ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ لَكِنَّ الْمَعْنَى
يَقْتَضِي أَنَّ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ
بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْقِيَامِ مِنْ اللَّيْلِ، إنَّمَا هُوَ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ النُّعَاسُ فِي
صَلَاةِ اللَّيْلِ دُونَ صَلَاةِ النَّهَارِ.
وَمَا خَرَجَ
مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْمَعْنَى
يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِصَلَاةِ النَّفْلِ لِجَوَازِ الْخُرُوجِ مِنْ
صَلَاةِ النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ مَالِكٍ
وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى صَلَاةِ___اللَّيْلِ،
لِأَنَّ الْغَالِبَ غَلَبَةُ النَّوْمِ إنَّمَا هِيَ فِي اللَّيْلِ،
وَحَكَى
النَّوَوِيُّ عَنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ عَامٌّ فِي
صَلَاةِ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في
"البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (16/ 206_207)
(المسألة
الثالثة): في فوائده:
1 - (منها):
الحث على الخشوع وحضور القلب في العبادة، وذلك لأن الناعس لا يحضر قلبه، والخشوع
إنما يكون بحضور القلب.
2 - (ومنها):
الأمر بقطع الصلاة عند غلبة النوم عليه، قال المهلَّب -رَحِمَهُ اللَّهُ-: إنما
هذا في صلاة الليل؛ لأن الفريضة ليست في أوقات النوم، ولا فيها من التطويل ما يوجب
ذلك.
ورُدّ عليه
بأن العبرة بعموم اللفظ، فيُعْمَل به أيضًا في الفرائض إن وقع ما أُمنَ بقاءُ
الوقت، أفاده في "الفتح" ["الفتح" 1/ 377].
وقال النوويُّ
-رَحِمَهُ اللَّهُ-: هذا عامّ في صلاة الفرض والنفل في الليل والنهار، وهذا
مذهبنا، ومذهب الجمهور، لكن لا يُخرِج فريضة عن وقتها، قال القاضي عياض: وحمله
مالك وجماعةٌ على نفل الليل؛ لأنه محلّ النوم غالبًا. انتهى ["شرح
النوويّ" 6/ 74].
3 - (ومنها):
بيان عدم انتقاض الوضوء بالنعاس، حيث إن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بيَّنَ سبب
الأمر بالانصراف، وهو الدعاء على نفسه، ولو كان النعاس ناقضًا للوضوء لعلَّل الأمر
بالنوم به.
4 - (ومنها):
الأخذ بالاحتياط؛ لأنه عَلَّل بأمر مُحْتَمِلٍ.
5 - (ومنها):
أن فيه جواز الدعاء في الصلاة من غير تعيين بشيء من الأدعية.___
6 - (ومنها):
ما قاله القرطبيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: الحديث نبّه في آخره على علّة الأمر
بالنوم، وهو أنه توقّع منه ما يكون منه من الغلط فيما يقرأ، أو يقول، ولم يجعل
علّة ذلك نقض طهارته، فدلّ على أن النوم ليس بحدث على ما تقدّم. انتهى ["المفهم"
2/ 415 - 416]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل." اهـ
وقال
أبو زرعة ولي الدين، ابن العراقي (المتوفى: 826 هـ) _رحمه الله_ في "طرح
التثريب في شرح التقريب" (3/ 91):
"مَحَلُّ
هَذَا الْأَمْرِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي فَرِيضَةٍ قَدْ
ضَاقَ وَقْتُهَا، فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ زَمَنٌ
يَسَعُ صَلَاةَ الْفَرْضِ فَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا كَذَا حَمَلَهُ عَلَى
ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَقَالَ: إنَّهُ يُصَلِّي عَلَى مَا أَمْكَنَهُ
وَيُجَاهِدُ نَفْسَهُ وَيُدَافِعُ النَّوْمَ جُهْدَهُ ثُمَّ إنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ
أَدَّاهَا وَعَقِلَهَا أَجْزَأَتْهُ وَإِلَّا أَعَادَهَا،
قَالَ
وَالِدِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي "شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ":
(وَمَا
ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي يَمْشِي عَلَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِنَا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ
مَا إذَا قُدِّمَ الطَّعَامُ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ قَدْرَ
الصَّلَاةِ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ يَأْكُلُ وَإِنْ خَرَجَ
الْوَقْتُ،
وَهُوَ قَوْلُ
أَهْلِ الظَّاهِرِ وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ
بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ لَا تُؤَدِّي إلَى حَالَةِ النَّاعِسِ الَّذِي لَا يَدْرِي
مَا يَقُولُ وَأَنَّ مَنْ أَدَّاهُ النُّعَاسُ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ لَا
يَسْتَمِرُّ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَلَا يُسْرِعُ فِيهَا حَتَّى يَكُونَ عَلَى
حَالَةٍ يَدْرِي أَنَّهُ أَتَى بِوَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ.
وَقَدْ رَوَى
ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ بِإِسْنَادِهِ إلَى الضَّحَّاكِ فِي
قَوْله تَعَالَى {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43]
قَالَ: "سُكْرُ النَّوْمِ."
قَالَ ابْنُ
عَبْدِ الْبَرِّ: "وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ ذَلِكَ غَيْرَ الضَّحَّاكِ."
قَالَ
وَالِدِي - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
"إلَّا
أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ لَا يَدْخُلُ
فِي الصَّلَاةِ فَمَنْ أَدَّاهُ غَلَبَةُ النَّوْمِ إلَى ذَلِكَ فَهُوَ مَنْهِيٌّ
عَنْ الدُّخُولِ فِيهَا وَمِنْ إتْمَامِهَا بَعْدَ الشُّرُوعِ حَتَّى يَعْلَمَ مَا
يَقُولُ)، انْتَهَى." اهـ
وقال
أبو زرعة ولي الدين، ابن العراقي (المتوفى: 826 هـ)
_رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (3/ 91_92):
"مَنْ
عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْوُقُوعِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ فَهُوَ
مُتَعَدٍّ بِالصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَجِنَايَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ
وَهَذَا إذَا كَانَ عَالِمًا___بِالنَّهْيِ." اهـ
وقال أبو زرعة ولي الدين، ابن العراقي (المتوفى: 826 هـ) _رحمه
الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (3/
92):
"أَمْرُهُ
بِالِاضْطِجَاعِ لِأَنَّهُ الْهَيْئَةُ الْمَحْمُودَةُ فِي النَّوْمِ
وَالْمَعْهُودَةُ غَالِبًا فَلَوْ اسْتَلْقَى أَوْ نَامَ قَاعِدًا حَصَلَ
الْغَرَضُ بِذَلِكَ." اهـ
وقال أبو زرعة ولي الدين، ابن العراقي (المتوفى: 826 هـ) _رحمه
الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (3/
92):
"اُسْتُدِلَّ
بِهِ عَلَى أَنَّ النُّعَاسَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَإِنَّهُ لَمْ يُعَلِّلْ
قَطْعَ صَلَاةِ النَّاعِسِ بِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ، وَإِنَّمَا عَلَّلَهُ
بِتَوَقُّعِ الْغَلَطِ مِنْهُ وَالنُّعَاسُ دُونَ النَّوْمِ وَحَقِيقَةُ النَّوْمِ
اسْتِرْخَاءُ الْبَدَنِ وَزَوَالُ الِاسْتِشْعَارِ وَخَفَاءُ الْكَلَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ
فِي النُّعَاسِ." اهـ
وقال أبو زرعة ولي الدين، ابن العراقي (المتوفى: 826 هـ) _رحمه
الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (3/
93):
"اسْتَدَلَّ
بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسُبَّ نَفْسَهُ."
اهـ
ملحق
الفوائد:
في هذا الحديث
الشريف فوائد تتعلّق بمقاصد العبادة وآدابها، وبمنهج الشريعة في التيسير، ورفع
الحرج، ومن أبرز فوائده ما يأتي:
1- اشتراط
حضور القلب في العبادة،
فالحديث يدل
على أن المقصود من الصلاة ليس مجرد الأداء الظاهري، بل حضور القلب والفهم لما
يُقال، لأن العبادة مع غياب الإدراك تفقد كمالها وربما صحتها.
2- النهي عن
الاستمرار في العبادة مع غلبة النعاس،
فأمر النبي _صلى
الله عليه وسلم_ بالنوم عند النعاس يدل على أن الاستمرار في العبادة مع غياب الوعي
غير مطلوب، بل قد يكون مذمومًا إذا أدى إلى خلل في القول أو القصد.
3- أن الشريعة
مبنية على اليسر لا على المشقة،
ففي الحديث
مظهر واضح من مظاهر رفع الحرج، حيث رخّص النبي _صلى الله عليه وسلم_ في النوم وترك القيام مؤقتًا حتى تزول العلة.
4- الخوف من
انقلاب الطاعة إلى معصية،
فقوله _صلى
الله عليه وسلم_: «لا يدري لعله يذهب يستغفر، فيسب نفسه» يدل على أن غياب الوعي قد
يجعل العبد يقصد الخير فيقع في الشر دون شعور.
5- العناية
بضبط اللسان في العبادة،
فالحديث يلفت
إلى خطورة التلفظ بالكلام غير المقصود في الصلاة أو الدعاء، مما يدل على وجوب
صيانة اللسان، خاصة في مقام العبادة.
6- أن كثرة
العمل ليست مقصودة لذاتها،
ففيه دليل على
أن العمل القليل مع حضور القلب خيرٌ من الكثير مع الغفلة، وهو أصل تربوي مهم في
السير إلى الله.
7- مشروعية
قطع النافلة لعذر، فالحديث يدل على جواز قطع صلاة النافلة إذا طرأ عذر معتبر كغلبة
النوم، دون إثم على العبد.
8- مراعاة حال
المكلَّف في التكليف،
ففي الحديث
بيان أن التكليف الشرعي مرتبط بالقدرة والانتباه، وأن الشارع يراعي حال الإنسان
النفسية والبدنية.
9- أن المقصود
من الدعاء هو القصد والمعنى،
فإذا كان
الداعي لا يدري ما يقول، فاتَ مقصودُ الدعاء، وفيه: تنبيه إلى أن الدعاء يحتاج إلى
وعي وخشوع.
10- سدّ
الذرائع المفضية إلى المحظور،
فأمْر النبي _صلى
الله عليه وسلم_ بالنوم قبل الوقوع في الخطأ من باب سدّ الذرائع، حتى لا ينجرّ
العبد إلى قول محرم وهو لا يشعر.
11- فقه النبي
_صلى الله عليه وسلم_ بالنفوس البشرية
الحديث يظهر
معرفة النبي _صلى الله عليه وسلم_ بطبيعة الإنسان، وما يعرض له من ضعف وفتور،
فجاءت التوجيهات موافقة للفطرة.
12- تربية للمسلم
على الاعتدال والاقتصاد في العبادة،
ففيه حث على
الاعتدال، وترك الإفراط الذي يؤدي إلى التعب والغفلة، وهو منهج نبوي متكامل.
13- أن النعاس
عذر شرعي معتبر،
فالحديث يدل على
أن النعاس المؤثر عذر يُرخّص بسببه في ترك بعض العبادات المؤقتة، كالقيام.
14- أن الخطأ
في الألفاظ قد يترتب عليه إثم،
فالتحذير من
سبّ النفس يدل على أن اللفظ غير المنضبط قد يوقع صاحبه في الإثم وإن لم يقصده.
15- كمال رحمة
النبي _صلى الله عليه وسلم_ بأمته
فهذا التوجيه
النبوي يدل على رحمته _صلى الله عليه وسلم_ بأمته، وحرصه على سلامة دينهم وعبادتهم من
الفساد.
هذا الحديث
أصل عظيم في مراعاة حضور القلب في العبادة، وبيان أن الشريعة قائمة على اليسر
والرحمة، وأن العبادة الصحيحة هي التي تُؤدّى بوعي وخشوع، لا مع الغفلة والتكلّف،
وفيه تربية على الاعتدال وحسن القصد في الطاعة.
[1] قال الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي
(المتوفى: 806 هـ) _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (3/ 89)
قَوْلُهُ
«إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ» يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا)
أَنَّ الْقِيَامَ هُنَا عَلَى بَابِهِ وَالْمُرَادُ الْقِيَامُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ
يَحْتَمِلُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِنْ لَمْ
يَشْرَعْ فِي الصَّلَاةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقِيَامُ لِلصَّلَاةِ
مَعَ الدُّخُولِ فِيهَا وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ
وَأَنَسٍ «إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ» .
(ثَانِيهِمَا)
أَنْ يُرَادَ بِالْقِيَامِ مِنْ اللَّيْلِ نَفْسُ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ
يُقَالُ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ قِيَامُ اللَّيْلِ." اهـ
Komentar
Posting Komentar