شرح الحديث 145 (باب الأقتصاد في الطاعة) من رياض الصالحين
|
[145] عن أَبي هريرةَ _رضي الله عنه_ : عن النَّبيّ
_صلى الله عليه وسلم_ قَالَ : «إنَّ
الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّيْنُ، إلا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا
وَقَارِبُوا وَأبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيءٍ
مِنَ الدُّلْجَةِ» . رواه البخاري.
وفي
رواية لَهُ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا،
وَشَيءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، القَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا» |
ترجمة
أبي هريرة الدوسي _رضي الله عنه_:
اختلف فِي
اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا،
فقيل:
اسمه عبد الرحمن بْن صخر بن ذي الشري بْن طريف بْن عيان بْن أَبي صعب بْن
هنية بْن سعد ابن ثعلبة بْن سليم بْن فهم بْن غنم بْن دوس بْن عدثان بن عَبد الله
بن زهران بن كعب بن الْحَارِثِ بْن كعب بْن عَبد اللَّهِ بن مالك ابن نصر بْن
الأزد.
وفي تهذيب
الكمال في أسماء الرجال (34/ 366_367) للمزي:
"ويُقال:
كَانَ اسمه فِي الجاهلية عبد شمس وكنيته أبو الأسود...وروي عَنْهُ أنه قال، إنما
كنيت بأبي هُرَيْرة أني وجدت أولاد هرة وحشية فحملتها فِي كمي، فقيل: ما هَذِهِ؟
فقلت: هرة، قِيلَ فأنت أَبُو هُرَيْرة."
وذكر أَبُو
القاسم الطبراني أن اسم أمه ميمونة بنت صبيح." اهـ
وفي تهذيب
الكمال في أسماء الرجال (34/ 377) :
"وَقَال
عَمْرو بْن علي: نزل المدينة، وكان مقدمه وإسلامه عام خيبر، وكانت خيبر فِي المحرم
سنة سبع."اهـ
وفي تهذيب
الكمال في أسماء الرجال (34/ 378)
قال سفيان بْن
عُيَيْنَة، عن هشام بْن عروة: مات أَبُو هُرَيْرة، وعائشة سنة سبع وخمسين.
وَقَال أَبُو
الحسن المدائني، وعلي ابن المديني، ويحيى بْن بكير، وخليفة بْن خياط، وعَمْرو بْن
علي: مات أَبُو هُرَيْرة سنة سبع وخمسين.
وفي "تاريخ
الإسلام" – ت. بشار (2/ 561) للذهبي:
"قَالَ
الْبُخَارِيُّ: رَوَى عَنْهُ: ثمان مائة رَجُلٌ أَوْ أكثر.
قلت:
روي لَهُ
نَحْو من خمسة آلاف حديث وثلاث مائة وسبعين (5370)
حديثًا. في الصحيحين منها ثلاث مائة وخمسة وعشرون حديثًا (325)، وانفرد
الْبُخَارِيُّ أيضًا لَهُ بثلاثة وتسعين (93)، ومسلم بمائة وتسعين (190)."
اهـ
نص
الحديث وشرحه:
عن أَبي
هريرةَ _رضي الله عنه_ :
عن النَّبيّ _صلى
الله عليه وسلم_ قَالَ :
«إنَّ
الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّيْنُ، إلا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا
وَقَارِبُوا وَأبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيءٍ مِنَ
الدُّلْجَةِ» . رواه البخاري.
وفي
رواية لَهُ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا،
وَشَيءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، القَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا»
وقال محمود بن
أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه
الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (2 / 132):
قوله: (ولن يشاد الدين) من المشادة وهي المغالبة،
من الشدة - بالشين المعجمة -،
ويقال: (شاده -
يشاده – مشادة)، إذا غالبه وقاواه. والمعنى: لا
يتعمق أحدكم في الدين، فيترك الرفق إلا غلب الدين عليه وعجز ذلك المتعمق وانقطع عن
عمله كله أو بعضه." اهـ
وقال محمود بن
أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه
الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (2 / 132):
"قوله: (فسددوا) من التسديد - بالسين المهملة - وهو التوفيق
للصواب، وهو السداد والقصد من القول والعمل،
و(رجل مسدَّدٌ)
إذا كان يعمل بالصواب والقصد
ويقال: معنى (سدِّدوا):
الزموا السداد، أي: الصواب من غير تفريط ولا إفراط." اهـ
وقال محمود بن
أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه
الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (1/ 237):
"(وقاربوا)
بِالْبَاء الْمُوَحدَة لَا بالنُّون، مَعْنَاهُ:
لَا تبلغوا النِّهَايَة بل تقربُوا مِنْهَا، يُقَال: رجل مقارب بِكَسْر الرَّاء:
وسط بَين الطَّرفَيْنِ. وَقَالَ التَّيْمِيّ: قاربوا إِمَّا أَن يكون مَعْنَاهُ:
قاربوا فِي الْعِبَادَة وَلَا تباعدوا فِيهَا، فَإِنَّكُم إِن باعدتم فِي ذَلِك لم
تبلغوه، وَإِمَّا أَن يكون مَعْنَاهُ ساعدوا." اهـ
وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى: 852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" –
مع تعليق ابن باز (1 / 95):
"قوله: (وأبشروا)، أي: بالثواب على العمل الدائم، وإن قل، والمراد: تبشير من عجز عن العمل بالأكمل، بأن العجز إذا
لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره." اهـ
وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى: 852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" –
مع تعليق ابن باز (1 / 95):
"وَهَذِهِ
الْأَوْقَاتُ أَطْيَبُ أَوْقَاتِ الْمُسَافِرِ وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاطَبَ مُسَافِرًا إِلَى مَقْصِدِ فَنَبَّهَهُ عَلَى
أَوْقَاتِ نَشَاطِهِ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا سَافَرَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ
جَمِيعًا عَجَزَ وَانْقَطَعَ وَإِذَا تَحَرَّى السَّيْرَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ
الْمُنَشِّطَةِ أَمْكَنَتْهُ الْمُدَاوَمَةُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ وَحُسْنُ
هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ أَنَّ الدُّنْيَا فِي الْحَقِيقَةِ دَارُ نُقْلَةٍ إِلَى
الْآخِرَةِ وَأَنَّ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِخُصُوصِهَا أَرْوَحُ مَا يَكُونُ فِيهَا
الْبدن لِلْعِبَادَة." اهـ
وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى: 852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" –
مع تعليق ابن باز (1/ 95):
"وَقَوله
فِي رِوَايَة بن أَبِي ذِئْبٍ: (الْقَصْدَ الْقَصْدَ)،
بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الْإِغْرَاءِ،
وَالْقَصْدُ: الْأَخْذُ بِالْأَمْرِ الْأَوْسَطِ." اهـ
وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى: 852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" –
مع تعليق ابن باز (1 / 95):
"ومناسبة
إيراد المصنف لهذا الحديث عقب الأحاديث التي قبله ظاهرة من حيث أنها تضمنت الترغيب
في القيام والصيام والجهاد،
فأراد أن يبين
أن الأولى للعامل بذلك أن لا يجهد نفسه بحيث يعجز
وينقطع، بل يعمل بتلطف وتدريج ليدوم عمله ولا ينقطع.
وقال عبد
الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم
الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_
في كتابه "فتح الباري" (1 / 140):
"قال
الحسن: (نفوسكم مطاياكم؛ فأصلحوا مطاياكم، تُبَلِّغْكُمْ إلى ربكم _عز وجل_)."
اهـ
المعنى
الإجمالي للحديث:
بين النبي ﷺ
في هذا الحديث العظيم أن دين الإسلام مبني على اليسر والسهولة، وأن الله لم يكلّف
عباده ما لا يُطيقون، فلا مشقة ولا تعسير ولا تكلف، بل أحكامه كلها قائمة على
العدل والرحمة والتخفيف.
ثم حذّر ﷺ من
المغالاة والتشدد في العبادة أو التكليف على النفس فوق الطاقة؛ لأن من يشادّ الدين
ويحمّل نفسه ما لا تحتمل سيغلبه الدين، فيترك العمل أو يملّ أو يقع في التقصير.
ثم يرشد ﷺ إلى
المنهج الصحيح في السير إلى الله السداد (وهو إصابة
الصواب قدر المستطاع)، والمقاربة (وهي بذل الجهد
للاقتراب من الكمال، إن لم يُمكن بلوغه)، البشارة
(وهي إدخال السرور على العامل بأن طريقه يُفضي إلى النجاح برحمة الله، العمل
المتدرج المنظم (وهو الاستعانة بأوقات النشاط أول النهار، وآخره، وشيئًا من الليل،
لأن العبادة فيها أثبت وأنفع).
وفي رواية:
«القصدَ القصدَ تبلُغوا»، أي: عليكم بالاعتدال والوسطية في الطاعات، فإن من حافظ
على العمل الوسط المستمر بلغ الغاية، ووصل إلى مرضاة الله.
فخلاصة معنى
الحديث:
أن دين الله
يسير، ولا يُنال بالكلفة والمشقة، بل بالاعتدال، والمداومة، والعمل المتوازن،
والإقبال على الله في أوقات النشاط، مع التفاؤل والبشارة.
تخريج
الحديث:
خرجه البخاري في
"صحيحه" (1/ 16) (رقم: 39)، والنسائي في "سننه" (8/ 121)
(رقم: 5034)، وابن حبان في "صحيحه" (2/ 63) (رقم: 351)، والقضاعي في "مسند
الشهاب" (2/ 104) (رقم: 976)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 27)
(رقم: 4741)، و"شعب الإيمان" (5/ 392) (رقم: 3598)، والبغوي في "شرح
السنة" (4/ 49) (رقم: 935).
صححه
الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 391) (رقم: 1246)، و"صحيح
الجامع الصغير وزيادته" (1/ 333) (رقم: 1611)
وأما
الرواية الثانية: فقد أخرجها البخاري في
"صحيحه" (8/ 98) (رقم: 6463)، وفي "الأدب المفرد" (ص: 163)
(رقم: 461)، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (4/ 84) (رقم: 2441)، وأحمد في
"مسنده" – ط. عالم الكتب (2/ 514 و 2/ 537) (رقم: 10677 و 10939)، والبيهقي
في "السنن الكبرى" (3/ 27) (رقم: 4740)، والبغوي في "شرح السنة"
(14/ 388) (رقم: 4192).
صححه
الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (6/ 195) (رقم: 2602)،
و"تخريج مشكاة المصابيح" (2/ 732) (رقم: 2371)، و"صحيح الجامع
الصغير وزيادته" (2/ 928) (رقم: 5229).
من فوائد
الحديث:
وقال محمود بن
أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه
الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (2 / 138):
"ومن
فوائده:
* الحض على
الرفق في العمل، لقوله _عليه الصلاة والسلام_: (اكلفوا من العمل ما تطيقون)
* وقال
الخطابي: هذا أمر بالاقتصاد وترك الحمل على النفس لأن الله تعالى إنما أوجب عليهم
وظائف من الطاعات في وقت دون وقت تيسيرا ورحمة.
* ومنها:
التنبيه على أوقات النشاط لأن الغدو والرواح والإدلاج أفضل أوقات المسافر وأوقات
نشاطه بل على الحقيقة الدنيا دار نقلة وطريق إلى الآخرة فنبه أمته أن يغتنموا
أوقات فرصتهم وفراغهم." اهـ
وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى: 852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" –
مع تعليق ابن باز (1/ 94):
"قال ابن
المنير:
في هذا الحديث
علم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع،
وليس المراد
منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدى إلى
الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يصلي الليل كله، ويغالب النوم إلى أن غلبته
عيناه في آخر الليل، فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار،
أو إلى أن طلعت الشمس، فخرج وقت الفريضة." اهـ
وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى: 852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" –
مع تعليق ابن باز (1/ 94_95):
وقد يستفاد من
هذا: الإشارةُ إلى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة
تنطع، كمن___يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء، فيفضي به استعماله إلى حصول
الضرر." اهـ
وقال أبو
الحسن علي بن خلف البكري، المعروف بـ"ابن بطَّال
القرطبي" (المتوفى: 449 هـ) _رحمه الله_ في "شرح صحيح البخاري"
(1 / 97):
"فشُبِّهَ
الإنسان فى الدنيا بالمسافر، وكذلك هو على الحقيقة؛ لأن الدنيا دار نُقْلة وطريق
إلى الآخرة، فنبّه أمته أن يغتنموا أوقات فرصتهم وفراغهم، والله الموفق." اهـ
وقال عبد الرؤوف بن تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ" (المتوفى: 1031 هـ) _رحمه الله
في "فيض القدير" (1 / 497):
"قال
القاضي:
أخبرهم بعد
الأمر بذلك أنهم لا يقدرون على إيفاء حقه والبلوغ إلى غايته، لئلا يغفلوا عنه،
فكأنه يقول لا تتكلفوا على ما تأتون به ولا تيأسوا من رحمة الله ربكم فيما تذرون
عجزا وقصورا لا تقصيرا." اهـ
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (المتوفى:
1376 هـ) _رحمه الله_ في "بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع
الأخبار" (1 / 111):
"وهذا من
أكبر الأدلة على رحمة الله بعباده بهذا الدين الذي هو مادة السعادة الأبدية، إذ
نصبه لعباده، وأوضحه على ألسنة رسله، وجعله ميسرا سهلا، وأعان عليه من كل وجه،
ولطف بالعاملين، وحفظهم من القواطع والعوائق." اهـ
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (المتوفى:
1376 هـ) _رحمه الله_ في "بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع
الأخبار" (1 / 111_112):
"فعلمتَ
بهذا: أنه يؤخذ من هذا الحديث العظيم عدة قواعد .
القاعدة
الأولى: التيسير الشامل للشريعة على وجه العموم .___
القاعدة
الثانية: المشقة تجلب التيسير وقت حصولها .
القاعدة
الثالثة: إذا أمرتكم بأمر، فائتوا منه ما استطعتم .
القاعدة
الرابعة: تنشيط أهل الأعمال، وتبشيرهم بالخير والثواب المرتب على الأعمال .
القاعدة
الخامسة: الوصية الجامعة في كيفية السير والسلوك إلى الله، التي تغني عن كل شيء
ولا يغني عنها شيء.
فصلوات الله
وسلامه على من أوتي جوامع الكلم ونوافعها." اهـ
وقال أبو
الحسن علي بن خلف البكري، المعروف بـ"ابن بطَّال
القرطبي" (المتوفى: 449 هـ) _رحمه الله_ في "شرح صحيح البخاري"
(3/ 144_145):
إنما يكره
التشديد فى العبادة خشية الفتور وخوف الملل، ألا ترى قوله: ( خير العمل ما دام
عليه صاحبه، وإن قل)
وقد قال _تعالى_:
(لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) [ البقرة : 286 ]
وقال _تعالى_:
( وما جعل_عليكم فى الدين من حرج ) [ الحج : 78 ]
فكَرِهَ _صلى
الله عليه وسلم_ الإفراط فى العبادة، لئلا ينقطع عنها المرء فيكون كأنه رجوع فيما
بذله من نفسه لله _تعالى_ وتطوع به." اهـ
وقال علي بن سلطان، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى:
1014 هـ) _رحمه الله_ في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة
المصابيح" (4/ 359):
"والحاصل
أن سالك طريق الآخرة ينبغي أن يجتهد في العبادة من الصلاة وغيرها بقدر الطاقة
ويختار سبيل الاقتصاد في الطاعة ويحترز عن السلوك على وجه السآمة والملالة فإن
الله لا ينبغي أن يناجي عن ملالة وكسالة وإذا فتر وضعف قعد عن القيام واشتغل بنوع
من المباحات من الكلام والمنام على قصد حصول النشاط في العبادة فإنه يعد طاعة وإن
كان من أمور العادة ولذا قيل نوم العالم عبادة." اهـ
وقال أبوْ
الْفَرَجِ عبد الرحمن بن علي الدمشقي، المعروف بـ"ابن
الجوزيِّ" (المتوفى: 597 هـ) _رحمه الله_ في "تلبيس إبليس"
(1 / 173):
"وقد لبَّس
إبليس على جماعة من المتعبدين،
فأكثروا من
صلاة الليل، وفيهم من يسهَره كله، ويفرح بقيام الليل، وصلاة الضحى أكثرَ مما يفرح
بأداء الفرائض.
ثم يقع قبيل
الفجر، فتفوته الفريضة أو يقوم فيتهيأ لها فتفوته الجماعة أو يصبح كسلان، فلا يقدر
على الكسب لعائلته.
ولقد رأيت
شيخا من المتعبدين يقال له "حسين القزويني"
يمشي كثيرا من النهار في جامع المنصور فسألت عن سبب مشيه، فقيل لي: "لئلا
ينام." فقلت: "هذا جهل بمقتضى الشرع والعقل." اهـ
وقال أبو محمد
عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم
بن الحسن السلمي الدمشقي، الملقب بـ"سلطان العلماء" (المتوفى: 660 هـ)
_رحمه الله_ في "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" (2 / 210):
ومن تكلف من
العبادة ما لا يطيقه، فقد تسبب إلى تبغيض عبادة الله، ومن قصر عما يطيقه، فقد ضيع
حظه مما ندبه الله إليه وحثه عليه،
قد نهى رسول
الله _صلى الله عليه وسلم_ عن التنطع في الدين، وقد هلك المتنطعون، وأنكر على عبد
الله بن عمرو بن العاص التزامَه قيام الليل، وصيام النهار، واجتناب النساء."
اهـ
ملحق
الفوائد:
إليك فوائد
عديدة من هذا الحديث العظيم:
1. فيه: أن
أصل الدين مبني على اليُسْرِ،
فالإسلام لا
يقوم على الصعوبة ولا على التكاليف الشاقة، بل على الرحمة والتخفيف؛ لأن الشارع
الحكيم أراد لعباده الخير، فشرع لهم ما يُطيقون.
2. فيه: تحذير
من التشدد والمغالاة في العبادة
فقوله ﷺ: «ولن
يُشادّ الدينَ إلا غلبه» يدل على خطورة تحميل النفس فوق طاقتها، لأن المتشدد سَرْعان
ما ينهار ويترك العمل أو ينقطع عنه.
3. فيه: أن الوسطية
طريق الوصول إلى الله _تعالى_،
فقوله: «سددوا
وقاربوا» يرشد إلى أن الطريق الأمثل هو الاعتدال؛ السداد هو إصابة الحق، والمقاربة
هي بذل جهد يقترب من الصواب عند العجز عن الكمال.
4. فيه: أن
الكمال مطلوب، لكن بحسب القدرة،
فالشرع يفتح
للعبد بابَ السداد، فإن عجز، فباب المقاربة، فلا يُكلف الإنسان أن يكون مثالياً،
بل يعمل بما يستطيع.
5. فيه: البشرى
للعاملين بطاعة الله،
ففي قوله ﷺ:
«وأبشروا» فتح باب الرجاء، وأن من سار في طريق الله بإخلاص واعتدال فَلْيَبْشَرْ
بالخير والقبول.
6. فيه: أهمية
تنظيم الوقت في العبادة،
فقوله:
«واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» دليل على أن تقسيم الأعمال على فترات النشاط
أنفع للعبد من تكثيف الأعمال دفعة واحدة.
7. فيه: إشارة
إلى أن النفس لها حقوق يجب مراعاتها،
فالنبي ﷺ أشار
إلى مراعاة الطاقة البشرية، لأن النفس تملّ وتضعف، فلا تُلزَم بما لا تستمر عليه.
8. فيه: أن استمرار
العمل القليل خير من الكثير المنقطع،
فالاعتدال
يورث المداومة، والمداومة أحب إلى الله من العمل الكثير المتقطع، وهذا معنى:
«القصد القصد تبلغوا».
9. في الحديث:
بيان حكمة الشريعة،
فالتكاليف
الشرعية قائمة على التدرج، والرفق، ورفع الحرج، وهذا من دلائل رحمة الله بهذه
الأمة.
10. فيه: أن
اليُسر لا يعني التفريط،
فكما أن
التشدد مذموم، كذلك التفريط وترك الواجبات مذموم. والمطلوب:
السداد والمقاربة، أي: الالتزام بلا غلو ولا جفاء.
11. فيه: فضل
اغتنام الأوقات المباركة،
فالغدوة (أول
النهار)، والروحة (آخر النهار)، والدلجة (آخر الليل) أوقاتُ صفاءٍ وقوَّةٍ، والعمل
فيها أنفع وأثبت وأقرب للقبول.
12. فيه: تربية
النفس على التدرج في الطاعة،
فالدين يُؤخَذ
خطوة بخطوة، واليوم بعد يوم، حتى يصير العمل مستمرا، ولا يشق على صاحبه.
13. فيه: تحريض
على إحسان العمل، لا مجرد الإقبال عليه،
فقوله: «سددوا»
فيها حث على تحري الصواب وصحة العبادة، لا مجرد الإكثار منها، بلا فهم ولا ضبط.
14. فيه: أن
من علامات فقه العبد ترْكَ التكلف،
فالمُشَادّة
في الدين ناتجة غالبًا عن قلة الفقه، أما العالم، فيعرف حدود الطاقة، فلا
يتجاوزها.
15. فيه: أن
العمل المقبول هو ما كان معتدلا ونابعًا من قلب مطمئن
Komentar
Posting Komentar