شرح الحديث 109 (باب التيمم) من بلوغ البمرام

 

109 - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا_، قَالَ:

"بَعَثَنِي النَّبِيُّ _صلى الله عليه وسلم_ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ،

ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ:

(إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ)." مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

 

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ:

"وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ."

 

ترجمة عمار بن ياسر _رضي الله عنه_:

 

الأعلام للزركلي (5/ 36)

عَمَّار بن ياسِر

(57 ق هـ - 37 هـ = 567 - 657 م)

عمار بن ياسر بن عامر الكناني المذحجي العنسيّ القحطاني، أبو اليقظان: صحابي، من الولاة الشجعان ذوي الرأي.

وهو أحد السابقين إلى الإسلام والجهر به. هاجر إلى المدينة، وشهد بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان.

وكان النبي صلّى الله عليه وسلم يلقبه " الطيب المطيَّب " وفي الحديث: ما خير عمار بين أمرين إلا أختار أرشدهما.

وهو أول من بنى مسجدا في الإسلام (بناه في المدينة وسماه قباء) وولاه عمر الكوفة، فأقام زمنا وعزله عنها. وشهد الجمل وصفين مع علي. وقتل في الثانية، وعمره ثلاث وتسعون سنة. له 62 حديثا.

 

نص الحديث وشرحه:

 

وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا_، قَالَ:

"بَعَثَنِي النَّبِيُّ _صلى الله عليه وسلم_ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ،

ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ:

(إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ)." مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ:

"وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ."

 

قال الله _تعالى_:

{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43]

 

وقال _تعالى_:

{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]


وفي "صحيح البخاري" (1/ 77)

عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]

فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ المَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا؟ قَالَ: نَعَمْ،

فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ:

«إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا، فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ»

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

بين هذا الحديث أصلًا عظيمًا من أصول الشريعة، وهو أن الله _تعالى_ شرع التيمم تيسيرًا على العباد عند فقد الماء أو العجز عن استعماله، وأن الطهارة البديلة تقوم مقام الوضوء والغُسل عند الحاجة، على وجهٍ يسيرٍ غير متكلف.

 

فقد اجتهد عمار بن ياسر _رضي الله عنه_ حين أجنب، ولم يجد الماء، فقاس التيمم على الاغتسال، فتمرغ في التراب،

فبيّن له النبي _صلى الله عليه وسلم_ أن هذا الاجتهاد غير مطلوب، وأن المشروع في التيمم ضربة واحدة باليدين على الصعيد الطيب، ثم مسح الوجه والكفين، بلا غلوّ ولا مشقة.

 

وفي الحديث دلالة على يسر الشريعة ورفع الحرج، وأن العبادة تُؤدّى على وفق ما شرعه الله ورسوله، لا على مجرد الرأي والاجتهاد، مهما حسنت النية. كما يدل على أن الخطأ في الاجتهاد مع حسن القصد يُعلَّم ويُصحَّح بلطف، دون تعنيف، وأن العبرة باتباع السنة لا بالمبالغة في العمل.

 

فالحديث يجمع بين بيان الحكم الشرعي، والتربية على الاتباع، والتنبيه إلى أن الدين مبناه على التيسير والاعتدال، لا على التكلف والمشقة.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري (1/ 75 و 1/ 77) (رقم: 338 و 347)، ومسلم (1/ 280/ 110_112) (رقم: 368)، وأبو داود (1/ 87_89) (رقم: 321_326)، والنسائي (1/ 165 و 1/ 169 و 1/ 170) (رقم: 312 و 317 و 320)، وابن ماجه (1/ 188) (رقم: 569)

 

من فوائد الحديث:

 

قال عبد الله بن عبد الرحمن البسام _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 417_418):

"ما يؤخذ من الحديث:

1 - مشروعيَّةُ التيمُّم للصلاة، وغيرها من العبادات الواجب لها الطهارةُ؛ فالتيمُّم أحدُ الطهورَيْن المشروعَيْن.

2 - بيانُ صفة التيمُّم، وهو أنْ يضرب الأرض بيديه ضربةً، فيمسح وجهه بباطن كفيه، ويمسح كلَّ ظاهر يدٍ بالأخرى، سواءٌ في الحدث الأصغر أو الأكبر، فصفته واحدة.

3 - جوازُ تخفيف الغبارِ الكثيرِ العالقِ باليدين من ضرب الأرض بالنفخ، ثمَّ مسح الوجه والكفين بهما، ولا يتعدَّاهما إلى الذراعين.

4 - أنَّ التيمُّم ضربةٌ واحدة تكفي للوجه واليدين.

5 - جوازُ الاجتهاد في مسائل العلم، حتَّى في زمن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وهي مسألة خلافيَّةٌ بين الأصوليين، وأرجَحُ الأقوال الثلاثة: جوازه في غيبة النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، والبُعْدِ عن سؤاله.

6 - فيه استعمالُ أصل القياس، وإقرارُ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- صاحبه، فهذا عمّارٌ قاس التطهُّر بالتراب على التطهُّر بالماء، فكما أنَّ الماء يَعُمُّ البدنَ في الغسل من الجنابة، فكذلك يقاسُ عليه الترابُ، فيعمّم به البدن.

وحكى ابن الملقِّن عن تقي الدِّين فقال:

استعمالُ القياس لابد فيه من تقدَّم العلم بمشروعيَّة التيمُّم، وكأنَّ عمَّارا لمَّا رأى الوضوءَ خاصٌّ ببعض___الأعضاء، وكان بدله -وهو التيمم- خاصًّا، وجب أنْ يكون بَدَلُ الغُسْلِ الذي يَعُمُّ جميعَ البدن، عامًّا لجميع البدن.

7 - النَّبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر عمَّارًا بالإعادة؛ فدل هذا على أنَّ مَنْ عَبَدَ الله على طريق غير مشروعة جهلاً، فإنَّه يعلَّم لمستقبل أمره، ولا يُؤْمَرُ بقضاء ما فاته في أيَّام جهله، ولهذه المسألة أدلَّةٌ كثيرة في الشرع، منها هذا، ومنها: قصَّة الرجل المسيء في صلاته.

قال شيخ الإسلام:

وما تركه لجهله بالواجب، مثلُ مَنْ كان يصلِّي بلا طمأنينة، فالصحيحُ: أنَّ مِثْلَ هذا لا إعادةَ عليه، إذا خرَجَ وقت العبادة، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للمسيء في صلاته: "اذهب فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ" [رواه البخاري (724)، ومسلم (397)].

8 - التعليمُ بالقول والفعل يكونُ بتمثيل المطلوب تعلُّمه، وهو ما يسمَّى الآن "وسائل الإيضاح".

9 - سماحةُ هذه الشريعة ويُسْرُها؛ كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].

10 - فيه مراجعة العلماء فيما حَصَلَ به الاجتهاد؛ فإنَّ عمَّارًا راجَعَ فيما اجتهد فيه." اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (8/ 463_467):

"في فوائده:

1 - (منها): مشروعيّة التيمّم للجنب، وبه قال العلماء كافّة، إلا ما حُكي___عن عمر وابن مسعود، وإبراهيم النخعيّ، وقيل: إن الأوَّلَيْنِ رَجَعَا، وقد تقدّم تحقيق القول في هذا قريبًا.

2 - (ومنها): مشروعيّة الضرب باليدين على الصعيد.

3 - (ومنها): أنه دليل للمذهب الصحيح، وهو الاكتفاء بضربة واحدة للوجه واليدين، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.

4 - (ومنها): أن فيه دلالة على أنه يكفي المسح على الكفّين، ولهذا خاطبه بلفظ: "إنما"؛ ليحصر القدر المطلوب فيه،

وسيأتي تحقيقه أيضًا - إن شاء الله تعالى -.

5 - (ومنها): أن فيه أن من أُرسل في أمر عظيم ينبغي أن يتحفّظ، ولا يُشْهِر ما أُرسل فيه إذا رأى ذلك مصلحة، ويفعل كما فَعَل عمّار حيث لم يصرّح بالحاجة ما هي؟ .

6 - (ومنها): أن المتأوّل المجتهد لا إعادة عليه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر عمّارًا بالإعادة، وإن كان قد أخطأ في اجتهاده؛ لأنه إنما ترك هيئة الطهارة، قاله ابن الملقّن، وهو محلّ نظر؛ فليُتأمّل.

7 - (ومنها): جواز الاجتهاد في حياته - صلى الله عليه وسلم -، فإن عمّارًا - رضي الله عنه - اجتهد في صفة التيمّم، وقد اختُلف فيه، والأصحّ جوازه مطلقًا، وقيل: لا يجوز مطلقًا، وقيل: يجوز للغائب من حضرته، ولا يجوز لمن فيها [راجع: "شرح النوويّ" 4/ 63].

8 - (ومنها): أن تقديمه في هذه الرواية مسح اليدين على الوجه يدلّ على عدم وجوب الترتيب في التيمّم.

9 - (ومنها): جواز التيمّم بالمستعمل، حيث مسح وجهه بما مسح به كفّيه، وفيه خلاف، والأرجح الجواز؛ لما ذكرنا.

قال الإمام ابن حبّان رحمه اللهُ في "صحيحه" بعد إخراج الحديث، ما نصّه:

(في تعليم المصطفى - صلى الله عليه وسلم - التيمّمَ، والاكتفاءُ فيه بضربة واحدة للوجه والكفّين أبينُ البيان بأن المؤدَّى به الفرض مرّةً، جائزٌ أن يؤدّى به الفرض ثانيًا،

وذلك أن___المتيمّم عليه الفرضُ أن يُمِّم وجهه وكفّيه جميعًا، فلما أجاز - صلى الله عليه وسلم - أداء الفرض في التيمّم لكفّيه بفضل ما أدَّى به فرضَ وجهه، صحّ أن التراب المؤدَّى به الفرض بعضو واحد، جائزٌ أن يؤدَّى به فرض العضو الثاني به مرّةً أخرى،

ولَمّا صحّ ذلك في التيمّم، صحّ ذلك في الوضوء سواءً). انتهى كلام ابن حبّان رَحمه اللهُ ["الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" 4/ 81]

10 - (ومنها): أن من فعل ما أُمر به بزيادة أنه يصحّ؛ لأن عمّارًا - رضي الله عنه - تمرّغ، فاكتفى بالتمرّغ من مسح كفّيه، ووجهه؛ لاندراج أعضاء التيمّم في التمرّغ.

11 - (ومنها): أنه يُستفاد منه مراجعة أهل العلم فيما اجتهد فيه، فإن عمّارًا - رضي الله عنه - راجع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فيما اجتهد فيه.

12 - (ومنها): أن العلماء ينبغي لهم بيان وجه الصواب لمن راجعهم دون تعنيف وتوبيخ بخطئه.

13 - (ومنها): أن فيه البيان بالفعل؛ لأنه أبلغ من القول في التفهيم، كما بيّن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لعمّار بالفعل.

14 - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد رحمه اللهُ:

"قوله: (فتمرّغت في الصعيد كما تمرّغ الدابّة)، كأنه استعمالٌ لقياس، لا بُدّ فيه من تقدّم العلم بمشروعيّة التيمّم، وكأن عمّارًا لَمّا رأى أن الوضوء خاصّ ببعض الأعضاء، وكان بدله، وهو التيمّم خاصًّا، وجب أن يكون بدل الغسل الذي يعمّ جميع البدن عامًّا لجميع البدن.

وقال أبو محمد بن حزم الظاهريّ:

"في هذا الحديث إبطال القياس؛ لأن عمّارًا قدّر أن للمسكوت عنه من التيمّم للجنابة حكم الغسل للجنابة؛ إذ هو بدل منه، فأبطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك، وأعلمه أن لكل شيء حكمه المنصوص عليه فقط."

والجواب عما قال: أن الحديث دلّ على بطلان هذا القياس الخاصّ، ولا يلزم من بطلان الخاصّ بطلانُ العامّ، والقائسون لا يعتقدون صحّة كلّ قياس،___ثم في هذا القياس شيء آخر، وهو أن الأصل الذي هو الوضوء قد أُلغي فيه مساواة البدل له، فإن التيمّم لا يعمّ جميع أعضاء الوضوء، وصار مساواة البدل للأصل مُلْغًى في محلّ النصّ، وذلك لا يقتضي المساواة في الفرع.

بل لقائل أن يقول:

قد يكون الحديث دليلًا على صحّة أصل القياس، فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما كان يكفيك كذا وكذا" يدلّ على أنه لو كان فَعَلَهُ لكفاه،

وذلك دليلٌ على صحّة قولنا: لو كان فعله لكان مصيبًا، ولو كان فَعَلَه لكان قائسًا للتيمّم للجنابة على التيمّم للوضوء، على تقدير أن يكون اللمس المذكور في الآية ليس هو الجماعَ؛ لأنه لو كان عند عمّار هو الجماعَ لكان حكم التيمّم مبيّنًا في الآية، فلم يكن يحتاج إلى أن يتمرّغ، فإذن فعله ذلك يتضمّن اعتقاد كونه ليس عاملًا بالنصّ؛ بل بالقياس، وحكم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بأنه كان يكفيه التيمّم على الصورة المذكورة، مع ما بيّنّا من كونه لو فَعَل ذلك لفعله بالقياس عنده لا بالنصّ. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه اللهُ ["إحكام الأحكام" 1/ 431 - 432 بنسخة الحاشية].

وكتب الصنعانيّ رحمه اللهُ على قوله: "فإذن فعله ذلك ... إلخ"، ما نصّه: أقول: تمرّغه قد يتضمّن أنه فعله اعتمادًا على القياس؛ إذ لو عَمِل بالنصّ لما جاز أعضاء التيمّم؛ لأن النصّ قد بيّن كمّيّة الأعضاء التي تُطهَّر بالتراب في جنابة ووضوء، فلمّا تمرّغ دلّ على أنه قاس الجنابة على الحدث الأصغر في أنه يرفعها التراب كما يرفعه، وألحق التراب بالماء في عموم البدل، فأقرّ - صلى الله عليه وسلم - القياس الأول، ونفى الثاني.

ويَحْتَمِل أنه قد عَلِم الحكم، وهو أن التراب يرفع الجنابة من الآية، وحَمَل الملامسة على الجماع، وحَمَل قوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] على أنه بيان لكمّيّة الأعضاء في تيمّم الوضوء وكيفيّته، وأنه أُحيل بيان كيفيّته وكمّيّته عن الجنابة على القياس على الماء، فَعَمَّ بالتمرّغ البدن قياسًا للتراب على الماء بجامع أنه يطهّر مثله، فأبطل - صلى الله عليه وسلم - هذا القياس، وأبان له أن الحكم في ذلك في الوضوء والغسل واحدٌ، وأن النصّ قد شَمِلَ الأمرين، وأنه أخطأ في القياس مع وجود النصّ، وعلى كلّ تقدير لم تتمّ لأبي محمد الحجة___بالحديث على بطلان القياس من حيث هو، وإبطاله - صلى الله عليه وسلم - له ليس إلا لاختلاله، والمفهوم اعتباره كما سبقت الإشارة إليه. انتهى كلام الصنعاني رَحمه اللهُ ["العدّة حاشية العمدة" 1/ 432 - 433]، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

 

وقال العثيمين _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 361_363):

"ففي هذا الحديث فوائد:

منها: جواز بعث الغير في جاجة، فإن كانت دعوة أو كتابا أو ما أشبه ذلك فهي عبادة، وإن كانت خاصة فهي جائزة، وهذا لا ينافي كراهة السؤال - أي: سؤال الغير- لأنك إذا علمت أن الغير بفرح إذا كلفته بشيء فإن المنة تكون منك عليه، وليس منه عليك.

* ومن فوائد هذا الحديث: جواز التصريح بما يستحيا منه عند الحاجة، لقوله: "فأجنبت" وهذا قد يستحي منه الإنسان، لكن إذا كان لحاجة كبيان حكم شرعي، فإنه لا بأس به، وقد يكون واجبا.

ومن فوائده: أنه لا يجوز التيمم مع وجود الماء لقوله: "فلم أجد الماء"، وهذا كإقامة الدليل على جواز التيمم.

ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز التيمم مع وجود الماء لقوله: "فلم أجد الماء"، وهذا كإقامة الدليل على جواز التيمم.

ومن فوائد هذا الحديث: أن مقتضى القياس مساواة الفرع للأصل، وجهه: أنه قال الطهارة بالتراب على الطهارة بالماء فتمرغ.

ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز العمل بالقياس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه مشروط بما إذا لم يتمكن من الوصول إلى النص، فإن تمكن لم يصح القياس، أما إذا لم يتمكن فلا بأس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه.

ومن فوائده: أنه لا قياس مع النص؛ لأن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أبطل قياس عمار بن ياسر رضي الله عنه.

ومن فوائده: أن من اجتهد، فاخطأ، فإنه لا يؤمر بالإعادة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر عمارا بإعادة ما سبق من الصلاة، ولو أمره لنقل لأهميته، لا يقال: إن عدم النقل ليس نقلا للعدم؛ لأنا نقول هذا مهم، وإاذ كان عمار رضي الله عنه ذكر صفة التيمم، فكيف لا يذكر إعادة الصلاة لو كان الرسول أمره بها مع أنها أهم؟

وعلى هذا؛ فإذا اجتهد الإنسان اجتهادا بلا تفريط وأخطأ؛ فإنه لا إعادة عليه، وهذا له شواهد وله أصول منها: المرأة التي كانت تستحاض حيضة شديدة ولا تصلي، فلم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة لأنها بنت على الأصل، وهو أن الأصل في الدم أنه حيض، ولا تصلي الحائض، أما إذا كان مجرد حرص غير مبني على أصل أو كان هناك تفريط فإن عليه الإعادة.

من التفريط مثلا لو اجتهد في القبلة وهو في البلد يمكنه أن يسأل ويتيقن؛ فإن عليه الإعادة؛ لأنه قادر على تصحيح الاتجاه، أما إذا لم يكن تفريط فلا إعادة.___

ومن فوائد هذا الحديث: أن محل التطهير في التيمم عضوان فقط، وهما: الوجه واليدان، وهما أشرف الأعضاء بالنسبة للوجه فالوجه أشرف من الرأسى، واليدان أشرف من الرجلين، ولهذا كفى بالتعبد أن يلوث الإنسان وجهه ويديه بالتراب، فصارت الطهارة بالتيمم مقصورة على عضورين فقط هما أشرف أعضاء الوضوء: الوجه واليدان.

ومن فوائد هذا الحديث: أن طهارة الوضوء وطهارة التيمم في الجنابة سواء، يعني من فوائده: أن الحدث الأصغر والأكبر سواء في طهارة التيمم بخلاف الماء.

ومن فوائد الحديث: أنه لا يكرر المسح في التيمم؛ لأن حديث عمار ليس فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كرر، قال العلماء: وهكذا كل ممسوح فإن تكرار مسحه مكروه؛ لأن فيه نوع مضادة للحكم الشرعي، إذ إن الشارع إنما جعل تطهيره بالمسح تخفيفا فتكراره تقيل، فيكون فيه نوع مضادة، وعلى هذا كل شيء يمسح فتكرار مسحه مكروه، الرأس يكره تكرار المسح، الخفان يكره تكرار مسحهما، الجبيرة يكره تكرار مسحها، التيمم يكره فيه التكرار.

ومن فوائد هذا الحديث: أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين؛ لأن عمارا لم يذكر إلا ضربة واحدة، وأكدها فقال: "ضربة واحدة".

هل يستفاد منه: أن ما استعمل في الطهارة لا يكون طاهرا غير مطهر؟ ربما يستفاد من ذلك أن المستعمل بالطهارة لا يكون طاهرا غير مطهر؛ لأن الحديث ظاهره أن الرسول مسح الوجه، ومسح الكفين كليهما، أما الفقهاء الذين يرون أن التيمم المستعمل لا يجوز التطهير به، فيقولون: يمسح الوجه بالأصابع، ثم يمسح الكفين براحة اليد، ولا شك أن هذا تكلف لم تأت به السنة.

فإما أن يقال: إنه يستفاد منه أن الطهور المستعمل في طهارة واجبة لا ينتقل من الطهورية إلى الطهارة، وإما أن يقال: إن طهارة التيمم يراعى فيها التخفيف، على أن الأصل الذي ذكرناه على القول الراجح لا ينتقل فيه الماء من الطهرية إلى الطهارة، وأن الماء المستعمل في رفع الحدث طهور مطهر.

ومن فوائد هذا الحديث: وجوب استيعاب الوجه في مسح التيمم لقوله: "ووجهه"، وبه نعرف تقصير بعض العوام الذين إذا تيمموا يمسحون وسط الوجه فقط، والواجب أن يمسح الوجه كله من منحى الجبهة إلى أسفل اللحية، ومن الأذن إلى الأذن؛ لقوله: "وجهه".

ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية النفخ بعد الضرب، لكن نقول: إن هذا مقيد بما إذا علق بهما تراب كثير.

ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الترتيب في التيمم سواء كان عن جنابة أو كان عن حدث___أصغر،

ولكن الفقهاء - رحمهم الله- يقولون: إن تيمم عن حدث أصغر، وجب الترتيب، وإن تيمم عن حدث أكبر لم يجب الترتيب،

لكن ظاهر الأدلة وجوب الترتيب مطلقا، ولا يصح أن يقاس على طهارة الماء؛ لمخالفته لطهارة الماء في أصول كثيرة، فالصواب: وجوب الترتيب.

لكن هل يسقط الترتيب بالجهل والنسيان؟ الظاهر هذا، أن الترتيب يسقط بالجهل والنسيان في كل شيء.

إذا قال قائل: من أين لكم وجوب الترتيب؟

قلنا: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أبدأ بما بدأ الله به". هكذا أخرجه مسلم، وفي رواية في السنن، قال: "ابدءوا بما بدأ الله به".

فإن قال قائل: وهل يجوز التيمم على غير الأرض كالتيمم على البساط ونحوه؟

فالجواب: إن كان فيه تراب جاز ذلك؛ لأن التراب الذي فيه جزء من الأرض وإن لم يكن فيه تراب فالظاهر أنه لا يجوز.

فإن قال قائل: إذا لم يكن عنده في المكان إلا هذا الفراش النظيف؟

نقول: يسقط عنه التيمم لعدم وجود الماء وعدم وجود التراب.

ومن فوائد هذا الحديث - حديث عمار-: أنه يجوز للجن التيمم كما يجوز للمحدث حدثا أصغر؛ لأن قضية عمار هي تيمم في الجنابة، وهذا أجمع العلماء عليه بعد أن كان فيه الحلاف قديما، وممن خالف فيد قديما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه خالف في ذلك، وقال: إن على الجنب أن ينتظر حتى يجد الماء، ثم يغتسل، وناظره عمار في ذلك؛ لأن عمر كان مع عمار حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم وذكره هذا - ذكر عمار عمر هذه القضية- ثم قال له: يا أمير المؤمنين، إن شئت بما جعل الله لك علي من الطاعة ألا أحدث به، قال: لا، حدث نوليك ما توليت، فحدث به، فصار يتحدث به، ولكن الإجماع بعد ذلك انعقد - والحمد لله- على أنه يجوز التيمم للجنب ولمن حدثه أصغر.

 

ملحق الفوائد:

 

فيما يلي فوائد عديدة من حديث عمار بن ياسر _رضي الله عنهما_ في التيمم:

1 - فيه: مشروعية التيمم، فالحديث يدل على أن التيمم عبادة مشروعة ثابتة بالسنة، يُتعبَّد اللهُ بها عند فقد الماء أو العجز عن استعماله.

2 - فيه: التيمم يقوم مقام الوضوء والغسل، فلما يُشرع التيمم بدل الوضوء، فإنه يُشرع أيضًا بدل الغسل من الجنابة عند عدم وجود الماء.

3 – فيه: يسر الشريعة ورفع الحرج، ففي تصحيح النبي ﷺ لعمار دليل على أن الشريعة مبنية على التيسير، لا على المشقة والتكلف.

4 - فيه: أن المشروع في التيمم ضربة واحدة، فدل الحديث على أن ضربة واحدة بالأرض تكفي للتيمم، وهو قول جمهور أهل العلم.

5 - فيه: صفة التيمم المشروعة، وهي: ضرب اليدين على الصعيد الطيب، ثم مسح الوجه والكفين، دون زيادة ولا تكرار.

6 - فيه: عدم مشروعية القياس في العبادات مع وجود النص، فاجتهاد عمار بالتمرغ في التراب كان قياسًا غير صحيح، فبيّن النبي ﷺ أن العبادات توقيفية.

7 - فيه: وجوب اتباع السنة وترك الغلو، فكل زيادة في العبادة لم تثبت عن النبي ﷺ تُعد مخالفة، ولو كانت بنية حسنة.

8 - فيه: أن حسن النية لا يُسوّغ العمل المخالف للسنة، إذ لم يُقر النبي ﷺ عمارًا على فعله، رغم إخلاصه واجتهاده.

9 - فيه: رحمة النبي ﷺ بأصحابه وحسن تعليمه حيث علّم عمارًا برفق، من غير تعنيف ولا توبيخ.

10 - فيه: جواز التعليم بالفعل مع القول، فقد بيّن النبي ﷺ صفة التيمم عمليًّا ليكون أبلغ في التعليم.

11 - فيه: أن الجهل بالحكم يُرفع بالتعليم لا بالتأثيم، ففي الحديث أصلٌ عظيم في التعامل مع المخطئ الجاهل.

12 - فيه: أن الصعيد الطيب يشمل كل ما على وجه الأرض من تراب ونحوه، لأن النبي ﷺ ضرب الأرض ولم يقيّدها بنوعٍ خاص.

13 - فيه: عدم اشتراط كثرة التراب في التيمم، بل يكفي مسّ الصعيد ولو كان يسيرًا.

14 - فيه: جواز النفخ في اليدين بعد الضرب، كما ورد في رواية البخاري، لإزالة ما زاد من التراب.

15 - فيه: أن التيمم عبادة مستقلة لها صفة مخصوصة، فلا يُقاس على الوضوء ولا الغسل في عدد الأعضاء ولا في الكيفية.

16 - فيه: التيسير في الطهارة عند الحاجة لا ينقص الأجر، بل العبد مأجور على امتثاله ما شرعه الله له في حال العجز.

17 - فيه: أن الصحابة كانوا يجتهدون فيما لم يبلغهم من السنة، فإذا ظهر لهم النص، رجعوا إليه بلا تردد.

18 - فيه: فضل عمار بن ياسر _رضي الله عنه_، حيث نقل هذه السنة للأمة، فكان سببًا في بيان حكمٍ عظيمٍ من أحكام الطهارة.

 

فهذه الفوائد تُظهر عظمة هذا الحديث، وجمعه بين الفقه، والتربية، والتيسير، وتعظيم السنة، والتحذير من الغلو والتكلف، والله أعلم.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ