شرح الحديث 108 (باب التيمم) من بلوغ المرام

 

باب التيمم

 

مقدِّمة

أصل التيمُّم: تَأَمُّمٌ، فأبدلت الهمزة ياء.

والتيمُّم لغةً: القصد. وشرعًا: مسحُ الوجه واليدَيْن بصعيدٍ على وجهٍ مخصوص.

 

والتيمُّم: مشروعٌ بالكتاب، والسنَّة، والإجماع، والقياس:

* قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6].

 

* أمَّا دليله من السنة: فكثرَتْ فيه الأحاديث الصحيحة، ومنها ما في مسلم (522) من حديث حذيفة: "وجُعِلَتْ تربتها لنا طُهورًا؛ إذا لم نجد الماء".

 

* وهو إجماع العلماء.

* وأمَّا القياسُ:

فقال شيخ الإِسلام:

والحق: أنَّ التيمُّم على وَفْقِ القياس الصحيح، فنشأتنا وقوَّتنا من مادَّتَي الماء والتراب، فالتراب أصل الإنسان، والماء حياة كل شيء، وهو الأصل في الطبائع، وكان أصلَحُ ما يقع به تطهيرُ الأدناس هو الماءَ، وفي حالة عَدَمِهِ أو العذرِ باستعماله، يكونُ لأخيه وشقيقه التراب؛ فهو أولى.


108 - عَنْ جَابِرِ _رضي الله عنه_:

أَنَّ النَّبِيَّ _صلى الله عليه وسلم_، قَالَ:

"أُعْطِيتُ خَمْسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ ... " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

 

وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ -رضي الله عنه- عِنْدَ مُسْلِمٍ: "وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا؛ إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ."

وَعَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ: "وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا."

 


نص الحديث وتخريجه:

 

عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

"أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي:

نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً."

أخرج البخاري في "صحيحه" (1/ 74 و 1/ 95) (رقم: 335 و 438)، ومسلم في "صحيحه" (1/ 370/ 3) (رقم: 521)، النسائي في "سننه" (1/ 209) (رقم: 432)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (3/ 304) (رقم: 14264). صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (3/ 1601) (رقم: 5747)[1]

 

عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

"فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ " وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى.[2]

أخرجه مسلم (1/ 371/ 4) (رقم: 522)، السنن الكبرى للنسائي (7/ 260) (رقم: 7968)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (5/ 383) (رقم: 23251). صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 164) (رقم: 526)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 778) (رقم: 4223)

 

عن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ» فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هُوَ قَالَ؟: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ، وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ»

أخرجه أحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (1/ 98 و 1/ 158) (رقم: 763 و 1362)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (6/ 304) (رقم: 31647)، والبزار في "مسنده" = "البحر الزخار" (2/ 251) (رقم: 656)، والآجُرّيّ في "الشريعة" (3/ 1553) (رقم: 1043)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 328) (رقم: 1024). حسنه الأرنؤوط _رحمه الله_ في "تخريج مسند أحمد" – ط. الرسالة (2/ 156) (رقم: 763)، وصححه الألباني _رحمه الله_ "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (7/ 1643) (رقم: 3939).[3]

 

المعنى الإجمالي لمجموع هذه الروايات:

تدل هذه الأحاديث بمجموع طرقها وتنوع ألفاظها على بيان الخصائص العظمى التي اختصّ الله تعالى بها نبيَّه محمدًا ﷺ، وفضَّل بها أمته على سائر الأمم، وأن هذه الخصائص ترجع في حقيقتها إلى كمال الرسالة، وعمومها، ويسر شريعتها، وعلوّ منزلتها عند الله.

 

* فقد أيّد الله نبيَّه ﷺ بـ النصر بالرعب؛ فيُلقي الخوف في قلوب أعدائه قبل لقائه بهم، نصرةً لدعوته وإظهارًا لدينه. قال الله _تعالى_:

{سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ } [آل عمران: 151][4]

* وجعل له ولأمته الأرض كلها مسجدًا وطَهورًا، فصحَّت العبادة في كل موضع طاهر، وشُرع التيمم بالتراب عند فقد الماء أو العجز عن استعماله، رفعًا للحرج وتيسيرًا على العباد.

* وأحلّ له المغانم، ومنحه مفاتيح الأرض؛ أي التمكين والفتح وانتشار سلطان الإسلام، بعد أن كانت بعض تلك الأحكام خاصة أو ممنوعة على الأمم السابقة.

* وأعطاه الله الشفاعة، وهي أعظم منقبة له يوم القيامة، ورحمة لأمته.[5]

* وجعل صفوف أمته في الصلاة كصفوف الملائكة في النظام والتراص، تعظيمًا لشأن الجماعة والصلاة.

* وكان من تمام فضله أن بُعث إلى الناس كافة، بخلاف من سبقه من الأنبياء الذين بُعثوا إلى أقوامهم خاصة، فدلّ ذلك على عالمية رسالته وختم نبوته.

* وسمّاه أحمد، دلالةً على كمال حمده لربه وكثرة ما يُحمد به بين الخلق،

* وجعل أمته خير الأمم لما خصّها به من الإيمان، والوسطية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

فالمعنى الجامع لهذه الروايات:

أن رسالة محمد _صلى الله عليه وسلم_ هي الرسالة الخاتمة الشاملة، المؤيَّدة بالنصر، المبنية على التيسير والرحمة، وأن أمته أمة فضل وخير، مما يوجب شكر هذه النعم العظيمة، وتعظيم شأن النبي ﷺ، والتمسك بسنته، والقيام بحق هذه الخصائص علمًا وعملًا ودعوةً.

 

من فوائد الحديث:

 

قال عبد الله بن عبد الرحمن البسام _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 412_415):

* ما يؤخذ من الحديث:

هذا حديثٌ فيه فوائدُ جمَّة، وأحكامٌ مهمَّة نقتصرُ على البارز منها:

1 - تفضيلُ نبينا -صلى الله عليه وسلم- على سائر الأنبياء، وخصائصُهُ كثيرة، صنِّفت فيها الكتب، ولعلَّ أوسعها "الخصائص الكبرى" للسيوطي.

2 - شُرِعَ تعديدُ نِعَمِ الله تعالى على العبد على وَجْهِ الشكر لله، وذِكْرِ آلائه؛ فإنَّه يُعَدُّ عبادةً وشكرًا لله تعالى عليها، واعترافًا بفضله ومننه وكَرَمِهِ على عبده.

3 - أنَّ الله -تعالت قدرته- نصَرَ نبيَّه محمدًا بالرعب، فيصابُ عدوُّه بالخوف، ولو كان بينهما مسيرةُ شهر، وهذا من أكبر العَوْن والنصر على الأعداء؛ فإنَّه عاملٌ قويٌّ يَفُتُّ في عضد العدو حتَّى يصابَ بالانهيار والخذلان، وحدد بالشهر؛ لأنَّه لم يكن بينه وبين عدوه زَمَنَ حروبه أكثَرُ من ذلك.

4 - أنَّ الله تعالى تفضَّل على نبيه -صلى الله عليه وسلم- حينما أحلَّ له الغنائم التي هي مكاسبُ الحروب الشرعية، وفوائدُ جهادِ الأعداء الدنيويَّة، بينما كان الأنبياءُ قبله:___إمَّا لم يؤذنْ لهم بالجهاد، أو أُذِنَ لهم ولكنْ لم تَحلَّ لهم الغنائم، وكانوا يجمعونها، ثمَّ تنزل عليها نارٌ من السماء فتحرقها.

5 - أنَّ شرَفَ نبيِّه محمَّد -صلى الله عليه وسلم- بشمولِ دعوته وعمومِ رسالته؛ فكان كلُّ رسولٍ قبله إنَّما يُبْعَثُ في قومه خاصَّةً، وفي زمن مؤقَّت محدَّد، أمَّا رسالة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-: فهي الرسالة التي عمَّتْ جميع النَّاس؛ قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28]؛ بل إنَّ رسالته -صلى الله عليه وسلم- شملت الثقلين -الجن والإنس- قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)} [الأنبياء]، ورسالته ممتدَّة حتَّى تقوم السَّاعة.

وما العمومُ والشمولُ في هذه الرسالة المحمَّدية إلاَّ لما أودعها الله تعالى مِنْ عواملِ البقاء، وعناصرِ الخلود، وما أقامها عليه مِنْ قواعدِ الشمول والعموم.

7 - قوله في باقي الحديث: "النَّاس" لا يشمَلُ الجنَّ، ولا خلاف أنَّه -صلى الله عليه وسلم- أُرْسِلَ للثقلين، ولعلَّه من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى.

8 - أنَّ الله تعالى سيُظْهِرُ كمالَ فضل هذا النَّبيِّ الكريم، ومقامه العظيم يوم القيامة، باختياره للمقام المحمود، وهي الشفاعةُ العُظْمَى التي يتدافعها كبارُ الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، ويتأخَّرون عنها، فتنتهي إليه الرئاسة والشرف، فحينما يقبلها يسجد لله تعالى تحت العرش، ويمجِّد ربَّه بمحامد يلهمه الله إيَّاها، ثُمَّ يُعْطى سؤله، وَتُقْبَلُ شفاعته في ذلك اليوم الذي يحمد فيه الله تعالى، ويحمدُهُ جميعُ الخلائق، حينما شفَعَ فقُبِلَتْ شفاعته؛ لإراحة الخلائق مِنْ شدَّه ذلك اليوم الطويل العصيب؛ فهذا المقام الذي قال تعالى فيه مخاطبًا نبيه -صلى الله عليه وسلم-: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)} [الإسراء].

9 - أنَّ الأرض كلَّها جعلت له ولأمَّته مسجدًا، فيصلِّي في أي مكان تدركه الصلاة فيه، فلا يختصُّ به موضعٌ دون غيره، بينما غيره من الأنبياء لا___يصلُّون هم ولا أممهم إلاَّ في أمكنةٍ خاصَّة؛ ولذا جاء في بعض روايات هذا الحديث: "وكان مَنْ قبلي إنَّما يصلون في كنائسهم" [قال الهيثمي: رواه أحمد، ورجاله ثقات (10/ 367)]، وفي رواية أخرى: "ولم يكن أحدٌ من الأنبياء يصلِّي حتَّى يبلغ محرابه" [رواه البيهقي (2/ 433)].

وعمومُ الأرض في هذا الحديث مخصوصٌ بما نَهَى الشَّارعُ عن الصلاة فيه من الأماكن، ممَّا سيأتي بيانه في موضعه، إنْ شاء الله تعالى.

10 - أنَّ الله تعالى يسَّر أمر هذا النبيِّ الكريمِ، وَأَمْرَ أمته، فجعَلَ له صعيدَ الأرض طهورًا؛ فقال: "وجعلت تربتها لنا طهورًا؛ إذا لم نجد الماء"، وكما جاء في الحديث الآخر: "الصعيد وَضُوءُ المسلم، وإنْ لم يجد الماء عشر سنين" [رواه الدَّارقطني (1/ 181)]، بينما الأممُ السَّابقة لا يطهِّرها إلاَّ الماء، فالتيمُّم والصلاة في جميع الأرض هي خصوصيةٌ خَصَّ اللهُ بهما هذه الأمَّة؛ تخفيفًا عنها، ورحمة بها، فله الفضل والمنَّة.

11 - أنَّ الأصل في الأرض الطهارة؛ فتجوزُ الصلاة فيها، والتيمُّم منها.

12 - أنَّ كل أرضٍ صالحةٌ للتيمُّم منها، سواءٌ كانت رملية أو صخرية، أو سبخة رطبة أو يابسة.

13 - قوله: "فأيما رجلٍ" لا يراد به جنس الرِّجالِ وحدهم، وإنَّما يراد النساء أيضًا، فالنساءُ شقائقُ الرجال.

14 - قوله: "وجعلت ترتبها لنا طهورًا" دليلٌ على أنَّ التيمُّم رافعٌ للحدث كالماء؛ لاشتراكهما في الطهورية، وبهذا قال الحنفية، أمَّا المشهور من مذهب الحنابلة والمالكية والشَّافعية: فإنَّه مبيح لا رافع، ولكنَّه قولٌ ضعيفٌ، فالتيمُّم بدل الماء، وله أحكامه.

15 - المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّ التيمُّم يكون لنجاسة البدن، والرواية الأُخرى: أنَّه لا تيمُّم لها؛ لأنَّ الشرع إنَّما ورد بالتيمُّم للحدث دون___النجاسة، وهو قولُ الأئمة الثلاثة، واختيارُ شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو القولُ الرَّاجح.

* تنبيه:

اقتصر المؤلِّف من الحديث على ذكر خصوصيَّتَيْن، أمَّا الثلاثُ الباقية -وهي: حِلُّ الغنائم، والشفاعةُ الكبرى لإراحةِ النَّاسِ من الموقف، وعمومُ رسالتِهِ -صلى الله عليه وسلم- إلى النَّاسِ كافَّة- فلم يَأتِ بها، وقد أتينا على شرحها وبيانها." اهـ

 

فتح الباري لابن رجب (2/ 208)

وقد تبين بهذا أن معنى اختصاصه عن الأنبياء بان الأرض كلها جعلت مسجدا له ولأمته أن صلاتهم لا تختص بمساجدهم المعدة لصلاتهم كما كان من قبلهم، بل يصلون حيث أدركتهم الصلاة من الأرض وهذا لا ينافي أن ينهي عن الصلاة في مواضع مخصوصة من الأرض لمعنى يختص بها، كما نهى عن الصلاة في أعطان الإبل، وفي المقبرة والحمام، وسيأتي ذلك مستوفى في مواضع أخر - أن شاء الله تعالى.

 

وقال ابن رجب في "فتح الباري" (2/ 209_210):

وفي ذكره التيمم في الأرض من خصائصه ما يشعر أن الطهارة بالماء ليست مما اختص به عن الأنبياء، وقد سبق في (كتاب: الوضوء) ذكر ذَلكَ.

واستدل بقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) من يقول: أن التيمم يجوز بجميع أجزاء الأرض من التراب والرمل والنورة والزرنيخ والجص وغير ذلك، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وغيرهما.

واستدل من قَالَ: لا يجوز التيمم بغير التراب من أجزاء الأرض - كما يقوله الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه - بما في "صحيح مسلم" عن حذيفة، عن النَّبيّ، قَالَ: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء" وذكر خصلة أخرى.

فخص الطهور بتربة الأرض بعد أن ذكر أن الأرض كلها مسجد، وهذا يدل على اختصاص الطهورية بتربة الأرض خاصة؛ فإنه لو كانت الطهورية عامة كعموم المساجد لم يحتج إلى ذلك.___

وقد خرج مسلم حديث جابر الذي خرجه البخاري هاهنا، وعنده: (وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا) .

وهذا يدل على___اختصاص الطهورية بالأرض الطيبة، والطيبة: هي الأرض القابلة للإنبات، كما في قوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [الأعراف:58] .

وروينا من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت وحٌميد، عن أنس، قَالَ:

رسول الله: (جُعلت لي كل ُ أرضٍ طيبةً مسجداً وطهوراً) .

ولكن قد دلت نصوص أٌخرُ على عموم كون الأرض مسجداً، فتبقى طهوريتها مختصة بالأرض المنبتة." اهـ

 

فتح الباري لابن رجب (2/ 211)

ومعنى قوله: ((طهوراً)) : أي مطهراً، كما قَالَ: ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) .

وفيه دليل لمن قَالَ: إن التيمم يرفع الحدث كالماء رفعا مؤقتا، ودليل على أن الطهور ليس بمعنى الطاهر كما يقوله بعض الفقهاء؛ فإن طهارة الأرض مما لم تختص به هذه الأمة، بل اشتركت فيه الأمم كلها، وإنما اختصت هذه الأمة بالتطهر بالتراب، فالطهور هو المطهر.

والتحقيق: أن ((طهورا)) ليس معدولا عن طاهر، ولأن ((طاهرا)) لازم و ((طهورا)) متعد، وإنما الطهور اسم لما يتطهر به، كالفطور والسحور والوجور والسعوط ونحو ذلك.

 

فتح الباري لابن رجب (2/ 211)

وأما إحلال الغنائم له ولأمته خاصة، فقد روي أن من كان قبلنا من الأنبياء كانوا يحرقون الغنائم، وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبيّ:

(وأحلت لي الغنائم أكلها، وكان من قبلي يعظمون أكلها، كانوا يحرقونها) .

وفي ((الصحيحين)) عن أبي هُريرةَ، قَالَ: (غزا نبي من الأنبياء؛ فجمع الغنائم، فجاءت نار لتأكلها فلم تطعمها، فقال: أن فيكم غلولا،___فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب، فوضعوها، فجاءت النار فأكلتها، ثُمَّ أحل الله لنا الغنائم، رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا) .

وفي الترمذي عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيّ، قَالَ: (لم تحل الغنائم لأحد سود الرؤوس قبلكم، كانت تنزل نار فتأكلها)." اهـ

 

فتح الباري لابن رجب (2/ 214_217):

وأما الشفاعة التي اختص بها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من بين الأنبياء، فليست هي الشفاعة في خروج العصاة من النار؛ فإن هذه الشفاعة يشارك فيها الأنبياء والمؤمنون - أيضا -، كما تواترت بذلك النصوص، وإنما الشفاعة التي يختص بها من دون الأنبياء أربعة أنواع:

أحدها: شفاعته للخلق في فصل القضاء بينهم.

والثاني: شفاعته لأهل الجنة في دخول الجنة.

والثالث: شفاعته في أهل الكبائر من أهل النار، فقد قيل: أن هذه يختص هو

بها.

والرابع: كثرة من يشفع له من أمته؛ فإنه وفر شفاعته وأدخرها إلى يوم القيامة.

وقد ورد التصريح بأن هذه الشفاعة هي المرادة في هذا الحديث، ففي الحديث الذي خرجه الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبيّ، قَالَ: (أعطيت الليلة___خمسا ما أعطيهن نبي كان قبلي) - فذكر الحديث، إلى أن قَالَ: ((والخامسة هي ما هي: قيل لي سل؛ فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله)) .

وخرج - أيضا - من حديث أبي موسى، عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ((أعطيت خمسا لم يعطهن أحد كان قبلي)) - فذكره، وقال في آخره: ((وأعطيت الشفاعة، وإنه ليس من نبي إلا قد سأل شفاعته، وإني أخرت شفاعتي، جعلتها لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا)) .

وفيه - أيضا - من حديث ابن عباس، عن النبي، قال: ((لم يكن نبي إلا له دعوة ينجزها في الدنيا، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وأنا سيد ولد ادم ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد وآدم ومن دونه تحت لوائي)) .

وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعد، عن النبي، قال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر، ولواء الحمد بيدي ولا فخر)) .

وفي ((الصحيحين)) عن أبي هُريرةَ، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة).___

والمراد من هذه الأحاديث - والله أعلم -: أن كل نبي أعطي دعوة عامة شاملة لأمته، فمنهم من دعا على أمته المكذبين له فهلكوا، ومنهم من سأل كثرتهم في الدنيا كما سأله سليمان - عليه السلام -، واختص النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأن ادخر تلك الدعوة العامة الشاملة لأمته شفاعة لهم يوم القيامة.

وقد ذكر بعضهم: شفاعة خامسة خاصة بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهي: شفاعته في تخفيف عذاب بعض المشركين، كما شفع لعمه أبي طالب، وجعل هذا من الشفاعة المختص بها - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

وزاد بعضهم شفاعة سادسة خاصة بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهي: شفاعته في سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب. وسيأتي ما يدل عليه - أن شاء الله تعالى." اهـ

 

فتح الباري لابن رجب (2/ 217_219):

وأما بعثته إلى الناس عامة، فهذا مما اختص به - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الأنبياء.

وفي ((المسند)) من حديث أبي ذر، عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ((أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي)) - فذكر منها -: ((وبعثت إلى كل أحمر وأسود)) .

وفيه - أيضا - من حديث ابن عباس، عن النبي، قال:___(أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقولهن فخرا، بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود).

وفي ((مسند البزار)) من حديث ابن عباس، عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ((أعطيت خمسا لم يعطها نبي)) - فذكر منها -: ((وكان النبي يبعث إلى خاصة قومه، وبعثت إلى الجن والأنس)) - وذكر الحديث.

وقال: لفظ: ((الجن والأنس)) لا نعلمه إلا في هذا الحديث، بهذا الإسناد.

قلت: وقد سبق أن في إسناده سالما أبا حماد، وأن أبا حاتم قَالَ: هو مجهول.

ولكن روي ذكر الجن في حديث آخر، ذكره ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) تعليقا، وفي إسناده رجل لم يسم، عن عبادة بن الصامت، أن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج عليهم فقال: ((أن جبريل قال لي: أخرج فأخبر بنعمة الله التي أنعم بها عليك، وفضيلته التي فضلت بها، فبشرني أنه بعثني إلى الأحمر والأسود، وأمرني أن أنذر الجن، وآتاني كتابه وأنا أمي، وغفر ذنبي ما تقدم وما تأخر، وذكر اسمي في الأذان، وأمدني بالملائكة، وآتاني النصر، وجعل الرعب أمامي، وآتاني الكوثر، وجعل حوضي من أعظم الحياض يوم القيامة، ووعدني المقام المحمود والناس مهطعين مقنعي رؤسهم، وجعلني في أول زمرة تخرج من الناس، وأدخل في شفاعتي سبعين ألفا من أمتي الجنة بغير حساب، وآتاني السلطان والملك، وجعلني في أعلى غرفة في الجنة، فليس فوقي إلا الملائكة الذين يحملون العرش، وأحل لي ولأمتي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلنا)) .

وفي ((صحيح مسلم)) ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ((فضلت___على الناس بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون)) .

وقوله: ((إلى الخلق كافة)) يدخل فيه الجن بلا ريب.

وفي ((صحيح ابن خزيمة)) عن حذيفة، عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ((فضلت على الناس بثلاث)) - فذكر الثالثة، قَالَ: ((وأعطيت هذه الآيات من أخر سورة البقرة من كنْز تحت العرش، لم يعط منه أحد قبلي ولا أحد بعدي)) .

وهذه الخصلة الثالثة لم تسم في ((صحيح مسلم)) ، بل فيهِ: ((وذكر خصلة أخرى)) كما تقدم.

ومن تأمل هذه النصوص، علم أن الخصال التي اختص بها عن الأنبياء، لا تنحصر في خمس، وأنه إنما ذكر مرة ستا ومرة خمسا ومرة أربعا ومرة ثلاثا بحسب ما تدعو الحاجة إلى ذكره في كل وقت بحسبه. والله أعلم." اهـ[6]

 

وقال العيني _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (4/ 10):

"ذكر استنباط الْأَحْكَام:

الأول: مَا قَالَه ابْن بطال: فِيهِ دَلِيل أَن الْحجَّة تلْزم بالْخبر كَمَا تلْزم بِالْمُشَاهَدَةِ، وَذَلِكَ أَن المعجزة بَاقِيَة مساعدة للْخَبَر مبينَة لَهُ دافعة لما يخْشَى من آفَات الْأَخْبَار، وَهِي الْقُرْآن الْبَاقِي، وَخص اسبحانه وَتَعَالَى نبيه بِبَقَاء معجزته لبَقَاء دَعوته وَوُجُوب قبُولهَا عل من بلغته إِلَى آخر الزَّمَان.

الثَّانِي: فِيهِ مَا خصّه به من الشَّفَاعَة، وَهُوَ أَنه لَا يشفع فِي أحد يَوْم الْقِيَامَة إلاَّ شفع فِيهِ، كَمَا ورد (قل يسمع، إشفع تشفع) . وَلم يُعْط ذَلِك مَن قبله من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام.

الثَّالِث: فِي قَوْله: (فأيما رجل أَدْرَكته الصَّلَاة فَليصل) ، يَعْنِي؛ يتَيَمَّم وَيُصلي، دَلِيل على تيَمّم الحضري إِذا عدم المَاء وَخَافَ فَوت الصَّلَاة، وعَلى أَنه لَا يشْتَرط التُّرَاب، إِذْ قد تُدْرِكهُ الصَّلَاة فِي مَوضِع من الأَرْض لَا تُرَاب عَلَيْهَا، بل رمل أَو جص أَو غَيرهمَا.

وَقَالَ النَّوَوِيّ احْتج بِهِ مَالك وَأَبُو حنيفَة فِي جَوَاز التَّيَمُّم بِجَمِيعِ أَجزَاء الأَرْض. وَقَالَ أَبُو عمر: أجمع الْعلمَاء على أَن التَّيَمُّم بِالتُّرَابِ ذِي الْغُبَار جَائِز، وَعند مَالك يجوز بِالتُّرَابِ والرمل والحشيش وَالشَّجر والثلج والمطبوخ كالجص والآجر.

وَقَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ: يجوز بِكُل مَا كَانَ على الأَرْض حَتَّى الشّجر والثلج والجمد، وَنقل النقاش عَن ابْن علية وَابْن كيسَان جَوَازه بالمسك والزعفران،

وَعَن إِسْحَاق مَنعه بالسباخ، وَيجوز عندنَا بِالتُّرَابِ والرمل وَالْحجر الأملس المغسول والجص والنورة والزرنيخ والكحل والكبريت والتوتيا والطين الْأَحْمَر وَالْأسود والأبيض والحائط المطين والمجصص والياقوت والزبرجد والزمرد والبلخش والفيروزج والمرجان وَالْأَرْض الندية والطين الرطب.

وَفِي (الْبَدَائِع) : وَيجوز بالملح الْجبلي، وَفِي قاضيخان: لَا يَصح على الْأَصَح، وَلَا يجوز بالزجاج، وَيجوز بالآجر فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَشرط الْكَرْخِي أَن يكون مدقوقاً.

وَفِي (الْمُحِيط) ، لَا يجوز بمسبوك الذَّهَب وَالْفِضَّة، وَيجوز بالمختلط بِالتُّرَابِ إِذا كَانَ التُّرَاب غَالِبا، وبالخزف إِذا كَانَ من طين خَالص.

وَفِي المرغيناني: يجوز بِالذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد والنحاس وَشبههَا مَا دَامَ على الأَرْض،

وَذكر الشَّاشِي فِي (الْحِلْية) : لَا يجوز التَّيَمُّم بِتُرَاب خالطه دَقِيق أَو جص، وَحكى وَجه آخر: أَنه يجوز إِذا كَانَ التُّرَاب غَالِبا. وَلَا يَصح التَّيَمُّم بِتُرَاب يسْتَعْمل فِي التَّيَمُّم، وَعند أبي حنيفَة: يجوز، وَهُوَ وَجه لبَعض أَصْحَابنَا، وَمذهب الشَّافِعِي وَأحمد: لَا يجوز إلاَّ بِالتُّرَابِ الَّذِي لَهُ غُبَار،

واحتجا بِحَدِيث حُذَيْفَة عِنْد مُسلم: (وَجعلت لنا الأَرْض كلهَا مَسْجِدا وَجعلت تربَتهَا لنا طهُورا) . وَأجِيب: عَن هَذَا بقول الْأصيلِيّ: تفرد أَبُو مَالك بِهَذِهِ اللَّفْظَة،

وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَلَا يظنّ أَن ذَلِك مُخَصص لَهُ، فَإِن التَّخْصِيص إِخْرَاج مَا تنَاوله الْعُمُوم عَن الحكم، وَلم يخرج هَذَا الْخَبَر شَيْئا، وَإِنَّمَا عين وَاحِدًا مِمَّا تنَاوله الِاسْم الأول مَعَ مُوَافَقَته فِي الحكم، وَصَارَ بِمَثَابَة قَوْله تَعَالَى: {فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان} (الرَّحْمَن: 86) وَقَوله تَعَالَى: {من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال} (الْبَقَرَة: 89)

فعين بعض مَا تنَاوله اللَّفْظ الأول مَعَ الْمُوَافقَة فِي الْمَعْنى على جِهَة التشريف، وَكَذَلِكَ ذكر التربة فِي حَدِيث حُذَيْفَة.

وَيُقَال: الِاسْتِدْلَال بِلَفْظ التربة على خُصُوصِيَّة التَّيَمُّم بِالتُّرَابِ مَمْنُوع، لِأَن تربة كل مَكَان مَا فِيهِ من تُرَاب وَغَيره،

وَقَالَ بَعضهم: وَأجِيب: بِأَنَّهُ ورد فِي الحَدِيث الْمَذْكُور بِلَفْظ: التُّرَاب، أخرجه ابْن خُزَيْمَة وَغَيره، وَفِي حَدِيث عَليّ: (جعل التُّرَاب لي طهُورا) أخرجه أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد حسن،

وَالْجَوَاب عَنهُ مَا ذَكرْنَاهُ الْآن، على أَن تعْيين لفظ التُّرَاب فِي الحَدِيث الْمَذْكُور لكَونه أمكن وأغلب___لَا لكَونه مَخْصُوصًا بِهِ، على أَنا نقُول: التَّمَسُّك باسم الصَّعِيد، وَهُوَ وَجه الأَرْض وَلَيْسَ باسم التُّرَاب فَقَط، بل هُوَ وَجه الأَرْض وَلَيْسَ التُّرَاب فَقَط، بل هُوَ وَجه الأَرْض تُرَابا كَانَ أَو صخراً لَا تُرَاب عَلَيْهِ أَو غَيره.

الرَّابِع: فِيهِ أَن اتعالى أَبَاحَ الْغَنَائِم للنَّبِي ولأمته كَمَا ذكرنَا." اهـ

 

وقال الإثيوبي في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (12/ 23_24):

ويَحْتَمِل أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قوم نوح، فبعثته___خاصّة؛ لكونها إلى قومه فقط، وهي عامّة في الصورة؛ لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتَّفَق وجود غيرهم لم يكن مبعوثًا إليهم.

قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن هذا الاحتمال الأخير أقرب الاحتمالات، وأظهرها؛ لموافقته لظاهر قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، ولآيات أخرى نصَّت على أن بعث نوح -عليه السلام- كان لقومه خاصّة، كقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [نوح: 1]، وقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ} [العنكبوت: 14] الآية، وقوله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161)} [الشعراء: 160 - 161] وغير ذلك من الآيات، وما عدا ذلك من الاحتمالات، فالتكلّف فيه ظاهرٌ، فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.

 

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (12/ 27)

(وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَيِّبَةً) أي طاهرةً في نفسها (طَهُورًا) بفتح الطاء: أي مُطهِّرةً لغيرها، والمراد أن الأرض ما دامت على حالها الأصليّة، فهي كذلك، وإلا فقد تخرج بالنجاسة عن ذلك، وهذا معنى قوله: "طيّبةً" أي طاهرةً، فلو تنجّست لا تكون لها هذه الخصوصيّة، فتنبّه.

وهذا الحديث يؤيّد القول الراجح بأن التيمّم يجوز على وجه الأرض كلّها، ولا يختصّ بالتراب، ويؤيّد أن هذا العموم غير مخصوص قوله في حديث أبي أمامة عند البيهقيّ: "فأيّما رجل من أمتي أتى الصلاة، فلم يجد ماء وجد الأرض طَهُورًا، ومسجدًا"، وعند أحمد: "فعنده طَهُوره ومسجده".

قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: قوله: "فأينما أدرك الرجل من أمتي الصلاة إلخ" ظاهر في العموم، ولا سيّما في بلاد الحجاز، فإن غالبها الجبال والحجارة، فكيف يصحّ، أو يناسب هذا العموم إذا قلنا: إن بلاد الحجاز لا يجوز التيمّم منها إلا في مواضع مخصوصة؟ فليُتأمل. انتهى.

 

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (12/ 29_30):

قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي مال إليه صاحب "الفتح" من تأييد القول بتخصيص التيمّم بالتراب فقط، كما هو مذهب الشافعي، وطائفة، قد سبق لنا في "التيمّم" ترجيح خلافه، وأن الحقّ جواز التيمّم بجميع ما كان من جنس الأرض، ترابًا كان أو غيره؛ عملًا بظواهر النصوص المطلقة،

وأما رواية___"تربتها"، أو "ترابها" فليس مما يخصّ به العامّ، بل هو من باب ذكر بعض الأفراد؛ تشريفًا، واللَّه تعالى أعلم.

 

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (12/ 33_37):

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 - (منها): مشروعيّة تعداد نعم اللَّه تعالى؛ تحدّثًا بها، وإظهارًا لها، لا فخرًا وخيلاء؛ امتثالًا لقوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)} [الضحى: 11].

2 - (ومنها): استحباب إلقاء العالم العلم من غير أن يُسأل، ولا سيّما إذا كان للناس به حاجة.

3 - (ومنها): ما استدلّ به صاحب "المبسوط" من الحنفيّة على إظهار كرامة الآدميّ، وقال: لأن الآدميّ خُلق من ماء وتراب، وقد ثبت أن كلًّا منهما طَهُور، ففي ذلك بيان كرامته. [راجع: "الفتح" 1/ 524]

4 - (ومنها): بيان أن الأصل في الأرض الطهارة، وأنها كلها مسجد للصلاة فيها، فلا تختصّ بالمسجد المبنيّ لها، وأما حديث: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، فضعيف، أخرجه الدارقطنيّ من حديث جابر -رضي اللَّه عنه-.

قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث، وإن كان هو ضعيفًا، إلا أنه يُغني عنه ما أخرجه ابن ماجه بسند صحيح، عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من سمع النداء، فلم يأته، فلا صلاة له إلا من عذر"  [حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في "سننه" برقم (793)]

ويؤيّد هذا ما أخرجه المصنّف (3) عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: أتى النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل أعمى، فقال: يا رسول اللَّه، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُرَخِّص له، فيصلي في بيته، فرَخّص له، فلما وَلَّى دعاه، فقال: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " قال: نعم، قال: "فأجب". [سيأتي للمصنّف برقم (653)]

5 - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الطَّهُور هو المطَهِّر لغيره؛ لأن الطَّهور لو كان المراد به الطاهر، لم تثبت الخصوصية، والحديث إنما سيق لإثباتها، قال: وقد رَوَى ابن المنذر وابن الجارود، بإسناد صحيح عن ____أنس منه مرفوعًا: "جعلت لي كلُّ أرض طيبة مسجدًا، وطهورًا"، ومعنى "طيبة" طاهرة، فلو كان معنى طهورًا طاهرًا للزم تحصيل الحاصل.

6 - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن التيمم يرفع الحدث كالماء، لاشتراكهما في هذا الوصف، قال في "الفتح": وفيه نظرٌ. انتهى.

قال الجامع عفا اللَّه عنه: ليس فيه نظرٌ معتبَرٌ، بل الحقّ كونه رافعًا كالماء، وقد تقدّم تحقيق هذا مستوفًى في "أبواب التيمّم"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.

7 - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: قوله: "طهورًا" هذه البنية من أبنية المبالغة، كقتول، وضروب، وكذلك قال في الماء، فقد سوَّى بين الأرض والماء في ذلك، ويلزم منه أن التيمّم يرفع الحدث، وهو أحد القولين عن مالك، وليس بالمشهور. انتهى.

8 - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض، وقد أَكَّد ذلك في رواية أبي أمامة بقوله: "وجُعِلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدًا وطهورًا".

قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: قوله: "وجُعِلت لي الأرضُ طيبةً طهورًا ومسجدًا"، وفي الرواية الأخرى: "وجُعلت تربتها لنا طهورًا"، احتج بالرواية الأولى مالك، وأبو حنيفة -رحمهما اللَّه تعالى- وغيرهما ممن يُجَوِّز التيمم بجميع أجزاء الأرض، واحتج بالثانية الشافعيّ، وأحمد -رحمهما اللَّه تعالى- وغيرهما ممن لا يُجَوِّز إلا بالتراب خاصّةً، وحَمَلوا ذلك المطلق على هذا المقيد. انتهى ["شرح النووي" (5/ 3 – 4)].

وردّ هذا بعض المحقّقين فقال: وقد ظنّ بعضهم أن هذا من باب المطلق والمقيّد، وهو غلطٌ، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، وهو لا يقتضي التخصيص عند الجمهور، خلافًا لما حُكِي عن أبي ثور، إلا أن يكون له مفهوم، فينبني على تخصيص العموم بالمفهوم، والتراب والتُّربة لقب، واللقب مختَلَف في ثبوت المفهوم له، والأكثرون يأبَوْن ذلك. انتهى [راجع: "فتح الباري" لابن رجب -رَحِمَهُ اللَّهُ- 2/ 210].___

وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: الحديث حجة لمالك، في التيمّم بجميع أجزاء الأرض، فإن اسم الأرض يشملها، وكما أباح الصلاة على جميع أجزاء الأرض كذلك يجوز التيمّم على جميع أجزائها؛ لأن الأرض في هذا الحديث بالنسبة إلى الصلاة والتيمّم واحدةٌ، فكما تجوز الصلاة على جميع أجزائها كذلك يجوز التيمّم على جميع أجزائها.

قال: ولا يُظنّ أن قوله في حديث حذيفة -رضي اللَّه عنه-: "وجُعلت تربتها لنا طَهُورًا" مخصّص له، فإن ذلك ذُهول من قائله، فإن التخصيص إخراج ما تناوله العموم عن الحكم، ولم يُخرج هذا الخبر شيئًا، وإنما عَيَّنَ واحدًا مما تناوله الاسم الأول مع موافقته في الحكم، وصار بمثابة قوله تعالى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68)} [الرحمن: 68]، وقوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} الآية [البقرة: 98]، فعَيَّن بعض ما تناوله اللفظ الأول مع الموافقة في المعنى على جهة التشريف، وكذلك ذكر التراب في حديث حذيفة، وإنما عيّنه؛ لكونه أمكن وأغلب، فإن قيل: عيّنه ليبيّن أنه لا يجوز التيمّم بغيره، قلنا: لا نسلّم ذلك، بل هو أول المسألة، ولئن سلّمنا أنه يَحْتَمل ذلك، فيحتمِل أيضًا ما ذكرناه، وليس أحد الاحتمالين أولى من الآخر، فليُلحَق اللفظ بالمجملات، فلا يكون لكم فيه حجةٌ، ويبقى مالك متمسّكًا باسم الصعيد، واسم الأرض، وأيضًا فإنه نقول بموجبه، فإن تراب كلّ شيء بحسبه، فيقال: تراب الزرنيخ، وتراب السباخ. انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- ["المفهم" 2/ 116 - 117].

9 - (ومنها): ما خصّه اللَّه -عزَّ وجلَّ- نبيّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الشفاعة، وأنها مقبولة لا محالة، كما وعده اللَّه تعالى: "قل تُسمَعْ، واشفع تُشَفَّع".

قال الحافظ ابن رجب -رَحِمَهُ اللَّهُ-:

وأما الشفاعة التي اختُصّ بها النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من بين الأنبياء، فليست الشفاعة في خروج العصاة من النار، فإن هذه الشفاعة يُشارك فيها الأنبياء والمؤمنون أيضًا، كما تواترت بذلك النصوص، وإنما الشفاعة التي يختصّ بها دون الأنبياء أربعة أنواع:

إحداها: شفاعته للخلق في فصل القضاء.___

والثانية: شفاعته لأهل الجنّة في دخول الجنّة.

والثالث: شفاعته في أهل الكبائر من أهل النار، فقد قيل: إن هذه يختصّ بها هو.

والرابعة: كثرة من يشفع له من أمته، فإنه وفّر شفاعته، وادّخرها إلى يوم القيامة، وقد ورد التصريح بأن هذه الشفاعة هي المرادة في هذا الحديث، فقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي. . . الحديث، وفيه: فقال: "لقد أعطيت الليلة خمسًا ما أعطيهنّ أحد قبلي"، إلى أن قال: "والخامسة هي ما هي، قيل لي: سل، فإن كل نبي قد سأل، فأخّرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم، ولمن شَهِد أن لا إله إلا اللَّه".

وأخرج أيضًا: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي. . . "، فذكر الحديث، وفي آخره: "وأعطيت الشفاعةَ، فأخّرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك باللَّه شيئًا".

وأخرج أيضًا عن أبي موسى -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أعطيت خمسًا. . . " فذكره، وفي آخره: "وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد سأل شفاعةً، وإني أخبأت شفاعتي، ثم جعلتها لمن مات من أمتي لم يشرك باللَّه شيئًا".

وأخرج من حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنه لم يكن نبي إلا له دعوة تنجزها في الدنيا، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وأنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي. . . " الحديث.

وأخرج الشيخان عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لكل نبي دعوة مستجابة، يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة".

وأخرجا عن أنس -رضي اللَّه عنه- عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "كلُّ نبي سأل سؤالًا، أو قال: لكل نبي دعوة قد دعا بها، فاستجيب، فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة".___

وأخرج مسلم عن جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما-، عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة".

قال ابن رجب -رَحِمَهُ اللَّهُ-: والمراد من هذه الأحاديث -واللَّه أعلم- أن كلّ نبيّ أُعطي دعوة عامّة شاملة لأمته، فمنهم من دعا على أمته المكذّبين له، فهلكوا، ومنهم سأل كثرتهم في الدنيا، كما سأله سليمان -عليه السلام-، واختصّ النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بأن ادّخر تلك الدعوة العامّة الشاملة لأمته شفاعةً لهم يوم القيامة.

وقد ذكر بعضهم شفاعة خامسة خاصّة بالنبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهي شفاعته في تخفيف عذاب بعض المشركين، كما شفع لعمه أبي طالب، وجعل هذا من الشفاعة المختصّ بها النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.

وزاد بعضهم شفاعةً سادسةً خاصّةً بالنبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهي شفاعته في سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب. انتهى كلام ابن رجب -رَحِمَهُ اللَّهُ- بتصرّف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب." اهـ

 

وقال الإثيوبي في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (5/ 609_610):

المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما ترجم به المصنف، وهو مشروعية التيمم بالصعيد، وقد تقدم المعنى المختار للصعيد وذكرُ مذاهب العلماء فيه في 202/ 321.

ومنها: مشروعية تعديد النعم تَحَدُّثًا بها، وإظهارا لها, لا فخرا وخُيَلاء، امتثالا لقوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: آية 11].

ومنها: إلقاء العلم قبل السؤال.

ومنها: أن الأصل في الأرض الطهارة.___

ومنها: أن صحة الصلاة لا تختص بالمسجد المبني لذلك، وأما حديث "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" فضعيف أخرجه الدارقطني من حديث جابر.

ومنها: ما استدل به صاحب المبسوط من الحنفية على إظهار كرامة الآدمي، وقال: لأن الآدمي خُلق من ماء وتراب، وقد ثبت أن كُلًا منهما طهور، ففي ذلك بيان كرامته. [فتح جـ 2 ص 524]

ومنها: ما قاله ابن بطال: فيه دليل أن الحجة تلزم بالخبر، كما تلزم بالمشاهدة، وذلك أن المعجزة باقية مساعدةٌ للخبر، مبينةٌ له، دافعة لما يخشى من آفات الأخبار، وهي القرآن الباقي، وخص الله سبحانه وتعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - ببقاء معجزته لبقاء دعوته، ووجوب قبولها على من بلغته إلى آخر الزمان.

ومنها: ما خصه به الله سبحانه من الشفاعة، وهو أنه لا يشفع في أحد يوم القيامة إلا شُفِّع فيه "قُلْ تسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفعْ".

ومنها: إباحة الغنائم له، لأمته - صلى الله عليه وسلم -. [عمدة القاري جـ 4 ص 10]." اهـ

 

وقال شيخنا عبد المحسن العباد _حفظه الله_ في كتابه "عشرون حديثا من صحيح البخاري دراسة اسانيدها وشرح متونها" (ص: 65_66):

لم يبين في هذا الحديث متى قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بين أنه___في غزوة تبوك في الحديث الذي خرجه الإمام أحمد في مسنده حيث قال حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر بن مضر عن ابن الهاد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك قام من الليل يصلى فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى وانصرف إليهم فقال لهم: "لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي" الخ الحديث. وهذا من الشواهد لرواية هشيم بن بشير التي أشار إليها الحافظ ابن حجر فيما تقدم." اهـ

 

وقال في "عشرون حديثا من صحيح البخاري دراسة اسانيدها وشرح متونها" (ص: 70_71):

من فقه الحديث وما يستنبط منه:

1- امتنان الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بخصائص يختص بها عن غيره.

2- تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء والمرسلين.

3- تحدث الإنسان بنعم الله تعالى عليه.

4- تفضل الله على نبيه بنمره على أعدائه بالرعب الذي يقذفه في قلوبهم مسيرة شهر.

5- أن النصر بيد الله إذا شاءه حصل ولو بدون أسباب ظاهرة.

6- أن الأصل في الأرض الطهارة فلا تخص الصلاة فيها بموضع دون آخر ما أتتيقن نجاسة البقعة.

7- أن المراد بالطهور هو المطهر لغيره لأنه لو كان المراد به في الحديث الطاهر لم تثبت الخصوصية.

8- أن التيمم يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في وصف الطهورية.

9- أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض.

10- كون الغنائم حلالا في حق هذه الأمة

11- إثبات الشفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم.

12- عموم رسالة محمد عتم هـ.

13- تيسير الله تعالى على هذه الأمة ورفعه الحرج والإصر عنها.___

14- وجوب الإيمان بالمغيبات التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ماضيها كعدم حل الغنائم للماضين ومستقبلها كإعطائها صلى الله عليه وسلم الشفاعة.

15- أنه لايجوز تأخير الصلاة عن وقتها.

16- إظهار كرامة الآدمي إذا خلق من ماء وتراب وتراب وكل منهما طهور.

17- أن الصلاة والطهارة لها في الجملة شرع لمن قبلها.

 

وقال العثيمين _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 352_358):

"في هذا الحديث فوائد:

منها: منة الله - تبارك وتعالى- على هذه الأرمة؛ حيث خصها بخصائص لم تكن للأمم من قبلهم، وهذا داخل في ضمن قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110]. ولم يرد سوى هذا اللفظ فيما سواها من الأمم؛ ورد في بني إسرائيل أن الله فضلها على العالمين، لكن قال العلماء: أي: عالمي زمانهم لا على كل العالم؛ لأن هذه الأمة بالاتفاق هي خير الأمم.

ومنها: فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث أعطاه الله تعالى ما لم يعط أحدا من الأنبياء قبله.

ومنها: حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حيث يجمع بعض الأشياء المتشتتة في سياق واحد؛ لأن ذلك أوعى للقلب وأسمع للأذن، ولم يلزم إذا خص عددا معينا في موضع ألا يزيده في موضع آخر كما قد بينا في الشرح.

ومن فوائد هذا الحديث: إعطاء الرسول صلى الله عليه وسلم هذا السلاح الفتاك في عدوه وهو الرعب، فقد نصر بالرعب مسيرة شهر، وما دون ذلك من باب أولى.

وهل يثبت هذا لأحد من أمته؟ الجواب: إذا كانت الأمة على سيرة نبيها صلى الله عليه وسلم ثبت لها ذلك ولا شك؛ لأن المعنى الذي نصر من أجله الرسول صلى الله عليه وسلم إذا وجد في أمته فالنصر باق كما قال الله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} [التوبة: 32].

وعلى هذا فنقول: إذا تخلف النصر عن الأمة فلابد أن يكون لذلك سبب، وأسباب الخذلان كثيرة: منها: المعصية. ومنها: الإعجاب بالنفس. ومنها: عدم الإخلاص في الجهاد كالذين يقاتلون لأجل القومية العربية، أو غيرها من القوميات، فإن النصر ليس مضمونا لعدم الإخلاص؛ لكن قد يكون من أجل أن يسلطوا على الآخرين لا انتصارا لهم، أن النصر إذا تخلف في هذه الأمة فلابد أن يكون له سبب، وأما إذا قامت الأمة بما قام به نبيها صلى الله عليه وسلم وخلفاؤها الراشدون فإنه لابد أن يحصل النصر، ومن تتبع التاريخ علم الشاهد لذلك.

نتكلم الآن عن قوله: "مسيرة شهر" دائما يكون في الحديث مسيرة ثلاثة أيام، مسيرة شهر، وفي القرآن خمسين سنة، خمسين عاما وما أشبه ذلك، فالمسيرة هنا مسيرة الشهر، بأي شيء توزن المسيرة؟ قال العلماء: توزن المسيرة فيما هو غالب في ذلك الوقت، والغالب في ذلك الوقت سير الإبل المحملة على عادة المسافر لا السريعة ولا البطيئة جدا، كل ما وجدت مسيرة يومين أو ثلاثة أيام أو ما أشبه ذلك، فاحملها على أن ذلك على مسيرة الإبل المحملة التي جرت العادة بالقياس بها.

ومن فوائد هذا الحديث: أن الله جعل الأرض مسجدا وطهورا، والجعل ينقسم إلى قسمين: قسم بمعنى الشرع، وقسم بمعنى التصيير والخلق، ففي قوله تعالى: {وجعلنا الليل لباسا وجعلنا___النهار معاشا} [النبأ: 10، 11].

ما هذا؟ الخلق والتصيير، أي: صيّرناه معاشا، {وجعلنا الليا والنهار ءايتين} [الإسراء: 12].

كذلك وفي قوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة} [المائدة: 103].

أي: ما شرع؛ لأن البحيرة موجودة، العرب يفعلون البحيرة، والسائبة والوصيلة والحام، لكن {ما جعل} أي: ما شرع، هنا جعلت الأرض مسجدا من أي القسمين؟ الشرعي.

ومن فوائد هذا الحديث: أن جميع الأرض تصح فيها الصلاة، كل الأرض، فأي إنسان رآك تصلي وقال: صلاتك غير صحيحة في هذا المكان لابد أن تقول: ما هو الدليل؟

وعموم هذا يقتضي صحة صلاة الفريضة في جوف الكعبة، فتصح صلاة الفريضة في جوف الكعبة كما تصح النافلة، وصلاة النافلة ثبتت بها السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين في جوف الكعبة. والأصل أن ما ثبت في النقل ثبت في الفرض، وعندنا هذا العموم: "جعلت لي الأرض مسجدا".

فإن قال قائل: الفريضة لا تصح في الكعبة، ولا في الحجر؟

سألناه هل الكعبة في السماء أم في الأرض؟ فسيقول: في الأرض، إذا قال: في الأرض، قلنا: ما الذي أخرجه من هذا العموم: "جعلت لي الأرض".

يبقى على هذا: ما الذي يستثنى لننظر؟

أولا: المكان النجس يستثنى، المكان النجس لا يصلى فيه،

ودليل ذلك: أنه لما بال الأعرابي في المسجد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصب عليه ذنوبا من ماء. وهذا يدل على أنه لابد أن تكون أرض المصلي طاهرة، وهذا نص صريج.

ثانيا: قول الله تعالى: {أن طهرا بيتي للطائفين والعكفين والركع السجود} [البقرة: 125]. وهذا يشمل الطهارة الحسية والمعنوية، هذا واحد؛

المقبرة لا تصح الصلاة فيها، ودليل ذلك أمرين:

الأمر الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي مرثد الغنوي: "لا تصلوا إلى القبور".

فإذا نهى عن الصلاة إلى القبور - أي: تجعلها قبله له- خوفا من الفتنة والشرك، فالصلاة بينها من باب أولى ولا شك.

الأمر الثاني: أنه روى الترمذي بإسناد لا بأس به، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام".

فالمقبرة لا يصح الصلاة فيها لا فرضا ولا نفلا سواء كان ذلك بين___

القبور، أو خلف القبور، أو عن يمين القبور، أو عن شمال القبور، وعلى هذا فإذا كانت مقبرة كبيرة فيها مساحات كبيرة لم يدفن فيها؛ فالصلاة في هذه المساحات لا تصح؛ لأنها داخلة في اسم المقبرة،

ومن هنا نأخذ حرص الشارع على حماية التوحيد، وتجنب كل طريق موصل إلى الشرك؛ لأن فتنة القبور ليست هبة بل من أعظم الفتن التي افتتن بها بنو آدم فتنة القبور.

الثالث: "الحُشُّ والحمام"، الحمام فيه الحديث الذي سمعتم: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"، والحش من باب أولى، والفرق بينهما: أن الحمام هو المغتسل، والحش هو المحتلى - يعني: الذي يقضي فيه الإنسان حاجته ببول أو غائط-، وكان هذا معروفا عند السابقين، وأدركناه نحن، كان الناس بالأول في بيوتهم كنف تقضى فيها الحاجة فقط، البول أو الغائط، ثم يقوم الإنسان من هذا المكان إلى مكان آخر ليستنجي أو يستجمر،

فالمكان الأول هذا يسمى حُشًّا لا تصح الصلاة فيه لهذا الحديث الذي هو الحمام، فإن الحش أخبث من الحمام.

الرابع: أن تكون الصلاة إلى قبر بحيث يكون القبر بين يدي الإنسان، فإن الصلاة في هذا المكان لا تصح؛ لا لأنه نجس أو خبيث أو ما أشبه ذلك، ولكن لأن كون القبر أمامك وسيلة إلى الشرك، فإنه قد يتدرج الناس - ولاسيما الجهال- إلى الصلاة للقبور؛ ولهذا ثبت عن النبي - عليه الصلاة والسلام- أنه قال: "لا تصلوا إلى القبور".

الخامس: أعطان الإبل وهي مناخها التي تقيم فيها وتأوي إليها،

وعلى القول الصحيح: ما تعطن فيه بعد شرب الماء؛ لأن الإبل إذا شربت الماء تنحت قليلا عن مكان الماء ثم وقفت تبول وتروح،

فالإبل معاطنها لا تصح الصلاة فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصلاة في معاطن الإبل فأيى، قال: "لا"، قالوا: نصلي في مرابض الغنم، قال: "نعم". هل لأن أروائها نجسة وأبواها نجسة؟ لا، ولكن لأن أعطانها مأوى الشياطين؛ لأن الإبل خلقت من الشياطين كما خلق الإنسان من عجل - يعني: أن طبيعتها طبيعة الشياطين - وليس المعنى: أنها من ذرية الشيطان؛ لأن هذا عالم آخر، لكن هذا كقوله: {خلق الإنسن من عجل} [الأنبياء: 37].

يعني: أن طبيعتها طبيعة الشياطين، فتكون معاطنها مأوى الشياطين فلا تصح الصلاة فيها؛

وقال بعض___العلماء: إنها لا تصح الصلاة فيها؛ لأنه يخشى على الإنسان الذي يصلي فيها أن تدعسه الإبل وتهلكه، لكننا لو جعلنا هذه هي العلة لزم أن تصح الصلاة فيها إذا لم تكن موجودة فيها، وظاهر الحديث العموم،

وهذا هو الصحيح أنه عام فلا تصح الصلاة في معاطن الإبل، أما ما بركت فيه الإبل لكون صاحبها نزل في أرض يستريح يتغذى أو يتعشى أو ينام ثم بالت وراثت ثم انصرفت، فهذا لا يعد من معاطنها، فتصح الصلاة فيه.

السادس: المغصوب عند كثير من العلماء: الأرض المغصوبة أو أي شيء غصبته من صاحبه وصليت؛ فإن الصلاة لا تصح فيه على قول كثير من أهل العلم، وجه ذلك أن لبسه في هذا المكان معصية ومنهي عنه ولا يمكن أن يكون محلا لطاعة لما في ذلك من التضاد، كيف تقيم مقاما نقول لك: إنك عاص، ونقول في نفس الوقت: إنك مطيع؟ ! هذه منافاة تامة وتناقض، فلا تصح الصلاة في أرض مغصوبة، وعلى هذا فمن بقي في بيته مستأجرا دون رضا صاحب البين؛ فإن صلاته لا تصح ولا صلاة أهله، اللهم إذا كان أهله لا يستطيعون أن يصلوا في مكان آخر، فهنا قد نقول: إنهم مثل الذين حبسوا في مكان غصب تصح صلاتهم لكن إثمها على رب الأسرة.

فإذا قال: إنه باق بالأجرة بدون رضا المؤجر بناء على القانون؛ لأن بعض الدول إذا استأجر الإنسان البيت، صار كالمالك لا يمكن لأن يخرج منه، إلا إذا طارت نفسه منه.

فنقول: إن القانون لا يحلل الحرام، وأنت إذا احتججت بالقانون فإذا أخذت الحجة بقوة السلطان فأنت ظالم لا شك،

وإن احتججت بالقانون لأنك جعلته الحكم بين الناس دون حكم الله، فإنك على خطر عظيم أن تكون مشركا، الذي يقيم بحجة القانون بغير رضا صاحبه لا يخلو من حالين:

إما أن يحتج بالقانون باعتبار السلطة، وأنك لا تستطيع أن تخرجني؛ لأنك مهما رفعت الأمر سيكون بقائي لازم، فهذا نقول: إنه عارض ظالم، ولا إشكال فيه،

وإما أن يحتج بالقانون مقدما له على حكم الله ورسوله، فهذا على خطر، ويصح أن نقول: إنه مشرك؛ لأن الله تعالى قال: {اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم} [التوبة: 31].

فقال عدي بن حاتم لرسول اله صلى الله عليه وسلم:

"يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، قال: "أليس يحلون ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ " قال: نعم،

قال: "فتلك عبادتهم". فالمسألة خطيرة؛ ولهذا أوصي إخواني الذين من غير هذه البلاد أن يبثوا هذا الوعي في العامة أنه لا يجوز لأحد أن يسكن دار تخص غيره بغير رضاه حتى بحكم القانون.___

أما الصحيح من أقوال العلماء في هذه المسألة - أي: الصلاة في الأرض المغصوبة-: أن الصلاة صحيحة لكنه آثم، وذلك لانفكاك الجهة؛ لأن الصلاة طاعة من حيث أمر الله بها، والغصب معصية من حيث النهي عن أكل المال بغير حق، ولم يرد النهي عن الصلاة نفسها، لو قيل مثلا: لا تصلي في أرض مغصوبة بهذا اللفظ، لقلنا: الصلاة باطلة، كما قلنا: إن الصلاة تدخل في أوقال النهي بقوله: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع البشمس". فهنا لو صلى الإنسان صلاة ليس لها سبب بعد صلاة الفجر، لقلنا: صلاته باطلة، وهو آثم، لأن النهي هنا عن الصلاة.

فالصحيح: أن الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة لكنه آثم بالبقاء، ووجه ذلك: انفكاك الجهة؛ والنهي لم يرد عن الصلاة نفسها، لو قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تصلوا في الأرض المغصوبة"؛ قلنا: إذن الصلاة باطلة كما قلنا ببطلان صلاة الرجل إذا صلى في وقت النهي.

المهم: ما هو الأصل في الأرض أن تصلح للصلاة أو لا؟ تصلح للصلاة، هذا هو الأصل، فأي إنسان يعترض قل له: هات الدليل، أما حديث عبد الله بن عمر في أنها لا تصح الصلاة في سبع مواطن. فهذا حديث ضعيف، ولا يعول عليه.

ومن فوائد حذا الحديث الشريف: أن جميع الأرض مكان للتيمم، لقوله: "وجعلت الأرض مسجدا وطهورا" كل الأرض، الأرض الحجرية يصح التيمم عليها؟ نعم، الرملية. نعم، الندية؟ نعم، كل الأرض جعلت مسجدا وطهورا.

فإن قال قائل: إذا كانت الأرض رملية أو ندية، أو حجرية فليس فيها غبار فلا يصح التيمم بها؟

قلنا: من قال أنه يشترط أن يكون فيها غبار والحديث عام، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن الناس يسافرون في أيام الشتاء، وأيام الشتاء ما بين أمطار أو طل أو ما أشبه ذلك، وهو - عليه الصلاة والسلام- سافر إلى تبوك وفي طريقه الرمال الكثيرة، والناس يتيممون، على هذا فالتيمم على أي نوع من أنواع الأرض جائز سواء كان فيها تراب أو لا.

فإن قال قائل: أليس قد جاء في هذا الحديث: "جعلت تربتها لنا طهورا"؟

فنقول: إن كانت هذه اللفظة محفوطة - يعني: عن النبي صلى الله عليه وسلم- فهي من ذكر بعض أفراد العام بما يوافق حكم العام، وذكر أفراد العام بما يوافق حكم العام لا يفيد التخصيص كما هو معروف، اللهم إلا إذا كان هذا المخصص لوصف يقتضي الحكم، كما لو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم المجتهد، فهنا يكون التخصيص، أما اللقب الذي هو مجرد اسم فهذا ليس___بتخصيص، وهذا ما تجدونه أحيانا في بعض المجادلات ببين الفقهاء يقولون: مفهوم هاذ مفهوم لقب، ومفهوم اللقب ليس بحجة.

قلنا طريقان: إما أن نقول: هذا ذكر بعض أفراد العام بما يوافق العام، وهذا لا يقتضي التخصيص لما حققه أهل العلم في أصول الفقه، ومن آخر ما رأيت الشيخ الشنقيطي رحمه الله في كتابه "أضواء البيان" وهذا هو الذي عليه الجمهور، وإما أن نقول: إن هذا بناء على الغالب.

فإن قال قائل: ما تقولو في قول الله: {فأمسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6]؟

فالجواب: أن "من" هنا لا يلزم أن تكون للتبعيض، بل هي لبيان الجنس أو للابيتداء؛ ولهذا جاء في حديث عمار بن ياسر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما ضرب الأرض نفخ في كفيه قبل أن يسمح وجهه، فالصواب: إذن: أن جميع الأراضي يصح التيمم منها بدون استثناء، لكن اشترط الله في ذلك أن تكون طيبة، قال: {صعيدا طيبا} [النساء: 43].

ومن فوائد الحديث: أنه لا يجب طلب الماء قبل دخول الوقت؛ لقوله: "أدركته الصلاة".

ومن فوائده: الإشارة إلى فعل الصلاة في أول وقتها.

ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز لمن دخل عليه وقت الصلاة ولم يجد الماء أن يصلي بالتيمم، وإن كان يعلم وجود الماء في آخر الوقت لقوله: "أدركته الصلاة".

وقال بعض أهل العلم: إذا علم وجوده في آخر الوقت لزمه التأخير، وله حظ من النظر؛ لأن تقديم الصلاة في أول وقتها سنة، واستعمال الماء عند وجوده واجب.

ومن فوائده: أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها ولو لعالم بوجود الماء قريبا لقوله: "فليصل"، ويعضده قوله تعالى: {إن الصلوة كانت على المؤمنين كتبا موقوتا} [النساء: 103].

ومن فوائد الحديث: حل الغنائم لهذه الأمة؛ لقوله: "وأحلت لي الغنائم".

ومن فوائده: جواز النسخ في الأحكام سواء كان ذلك باعتبار النبوات أو باعتبار الشريعة الواحدة، يعني: باعتبار الشرائع، أو باعتبار الشريعة الواحدة.

ومن فوائده: فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم بإعطاء الشفاعة؛ لقوله: "وأعطيت الشفاعة".

ومن فوائده: إثبات الشفاعة، والعلماء - رحمهم الله، بل هذه الأمة- اتفقوا - فيما أعلم- أن الشفاعة العظمى ثابتة، يعني: قال بذلك السني والبدعي، أما الشفاعة في أهل الكبائر فعند المعتزلة والخوارج لا تثبت؛ لأنهم يرون أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، ولا يمكن أن يشفع فيه، والصحيح أنها ثابته، ولذلك أدلة معروفة في كتب العقائد.___

ومن فوائد هذا الحديث: عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: "ةوبعثت إلى الناس عامة".

ومن فوائده: أنه لا يمكن تغيير الشريعة باختلاف الزمن؛ لأنه لو جاز ذلك لم تكن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم عامة، لكن ما قيد بالمصالح فإنه يتغير باختلاف الأحوال، يعني: ما علم من الشرع أنه تابع للمصالح فإنه لا شك يختلف باختلاف الأحوال، وأما الأصول الثابتة فإنه لا يمكن أن تنسخ.

ومن فوائده: أنه لا عموم في رسالة أحد من الرسل إلا النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: "وكان النبي يبعث على قومة خاصة".

فإن قال قائل: أليس نوح بعث إلى الناس جميعا؟

قلنا: لأنه لا يوجد في ذلك الوقت إلا قومه.

 

ملحق الفوائد:

 

فيما يلي فوائد عديدة جامعة مستنبطة من مجموع هذه الروايات الواردة في خصائص النبي ﷺ وفضائل أمته:

1. إثبات تفضيل الله لنبيه محمد ﷺ على سائر الأنبياء بما خصّه به من خصائص لم تجتمع لغيره.

2. إثبات كمال نبوة محمد ﷺ وخَتْم رسالته لعُموم بعثته وشمول شريعته.

3. أن الإيمان بما خصّ الله به نبيه وأمته من الغيب كالنصر بالرعب والشفاعة.

4. أن الفضل والمنح الإلهية محض تفضل من الله لا تُنال بالاستحقاق البشري.

5. عالمية رسالة الإسلام، فهو دينٌ للناس كافة لا لقوم دون قوم.

6. مسؤولية الأمة في تبليغ هذا الدين للعالمين لكونها وارثة لرسالة نبيٍّ عالمي.

7. أن اختلاف الشرائع راجع لحكمة الله، فإباحة المغانم وعموم الصلاة في الأرض من خصائص هذه الشريعة.

8. أن الأصل في الأرض الطهارة ما لم يثبت خلاف ذلك.

9. جواز الصلاة في كل مكان طاهر دون تقييد بمسجد خاص.

10. مشروعية التيمم بالتراب عند فقد الماء أو تعذر استعماله.

11. أن شريعة الإسلام مبنية على رفع الحرج والتيسير، لا على التضييق والمشقة.

12. تعظيم شأن الصلاة والجماعة بجعل صفوف الأمة كصفوف الملائكة.

13. أن النصر الحقيقي من عند الله ولو بأسباب غير مادية كالرعب.

14. أن التمكين في الأرض نعمةٌ مشروطة بالطاعة وليس غايةً مستقلة.

15. مشروعية الغنائم لهذه الأمة بخلاف الأمم السابقة.

16. إثبات الشفاعة العظمى للنبي ﷺ رحمةً بأمته يوم القيامة.

17. عظم منزلة النبي ﷺ يوم القيامة إذ يتقدّم للشفاعة حيث يعجز غيره.

18. فضل أمة محمد ﷺ على سائر الأمم إذا قامت بحق هذا الفضل.

19. أن خيرية الأمة مرتبطة بالقيام بالدين لا بمجرد الانتساب.

20. أن هذه الخصائص تستلزم مسؤولية أعظم في الطاعة والاستقامة.

21. وجوب شكر نعم الله الظاهرة والباطنة، ومن أعظمها نعمة الإسلام والرسالة المحمدية.

22. الحث على الاعتزاز بالدين دون غلو أو جفاء مع التمسك بالمنهج الشرعي.

23. تربية للمسلم على الجمع بين العبادة والعمل والدعوة كما دلت عليه شمولية الشريعة.

خلاصة جامعة لمجموع الروايات: أنها تدل على أن النبي ﷺ نبيٌّ مفضَّلٌ مختار، ورسالته خاتمةٌ شاملة، وشريعته مبنية على الرحمة والتيسير، وأمته أمة فضل وتمكين، وأن هذه المنن العظيمة توجب شكر الله، وتعظيم الرسول ﷺ، والالتزام بشرعه، والقيام بحق الدعوة إليه.



[1]  المعنى الإجمالي للحديث:

بين النبي ﷺ في هذا الحديث جملةً من الخصائص العظيمة التي اختصه الله بها دون سائر الأنبياء، تكريمًا له وتشريفًا، ودلالةً على كمال رسالته وعمومها.

فمنحه الله النصر بالرعب؛ أي أن الله يُلقي الخوف في قلوب أعدائه قبل لقائه بهم بمسيرة شهر، تأييدًا له ولدعوته.

وجعل الله له الأرض كلها مسجدًا وطَهورًا، تيسيرًا على أمته، فلا تختص العبادة بمكانٍ معين، بل أينما أدرك المسلم وقت الصلاة صلّى، ما دام المكان طاهرًا.

وأحلّ له الغنائم بعد أن كانت محرمة على الأمم السابقة، توسعةً ورحمةً بهذه الأمة.

وأعطاه الله الشفاعة العظمى يوم القيامة، وهي أعظم منقبة له ﷺ، يتشفّع بها لرفع الكرب عن الخلق ولأهل التوحيد من أمته.

وكان من تمام فضله أن بُعث إلى الناس كافة، بخلاف الأنبياء قبله الذين بُعث كلٌّ منهم إلى قومه خاصة.

فالحديث يقرر عالمية رسالة الإسلام، وعموم شريعته، وكونها شريعة تيسير ورحمة، ويُظهر علوَّ منزلة النبي ﷺ ووجوب تعظيمه واتباعه؛ لأنه خاتم الأنبياء المبعوث إلى الإنس والجن كافة.

[2]  وفي "السنن الكبرى" للنسائي (7/ 260):

عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتِ الْأَرْضُ كُلَّهَا لَنَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، وَجُعِلَتْ صُفُوفَنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَأُوتِيتُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ آخِرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ لَمْ يُعْطَ مِنْهُ أَحَدٌ قَبْلِي، وَلَا يُعْطَى مِنْهُ أَحَدٌ بَعْدِي» بسند صحيح.

المعنى الإجمالي للحديث:

بين النبي ﷺ في هذا الحديث جملةً من الفضائل العظيمة التي فضَّل الله بها هذه الأمة على سائر الأمم، تكريمًا لها وتشريفًا، وبيانًا لِما أُوتيتْه من خصائص في عبادتها وتشريعها.

فجعل الله صفوف المسلمين في الصلاة كصفوف الملائكة في الانضباط، والتراص، والاستقامة، إظهارًا لشرف هذه العبادة وعظم شأن الجماعة فيها.

وجعل الأرض كلها مسجدًا لهذه الأمة، فلا تختص عبادتهم بأماكن محددة، بل يُصلّون حيث أدركهم الوقت في أي موضع طاهر، وذلك من أعظم مظاهر التيسير.

وجعل تراب الأرض طَهورًا يُتيمم به عند فقد الماء أو العجز عن استعماله، رحمةً بالعباد ورفعًا للحرَج عنهم.

وفي بعض روايات الحديث:

بيانُ فضيلةٍ أخرى عظيمة، وهي أن النبي ﷺ أُعطي الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة من كنزٍ تحت العرش، وهي من أعظم ما امتنّ الله به على هذه الأمة، لما اشتملتا عليه من التوحيد والدعاء والمغفرة.

فالحديث يدل على أن شريعة الإسلام شريعةُ تيسيرٍ ورحمة، وأن هذه الأمة مفضَّلةٌ بخصائص تعبُّدية لم تُعطَ لغيرها، مما يوجب شكر النعمة، والمحافظة على الصلاة، وتعظيم شأن الجماعة، والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.

 

[3]  المعنى الإجمالي للحديث:

بين النبي ﷺ في هذا الحديث جملةً من الخصائص العظيمة التي اختصه الله تعالى بها دون سائر الأنبياء، تكريمًا له وتشريفًا، وبيانًا لعلو منزلته وكمال رسالته.

* فقد أيّده الله بـ النصر بالرعب؛ أي بإلقاء الخوف في قلوب أعدائه قبل لقائه بهم، نصرةً لدعوته وإظهارًا لدينه.

* وأعطاه مفاتيح الأرض؛ أي التمكين والفتح والسلطان، وانتشار دعوته في أقطار الأرض.

* وسمّاه أحمد، وهو من أسمائه الشريفة، دالٌّ على كمال حمده لربه وكثرة ما يُحمد به بين الخلق.

* وجعل التراب له طَهورًا، فيُتيمم به عند فقد الماء أو العجز عن استعماله، تيسيرًا ورحمةً لأمته.

* وجعل أمته خير الأمم لما خصّها به من الإيمان، والوسطية، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

فالحديث يقرر عظيمَ فضل النبي ﷺ، وسموَّ مكانته بين الأنبياء، ويدل على أن رسالته خاتمةٌ عامة، مؤيَّدة بالنصر، قائمة على التيسير، وأمته أمةُ خيرٍ وفضل، مما يوجب محبته، وتعظيمه، واتباعه، وشكر الله على هذه النعم العظيمة.

[4]  وفي "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (12/ 30):

"وقال ابن رجب -رَحِمَهُ اللَّهُ-: الرعب: هو الرعب الذي يقذفه اللَّه تعالى في قلوب أعدائه المشركين، كما قال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ} الآية [آل عمران: 151]، وقال في قصّة بدر: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} الآية [الأنفال: 12] انتهى

وقال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: قوله: "نصِرت بالرعب": أي بقذفه من اللَّه في قلوب الأعداء بلا أسباب ظاهرية، وآلات عادية له، بل بضدّها، فإنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كثيرًا ما يَرْبِط الحجر ببطنه من الجوع، ولا يوقد النار في بيوته، ومع هذا الحال كان الكَفَرة، مع ما عندهم من المتاع والآلات والأسباب، في خوف شديد من بأسه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلا يُشْكِل بأن الناس يخافون من بعض الجبابرة مسيرة شهر وأكثر، فكانت بلقيس تخاف من سليمان -عليه الصلاة والسلام- مسيرة شهر، وهذا ظاهر، وقد بقي آثار هذه الخاصّة في خلفاء أمته ما داموا على حاله، واللَّه تعالى أعلم. انتهى." اهـ

[5]  (وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَة)، أي: أعطاني اللَّه تعالى الشفاعة العُظمى في هول الموقف.

[6]  قال العيني _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (4/ 8):

"وَإِذا تَأَمَّلت، وجدت هَذِه الْخِصَال اثْنَتَيْ عشرَة خصْلَة، وَيُمكن أَن تُوجد أَكثر من ذَلِك عِنْد إمعان التتبع،

وَقد ذكر أَبُو سعيد النَّيْسَابُورِي فِي كتاب (شرف الْمُصْطَفى) أَن الَّذِي اخْتصَّ بِهِ نَبينَا من بَين سَائِر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام سِتُّونَ خصْلَة.

فَإِن قلت: بَين هَذِه الرِّوَايَات تعَارض، لِأَن الْمَذْكُور فِيهَا الْخمس والست وَالثَّلَاث؛

قلت: قَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا يظنّ أَن هَذَا تعَارض، وَإِنَّمَا هَذَا من توهم أَن ذكر الْأَعْدَاد يدل على الْحصْر وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن من قَالَ: عِنْدِي خَمْسَة دَنَانِير مثلا، لَا يدل هَذَا اللَّفْظ على أَنه لَيْسَ عِنْده غَيرهَا، وَيجوز لَهُ أَن يَقُول مرّة أُخْرَى: عِنْدِي عشرُون، وَمرَّة أُخْرَى ثَلَاثُونَ، فَإِن من عِنْده ثَلَاثُونَ صدق عَلَيْهِ أَن عِنْده عشْرين وَعشرَة.

فَلَا تعَارض وَلَا تنَاقض، وَيجوز أَن يكون الرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أعلمهُ بِثَلَاث ثمَّ بِخمْس ثمَّ بست. قلت: حَاصِل هَذَا أَن التَّنْصِيص على الشَّيْء بِعَدَد لَا يدل على نفي مَا عداهُ، وَقد علم فِي مَوْضِعه." اهـ

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (5/ 611_612):

قال الحافظ رحمه الله: فينتظم بهذا سبع عشرة خصلة، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع، وقد تقدم طريق الجمع بين هذه الروايات، وأنه لا تعارض فيها.

وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب شرف المصطفى أن عدد الذي اختص به نبينا - صلى الله عليه وسلم - عن الأنبياء ستون خصلة. انتهى كلام الحافظ. [فتح جـ 1 ص 523 - 524]

قال الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله: بعد نقل كلام الحافظ ما نصه: وقد دعاني ذلك لمَّا ألفت التعليق الذي على البخاري في سنة بضع وسبعين وثمانمائة إلى تتبعها، فوجدت في ذلك شيئا كثيرًا في الأحاديث والآثار، وكتب التفسير، وشروح الحديث، والفقه___والأصول، والتصوف، فأفردتها في مُؤَلَّف سميته "أنموذج اللبيب، في خصائص الحبيب" وقسمتها قسمين: ما خص به عن الأنبياء، وما خص به عن الأمة، وزادت عدة القسمين على ألف خصيصة، وسار المُؤَلَّفُ المذكور إلى أقصى المغارب والمشارق، واستفاد كل عالم

وفاضل، وسَرَقَ منه كل مُدَّع وسارق. اهـ [زهر الربى في شرح المجتبى جـ 1 ص 210].

قال الجامع عفا الله عنه: وقد عقد الحافظ أبو الفضل زين الدين العراقي رحمه الله تعالى في ألفية السيرة المسماة "نظم الدرر البهية، في سيرة خير البرية" بابًا في ذكر القسمين." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ