شرح الحديث 1 (باب ما جاء في خلق رسول الله _صلى الله عليه وسلم_) من الشمائل المحمدية
نَشْرُ
الْفَضَائِلِ
بشَرْحِ الشَّمَائِلِ
المجلد الأول
كتبه:
الأستاذ عبد القادر بن هارون أبو فائزة البُوْجِيْسِيّ
_حفظه الله_
مقدمة الشارح
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ
بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا
هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل
عمران: 102]،
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا
رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ
وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]،
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا
(71)} [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد، فهذا كتابنا "نشر الفضائل بشرح الشمائل"، والكتاب يعتبر مسودة
لم يكن فيه تنسيق تامٌّ، وهو شرح وتعليق على الأحاديث الواردة في كتاب
"الشمائل المحمدية" للإمام أبي عيسى
محمد
بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاكِ
الترمذيِّ (المتوفى:
سنة 279 هـ) _رحمه
الله_.
و"الشمائل المحمدية" من أهم ما ألفه حافظ
الدنيا الإمام أبو عيسى الترمذي _رحمه
الله_، لاسيما في باب الشمائل، وهذا الكتاب لقي قبولا لدى أهل العلم وطلابه، فجعل
مقررا في بعض المساجد والمدارس الإسلامية، وشرحوه وحققوه حتى ظهر على وجهه اللائق
به.
وقد كنا شرحنا الكتاب قديما حين ألقينا محاضرة عبر
(إذاعة النصيحة)، بمدينة ماكسر، سلاويسي الجنوبية، أندونيسيا، إلا أن الشرح لم يكن مكتملا
ومرتبا، فرأينا فيما بعد تكميل الشرح وترتيبه لينتفع به المسلمون.
شرحنا الكتاب شرحا مرتبا من إيراد الحديث داخل
المربع ليتميز من غيره من التعليق والشرح للحديث. ثم أتبعناه ببيان رواته، وبيان
معناه مجملا، وتخريجه تخريجا مختصرا[1]،
ثم شرحنا بعض ألفاظه الغريبة،
وختمناه بنقل فوائد الحديث من أقوال أهل العلم
المشهورين المنقولة من مؤلفاتهم مع ذكر أسماءها ومجلداتها وصفحاتها تسهيلا لطلاب
العلم في رجوعهم إلى تلك المصادر والمؤلفاتِ فيما بعدُ. ثم ألحقنا في آخر البحث
لكل حديثٍ فوائد استخرجناها على أصول وقواعد علمية عند أهل العلم.
وأحاديث "الشمائل المحمدية" تبلغ 417
حديثا، وأبوابه 56 بابا. واعتمدنا في ترقيم الأحاديث على طبعة المكتبة التجارية (الطبعة:
الأولى، 1413 هـ - 1993 م)، مصطفى أحمد الباز- مكة المكرمة، بتحقيق سيد بن عباس
الجليمي _حفظه الله وجزاه خيرا_.
وشرْحُنا للكتاب لا يَعْتَمِدُ على شرحٍ واحدٍ، بل
من عِدَّةِ مَصادِرَ علميةٍ من كتب علمائنا المتقدمين والمعاصرين، فالشرح غالبا
ليس من مجرد كلامنا وكَدِّنا، بل من جهود علمائنا _جزاهم الله خيرا ورحمهم
جميعا_.
إنما كنا جامعا وحاشدا ومنظما لكلامهم ليكون شرحا
مرتبا ينتفع به المسلمون لفهم أحاديث رسولنا الكريم _صلى الله عليه وأهله وأصحابه
وسلم_ على أسهل طريقة.
شرْحنا للكتاب وتعليقنا عليه من عمل البشر، لا ينجو
من الأخطاء، والتقصير، فسبحان الله الملك القدوس، لكن نرجو منه _تعالى_ أن يجعله
خدمة مباركة نافعة للأمة،
وختاما، نسأل الله _جل وعلا_ بأسمائه وصفاته العليا
أن يجعله ذخرا لنا يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، إنه ولي
ذلك والقادر عليه.
كتبه:
عبد القادر أبو فائزة البوجيسي
الأندونيسي
بمدينة ماكسر، سلاويسي الجنوبية
_حرسها الله من الشرور والفتن_
20 جمادى الآخرة سنة 1447 هـ
تمهيد
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على
أشرفِ الأنبياءِ والمرسلين، نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبِه أجمعين.
أمّا بعدُ؛ فإنَّ مِن أجلِّ العلومِ قدرًا،
وأعظمِها أثرًا، وأزكاها ثمرةً: العلمَ بشمائلِ
النبيِّ _صلى الله عليه وسلم_، إذ بها تكتملُ صورةُ الاقتداء، ويقوى داعي المحبة،
ويتحقق صدقُ الاتباع، فإنَّ القلوبَ مفطورةٌ على محبة من عرفتْ كمالَه، واتباع من
شهدتْ جمالَ خُلُقِه وكريمَ خِصالِه.
وإنَّ معرفةَ الشمائلِ المحمدية ليست مجرد تاريخ
علميّ لحياة رسولنا الكريم _صلى الله عليه وسلم_، بل هي بابٌ عظيمٌ من أبوابِ
التربيةِ الإيمانية، ومدخلٌ راسخٌ لفهمِ السيرةِ النبوية فهمًا حيًّا، إذ الشمائلُ
تُعرِّفُ بالأحوالِ الظاهرةِ والباطنةِ للنبيِّ _صلى الله عليه وسلم_، في عبادتِه،
ومعاملتِه، وهيئتِه، وتواضُعِه، وحلمِه، وسَمْتِه، فتتحولُ النصوصُ إلى قدوةٍ
مشاهدةٍ، والمعانيْ إلى سلوكٍ عمليٍّ يُحتذى.
ومن أنفعِ ما صُنِّف في هذا البابِ الشريف كتابُ
«الشمائل المحمدية» للإمامِ الحافظِ أبي عيسى محمدِ بنِ عيسى الترمذيِّ _رحمه الله
تعالى_، ذلك الإمامِ الجليلِ الذي جمع بين الحفظِ والإتقان، والدرايةِ والفقه،
وحسنِ الترتيبِ ودقةِ الاختيار. فقد امتاز كتابُه بحسنِ التصنيف، وجمعِه لأحاديثَ
صحيحةٍ وحسنةٍ في وصفِ النبيِّ _صلى الله عليه وسلم_ الخِلْقيِّ والخُلُقيِّ، مع
اختصارٍ غيرِ مُخلٍّ، وإيضاحٍ غيرِ مُملٍّ.
وقد أودعَ الإمامُ الترمذيُّ _رحمه الله_ في هذا
الكتابِ خلاصةَ ما ثبتَ من أوصافِ رسولِ الله _صلى الله عليه وسلم_، بدءًا من
هيئتِه الشريفة، ولباسِه، ومشيِه، وضحكِه، وحديثِه، وطعامِه، وعبادتِه، إلى
خُلُقِه العظيم الذي شهدَ له به ربُّه _سبحانه_، فصار هذا المصنَّفُ مرجعًا لأهلِ
العلم، وموردًا لعامةِ المسلمين، يتزوّدون منه محبةً، ويزدادون به إيمانًا،
ويجدّدون عبره العهدَ بالاقتداء.
وإنَّ الشروعَ في دراسةِ هذا الكتابِ المبارك إنما
هو سعيٌ لإحياءِ الصلةِ بالنبيِّ _صلى الله عليه
وسلم_، وتذكيرٌ بأنَّ الهدايةَ الكاملةَ لا تُنالُ
إلا باتباعِه ظاهرًا وباطنًا، خُلُقًا وسلوكًا.
نسألُ اللهَ تعالى أن يرزقَنا العلمَ النافع،
والعملَ الصالح، وأن يجعلَنا من أكثرِ الناسِ حبًّا لرسولِه _صلى الله عليه وسلم_،
واتباعًا لسنّتِه، واقتداءً بهديه، إنَّه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.
تعريف كلمة
"الشمائل":
الشّمائل هي في الأصل: الأخلاق والطّبائع. ومفردها:
شمال؛ بكسر الشّين.
قال الفيروزآبادي _رحمه الله_ في "القاموس
المحيط" (ص: 1020): "الشِّمال: الطّبع، والجمع: شمائل." اهـ
وقال قال الفيروزآبادي _رحمه الله_ في "بصائر
ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز" (3/ 346):
"والشِّمَال: الخليقة والعادة، لكونها
مشتملة على الإِنسان اشتمال الشِّمَال على الأَبدان. والشَّمُول: الخمر؛ لاشتمالها
على العقل." اهـ
وقال ابن منظرر _رحمه الله_ في "لسان العرب"
(11/ 369):
"وإِنَّها لحَسَنةُ الشَّمَائِل. ورجُل
كَريم الشَّمَائِل أَي فِي أَخلاقه ومخالطتِه. وَيُقَالُ: فُلَانٌ مَشْمُول
الخَلائق أَي كَريم الأَخلاق." اهـ
تدلُّ هذه النقول اللغوية على أنَّ كلمة «الشمائل»
تُطلق في أصلها على الأخلاق والطبائع والسجايا الراسخة في الإنسان، سواء كانت
ظاهرة في معاملاته، أو باطنة في طبيعته وعادته. فهي أوصاف شاملة لشخصية الإنسان،
تعبِّر عن خلقه، وسلوكه، وطريقته في المخالطة والمعاشرة.
ويظهر من كلام أهل اللغة أنَّ الشمائل سُمّيت بهذا الاسم لاشتمالها على الإنسان
اشتمالًا تامًّا، كما يشتمل اللباس على البدن؛ لأنها تحيط به وتلازمه، ولا تنفك
عنه غالبًا. ومن هنا كان وصف الرجل بـ حُسن الشمائل أو
كرم الشمائل دلالة على كمال أخلاقه وجمال طبيعته، وحسن تعامله مع الناس.
وعليه، فالمراد بـ"الشمائل: مجموع الصفات
الخُلُقية والعادات والسلوكيات التي يتَّصف بها الإنسان وتظهر آثارها في أقواله
وأفعاله ومعاملاته، وهذا هو الأساس اللغوي الذي بُني عليه إطلاق «الشمائل» على
أوصاف النبي _صلى الله عليه وسلم_ الخَلْقِيَّةِ والخُلُقِيَّةِ في كتب أهل العلم.
فوائد معرفة شمائل النبي
_صلى الله عليه وسلم_
ومعرفة الشمائل المحمدية -
وهي أوصاف النبي _صلى الله عليه وسلم_ الخَلقية والخُلُقية، وأحواله في عبادته
ومعاملاته وعاداته -، لها فوائد عظيمة وآثار جليلة على الإيمان والسلوك،
ومن أبرزها:
1_ زيادة المحبة الصادقة للنبي _صلى الله
عليه وسلم_،
فكلما تعرّف المسلم على شمائل النبي _صلى الله عليه
وسلم_، ازداد حبّه له؛ لأن النفوس مجبولة على محبة الكمال، ولا كمال أكمل من كماله
_صلى الله عليه وسلم_ خَلْقًا وخُلُقًا. ومحبته _صلى الله عليه وسلم_ أصل من أصول
الإيمان.
2_ تقوية الإيمان وتثبيته في القلب،
فمعرفة الشمائل تجعل النبي _صلى الله عليه وسلم_
حاضرًا في القلب، قريبًا من النفس، فتتحول السيرة من أخبارٍ تُقرأ إلى واقع يُعاش،
فيزداد اليقين والطمأنينة.
3_ تحقيق الاتباع والاقتداء الصحيح،
فمن عرف كيف كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ يعبد
ربه، ويعامل أهله، ويتعامل مع أصحابه وأعدائه، سهُل عليه أن يقتدي به على بصيرة،
لا على مجرد دعوى.
4_ تصحيح مفهوم القدوة، فالشمائل تبيّن أن النبي _صلى
الله عليه وسلم_ بشرٌ يفرح ويحزن، يجوع ويصبر، ويعيش بين أهله وأصحابه. ففي ذلك
ردٌّ على الغلو والجفاء معًا، وإظهار لكمال خَلْقِهِ وخُلُقِهِ
5_ تزكية النفس وتهذيب الأخلاق، فالاطلاع على
حلمه _صلى الله عليه وسلم_، وتواضعه، وعفوه، وصبره، ورحمته يحرض النفس على محاسبة
ذاتها، والسعيِ للاقتداء بتلك الأخلاق العظيمة.
6_ محبة سنّته والدفاع عنها، فمن أحب النبي _صلى
الله عليه وسلم_، عرف قدر سنته، وحرص على تعلمها، والعمل بها، ونشرها، والدفاع
عنها أمام الشبهات والافتراءات.
7_ تعظيم مقام النبوة دون غلو، فمعرفة الشمائل تجمع
بين تعظيمه _صلى الله عليه وسلم_، وإثبات بشريته، وهذا هو منهج أهل السنة
والجماعة، خلافًا لأهل الإفراط والتفريط.
8_ الثبات وقت الفتن والابتلاءات، فالذي يعرف كيف
كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ يصبر ويحتسب ويعالج الأزمات، يزداد ثباتًا عند
المحن، ويجد في شمائله سلوى وقدوة عملية.
9_ تربية الأهل والأولاد على المحبة والاقتداء، فالشمائل
مادة تربوية عظيمة سهلة مؤثرة قريبة للفهم، تغرس محبة النبي _صلى الله عليه وسلم_ في
قلوب الصغار والكبار.
10_ الفوز بشفاعته _صلى الله عليه وسلم_ يوم
القيامة، فأقرب الناس منه _صلى الله عليه وسلم_ يوم القيامة: "أحسنهم خُلُقًا."
11_ معرفة شمائله سبيل لتحصيل حُسْنِ الخلُقِ
والاتباع. فكلما اطلعت على شمائله، ازداد خلقك واتباعك له _صلى الله عليه وسلم_.
فمعرفة الشمائل المحمدية ليست علمًا تاريخيًا
مجردًا، بل علمٌ يُورِث محبة، ومحبة تُورِث اتباعًا، واتباعٌ يُورِث سعادة
الدارين. وهي من أعظم ما يُقرّب العبد من ومن ربه سبحانه وتعالى، ونبيه _صلى الله
عليه وسلم_.
|
1_ باب: ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم [1]
_ (1) قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةٍ
التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا
أَبُو رَجَاءٍ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ
رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَنَسِ
بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: «كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ
الْبَائِنِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَا بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ، وَلَا
بِالْآدَمِ، وَلَا بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ، وَلَا بِالسَّبْطِ، بَعَثَهُ اللَّهُ
تَعَالَى عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ،
وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَأْسِ
سِتِّينَ سَنَةً، وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً
بَيْضَاءَ» |
الخُلُقُ في لغة: هو
العادة، والسجيَّة، والطَّبع، والمروءة، والدِّين.
واصطلاحًا:
قال الشريف الجرجاني _رحمه الله_ في "التعريفات" (ص: 101):
"(الخُلُق): عبارة عن هيئة للنفس راسخة،
تَصدُر عنها الأفعال بِسهُولة وُيسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كان الصادر
عنها الأفعال الحسنة، كانت الهيئة خُلُقًا حسنًا، وإن كان الصادر عنها الأفعال
القبيحة، سُمِّيت الهيئة التي تصدر عنها هي مصدر ذلك خُلُقًا سيئًا." اهـ
وقال ابن منظور _رحمه الله_ في "لسان العرب"
(10/ 86):
"وفي التنزيل: {وَإِنَّكَ لَعَلَى
خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} [القلم: 4]،
وَالْجَمْعُ أَخْلاق، لَا يُكسّر عَلَى غَيْرِ
ذَلِكَ. والخُلْق والخُلُق: السَّجِيّة...
الخُلُقُ (بِضَمِّ
اللَّامِ وَسُكُونِهَا): وَهُوَ الدِّين والطبْع وَالسَّجِيَّةُ، وَحَقِيقَتُهُ: أَنه لِصورة الإِنسان الْبَاطِنَةِ،
وَهِيَ نفْسه وأَوصافها وَمَعَانِيهَا المختصةُ بِها بِمَنْزِلَةِ الخَلْق
لِصُورَتِهِ الظَّاهِرَةِ وأَوصافها وَمَعَانِيهَا،
وَلَهُمَا أَوصاف حسَنة وَقَبِيحَةٌ، والثوابُ
وَالْعِقَابُ___يَتَعَلَّقَانِ بأَوصاف الصُّورَةِ الْبَاطِنَةِ أَكثر مِمَّا
يَتَعَلَّقَانِ بأَوصاف الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ، وَلِهَذَا تَكَرَّرَتِ الأَحاديث
فِي مَدح حُسن الْخُلُقِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ." اهـ
فالخَلْقُ (بفتح
الخاء وسكون اللام)، والمراد به هنا: "صورته وشكله _صلى الله عليه وسلم_. والخُلُقُ (بضمتين): "ما تحلى به _صلى الله عليه
وسلم_ من صفاته الباطنة؛ كالحلم والعلم.
رواة الحديث:
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ
عِيسَى بْنِ سَوْرَةٍ التِّرْمِذِيُّ:
* حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ قُتَيْبَةُ
بْنُ سَعِيدٍ (ثقة ثبت: ت. 240 هـ):
قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي، أبو رجاء
البلخي البَغْلَانِيُّ (وبغلان: قرية من قرى بلخ)،
المولود: سنة 150 هـ ، من كبار الآخذين عن
تبع الأتباع، روى له: خ م د ت س ق
* عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ (إمام
دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين: 179 هـ):
مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي الحميري، أبو عبد الله المدني الفقيه (إمام دار
الهجرة)، المولود: سنة 93 هـ، من كبار أتباع التابعين، روى
له: خ م د ت س ق،
قال البخاري: "أصح الأسانيد كلها: مالك عن
نافع عن ابن عمر."
* عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ
الرَّحْمَنِ (ثقة فقيه مشهور: ت. 136 و قيل
133 و قيل 142 هـ):
ربيعة بن أبى عبد الرحمن فروخ القرشي التيمي مولاهم، أبو عثمان (ويقال: أبو عبد الرحمن) المدني
المعروف بـ"ربيعة الرأي"، من صغار التابعين، روى
له: خ م د ت س ق
* عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (صحابي:
ت. 93 هـ):
أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن
جندب بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار الأنصاري النجاري،
أبو حمزة المدني، روى له: خ م د ت س ق
نص الحديث وطرقه
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ
يَقُولُ:
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَا بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ، وَلَا بِالْآدَمِ، وَلَا بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ، وَلَا بِالسَّبْطِ،
بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَأْسِ
أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ
سِنِينَ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ
تَعَالَى عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً، وَلَيْسَ فِي
رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ»
وفي "صحيح
البخاري" (4/ 187):
عن أَنَس بْن مَالِكٍ، يَصِفُ النَّبِيَّ _صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قَالَ:
«كَانَ رَبْعَةً مِنَ القَوْمِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ
وَلاَ بِالقَصِيرِ، أَزْهَرَ اللَّوْنِ لَيْسَ بِأَبْيَضَ، أَمْهَقَ وَلاَ آدَمَ،
لَيْسَ بِجَعْدٍ قَطَطٍ، وَلاَ سَبْطٍ رَجِلٍ.
أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ،
فَلَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ
سِنِينَ، وَقُبِضَ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعَرَةً
بَيْضَاءَ»
قَالَ رَبِيعَةُ: «فَرَأَيْتُ شَعَرًا مِنْ
شَعَرِهِ، فَإِذَا هُوَ أَحْمَرُ فَسَأَلْتُ، فَقِيلَ: "احْمَرَّ مِنَ
الطِّيبِ"»
وفي "صحيح مسلم" (4/ 1819):
قَتَادَةُ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:
" كَيْفَ كَانَ شَعَرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: كَانَ شَعَرًا رَجِلًا لَيْسَ بِالْجَعْدِ وَلَا
السَّبْطِ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ "
وفي "سنن الترمذي" – ت. شاكر (4/ 233):
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبْعَةً لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالقَصِيرِ،
حَسَنَ الجِسْمِ، أَسْمَرَ اللَّوْنِ، وَكَانَ شَعْرُهُ لَيْسَ بِجَعْدٍ وَلَا
سَبْطٍ، إِذَا مَشَى يَتَكَفَّأُ»
شرح الحديث:
وقال القاريْ _رحمه الله_ في "مرقاة المفاتيح
شرح مشكاة المصابيح" (9/ 3700):
"(وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ)، أَيْ: الْبَاعِدِ
عَنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ، وَالْمُفْرِطِ طُولًا الَّذِي يُعَدُّ مِنْ قَدْرِ
الرِّجَالِ الطِّوَالِ، أَوِ الظَّاهِرُ الْبَيِّنُ طُولُهُ مِنْ بَانَ إِذَا بَعُدَ
أَوْ ظَهَرَ (وَلَا بِالْقَصِيرِ)، أَيْ:
الْمُتَرَدِّدِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَدِلَ
الْقَامَةِ، لَكِنْ إِلَى الطُّولِ أَمْيَلُ، فَإِنَّ النَّفْيَ انْصَبَّ إِلَى
قَيْدِ وَصْفِ الْبَائِنِ، فَثَبَتَ أَصْلُ الطُّولِ وَنَوْعٌ مِنْهُ، فَهُوَ
بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطُّولِ الْبَائِنِ قَصِيرٌ، وَلِذَا قُيِّدَ نَفْيُ
الْقَصِيرِ بِالْمُتَرَدِّدِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ
رَبْعَةٌ إِلَى الطُّولِ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، وَإِلَّا
فَمَا مَاشَاهُ طَوِيلٌ إِلَّا غَلَبَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فِي الطُّولِ، (وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ)، أَيْ:
الَّذِي بَيَاضُهُ خَالِصٌ لَا يَشُوبُهُ حُمْرَةٌ وَلَا غَيْرُهَا، كَلَوْنِ
الثَّلْجِ وَالْبَرَصِ وَاللَّبَنِ،
فَالْمُرَادُ: أَنَّهُ كَانَ نَيِّرَ الْبَيَاضِ،
وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كَانَ بَيَاضُهُ مَشُوبًا بِالْحُمْرَةِ،
وَهُوَ أَحْسَنُ أَنْوَاعِ الْأَلْوَانِ الْمُسْتَحْسَنَةِ عِنْدَ الطِّبَاعِ
الْمَوْزُونَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَلَا
بِالْآدَمِ)، أَيْ: الشَّدِيدِ السُّمْرَةِ (وَلَيْسَ
بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ) ، بِفَتْحَتَيْنِ وَتُكْسَرُ الثَّانِيَةُ أَيْ:
الشَّدِيدُ الْجُعُودَةِ كَشُعُورِ الْحَبَشِ (وَلَا بِالسَّبْطِ)، بِكَسْرِ
الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِهَا، وَهُوَ مِنَ السُّبُوطَةِ ضِدُّ
الْجُعُودَةِ وَهُوَ الشَّعْرُ الْمُنْبَسِطُ الْمُسْتَرْسِلُ كَمَا فِي غَالِبِ
شُعُورِ الْأَعَاجِمِ،
فَفِي الْقَامُوسِ: السَّبْطُ وَيُحَرَّكُ
وَكَكَتِفٍ نَقِيضُ الْجُعُودَةِ، فَالْمَعْنَى: أَنَّ
شَعْرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ وَسَطًا بَيْنَهُمَا (بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً): الْمَشْهُورُ
أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعِثَ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ
أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَالْمُرَادُ بِـ"الرَّأْسِ": آخِرُ السَّنَةِ،
كَمَا فِي قَوْلِ الْقُرَّاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَنَّ رُءُوسَ الْآيِ
أَوَاخِرُهَا سَوَاءٌ أُرِيدَ بِلَفْظِ الْأَرْبَعِينَ السَّنَةَ الَّتِي
تَنْضَمُّ إِلَى تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ، أَوْ مَجْمُوعَ السِّنِينِ مِنْ أَوَّلِ
الْوِلَادَةِ إِلَى اسْتِكْمَالِ أَرْبَعِينَ سَنَةً،
هَذَا وَقَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ: أَنَّ
الصَّحِيحَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَثَرِ أَنَّهُ بُعِثَ عَلَى رَأْسِ
ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ". (فَأَقَامَ
بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ)، أَيْ: عَلَى خِلَافٍ فِي ثَلَاثٍ، وَإِلَّا
فَالصَّحِيحُ أَنَّ عُمُرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثٌ
وَسِتُّونَ.
فَمَنْ قَالَ سِتِّينَ أَلْغَى الْكَسْرَ، وَمَنْ
قَالَ: خَمْسًا وَسِتِّينَ أَدْخَلَ سَنَةَ الْوِلَادَةِ وَالْوَفَاةِ، ثُمَّ الْعَشْرُ بِسُكُونِ الشِّينِ، وَأَمَّا مَا ضُبِطَ فِي
بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِفَتْحِهَا أَيْضًا فَغَيْرُ مَعْرُوفٍ.
(وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينٍ، وَتَوَفَّاهُ
اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً وَلَيْسَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا
يُوجَدُ عِنْدَ وَفَاتِهِ (فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً):
بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَيُفْتَحُ (بَيْضَاءَ) . يَعْنِي بَلْ مَا عَدَدْتُ فِيهَا
إِلَّا أَرْبَعَ عَشَرَةَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
المعنى الإجمالي للحديث:
بيّن لنا أنس بن مالك _رضي الله عنه_ في هذا الحديث
جملةً من أوصافِ النبي _صلى الله عليه وسلم_ الخَلْقِيّةِ وحالِه في مدّة بعثته. فوصف
النبي _صلى الله عليه وسلم_ بأنه متوسط القامة؛ ليس بالطويل البائن الذي يلفت
النظر لطوله، ولا بالقصير.
كما وصف لون بشرته بأنه ليس بالأبيض الشديدِ الشُّحُوْبِ، ولا بالأسمر
الداكن، بل كان لونُه وسطًا معتدلًا. وكذلك شعره _صلى
الله عليه وسلم_ لم يكن شديد الجعودة ولا شديد النعومة، وإنما كان وسطًا بين ذلك.
ثم ذكر أن الله _سبحانه_
بعث نبيه _صلى الله عليه وسلم_ في سن الأربعين، فأقام في مكة بعد البعثة عشر سنين
يدعو إلى الله _تعالى_، ثم هاجر إلى المدينة، فأقام فيها عشر سنين
أخرى حتى وفاته.
وختم بأن النبي _صلى الله عليه وسلم_ تُوفِّي وهو
ابن ستين سنة تقريبًا، ولم يكن في شعر رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء، مما يدل على
قلة الشيب فيه _صلى الله عليه وسلم_.
فالحديث يجمع وصفًا معتدلًا لخَلق النبي _صلى الله
عليه وسلم_، وبيانًا موجزًا لمسيرة حياته بعد البعثة إلى وفاته، مع الإشارة إلى
جمال خِلقته وكمال هيئته _صلى الله عليه وسلم_.
تخريج الحديث:
أخرجه الترمذي في "الشمائل المحمدية" – ط.
المكتبة التجارية (ص: 28 و 325) (رقم: 1 و 384_385)، وفي "سننه" – ت.
شاكر (4/ 233 و 5/ 592) (رقم: 1754 و 3623)، والبخاري في "صحيحه" (4/
187_1888 و 7/ 161) (رقم: 3547_3548 و 5900)، ومسلم في "صحيحه" (4/ 1824/
113) (رقم: 2347)، والنسائي في "السنن الكبرى" (8/ 315) (رقم: 9259)، وإسماعيل
بن جعفر في "أحاديثه" (ص: 400) (رقم: 342)، وعبد الرزاق الصنعاني في
"مصنفه" (3/ 599) (رقم: 6786)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم
الكتب (3/ 240) (رقم: 13519)، مسند أبي يعلى الموصلي في "مسنده" (6/
319) (رقم: 3643)، وابن حبان في "صحيحه" (14/ 298) (رقم: 6387)، والطبراني
في "المعجم الصغير" (1/ 205) (رقم: 328)، وابن المقرئ في "معجمه"
(ص: 235) (رقم: 758)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (3/
262)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (3/ 8) (رقم: 1347)، وابن بشران في "الأمالي"
- الجزء الأول (ص: 173 و 253) (رقم: 398 و 582).
والحديث صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "مختصر الشمائل" (ص: 13) (رقم: 1)،
و"تخريج مشكاة المصابيح" (3/ 1610) (رقم: 5782)، و"صحيح الجامع
الصغير وزيادته" (2/ 872) (رقم: 4813)، و"التعليقات الحسان على صحيح ابن
حبان" (9/ 157) (رقم: 6353)
من فوائد الحديث:
وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في البحر المحيط الثجاج
في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (37/ 664):
"في فوائده:
1 - (منها): بيان صفات النبيّ - صلى الله
عليه وسلم - الْخَلْقِيّة -بالفتح- وأنه مُعتدل الخلق، ليس بالطويل البائن، ولا
بالقصير المشذّب، بل هو بينهما، وهو الأكمل الممدوح في قامة الإنسان.
2 - (ومنها): بيان شعره - صلى الله عليه وسلم
-، وأنه ليس بالجعد القَطَط، ولا بالسَّبِط، بل بينهما، وهو الأكمل الممدوح في
أنواع الشعور.
3 - (ومنها): بيان وقت مبعثه - صلى الله عليه
وسلم -، وهو أنه بُعث على رأس أربعين سنة من مولده، على أرجح الروايات.
4 - (ومنها): بيان مدّة إقامته - صلى الله
عليه وسلم - بعد البعثة، فقد عاش بمكة ثلاثاً وعشرين سنة على الصحيح، وبالمدينة
عشر سنين بلا خلاف، قال ابن
عبد البرّ -رَحِمَهُ اللهُ-: وأما قوله:
"بالمدينة عشر سنين"، فمُجْمَع عليه، لا خلاف بين العلماء فيه. انتهى ["التمهيد"
لابن عبد البر 3/ 9].
5 - (ومنها): بيان وقت وفاته - صلى الله عليه
وسلم -، فقد تُوفّي وهو ابن ثلاث وستّين سنة على الصحيح، والله تعالى أعلم."
اهـ
ملحق الفوائد
هذه الروايات للحديث في وصف النبي _صلى الله عليه
وسلم_ تضمن فوائد عظيمة في العقيدة والسيرة والحديث، ومن أبرزها:
1_ فيه: إثبات بشرية النبي _صلى الله عليه
وسلم_، فهو بشر كسائر البشر، له طول وهيئة وشعر ولون، لكنه مُعظَّم بالوحي
والرسالة.
2_ فيه: إظهار كمال خَلْقِهِ _صلى الله عليه
وسلم_، فأوصافه وسط بين الإفراط والتفريط، لا طويل بائن ولا قصير، لا أبيض مَهَق
(شديد البياض حتى كأنه أبرص) ولا آدَم (شديد السُّمْرَةِ)، لا جعد قطط
(شديد الجعودة)، ولا سبط (مفرط في الانسياب)، وهذا من جمال اعتداله وكمال خَلقته.
3_ فيه: أن الاعتدال
في الخِلقة علامةُ الكمال، فالله _تعالى_ جعله في أعدل صورة وأجمل هيئة، مما يُشير
إلى تمام خِلْقَتِهِ وتناسب أعضائه.
4_ فيه: بيان سنّ البعثة، وأنه بُعث على رأس
أربعين سنة، وهي سنّ الكمال والرشد العقلي والجسدي.
5_ فيه: بيان مدة الرسالة، فمكث _صلى الله
عليه وسلم_ في مكة عشر سنوات بعد البعثة، ثم في المدينة عشر سنوات،
وفي بعض الروايات ثلاث عشرة في مكة، وهذا يساعد في
ضبط السيرة النبوية.
6_ فيه: تحديد عُمره الشريف: أنه توفي على
رأس ستين سنة (وفي روايات أخرى ثلاث وستين)، وهذا من العلم بالسيرة وضبط التاريخ.
7_ فيه: قلة الشيب في رأسه ولحيته _صلى الله
عليه وسلم_، فلم يكن في شعره ولحيته عشرون شعرة بيضاء، وهذا من علامات نضارة وجهه
الشريف وجماله حتى عند كِبَر سنه.
8_ فيه: بيان صفة شعره، وأنه بين الجعودة
والانسياب، يميل إلى التموج والاعتدال، وهذا من جماله.
9_ فيه: بيان موضع شعره الشريف، فكان يصل شعرُه
إلى ما بين أذنيه وعاتقه، مما يعطي صورة دقيقة له _صلى الله عليه وسلم_.
10_ فيه: بيان طريقة مشيه _صلى الله عليه
وسلم_، فقال أنس _رضي الله عنه_: «إذا مشى يتكفأ»، أي: يميل إلى الأمام في مشيه،
كأنه ينحدر من صَبا، مما يدل على قوةٍ وعزيمة وجدّ، لا تماوت ولا تكبّر."
11_ فيه: ما يدعو إلى زيادة المحبة للنبي _صلى
الله عليه وسلم_، هذه الأوصاف تُقرّب صورته في القلوب، فيزداد المؤمنون شوقًا إليه
ومحبة له.
12_ فيه: مشروعية نقل أوصاف النبي _صلى الله
عليه وسلم_، فإنها من السنّة المحفوظة، تُنقل كما تنقل أقواله وأفعاله، ليزداد
الناس معرفة به.
13_ فيه: دقة الصحابة في نقل تلك الأوصاف
الكريمة، فهذه الروايات تدل على مدى عنايتهم بضبط أوصافه الدقيقة، حتى عدّد
الشعرات البيضاء، وهذا من أمانتهم.
14_ فيه: إثبات معجزته في الخَلق، وأن الله
اصطفاه وأحسن صورته وأبقاه بكماله، حتى بدا وكأنه في شبابه وهو في كبر سنه.
15_ فيه: رد على الغلاة، فهذه الأوصاف تثبت
أنه بشر لا يُعبد، ولا يُعطى صفات الألوهية، إذ وُصف بطوْل وقصر ولون وهيئة كغيره.
16_ فيه: مناسبة البعثة في الأربعين، ففيها
إشارة إلى أن الإنسان يبلغ كمال عقله وتجربته في هذه المرحلة.
17_ فيه: إشارة إلى التوازن بين الدنيا
والآخرة، فقد جمع _صلى الله عليه وسلم_ بين جمال الظاهر وكمال الباطن، في شخصيته
وسيرته ورسالته.
18_ فيه: بيان فضل الصحابة، إذ هم الذين
نقلوا لنا هذه الأوصاف بدقة، مما يبين مكانتهم في الحفظ والضبط ومحبة النبي _صلى
الله عليه وسلم_.
19_ فيه: إحياء الشوق لرؤيته _صلى الله عليه
وسلم_، فكلما قرأ المسلم هذه الصفات تخيل صورته، فاشتاق إليه، ودعا الله أن يجمعه
به.
20_ فيه: تقرير قاعدة في معرفة السيرة، وأن
الأخبار المتعلقة بأوصافه تُعد جزءًا من السيرة النبوية التي يجب حفظها وتعليمها
للأمة.
[1] أما بيان درجة أحاديث
الكتاب، فقد اعتمدنا على كتب المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وشعيب
الأرنؤوط، والشيخ مقبل، وغيرهم من أهل الحديث _رحمهم الله جميعا_.
Komentar
Posting Komentar