شرح الحديث الأربعين (المعاسرة في إعطاء الحقّ الواجب ظلم) من بهجة قلوب الأبرار

 

الحديث الأربعون: المعاسرة في إعطاء الحقّ الواجب ظلم

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

«مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ. وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مليء فلْيَتْبَعْ[1]»، متفق عليه.

 

الحَوالة: (مصطلحات): نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. (فقهية)


وفي "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (3/ 428) لابن الجوزي:

"أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ: إِذا اتبع بتَشْديد التَّاء، وَهُوَ غلط، وَالصَّوَاب أتبع على وزن أفعل، وَالْمعْنَى: إِذا أُحِيل على مَلِيء فَليَحْتَلْ.


قال الإثيوبي في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (27/ 421):

قال القرطبيّ: وإذا تقرَّر ذلك فالحوالة معناها: تحويل الدَّين من ذمَّة إلى ذمَّة، وهي مستثناة من بيع الدَّين بالدَّين؛ لما فيها من الرِّفق، والمعروف، ولها شروط:

[فمنها]: أن تكون بدين، فإن لم تكن بدين لم تكن حوالة، لاستحالة حقيقتها إذ ذاك، وإنما تكون حمالة.

[ومنها]: رضا المحيل والمحال دون المحال عليه، وهو قول الجمهور خلافًا للإصطخريّ، فإنَّه اعتبره، وإطلاق الحديث حجَّة عليه، وقد اعتبره مالك إن قصد المحيل بذلك الإضرار بالمحال عليه، وهذا من باب دفع الضرر.

[ومنها]: أن يكون الدين المحال به حالًّا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مطل الغني ظلم"، ولا يصح المطل، ولا يصدق الظلم إلا في حقّ من وجب عليه الأداء، فيمطل، ثم قال بعده: "فإذا أتبع أحدكم فليتبع"، فأفاد ذلك: أن الدَّين المحال به لا بُدَّ أن يكون حالًّا؛ لأنه إن لم يكن حالًّا كَثُرَ الغَرَرُ بتأجيل الدَّينين.

[ومنها]: أن يكون الدين المحال عليه من جنس المحال به؛ لأنه إن خالفه في نوعه خرج من باب المعروف إلى باب المبايعة، والمكايسة، فيكون بيع الدَّين بالدَّين المنهيّ عنه.

فإذا كملت شروطها برئت ذمة المحيل بانتقال الحق الذي كان عليه إلى ذمة المحال عليه، فلا يكون للمحال الرُّجوع على المحيل، وإن أفلس المحال عليه، أو مات، وهذا قول الجمهور.

وقد ذهب أبو حنيفة إلى رجوعه عليه، إن تعذر أخذ الدين من المحال عليه، والأول الصحيح؛ لأن الحوالة عقد معاوضة، فلا يرجع بطلب أحد العوضين بعد التسليم، كسائر عقود المعاوضات؛ ولأن ذمة المحيل قد برئت من الحق المحال به بنفس الحوالة، فلا تعود مشتغلةً به إلا بعقد آخر، ولا عقد، فلا شغل، غير أن مالكًا قال: إن غرَّ المحيل المحال بذمَّة المحال عليه كان له الرُّجوع على المحيل، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لوضوحه.


 

تخريج الحديث:

 

أخرجه (البخاريّ) في "الحوالة" (2287 و 2288) و "الاستقراض" (2400)، و(مسلم) هنا [29/ 3995 و 3996] (1564)، و(أبو داود) في "البيوع" (3345)، و (الترمذيّ) في "البيوع" (1308)، و (النسائيّ) في "البيوع" (7/ 317) (رقم: 4691) و "السنن الكبرى" (6/ 90) (رقم: 6244)، و (ابن ماجه) في "الأحكام" (2403)

 

قال السعدي _رحمه الله_ في "بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار" – ط. الوزارة (ص: 95_97):

"تضمن هذا الحديث الأمر بحسن الوفاء، وحسن الاستيفاء، والنهي عما يضاد الأمرين أو أحدهما.

فقوله : «مطل الغني ظلم» أي: المعاسرة في أداء الحق الواجب ظلم ; لأنه ترك لواجب العدل، إذ على القادر المبادرة إلى أداء ما عليه، من غير أن يحوج صاحب الحق إلى طلب وإلحاح، أو شكاية. فمن فعل ذلك مع قدرته على الوفاء، فهو ظالم.

"والغني": هو الذي عنده موجودات مالية يقدر بها على الوفاء.

 

ومفهوم الحديث: أن المعسر لا حرج عليه في التأخير. وقد أوجب الله على صاحب الحق إنظاره إلى الميسرة.

 

ونفهم من هذا الحديث: أن الظلم المالي لا يختص بأخذ مال الغير بغير حق، بل يدخل فيه كل اعتداء على مال الغير، أو على حقه بأي وجه يكون.____

فمن غصب مال الغير، أو سرقه، أو جحد حقا عنده للغير، أو بعضه، أو ادعى عليه ما ليس له من أصل الحق أو وصفه، أو ماطله بحقه من وقت إلى آخر، أو أدى إليه أقل مما وجب له في ذمته - وصفا أو قدرا - فكل هؤلاء ظالمون بحسب أحوالهم. والظلم ظلمات يوم القيامة على أهله.

 

ثم ذكر في الجملة الأخرى حسن الاستيفاء، وأن من له الحق، عليه أن يتبع صاحبه بمعروف وتيسير، لا بإزعاج ولا تعسير، ولا يرهقه من أمره عسرا، ولا يمتنع عليه إذا وجهه إلى جهة ليس عليه فيها مضرة ولا نقص.

 

فإذا أحاله بحقه على مليء – أي : قادر على الوفاء غير مماطل ولا ممانع - فليحتل عليه، فإن هذا من حسن الاستيفاء والسماحة.

 

ولهذا ذكر الله تعالى الأمرين في قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178][2]

 

فأمر صاحب الحق أن يتبع من عليه الحق بالمعروف، والمستحسن عرفا وعقلا، وأن يؤدي من عليه الحق بإحسان.

 

وقد دعا صلى الله عليه وسلم لمن اتصف بهذ الوصف الجميل، فقال: «رحم الله عبدا سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذ قضى، سمحا إذا اقتضى»[ق][3].

 

فالسماحة في مباشرة المعاملة، وفي القضاء، والاقتضاء، يرجى لصاحبها كل خير: دينيٍّ ودنيويٍّ، لدخوله تحت هذه الدعوة المباركة التي لا بد من قبولها.

 

وقد شوهد ذلك عيانا. فإنك لا تجد تاجرا بهذا الوصف إلا رأيت الله قد صب عليه الرزق صبا، وأنزل عليه البركة.

وعكسه: صاحب المعاسرة والتعسير، وإرهاق المعاملين، والجزاء من جنس العمل، فجزاء التيسير التيسير.____

 

وإذا كان مطل الغني ظلما: وجب إلزامه بأداء الحق، إذا شكاه غريمه،

فإن أدَّى، وإلا عُزِّر حتى يؤدي، أو يسمح غريمه. ومتى تسبب في تغريم غريمه بسبب شكايته: فعليه الغرم لما أخذ من ماله، لأنه هو السبب، وذلك بغير حق.

وكذلك كل من تسبب لتغريم غيره ظلما فعليه الضمان.

 

وهذا الحديث أصل في باب الحوالة، وأن من حول بحقه على مليء، فعليه أن يتحول، وليس له أن يمتنع.

 

ومفهومه: أنه إذا أحيل على غير مليء فليس عليه التحول، لما فيه من الضرر عليه.

 

والحق الذي يتحول به: هي الديون الثابتة بالذمم، من قرض أو ثمن مبيع، أو غيرهما.

 

وإذا حوله على المليء فاتبعه: برئت ذمة المحيل، وتحول حق الغريم إلى من حول عليه. والله أعلم

 

من فوائد الحديث :

 

قال ابن الجوزي في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (3/ 428)

وَفِي هَذَا الحَدِيث إِثْبَات الْحِوَالَة، وَأَن الْحق يتَحَوَّل بهَا إِلَى الْمحَال عَلَيْهِ وَيسْقط عَن الْمُحِيل.

 

وقال العني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (12/ 110)

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ :

* فِيهِ : الزّجر عَن المطل. وَاخْتلف: هَل يعد فعله عمدا كَبِيرَة أم لَا؟ فالجمهور على أَن فَاعله يفسق، لَكِن هَل يثبت فسقه بمطله مرّة وَاحِدَة أم لَا؟

قَالَ النَّوَوِيّ: مُقْتَضى مَذْهَبنَا اشْتِرَاط التّكْرَار، ورد عَلَيْهِ السُّبْكِيّ فِي (شرح الْمِنْهَاج): بِأَن مُقْتَضى مَذْهَبنَا عَدمه، وَاسْتدلَّ بِأَن منع الْحق بعد طلبه وَانْتِفَاء الْعذر عَن أَدَائِهِ كالغصب، وَالْغَصْب كَبِيرَة، وتسميته ظلما يشْعر بِكَوْنِهِ كَبِيرَة، والكبيرة لَا يشْتَرط فِيهَا التّكْرَار. نعم، لَا يحكم عَلَيْهِ بذلك إلاَّ بعد أَن يظْهر عدم عذره انْتهى.

* وَفِيه: أَن الْعَاجِز عَن الْأَدَاء لَا يدْخل فِي المطل.

* وَفِيه: أَن الْمُعسر لَا يحبس وَلَا يُطَالب حَتَّى يوسر، وَقيل: لصَاحب_____الْحق أَن يحْبسهُ، وَقيل: يلازمه.

وَفِيه: أَمر بِقبُول الْحِوَالَة،

فمذهب الشَّافِعِي: يسْتَحبّ لَهُ الْقبُول. وَقيل: الْأَمر فِيهِ للْوُجُوب،

وَهُوَ مَذْهَب دَاوُد، وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ الْوُجُوب وَالنَّدْب، وَالْجُمْهُور على أَنه ندب لِأَنَّهُ من بَاب التَّيْسِير على الْمُعسر، وَقيل: مُبَاح، وَلما سَأَلَ ابْن وهب مَالِكًا عَنهُ! قَالَ: هَذَا أَمر ترغيب وَلَيْسَ بإلزام، وَيَنْبَغِي لَهُ أَن يُطِيع سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِشَرْط أَن يكون بدين وإلاَّ فَلَا حِوَالَة لِاسْتِحَالَة حَقِيقَتهَا إِذْ ذَاك، وَإِنَّمَا يكون حمالَة.

وَفِي (التَّوْضِيح) ؛ وَمن شَرطهَا تَسَاوِي الدينَيْنِ قدرا ووصفا وجنسا كالحلول وَالتَّأْخِير،

وَقَالَ ابْن رشد: وَمِنْهُم من أجازها فِي الذَّهَب وَالدَّرَاهِم فَقَط، ومنعها فِي الطَّعَام، وَأَجَازَ مَالك إِذا كَانَ الطعامان كِلَاهُمَا من قرض إِذا كَانَ دين الْمحَال حَالا، وَأما إِن كَانَ أَحدهمَا من سلم فَإِنَّهُ لَا يجوز إِلَّا أَن يكون الدينان حَالين، وَعند ابْن الْقَاسِم وَغَيره من أَصْحَاب مَالك: يجوز ذَلِك إِذا كَانَ الدّين الْمحَال بِهِ حَالا، وَلم يفرق بَين ذَلِك الشَّافِعِي لِأَنَّهُ كَالْبيع فِي ضَمَان الْمُسْتَقْرض. وَأما أَبُو حنيفَة، فَأجَاز الْحِوَالَة بِالطَّعَامِ وَشبهه بِالدَّرَاهِمِ،

وَفِي (التَّلْوِيح) : وَجُمْهُور الْعلمَاء على أَن الْحِوَالَة ضد الْحمالَة فِي أَنه إِذا أفلس الْمحَال عَلَيْهِ لم يرجع صَاحب الدّين على الْمُحِيل بِشَيْء، وَعند أبي حنيفَة: يرجع صَاحب الدّين على الْمُحِيل إِذا مَاتَ الْمحَال عَلَيْهِ مُفلسًا أَو حكم بإفلاسه أَو جحد الْحِوَالَة وَلَا بَيِّنَة لَهُ، وَبِه قَالَ ابْن شُرَيْح وَعُثْمَان البتي وَجَمَاعَة، وَقد مر فِي أول الْبَاب

وَفِي الرَّوْضَة للنووي: أما الْمحَال عَلَيْهِ فَإِن كَانَ عَلَيْهِ دين للْمُحِيل لم يعْتَبر رِضَاهُ على الْأَصَح، وَإِن لم يكن لم يَصح بِغَيْر رِضَاهُ قطعا وبإذنه وَجْهَان،

وَفِي الْجَوَاهِر للمالكية : أما الْمحَال عَلَيْهِ فَلَا يشْتَرط رِضَاهُ، وَفِي بعض كتب الْمَالِكِيَّة: يشْتَرط رِضَاهُ إِذا كَانَ عدوا وإلاَّ فَلَا، وَأما الْمُحِيل فرضاه شَرط عندنَا وَعِنْدهم لِأَنَّهُ الأَصْل فِي الْحِوَالَة وَفِي الْعُيُون والزيادات لَيْسَ بِشَرْط،

وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : ورئي بِخَط بعض الْفُضَلَاء

* فِي قَوْله: مطل الْغَنِيّ ظلم، دلَالَة على أَن الْحِوَالَة إِنَّمَا تكون بعد حُلُول الْأَجَل فِي الدّين، لِأَن المطل لَا يكون إِلَّا بعد الْحُلُول.

* وَفِيه : مُلَازمَة المماطل وإلزامه بِدفع الدّين والتوصل إِلَيْهِ بِكُل طَرِيق وَأَخذه مِنْهُ قهرا." اهـ

 

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (27/ 422)

في فوائده:

1 - (منها): بيان حكم مَطْلِ الغنيّ، وهو التحريم، قال الحافظ وليّ الدين - رحمه الله -: يُسْتَدَلّ بتسمية المطل ظلمًا على إلزام الماطل بدفع الدين، والتوصل إلى ذلك بكل طريق، من إكراهه على الإعطاء، وأخْذه منه قهرًا، وحبسه وملازمته، فإن الأخذ على يد الظالم واجب، وهو كذلك، وحَكَى شريح، والرويانيّ من الشافعيّة وجهين في تقييد المحبوس إذا كان لَحُوحًا صَبُورًا على الحبس. انتهى (2).

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (27/ 423)

2 - (ومنها): أن فيه الزجرَ عن الْمَطْل، واختُلِف هل يُعَدُّ فعله عمدًا كبيرة، أم لا؟ فالجمهور على أن فاعله يَفسُقُ، لكن هل يثبت فسقه بمطله مرة واحدة، أم لا؟ قال النوويّ: مقتضى مذهبنا اشتراط التكرار، وردّه السبكي في "شرح المنهاج" بأن مقتضى مذهبنا عدمه، واستَدلَّ بأن منع الحق بعد طلبه، وابتغاء العذر عن أدائه؛ كالغصب، والغصب كبيرة، وتسميته ظلمًا يُشعر بكونه كبيرة، والكبيرة لا يشترط فيها التكرر، نعم لا يحكم عليه بذلك، إلا بعد أن يظهر عدم عذره. انتهى.

واختلفوا هل يفسق بالتأخير، مع القدرة قبل الطلب، أم لا؟ فالذي يُشعر به حديث الباب التوقف على الطلب؛ لأن المطل يُشعر به، ويدخل في المطل كُل من لزمه حقّ؛ كالزوج لزوجته، والسيد لعبده، والحاكم لرعيته، وبالعكس.

3 - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن العاجز عن الأداء، لا يدخل في الظلم، وهو بطريق المفهوم؛ لأن تعليق الحكم بصفة من صفات الذات، يدل على نفي الحكم عن الذات، عند انتفاء تلك الصفة، ومن لم يقل بالمفهوم، أجاب بأن العاجز لا يسمى ماطلًا.

4 - (ومنها): أن الغنيّ الذي ماله غائب عنه، لا يدخل في الظلم، وهل هو مخصوص من عموم الغنيّ، أو ليس هو في الحكم بغنيّ؟ الأظهر الثاني؛ لأنه في تلك الحالة يجوز إعطاؤه من سهم الفقراء، من الزكاة، فلو كان في الحكم غنيًّا، لم يجز ذلك.

5 - (ومنها): أنه استُنبط منه أن المعسر لا يحبس، ولا يطالب حتى يوسر، قال الشافعيّ: لو جازت مؤاخذته، لكان ظالمًا، والفرض أنه ليس بظالم؛ لعجزه، وقال بعض العلماء: له أن يحبسه، وقال آخرون: له أن يلازمه.

6 - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الحوالة إذا صحت، ثم تعذر القبض بحدوث حادث، كموت، أو فَلَس (1)، لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل؛ لأنه لو كان له الرجوع، لم يكن لاشتراط الغنى فائدة، فلما شُرطت عُلم أنه____انتقل انتقالًا، لا رجوع له، كما لو عَوّضه عن دينه بعوض، ثم تَلِف العوض في يد صاحب الدين، فليس له رجوع، وقال الحنفية: يرجع عند التعذر، وشبّهوه بالضمان.

وقال في "الطرح": ظاهره انتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فإنه لولا ذلك لما قُيِّد الأمر بقبولها بكون المحال عليه مليئًا، فإنه لا ضرر حينئذ عليه في الحوالة على المعسر؛ لبقاء حقه في ذمة المحيل بحاله، وبهذا قال الأئمة الأربعة في الجملة، وقال زفر، والقاسم بن معين: لا يبرأ المحيل كالضمان، وقال عثمان الْبَتِّيّ: لا يبرأ إلا إن اشترط البراءة، وكانت الحوالة على موسر، أو على معسر، وأعلمه بإعساره، فإن لم يُعلمه بإعساره فلا براءة، ولو شرطها. انتهى.

7 - (ومنها): أنه استُدلَ به على ملازمة المماطل، وإلزامه بدفع الدين، والتوصل إليه بكل طريق، وأخْذه منه قهرًا.

8 - (ومنها): أن ظاهر الحديث يدلّ على أن المعتبر في صحة الحوالة رضا المحيل والمحتال فقط؛ لأنهما اللذان اعْتَبَر الشرع فعلهما، ذاك بالإحالة، وهذا بقبولها دون المحال عليه، فإنه لا ذكر له في الحديث، وبهذا قال مالك، وأحمد، وهو الأصح عند الشافعية، وذهب الإصطخريّ، والزبيريّ منهم إلى أنه يشترط رضاه أيضًا، فإنه أحد أركان الحوالة، فأشبه المحيل والمحتال، وبهذا قال أبو حنيفة، وذكر صاحب "الهداية" من الحنفية أن الحوالة تصحّ بدون رضا المحيل، وعَلَّله بأن التزام الدين من المحال عليه تصرف في حق نفسه، وهو لا يتضرر به، بل فيه نفعه؛ لأنه لم يرجع عليه إذا لم يكن بأمره. انتهى (1).

9 - (ومنها): أن فيه الإرشادَ إلى ترك الأسباب القاطعة لاجتماع القلوب؛ لأنه زَجَرَ عن المماطلة، وهي تؤدّي إلى ذلك (2).

10 - (ومنها): استَدَلَّ به ابن حزم على أنه لا تجوز الحوالة إلا على مليء، فلو أحاله على غير مليء فهو فاسد، وحقّه باق على المحيل كما كان، سواء دَرَى أنه غير مليء أم لا.

قال وليّ الدين: وفيه نظر؛ فإنه لم يمنع في الحديث من الحوالة على غير المليء، وإنما أمر بقبول الحوالة على المليء، وسكت عن الحوالة على غيره، فلم يأمر بقبولها، ولم ينه عنه، بل الأمر فيها إلى خِيرة المحال، والله أعلم. انتهى (1).

11 - (ومنها): ما قاله وليّ الدين - رحمه الله -: لم يعتبر أصحابنا - يعني الشافعيّة - في صحة الحوالة اعترافَ المحال عليه، ولا قيام بيّنة عليه بذلك، بل صححوها مع جحوده، واعتبر مالك ثبوته بالإقرار فقط، واعتبر آخرون بثبوته ولو بالبيّنة، وإطلاق الحديث يدلّ على أنه لا يعتبر ثبوته، والله أعلم. انتهى (2).

12 - (ومنها): ما قاله وليّ الدين - رحمه الله -: الحكمة في الجمع بين هاتين الجملتين - يعني قوله: "مطلُ الغنيّ ظلم"، وقوله: "وإذا اتبع إلخ" - من وجهين:

[أحدهما]: وهو الأظهر أنه لما ذَكَر أن مطل الغني ظلم عَقَّبه بأنه ينبغي قبول الحوالة على المليء؛ لِمَا في قبولها من دفع الظلم الحاصل بالمطل، فإنه قد تكون مطالبة المحال عليه سهلة على المحتال دون المحيل، ففي قبول الحوالة عليه إعانة له على ترك الظلم.

[ثانيهما]: أنه عَقَّب كون مطل الغني ظلمًا بأنه ينبغي أن يحتال على المليء، فإنه لا ضرر عليه في ذلك؛ لأن الظاهر من حال المسلم الاحتراز عن الظلم، أو لأن المليء لا يتعذر استيفاء الحق منه عند الامتناع، بل يأخذه منه الحاكم قهرًا ويوفيه، فيحصل الغرض بقبول الحوالة من غير مفسدة بقاء الحقّ.

وأورد الشيخ ابن دقيق العيد - رحمه الله - في "شرح العمدة" لفظ الحديث: "فإذا أتبع أحدكم" بالفاء، وقال: في الحديث إشعار بان الأمر بقبول الحوالة على المليء مُعَلَّل بكون مطل الغني ظلمًا، ولعل السبب فيه فذكر هذين المعنيين اللذين ذكرتهما آنفًا في الوجه الثاني.

ثم قال: والمعنى الأول أرجح؛ لما فيه من بقاء معنى التعليل بكون المطل ظلمًا، وعلى المعنى الثاني تكون العلة عدم تَوَاء الحقّ، لا الظلم. انتهى

وذكر الرافعيّ أن الأشهر في الرواية بالواو، ويروى بالفاء، قال: فعلى الأول هو مع قوله: "مطل الغني ظلم" جملتان، لا تعلق للثانية بالأولى، وعلى الثاني يجوز أن يكون المعنى أنه إذا كان المطل ظلمًا من الغني، فليقبل الحوالة عليه، فإن الظاهر أنه يتحرز عن الظلم، ولا يَمْطُل. انتهى (1)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.


[1]  وفي "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (3/ 428) لابن الجوزي:

"أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ: إِذا اتبع بتَشْديد التَّاء، وَهُوَ غلط، وَالصَّوَاب أتبع على وزن أفعل، وَالْمعْنَى: إِذا أُحِيل على مَلِيء فَليَحْتَلْ.

[2]  وفي تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 84) :

"وفي هذه الآية دليل على أن الأصل وجوب القود في القتل، وأن الدية بدل عنه، فلهذا قال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} أي: عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية، أو عفا بعض الأولياء، فإنه يسقط القصاص، وتجب الدية، وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي.

فإذا عفا عنه وجب على الولي، [أي: ولي المقتول] أن يتبع القاتل {بِالْمَعْرُوفِ} من غير أن يشق عليه، ولا يحمله ما لا يطيق، بل يحسن الاقتضاء والطلب، ولا يحرجه.

وعلى القاتل {أَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} من غير مطل ولا نقص، ولا إساءة فعلية أو قولية، فهل جزاء الإحسان إليه بالعفو، إلا الإحسان بحسن القضاء، وهذا مأمور به في كل ما ثبت في ذمم الناس للإنسان، مأمور من له الحق بالاتباع بالمعروف، ومن عليه الحق، بالأداء بإحسان" اهـ

[3]  أخرجه : البخاري في صحيحه (3/ 57) (رقم : 2076)، والترمذي في "سننه" – ت. شاكر (3/ 602) (رقم : 1320)، ابن ماجه في "سننه" (2/ 742) (رقم : 2203)، واللفظ له. وهو صحيح : صححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (2/ 326) (رقم : 1742).

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ