شرح الحديث 187 (الترغيب في الوضوء وإسباغه) من صحيح الترغيب والترهيب
|
187 - (13) [صحيح لغيره] وعن أبي
أمامةَ رضي الله عنه_: أن
رسول الله _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قال: "أيّما رجلٍ قامَ إلى وَضوئه يريد الصلاةَ، *
ثم غسل كَفَّيْهِ؛ نَزَلَتْ كُلُّ خطيئةٍ من كَفَّيْه مع أولِ قطرةٍ، *
فإذا مَضْمَضَ واستنشق واستنثر؛ نزلت خطيئتُهُ من لسانِه وشفتيه مع أول قطرةٍ، *
فإذا غسلَ وجهه؛ نزلت كُلُّ خطيئةٍ من سَمعِه وبَصرِه مع أولِ قطرةٍ، *
فإذا غَسَلَ يديه إلى المِرفَقَين، ورجلَيه إلى الكعبين؛ سَلِمَ مِن كلِّ ذنبٍ
كهيئتِه يومَ ولدَتْه أمُّه. -قال:- *
فإذا قامَ إلى الصلاةِ، رفعَ اللهُ درجتَه، إنْ قَعَدَ، قَعَدَ سالماً". رواه أحمد وغيره من طريق عبد الحميد بن بَهرام
عن شَهْر بن حَوْشب، وقد حسّنها الترمذي لغير هذا المتن، وهو إسناد حسن في
المتابعات، لا بأس به. [صحيح لغيره] ورواه أيضاً بنحوه من طريق
صحيح، (1) وزاد فيه: أن رسول الله _صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قال: "الوضوءُ يُكَفّرُ ما قبله، ثم تَصيرُ الصلاةُ نافلةً." [صحيح لغيره] وفي أخرى له: قال رسول الله -
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا توضأ الرجُلُ المسلمُ؛ خَرجتْ ذنوبُه من سمعِه وبصرِه،
ويديه ورجليه، فإن قَعَدَ قَعَدَ مغفوراً له". وإسناد
هذه حسن. [صحيح لغيره] وفي أخرى له أيضاً: "إذا توضأ المسلمُ، *
فغسل يَدَيْه؛ كُفِّرَ عنه ما عَمِلتْ يَداه، *
فإذا غَسَلَ وجهَهُ كُفِّرَ عنه ما نَظَرَتْ إليه عيناه، *
وإذا مسحَ بِرأسِه؛ كُفِّرَ به ما سمعت أُذناه، *
فإذا غسل رجليه؛ كُفِّرَ عنه ما مَشت إليه قَدَمَاه، *
ثم يقومُ إلى الصلاةِ، فهي فضيلة". وإسناد
هذه حسن أيضاً.___ وفي
رواية للطبراني في "الكبير": قال
أبو أمامة: لو
لم أسمعه مِن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا سبعَ مراتٍ ما
حَدَّثْتُ به، قال: "إذا توضأ الرجلُ كما أُمِرَ؛ ذهب الإثمُ من سمعِه وبصرِه،
ويَديْه ورِجلَيْه". وإسناده
حسن أيضاً (2). __________ (1) لا وجه لهذا التصحيح مطلقاً، كيف وهو عنده (5/ 251 و261) من
طريق شهر نفسه؟! وكذلك أقول في تحسينه للروايتين الآتيتين، فإنهما من الطريق
ذاتها (5/ 252 و256 و264)! وذلك كله من اضطراب شهر في روايته لهذا الحديث. (2)
هذا الحديث له في المسند ثلاث طرق وألفاظ، بعضها حسن لذاته، وهو مختصر (5/ 254)،
وسائرها حسن في المتابعات كما قال المؤلف. وتصحيحه
لبعضها ما أظنه إلا وهماً تبعه عليه الهيثمي في "المجمع" كما حققته في
الأصل، اللهم إلا أن يريد أنه صحيح لغيره، فنعم، وكذلك ما قبله. وله في هذا
الحديث أوهام أخرى نبهت عليها هناك. |
ترجمة أبي أمامة الباهلي _رضي الله عنه_:
قال الذهبي _رحمه الله_ في "سير أعلام النبلاء" – ط.
الرسالة (3/ 359) (رقم: 52):
"أَبُو أُمَامَةَ البَاهِلِيُّ (ع): صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَزِيلُ حِمْصَ. رَوَى: عِلْماً
كَثِيْراً. " اهـ
وقال ابن عبد البر _رحمه الله_ في "الاستيعاب
في معرفة الأصحاب" (4/ 1602):
"سكن أَبُو أمامة الباهلي مصر، ثم انتقل منها إِلَى حمص
فسكنها، ومات بها، وَكَانَ من المكثرين فِي
الرواية عَنْ رَسُول اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وأكثر حديثه
عند الشاميين." اهـ
وفي "الأعلام" للزركلي (3/ 203):
"صُدَيّ بن عَجْلان (000 - 81 هـ = 000
- 700 م):
صدي بن عجلان بن وهب الباهلي، أبو أمامة: صحابي. كان
مع علي في (صفين) وسكن الشام، فتوفي في أرض حمص. وهو آخر من مات من الصحابة بالشام. له في الصحيحين 250 حديثا." اهـ
وفي "إكمال
تهذيب الكمال" (6/ 367) (رقم: 2499):
"(ع) صدي بن
عجلان بن وهب (ويقال: ابنِ عَمْرٍو) أبو أمامة الباهلي. وباهلة:
هم بنو سعدِ مناة ومعنِ ابني مالك بن أعصر بن سعد بن قيس غيلان بن مضر." اهـ
وفي "مختصر تاريخ دمشق" (11/ 78):
"نُسب إلى باهلة. وباهلة بنت أود بن صعب بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد بن
زيد بن يشحب بن يعرب بن قحطان. هي امرأة معن بن زيد بن أعصُر بن قيس عيلان."
اهـ
وفي "إكمال تهذيب الكمال" (6/ 369):
"وذكره ابن منده في «الأرداف»." اهـ
وقال الذهبي _رحمه الله_ في "سير
أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (3/
360):
قَالَ سُلَيْمُ بنُ عَامِرٍ: سَمِعْتُ أَبَا
أُمَامَةَ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - يَقُوْلُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. قُلْتُ
لأَبِي أُمَامَةَ: مِثْلُ مَنْ أَنْتَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَنَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلاَثِيْنَ سَنَةً." اهـ
قلت:
فهو ولد سنة عشرين قبل الهجرة
وقال الذهبي _رحمه الله_ في "سير
أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (3/
360):
"وَرُوِيَ: أَنَّهُ بَايعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ." اهـ[1]
وقال كمال الدين ابن العديم (المتوفى: 660هـ) _رحمه
الله_ في "بغية الطلب فى تاريخ حلب" (10/ 4328):
"أبو أمامة الباهلي: صاحب رسول الله صلى
الله عليه وسلم واسمه صدي بن عجلان، شهد صفين مع
علي رضي الله عنه، تقدم ذكره." اهـ
وقال الذهبي _رحمه الله_ في "سير
أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (3/
360)
وَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، مُرْنِي بِعَمَلٍ.
قَالَ: (عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لاَ
مِثْلَ لَهُ) .
فَكَانَ أَبُو أُمَامَةَ،
وَامْرَأَتُهُ، وَخَادِمُهُ لاَ يُلْفَوْنَ إِلاَّ صِيَاماً." اهـ
وقال الذهبي _رحمه الله_ في "سير
أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (3/
363)
قَالَ المَدَائِنِيُّ، وَجَمَاعَةٌ: تُوُفِّيَ أَبُو أُمَامَةَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَيَّاشٍ: مَاتَ سَنَةَ
إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ.
وقال ابن عبد البر _رحمه الله_ في "الاستيعاب
في معرفة الأصحاب" (2/ 736):
"توفي سنة
إحدى وثمانين، وهو ابن إحدى وتسعين سنة. ويقَالَ:
مات سنة ست وثمانين.[2]
قَالَ سفيان بن عيينة: كان أبو أمامة الباهلي آخر
من بقى بالشام من أصحاب رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر: قد بقى بالشام بعده عبد الله بن بسر،
هو آخر من مات بالشام من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ."
اهـ
الطبقات الكبرى ط دار صادر (7/ 412)
قَالُوا: وَتُوُفِّيَ أَبُو أُمَامَةَ بِالشَّامِ
سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، فِي خِلَافَةِ عَبْدِ
الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَسِتِّينَ سَنَةً
تاريخ دمشق لابن عساكر (24/ 75)
عبد الصمد بن سعيد القاضي قال في تسمية من نزل حمص
من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أبو أمامة صدي بن عجلان سكن حمص ثم سلس
بوله فاستأذن الوالي إلى أن يصير إلى دنوة، فأذن له، فمات بها، وخلف ابنا يقال له المغلس
تاريخ الإسلام ت بشار (2/ 1022)
وقال الوليد بن مسلم: حدثنا ابن جَابِرٍ، عَنْ
مَوْلاةٍ لِأَبِي أُمَامَةَ، قَالَتْ: كَانَ أَبُو أُمَامَةَ يُحِبُّ الصَّدَقَةَ،
وَلا يَقِفَ بِهِ سائل إلا أعطاه، فأصبحنا يوما وليس عندنا إِلا ثَلاثَةَ
دَنَانِيرَ، فَوَقَفَ بِهِ سَائِلٌ، فَأَعْطَاهُ دِينَارًا، ثُمَّ آخَرُ
فَكَذَلِكَ، ثُمَّ آخَرُ فَكَذَلِكَ، قُلْتُ: "لَمْ
يَبْقَ لَنَا شَيْءٌ."
ثُمَّ رَاحَ إِلَى مَسْجِدِه صَائِمًا، فَرَقَقْتُ
لَهُ، وَاقْتَرَضْتُ لَهُ ثَمَنَ عَشَاءٍ، وَأَصْلَحْتُ فِرَاشَهُ، فَإِذَا تَحْتَ
الْمِرْفَقَةِ ثَلاثُمِائَةِ دِينَارٍ،
فَلَمَّا دَخَلَ وَرَأَى مَا هَيَّأْتُ لَهُ حَمَدَ
اللَّهَ وَتَبَسَّمَ وَقَالَ: هَذَا خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ تَعَشَّى،
فَقُلْتُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ جِئْتَ بِمَا جِئْتَ بِهِ، ثُمَّ تَرَكْتُهُ
بِمَوْضِعِ مَضْيَعَةٍ،
قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: "الذَّهَبُ". وَرَفَعْتُ الْمِرْفَقَةَ،
فَفَزِعَ لِمَا رَأَى تَحْتَهَا وَقَالَ: مَا هَذَا وَيْحَكِ! قُلْتُ: لا عِلْم
لِي. فَكَثُرَ فَزَعُهُ." اهـ
سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 360_361):
"عَنْ أَبِي أُمَامَةَ:
أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - إِلَى بَاهِلَةَ، فَأَتَيتُهُم، فَرَحَّبُوا بِي، فَقُلْتُ:
جِئْتُ لأَنْهَاكُم عَنْ هَذَا الطَّعَامِ، وَأَنَا
رَسُوْلُ رَسُوْلِ اللهِ لِتُؤْمِنُوا بِهِ.
فَكَذَّبُوْنِي، وَرَدُّونِي، فَانْطَلقتُ وَأَنَا
جَائِعٌ ظَمْآنُ، فَنِمْتُ، فَأُتِيتُ فِي مَنَامِي بِشَربَةٍ مِنْ لَبَنٍ،
فَشَرِبتُ، فَشَبِعتُ، فَعَظُمَ بَطْنِي.
فَقَالَ القَوْمُ: [أَتَاكُم] رَجُلٌ مِنْ___أَشْرَافِكُم
وَخِيَارِكُم، فَرَدَدْتُمُوْهُ؟
قَالَ: فَأَتَوْنِي بِطَعَامٍ وَشَرَابٍ، فَقُلْتُ:
لاَ حَاجَةَ لِي فِيْهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَطْعَمَنِي وَسَقَانِي.
فَنَظَرُوا إِلَى حَالِي؛ فآمَنُوا." اهـ
نص الحديث:
الرواية الأولى:
وعن أبي أمامةَ رضي الله عنه_:
أن رسول الله _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_،
قال:
"أيّما رجلٍ قامَ إلى وَضوئه يريد
الصلاةَ،
* ثم غسل كَفَّيْهِ؛ نَزَلَتْ كُلُّ خطيئةٍ من
كَفَّيْه مع أولِ قطرةٍ،
* فإذا مَضْمَضَ واستنشق واستنثر؛ نزلت خطيئتُهُ من
لسانِه وشفتيه مع أول قطرةٍ، * فإذا غسلَ وجهه؛ نزلت كُلُّ خطيئةٍ من سَمعِه
وبَصرِه مع أولِ قطرةٍ،
* فإذا غَسَلَ يديه إلى المِرفَقَين، ورجلَيه إلى
الكعبين؛ سَلِمَ مِن كلِّ ذنبٍ كهيئتِه يومَ ولدَتْه أمُّه. -قال:-
* فإذا قامَ إلى الصلاةِ، رفعَ اللهُ درجتَه، إنْ
قَعَدَ، قَعَدَ سالماً".
رواه أحمد وغيره من
طريق عبد الحميد بن بَهرام عن شَهْر بن حَوْشب، وقد حسّنها الترمذي لغير هذا
المتن، وهو إسناد حسن في المتابعات، لا بأس به.
[تعليق]
أخرجه أحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب
(5/ 263) (رقم: 22267). صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير
وزيادته" (1/ 528) (رقم: 2724)، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة" (4/
349) (رقم: 1756).
الرواية الثانية:
[صحيح لغيره] ورواه
أيضاً بنحوه من طريق صحيح، وزاد فيه: أن رسول الله
_صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قال:
"الوضوءُ يُكَفّرُ ما قبله، ثم تَصيرُ
الصلاةُ نافلةً."
[تعليق]:
أخرجه أحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (5/
251 و 5/ 261) (رقم: 22162 و 22253)، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (2/
451) (رقم: 1225)، والقاسم بن سلاّم في "الطهور" (ص: 115) (رقم: 22)، وأبو
سعيد الأشج في "حديثه" (ص: 186) (رقم: 86)، وابن نصر المروزي كما في
"مختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر" للمَقْرِيْزِيِّ (ص: 34)،
والطبراني في "المعجم الكبير" (8/ 125) (رقم: 7570). صححه الأرنؤوط
_رحمه الله_ في "تخريج مسند أحمد" – ط. الرسالة (36/ 489) (رقم: 22162)،
وحسنه الألباني _رحمه الله_ في صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 1201) (رقم: 7156)
الرواية الثالثة:
[صحيح لغيره] وفي
أخرى له: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"إذا توضأ الرجُلُ المسلمُ؛ خَرجتْ
ذنوبُه من سمعِه وبصرِه، ويديه ورجليه، فإن قَعَدَ قَعَدَ مغفوراً له". وإسناد
هذه حسن.
[تعليق]:
أخرجه أحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (5/
252 و 5/ 256) (رقم: 22171 و 22206) وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (2/
455) (رقم: 1231)، والنسائي في "السنن الكبرى" (9/ 297) (رقم: 10575)، وأبو
عمرو ابْنُ السَّمَّاك في "الثاني من الأمالي" (ص: 2) (رقم: 1)، والطبراني
في "المعجم الكبير" (8/ 123) (رقم: 7560)، والخطيب في "تالي تلخيص
المتشابه" (1/ 182) (رقم: 91). حسنه الألباني
_رحمه الله_ "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 140) (رقم: 448)، والوادعي
_رحمه الله_ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (1/ 419) (رقم: 492)
الرواية الرابعة:
[صحيح لغيره] وفي
أخرى له أيضاً:
"إذا توضأ المسلمُ،
* فغسل يَدَيْه؛ كُفِّرَ عنه ما عَمِلتْ يَداه،
* فإذا غَسَلَ وجهَهُ كُفِّرَ عنه ما نَظَرَتْ إليه
عيناه،
* وإذا مسحَ بِرأسِه؛ كُفِّرَ به ما سمعت أُذناه،
* فإذا غسل رجليه؛ كُفِّرَ عنه ما مَشت إليه
قَدَمَاه،
* ثم يقومُ إلى الصلاةِ، فهي فضيلة".
وإسناد هذه حسن أيضاً.
[تعليق]:
أخرجه أحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (5/
263) (22272)، والروياني في "مسنده" (2/ 272)، والطبراني في "المعجم
الكبير" (8/ 266) (رقم: 8032)، والطبراني في "المعجم الصغير" (2/
242) (رقم: 1099)، والبهقي في "شعب الإيمان" (4/ 256) (رقم: 2481)، وابن
عساكر في "تاريخ دمشق" (67/ 223)
الرواية الخامسة:
وفي رواية للطبراني في "الكبير":
قال أبو أمامة:
لو لم أسمعه مِن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا سبعَ مراتٍ ما حَدَّثْتُ به، قال:
"إذا توضأ الرجلُ كما أُمِرَ؛ ذهب
الإثمُ من سمعِه وبصرِه، ويَديْه ورِجلَيْه".
وإسناده حسن أيضاً
[تعليق]:
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (8/
124) (رقم: 7565_7566)، و"المعجم الأوسط" (2/ 139) (رقم: 1505)، والقاسم
بن سلام في "الطهور" (ص: 115) (رقم: 20)، وأحمد في "مسنده" – ط.
عالم الكتب (4/ 113 و 5/ 264) (رقم: 17021 و 22275)، والنسائي في "السنن
الكبرى" (9/ 297) (رقم: 10575)، وفي "عمل اليوم والليلة" (ص: 470)
(رقم: 807).
قال الهلالي في "عجالة الراغب المتمني في
تخريج كتاب «عمل اليوم والليلة» لابن السني" (2/ 837):
"قلت: وهو كما قالا؛ ولعلهما يعنيان:
"لغيره"؛ فإن مداره من الطريقين على شهر بن حوشب؛ وفيه مقال، وفي
"التقريب": "صدوق كثير الأوهام والإرسال" ولعل هذا من أوهامه:
تارة يجعله من مسند أبي أمامة، وتارة من مسند عمرو بن عبسة، وتارة من مسند معاذ بن
جبل.
وعلى كل؛ فإن رجحنا ما قاله الحافظ؛ فتبقى العلة
الأولى وهي ضعف شهر بن حوشب.
لكن لمتنه شواهد عن جماعة من الصحابة يرتقي الحديث
بها إلى درجة الحسن وبعضها صحيح؛ كما بينه شيخنا شامة الشام ومحدث العصر العلامة
الألباني - رحمه الله - في "صحيح الترغيب والترهيب" (596 - 601)."
اهـ
المعنى الإجمالي لهذه
الروايات
تدلّ هذه الروايات كلها على عظيم فضل الوضوء، وأنه
ليس مجرد طهارة للماء تُصيب الجسد، بل هو طهارة إيمانية يكرم الله بها عبده
المؤمن.
فإذا شرع المسلم في الوضوء على الوجه المشروع، نزلت
الذنوب عن أعضائه شيئًا فشيئًا مع قطرات الماء؛ فيسقط ما اقترفَته يداه، وما نطق
به لسانه، وما نظَرَت إليه عيناه، وما سمِعَته أذناه، وما مشت إليه قدماه، حتى يعود العبد بعد تمام الوضوء طاهرًا من ذنوبه، قريبًا
من حال من خرج من بطن أمه لا يحمل على جوارحه خطيئة.
ثم إذا قام بعد الوضوء إلى الصلاة، زاده الله رفعةً
وقربًا وفضلاً، وإن جلس بعد الوضوء ولم يصلِّ، جلس مغفورًا له؛ لأن الوضوء نفسه
عبادةٌ مستقلةٌ تمحو الخطايا وترفع الدرجات.
وتشير هذه الروايات إلى أن الوضوء المشروع على ما
بينه النبي _صلى الله عليه وسلم_ هو بابٌ واسعٌ للتطهير من الذنوب، وتخفيفِ أوزار
العبد، وتهيئته للدخول على الله في الصلاة بقلب نقيّ وجسد طاهر.
من فوائد الحديث:
قال أبو المحاسن عبد
الواحد بن إسماعيل الروياني (ت 502 هـ) _رحمه
الله_ في "بحر المذهب" (1/ 72):
"فهذه الأخبار كلها تدل على أن الوضوء
عبادة، والعبادة تفتقر إلى النية." اهـ
قال المناوي _رحمه الله_ في "فيض القدير"
(3/ 155_156):
"قال القُصَيْرِيُّ:
ينبغي للمتطهر أن ينوي مع
غَسْل يديه تطهيرَهما مِنْ تناوُل ما أبعده عن الله ونفْضَهما مما يُشْغِله
عنه، وبالمضمضة تطهيرَ الفم من تلويث اللسان
بالأقوال الخبيثة، وبالاستنشاق إخراجَ استرواح
روائح محبوباته،___وبتخليل الشعر حَلَّهُ من أيدي
ما يملكه ويهبطه من أعلا عليين إلى أسفل سافلين، وبغسل
وجهه تطهيرَه من توجهه إلى اتباع الهوى، ومن طلبِ الجاه المذموم وتخشعه
لغير الله، وتطهيرَ الأنف من الأنفة والكبر،
والعينَ من التطلع إلى المكروهات، والنظر لغير الله بنفع أو ضر، واليدين تطهيرَهما من تناول ما أبعده عن الله، والرأس زوالَ
الترأس والرياسة الموجبة للكبر، والقدمين تطهيرَهما
من المسارعةِ إلى المخالفات واتباعِ الهوى وحَلِّ قيود العجز عن المسارعة في
ميادين الطاعة المبلِّغة إلى الفوز، وهكذا ليصلح الجسد للوقوف بين يدي القدوس _تعالى_."
اهـ
وقال العلامة ابن قيم الجوزية _رحمه الله_ في
"إعلام الموقعين عن رب العالمين" – ت. مشهور حسن سلمان (3/ 307_308):
"وفيه:
* أن مقصود المضمضة كمقصود غسل الوجه واليدين سواء،
* وأن__حاجة اللسان والشفتين إلى الغسل كحاجة بقية
الأعضاء؛ فَمَنْ أنكسُ قلبًا وأفسدُ فطرةً وأبطلُ قياسًا ممن يقول: إن غسل باطن
المقعدة أولى من غسل هذه الأعضاء وإن الشارع فَرَّق بين المتماثلين؟
هذا إلى ما في غسل هذه الأعضاء المقارن لنية التعبد
للَّه من انشراحِ القلبِ وقوَّته، واتساع الصدر، وفَرحِ النفس، ونشاطِ الأعضاء؛
فتميزت عن سائر الأعضاء بما أوجب غسلها دون غيرها، وباللَّه التوفيق.
التنوير شرح الجامع الصغير (11/ 60)
(الوضوء) بفضله (يكفر ما قبله) يغطي كل ذنب
صغير فعل قبله، وفي رواية الطيالسي "الوضوء يكفر ما قبله من ذنب مع توبة
وتصير الصلاة نافلة". (ثم تصير الصلاة) بعده. (نافلة) أي: ثوابها ثواب زائد مدخر لصاحبه لم يقابل ذنبا فإن
النافلة الزيادة، لا أن المراد نافلة بالمعنى العرقي، وهو المقابل للفريضة.
ملحق الفوائد:
فيما يلي فوائد عديدة من مجموع هذه الروايات المباركة:
1. فيه: بيان عظيم فضل الوضوء عند الله تعالى،
لأن الوضوء ليس مجرد طهارة حسيّة، بل طهارة روحية تُسقِط الذنوب وتُطهّر الجوارح
من آثار المعاصي.
2. فيه: أن الوضوء سبب لمغفرة الذنوب
المتعلقة بالجوارح، فكل جارحة يُغسَل موضعها تُكفَّر خطاياها:
* الكفان: ما باشرتاه.
*
الفم واللسان: ما نطق به اللسان وما تلوّثت به الشفتان.
*
السمع والبصر: ما سمعته الأذن وما نظر إليه البصر.
*
اليدان والرجلان: ما اكتسبته الأيدي وما مشت إليه الأقدام.
3. فيه: أن نزول الذنوب مع أول قطرة، فهذا
يدل على سرعة رحمة الله وسعة فضله؛ يكفي أن يبدأ الماء بالسيلان لتبدأ الذنوب
بالسقوط.
4. فيه: أن الوضوء يعيد العبد إلى حال قريب
من يوم ولدته أمه، أي: يُطهَّر من الذنوب مطهراً كاملاً، وهذا أعظم جزاء لطاعة
يسيرة.
5. فيه: أن الوضوء الصحيح يهيّئ القلب للخشوع
في الصلاة، لأن المتطهّر قد أسقط أثقال الذنوب عن جوارحه، فيدخل الصلاة بقلب أخفّ
ونفس أنقى.
6. فيه: أن كل عضو يُغسَل ينال نصيبه من
التكفير، وهذا يشير إلى عدل الله سبحانه وتعالى، وأن الجزاء يتعلق بعمل العضو وما
اقترفه.
7. فيه: أن الوضوء يزيد العبد رفعة في
الدرجات، فإذا قام إلى الصلاة بعد الوضوء المحمود رفعه الله درجات، وكل درجة لا
يعلم قدرها إلا هو.
8. فيه: أنه لو قعد بعد الوضوء ولم يصلِّ؛
قعد مغفوراً له، فهذه رحمة خاصة ودليل على فضل الوضوء ذاته، ولو لم يُتبع بالصلاة.
9. فيه: أن الوضوء يكفّر ما قبله، والصلاة
تصبح نافلة، أي: أن ذنوب العبد قد مُحيت بالوضوء، فتكون الصلاة زيادةً على الأصل،
وفضلاً إلى فضل.
10. فيه: أن الوضوء عبادة قائمة بنفسها، فهو
سبب للرفعة والمغفرة، ولو لم يتبعها عمل آخر، وهذا يدل على أنه عبادة مستقلة.
11. فيه: تأكيد الصحابة في نقل هذا الفضل، كقول
أبي أمامة: إنه ما كان يحدث بهذا إلا لو سمعه سبع مرات، وهذا يدل على حرصهم على
ضبط الفضائل.
12. فيه: أن الوضوء كما أُمِر شرطٌ في حصول
هذا الفضل، أي: أن الوضوء ينبغي أن يكون صحيحًا موافقًا للسنة، لا مجردَ غَسْلٍ أو
مسحٍ بلا اتباع.
13. فيه: أن ربط الجوارح بمعاصيها يدل على
أهمية مراقبة الأعضاء، فالعبد يتذكر عند كل غسل ما فعله بذلك العضو، فيتوب ويستحيي
من الله، فتكون الطهارة حسيّة ومعنوية.
14. فيه: أن الوضوء سبب لدخول الصلاة بقلب
نقيّ، فمن قام بعد الوضوء إلى الصلاة كان قيامه على طهارة في الظاهر والباطن.
15. في هذه الروايات: إثبات أن الأعمال
الصالحة تكفّر الخطايا، وهذا أصل شرعي متكرر في النصوص، وهذه الروايات من شواهده
القوية.
16. فيه: أن الوضوء يربي العبد على الإخلاص، لأن
التكفير مرتبط بـ "يريد الصلاة"، أي: بالنية الصالحة، مما يبين أهمية
القصد في الأعمال.
17. فيه: دلالة على عناية الإسلام بتطهير
الظاهر والباطن معاً، فغسل الماء للأعضاء، وتطهير الرحمة للذنوب، يجتمعان لإعداد
المسلم لعبادة أعظم، وهي الصلاة.
[1] وفي "مختصر تاريخ
دمشق" (11/ 78):
"قال
أبو أمامة: لما نزل: "لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المؤْمِنِيْنَ إِذْ
يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ " قال أبو أمامة: قلت: يا رسول الله: أنا
ممن بايعك تحت الشجرة. قال: يا أبا أمامة، أنت مني وأنا منك." اهـ
[2] وهذا الأخير رجحه الذهبي
قائلا في "تاريخ الإسلام" – ت. بشار (2/ 1023): "قَالَ
الْمَدَائِنِيُّ، وَخَلِيفَةُ وَجَمَاعَةٌ: تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ. وَشَذَّ
إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، فَقَالَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ."
اهـ
Komentar
Posting Komentar