شرح الحديث 186 (الترغيب في الوضوء وإسباغه) من صحيح الترغيب للأستاذ أبي فائزة البوجيسي _حفظه الله_
|
186 - (12) [صحيح] وعن عَمرو بنِ عَبَسَة (1) السُّلَمِي _رضي
الله عنه_، قال: "كنت وأنا في الجاهلية أظنُّ أن الناس على ضلالةٍ، وأنهم
ليسوا على شيءٍ، وهم يعبدون الأوثانَ، فسمعتُ
برجلٍ في مكةَ يُخبر أخباراً، فقعدتُ على راحلتي، فقدِمتُ عليه، فإذا رسول الله
- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، -
فذكر الحديثَ إلى أن قال: - فقلت: "يا
نبي الله! فالوُضوءُ، حدثني عنه؟" فقال: "ما منكم رجل يُقَرِّبُ وَضوءه،
فيُمَضْمِضُ ويستنشق فَيَنْتَثِرُ (2)؛ إلا خرَّتْ خطايا وجهِهِ من أطراف
لِحيتِهِ مع الماءِ، ثم
يغسل يديه إلى المِرفَقَين؛ إلا خَرَّت خطايا يديه من أَنامِلِه مع الماء، ثم
يَمسَحُ رأسَهُ؛ إلا خَرَّت خطايا رأسِه من أطراف شعرِه مع الماء، ثم
يغسل رجليه إلى الكعبين؛ إلا خَرَّت خطايا رجليه من أنامِلِه مع الماء، فإن
هو قام فصلى، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ومَجَّدَه بالذي هو له أهلٌ،
وفَرَّغَ قَلبَه لله تعالى؛ إلاَّ انصرفَ من خطيئته كَـ[ـهيْئَتِهِ] (3) يَومَ
ولَدَتْه أُمُّه". رواه
مسلم. __________ (1) الأصل: (عنبسة)، والتصويب من المخطوطة وغيرها، وسيأتي على
الصواب قبيل الباب (15) من "5 - الصلاة". (2) الأصل كالمخطوطة: (فيستنثر)، والتصويب من "صحيح
مسلم" و"المسند" و"السنن". (3) سقطت من الأصل وغيره، واستدركتها من "صحيح مسلم"، والظاهر: أن السقط من إملاء المؤلف أو الناسخ،
فإني رأيته كذلك في "مختصره" للحافظ ابن حجر! ثم ترجح عندي الأول،
فإنه سيأتي كذلك في (5 - الصلاة /14 الترغيب في الصلاة) آخره، وهو كذلك في
المخطوطة هنا. |
ترجمة عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ
السُّلَمِيُّ _رضي الله عنه_:
وفي "الإصابة في تمييز الصحابة" (4/ 545) (رقم: 5918):
"عمرو بن عبسة بن خالد بن عامر بن غاضرة بن خفاف «1» بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم. وقيل ابن عبسة بن خالد بن حذيفة بن عمرو بن خالد بن مازن بن مالك ابن ثعلبة بن بهثة، كذا ساق نسبه ابن سعد، وتبعه ابن عساكر.
والأول أصح، وهو الّذي قاله خليفة، وأبو أحمد
الحاكم وغيرهما، السلمي. أبو نجيح، ويقال أبو شعيب.
قال الواقديّ: أسلم قديما بمكة، ثم رجع إلى بلاده،
فأقام بها إلى أن هاجر بعد خيبر، وقيل الفتح، فشهدها، قاله الواقدي.
وزعم أحمد بن محمّد بن عيسى البغداديّ في ذكر من
نزل حمص من الصحابة:
عمرو بن عبسة من المهاجرين الأولين، شهد بدرا، كذا
قال، وتبعه عبد الصمد بن سعيد.
قال أحمد: وذكر بقية أنه نزلها أربعمائة من الصحابة
منهم عمرو بن عبسة أبو نجيح.
قال ابن عساكر: كذا قالا، ولم يتابعا على شهوده
بدرا، ويقال: إنه كان أخا أبي ذرّ لأمه، قاله خليفة، قال: واسمها رملة بنت
الوقيعة.
أخرج مسلم في صحيحه قصة إسلامه وسؤاله عن أشياء من
أمور الصلاة وغيرها." اهـ
وفي "الإصابة في تمييز الصحابة" (4/ 546):
وأخرج أبو يعلى من طريق لقمان بن عامر، عن أبي
أمامة، من طريق ابن عبسة: "لقد رأيتني، وإني لرابع الإسلام." اهـ
الاستيعاب في معرفة الأصحاب (3/ 1192)
(1937) عمرو بْن عبسة بْن عَامِر بْن خَالِد
السُّلَمِيّ،
يكنى: أَبَا
نَجِيح، ويقال أَبُو شعيب،
وينسبونه عمرو
بن عبسة بن عامر بن خالد بْن غاضرة بْن عتاب بْن امرئ القيس بْن بهثة بْن سُلَيْم،
أسلم قديما فِي أول الإسلام." اهـ
وفي "مختصر تاريخ دمشق" (19/ 263):
"عمرو بن عبسة بن خالد بن حذيفة ابن عمر
بن خلف بن مازن بن مالك بن ثعلبة ابن بهثة بن سليم بن منصور ابن عطرمة بن خصفة بن
قيس عيلان بن مضر بن نزار، أبو نجيح السّلميّ، العجليّ صاحب
رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من السّابقين اللأوّلين، كان يقال له:
ربع الإسلام." اهـ
وفي "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة
(2/ 457):
"وَكَانَ مِنْ أُمَرَاءِ الجَيْشِ
يَوْمَ وَقْعَةِ اليَرْمُوْكِ." اهـ
وفي "مختصر تاريخ دمشق" (19/ 264_265):
عن حريز بن عثمان، أن حمص نزلها من بني سليم
أربعمئة من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، منهم أبو نجيح___السّلميّ،
وهو من المهاجرين الأوّلين، شهد بدراً، وقال: أتيت النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بعكاظ وليس معه إلاّ أبو بكر وبلال، فلقد رأيتني ربع الإسلام.
وفي مختصر تاريخ دمشق (19/ 264):
قال سيف بن عمر في تسمية الأمراء يوم اليرموك:
وعمرو بن عبسة على كردوس.
قال خليفة: هو أخو أبي ذرّ لأمّه.
قال محمد بن عمر: لمّا أسلم عمرو بن عبسة بمكة رجع
إلى بلاد قومه بني سليم، وكان ينزل بصفنة وحاذة وهي من أرض بني سليم فلم يزل
مقيماً هناك حتى مضت بدر وأحد والخندق والحديبية وخيبر، ثم قدم على رسول الله
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد ذلك المدينة.
وفي "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة
(2/ 460):
"لَعَلَّهُ مَاتَ بَعْدَ سَنَةِ
سِتِّيْنَ - فَاللهُ أَعْلَمُ -." اهـ
وقال ابن حجر _رحمه الله_ في "الإصابة في
تمييز الصحابة" (4/ 547):
"وقال الحاكم أبو أحمد:
قد سكن عمرو بن عبسة الشام، ويقال: إنه مات بحمص.
قلت:
وأظنه مات في أواخر خلافة عثمان، فإنني لم أر له
ذكرا في الفتنة، ولا في خلافة معاوية." اهـ
نص الحديث وشرحه:
ففي "صحيح مسلم" (1/ 569_670):
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ
عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ: كُنْتُ وَأَنَا فِي
الْجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا
عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ
يُخْبِرُ أَخْبَارًا، فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَخْفِيًا جُرَءَاءُ
عَلَيْهِ قَوْمُهُ،
فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ،
فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟ قَالَ: «أَنَا
نَبِيٌّ»،
فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيٌّ؟ قَالَ:
«أَرْسَلَنِي اللهُ»،
فَقُلْتُ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ، قَالَ: «أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَكَسْرِ
الْأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللهُ لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ»،
قُلْتُ لَهُ: فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: «حُرٌّ، وَعَبْدٌ»،
قَالَ: وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ،
وَبِلَالٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ،
فَقُلْتُ: إِنِّي مُتَّبِعُكَ، قَالَ: «إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا،
أَلَا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ، وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ فَإِذَا
سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنِي»،
قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي وَقَدِمَ رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، وَكُنْتُ فِي أَهْلِي
فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الْأَخْبَارَ، وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ
الْمَدِينَةَ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ أَهْلِ
الْمَدِينَةَ،
فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي
قَدِمَ الْمَدِينَةَ؟ فَقَالُوا النَّاسُ: إِلَيْهِ
سِرَاعٌ وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ،
فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ،
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: «نَعَمْ، أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ»،
قَالَ: فَقُلْتُ: بَلَى
فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا
عَلَّمَكَ اللهُ وَأَجْهَلُهُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ، قَالَ: «صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ
الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ
حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا
الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ
مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ
عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا
أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ
حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ
الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ
لَهَا الْكُفَّارُ»
قَالَ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ فَالْوُضُوءَ
حَدِّثْنِي عَنْهُ، قَالَ:
«مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ
فَيَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ،
وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ،
ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا
أَمَرَهُ اللهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ
الْمَاءِ،
ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى
الْمِرْفَقَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ
خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ،
ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلَّا
خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ،
ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى
الْكَعْبَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ
خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ،
فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ
اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ
قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ
وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».
المعنى الإجمالي للحديث:
يحدّث عمرو بن عبسة السُّلَمي رضي الله عنه عن قصة
إسلامه، وأنه في أيام الجاهلية كان يستقبح ما عليه قومه من عبادة الأوثان، ويشعر
في نفسه أن الناس في ضلال،
فلما سمع بخبر رجل في مكة يدعو إلى دين جديد قصد
إليه، فوجده رسولَ الله ﷺ يدعو إلى توحيد الله، وصلة الأرحام، وكسر الأوثان.
فعرض عليه الإسلام، لكنه ﷺ لم يأذن له بالملازمة في
مكة لِمَا كان عليه المسلمون حينئذ من الضعف والأذى، وأمره أن يرجع إلى أهله حتى
يظهر الإسلام.
وبعد الهجرة وظهور الإسلام، جاء عمرو إلى المدينة
ولقي النبي ﷺ، فسأله عن أهمّ ما يحتاجه المسلم في عبادته، فسأله عن الصلاة
والوضوء.
فبيّن له ﷺ أوقات النهي عن الصلاة، وفضائل الأوقات
المشهودة التي تحضرها الملائكة، وذكر له حكمة النهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها
لأنها حينئذٍ مواطن سجود الكفار.
ثم شرح له فضل الوضوء، وأن
كل عضو يُغسل في الوضوء يسقط معه من الذنوب بقدر ما يمرّ عليه الماء، حتى إذا صلّى
بعد ذلك بخشوع وحضور قلب، وحمد الله وأثنى عليه، خرج من صلاته وقد غُفرت ذنوبه حتى
يصير كاليوم الذي ولدته أمّه.
فالحديث يجمع بين قصة إسلام الصحابي، وأصول الدعوة،
وأحكام الصلاة، وفضائل الوضوء، وبيان أثر الطاعة في تكفير الخطايا.
تخريج الحديث:
أخرجه مسلم في "صحيحه" (1/ 569/ 294) (رقم:
832)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (4/ 112) (رقم: 17019)، والبيهقي
في "السنن الكبرى" (2/ 637) (رقم: 4385).
والحديث حسن: إرواء
الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (8/ 316) (رقم: 2703)، و"صحيح الترغيب
والترهيب" (1/ 192) (رقم: 186)
شرح الكلمات :
قال النووي _رحمه الله_ في "شرح
صحيح مسلم" (3 / 191):
"قَوْله _صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:
(حَتَّى يَسْتَقِلّ الظِّلّ بِالرُّمْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاة فَإِنَّ
حِينَئِذٍ تُسْجَر جَهَنَّم ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْء فَصَلِّ فَإِنَّ
الصَّلَاة مَشْهُودَة مَحْضُورَة)
مَعْنَى: يَسْتَقِلّ الظِّلّ بِالرُّمْحِ أَيْ
يَقُوم مُقَابِله فِي جِهَة الشِّمَال وَلَيْسَ مَائِلًا إِلَى الْمَغْرِب، وَلَا
إِلَى الْمَشْرِق ، وَهَذِهِ حَالَة الِاسْتِوَاء." اهـ
وقال ابن علان _رحمه الله في "دليل
الفالحين لطرق رياض الصالحين" (4 / 346):
"(وحينئذٍ يسجد لها الكفار) هذه حكمة النهي، وليست بعلة لعدم اطرادها وإلا لنهي عن ذات السبب وفي مكة
أيضاً.
وقال العز بن عبد السلام:
التعليل لذلك لا يظهر لأن تعظيم الله في وقت يسجد
فيه لغيره أولى لما فيه من إرغام أعدائه، ولو صح التعليل فأي فرق بين ذي السبب
وغيره اهـ.
وأجيب بأنها حكمةٌ فلا يلزم اطرادها، ووجه اختصاصها
بغير ذي السبب وبِوَقْتَيْ الطلوعِ والغروبِ: أن إنشاء صلاة لا سبب لها في هذا
الوقت فيه نوعُ تشبهٍ بالكفار في عبادتهم للشمس حينئذٍ، وقد نهينا عن التشبه بهم،
بل وعما يؤدي إليه أو يوهمه،
ولا شك أن إيقاع ذلك حينئذٍ يستلزم ذلك بخلاف ذات
السبب، كالعيد والضحى بناء على دخول وقتهما بالطلوع، فإن ظهور السبب الحامل عليها
ينفي ذلك،
وقد ذكر ابن الأثير ما يؤيد ذلك وهو أن كلا من هذين
وقتٌ لظهور سلطانها وانفصالها، فَكُرِهَ لئلا يتوهم تعظيم شأنها كما هي عادة
الملوك عند قدومهم وانفصالهم." اهـ
فوائد الحديث :
وقال فيصل بن عبد العزيز بن
فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى:
1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (1 / 298):
"في هذا الحديث: الحث على صلة الأرحام لأن
الله تعالى قرنها بالتوحيد.
وفيه: مشروعية الصلاة في كل وقت، إلا أوقات النهي.
وفيه: فضل إسباغ الوضوء، وأنّ من صلَّى صلاة لا
يحدث فيها نفسه غفرت له ذنوبه." اهـ
وقال أبو زكريا يحيى
بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في
"المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (3 / 191):
"قَوْله _صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:
(أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَام وَكَسْر الْأَوْثَان وَأَنْ يُوَحَّد اللَّه
لَا يُشْرَك بِهِ شَيْء)،
هَذَا فِيهِ: دَلَالَة ظَاهِرَة عَلَى الْحَثّ
عَلَى صِلَة الْأَرْحَام؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَرَنَهَا بِالتَّوْحِيدِ، وَلَمْ يَذْكُر لَهُ حَزَبَات الْأُمُور ، وَإِنَّمَا
ذَكَرَ مُهِمّهَا وَبَدَأَ بِالصِّلَةِ." اهـ
وقال أبو زكريا يحيى
بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في
"المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (3 / 191):
"وَقَوْله: (وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْر
وَبِلَال) دَلِيل عَلَى فَضْلهمَا، وَقَدْ يَحْتَجّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّهُمَا
أَوَّل مَنْ أَسْلَمَ .
وقال أبو زكريا يحيى
بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في
"المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (3 / 191):
"وَفِيهِ: مُعْجِزَة لِلنُّبُوَّةِ، وَهِيَ
إِعْلَامه بِأَنَّهُ سَيَظْهَرُ." اهـ
وقال أبو زكريا يحيى
بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في
"المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (3 / 191):
"قَوْله _صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:
(صَلِّ صَلَاة الصُّبْح، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاة حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس
حَتَّى تَرْتَفِع)،
فِيهِ: أَنَّ النَّهْي عَنْ الصَّلَاة بَعْد
الصُّبْح لَا يَزُول بِنَفْسِ الطُّلُوع، بَلْ لَا بُدّ مِنْ الِارْتِفَاع ،
وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه." اهـ
وقال أبو زكريا يحيى
بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في
"المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (3 / 191):
"وَفِي الْحَدِيث: التَّصْرِيح بِالنَّهْيِ
عَنْ الصَّلَاة حِينَئِذٍ حَتَّى تَزُول الشَّمْس، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ
وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء. وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيّ حَالَة الِاسْتِوَاء يَوْم
الْجُمُعَة. وَلِلْقَاضِي عِيَاض _رَحِمَهُ اللَّه_ فِي هَذَا الْمَوْضِع كَلَامٌ
عَجِيب فِي تَفْسِير الْحَدِيث وَمَذَاهِب الْعُلَمَاء، نَبَّهْت عَلَيْهِ
لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ." اهـ
وقال أبو العبَّاس أحمَدُ
بنُ عُمَرَ بنِ إبراهيمَ، الأنصاريُّ القرطبيُّ (المتوفى:
656 هـ) _رحمه الله_ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (7 / 96):
"ومقصوده قطعًا: بيان حكم النفل في هذه
الأوقات، فالظاهر: حمل النهي على منع التنفل في هذه الأوقات الثلاثة؛ إلا في يوم
الجمعة؛ جمعًا بين الأحاديث والإجماع المحكي، والله أعلم." اهـ
وقال أبو زكريا يحيى
بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في
"المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (3 / 191):
"قَوْله _صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:
(فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْء، فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاة مَشْهُودَة مَحْضُورَة
حَتَّى تُصَلِّي الْعَصْر ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاة)،
مَعْنَى:
أَقْبَلَ الْفَيْء، ظَهَرَ إِلَى جِهَة الْمَشْرِق، وَالْفَيْء مُخْتَصّ بِمَا
بَعْد الزَّوَال، وَأَمَّا الظِّلّ فَيَقَع عَلَى مَا قَبْل الزَّوَال وَبَعْده ،
وَفِيهِ كَلَام نَفِيس بَسَطْته فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء .
قَوْله _صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:
(حَتَّى تُصَلِّي الْعَصْر)
فِيهِ:
دَلِيل عَلَى أَنَّ النَّهْي لَا يَدْخُل بِدُخُولِ وَقْت الْعَصْر، وَلَا
بِصَلَاةِ غَيْر الْإِنْسَان، وَإِنَّمَا يُكْرَه لِكُلِّ إِنْسَان بَعْد صَلَاة
الْعَصْر حَتَّى لَوْ أَخَّرَ عَنْ أَوَّل الْوَقْت، لَمْ يُكْرَه التَّنَفُّل
قَبْلهَا." اهـ
وقال أبو زكريا يحيى
بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في
"المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (3 / 191):
"قَوْله _صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:
(ثُمَّ يَغْسِل قَدَمَيْهِ)
فِيهِ:
دَلِيل لِمَذْهَبِ الْعُلَمَاء كَافَّة: أَنَّ الْوَاجِب غَسْل الرِّجْلَيْنِ،
وَقَالَ الشِّيعَة: الْوَاجِب مَسْحهمَا،
وَقَالَ اِبْن جَرِير: "هُوَ مُخَيَّر."
وَقَالَ بَعْض الظَّاهِرِيَّة : "يَجِب الْغَسْل وَالْمَسْح." اهـ
وقال أبو زكريا يحيى
بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في
"المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (3 / 191):
قَوْله : (لَوْ لَمْ أَسْمَعهُ مِنْ رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَرَّة أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا
حَتَّى عَدَّ سَبْع مَرَّات مَا حَدَّثْت بِهِ أَبَدًا وَلَكِنِّي سَمِعْته
أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ)،
هَذَا الْكَلَام قَدْ يُسْتَشْكَل مِنْ حَيْثُ
إِنَّ ظَاهِره أَنَّهُ لَا يَرَى التَّحْدِيث، إِلَّا بِمَا سَمِعَهُ أَكْثَر مِنْ
سَبْع مَرَّات،
وَمَعْلُوم: أَنَّ مَنْ سَمِعَ مَرَّة وَاحِدَة،
جَازَ لَهُ الرِّوَايَة، بَلْ تَجِب عَلَيْهِ إِذَا تَعَيَّنَ لَهَا، وَجَوَابه:
أَنَّ مَعْنَاهُ: لَوْ لَمْ أَتَحَقَّقهُ وَأَجْزِم
بِهِ لَمَا حَدَّثْت بِهِ، وَذَكَرَ الْمَرَّات بَيَانًا لِصُورَةِ حَاله، وَلَمْ
يُرِدْ أَنَّ ذَلِكَ شَرْط، وَاللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن
موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى
1442 هـ) _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (7 / 423):
"(فَصَلِّ ما بدا لك)
وفي رواية أبي داود: "فصل ما شئت"،
وفيه: أن صلاة الليل ليس لها عدد معين، خلاف ما
يزعمه بعض الناس أن الزيادة على إحدى عشرة ركعة التي وردت
في صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدعة، فينكرون على من يصلي في
رمضان عشرين ركعة، أو أقل، أو أكثر على حسب نشاط المتهجدين،
فيَرَدُّ عليهم هذا الحديثُ، حيث قال - صلى الله
عليه وسلم -: "فصلّ ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح"،
رواه أبو داود،
فإنه أطلق له الكيفية والكمية.
وكذا حديث: "الصلاةُ خيرُ موضوعٍ، فمن استطاع
أن يستكثر، فليستكثر"، رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه. وحسنة الشيخ الألباني، انظر "صحيح الجامع" جـ 2 ص 719.
والحاصل:
أن من تيسر له موافقة ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - كَمًّا وكيفًا،
فهو الأفضل، وإلا، فلا حجر على أحد، والله أعلم." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن
موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى
1442 هـ) _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى - (7 / 424)
والحاصل: أن الصحيح جواز الصلاة بعد طلوع الفجر إلى
أن تصلى الصبح لحديث الباب. والله تعالى أعلم." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن
موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى
1442 هـ) _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (7 / 425):
"وفيه: أن وقت النهي لا ينتهي بطلوع الشمس، بل
لابد من ارتفاعها، وإشراقها، فالأحاديث التي فيها الإطلاق، لابد من تقيدها بهذا،
فتنبه." اهـ
وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح
رياض الصالحين" (3 / 202)
"فجعل النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلة الرحم
من الأسباب التي تدخل الإنسان الجنة وتباعده عن النار.
ولا شك أن كل إنسان يسعى إلى هذا الكسب العظيم؛ أن
ينجو من النار ويدخل الجنة، فإن من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وكل مسلم
يسعى إلى ذلك، وهذا يحصل بهذه الأمور الأربعة:
الأول:
تعبد الله لا تشرك به شيئاً؛ لا شركاً أصغر ولا شركاً أكبر.
الثاني:
تقيم الصلاة، وتأتي بها كاملة في أوقاتها مع الجماعة إن كنت رجلا، ودون الجماعة أن
كانت امرأة.
والثالث:
تؤتي الزكاة، بأن تؤدي ما أوجب الله عليك من الزكاة في مالك إلى مستحقه.
والرابع:
تصل الرحم؛ بأن تؤتيهم حقهم بالصلة حسب ما يتعارف الناس، فما أعده الناس صلة فهو
صلة، وما لم يعدوه صلة فليس بصلة، إلا إذا كان الإنسان في مجتمع لا يبالون
بالقرابات، ولا يهتمون بها، فالعبرة بالصلة نفسها المعتبرة شرعاً." اهـ
وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح
رياض الصالحين" (3 / 331-332):
"وفي حديث عمرو بن عبسة فوائد كثيرة:
منها:
أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ غريباً خائفاً متخفياً _عليه الصلاة والسلام_،
جاءه عمرو بن عبسة وقد رأى ما عليه__أهل الجاهلية
وأنهم ليسوا على شيء، فصار يتطلب الدين الصحيح الموافق للفطرة، حتى سمع بالنبي صلى
الله عليه وسلم في مكة، فجاء إليه، فوجده مستخفياً في بيته، لم يتبعه إلا حر وعبد
ـ أبو بكر وبلال ـ لم يتبعه أحد." اهـ
وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح
رياض الصالحين" (3 / 332):
"وفي هذا: دليل على أن أبا بكر _رضي الله عنه_
أول من آمن بالرسول _عليه الصلاة والسلام_، ثم آمن بعده من الأحرار على بن أبي
طالب _رضي الله عنه_." اهـ
وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح
رياض الصالحين" (3 / 332):
"أخبره مما يجب عليه لله عز وجل من حقوق، وبين
له أن الإنسان إذا توضأ وأحسن الوضوء؛ خرجت خطاياه من جميع أعضائه، وأنه إذا صلى
فإن هذه الصلاة تكفر عنه، فدل ذلك على أن فضل الله عز وجل أوسع من غضبه، وأن رحمته
سبقت غضبه. نسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته إنه جواد كريم." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن
موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى
1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج" (16/ 628_629):
"في فوائده:
1 - (منها): بيان ما لقيه النبيّ -صلى اللَّه عليه
وسلم- من جراءة قومه عليه، وأذاهم له، وصدّهم عن سبيل اللَّه تعالى، فكان يستخفي
عنهم حال أداء العبادة.
2 - (ومنها): بيان فضل أبي بكر وبلال -رضي اللَّه
عنهما-، حيث كانا سابقين إلى الإسلام.
3 - (ومنها): بيان فضل عمرو بن عَبَسَة -رضي اللَّه
عنه- وكمال عقله حيث كان يدرك في الجاهليّة أن الناس في ضلال حيث يعبدون الأوثان
من دون اللَّه تعالى، فلما سمع ببعثة النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خرج إليه
مستخبرًا عنه، فلما علم أنه نبيّ من عند اللَّه بادر بالإسلام -رضي اللَّه عنه-.
4 - (ومنها): بيان مشروعية سؤال الشخص العلماء عن
أحكام دينه، وعَمَّا لَه في ذلك عند اللَّه من الأجر؛ لأن ذلك يبعثه على العمل به،
وتزداد رغبته، ويَقْوَى نشاطه.___
5 - (ومنها): بيان أنه ينبغي للمسلم أن يسأل عن
أفضل الأوقات والأماكن ليتقرب فيها إلى ربه، ويكثر من طاعته.
6 - (ومنها): بيان النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس،
وبيان تسلط الشيطان في ذلك الوقت للإغواء.
7 - (ومنها): النهي عن مشابهة الكفار في عبادتهم.
8 - (ومنها): النهي عن الصلاة وقت الاستواء؛ لأنه
وقت فتح أبواب جهنم، وتسجيرها.
9 - (ومنها): النهي عن الصلاة وقت الغروب؛ للعلة
المتقدمة في الطلوع، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في حكم الصلاة في هذه الأوقات،
وترجيح القول بجواز ذوات الأسباب؛ جمعًا بين الأدلّة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
10 - (ومنها): بيان فضل الوضوء، وأنه من مكفّرات
الذنوب.
11 - (ومنها): أن فيه دليلًا لمذهب العلماء كافّة
أن الواجب غسل القدمين، خلافًا للشيعة حيث قالوا: الواجب مسحهما، ولابن جرير حيث
قال: هو مخير، ولبعض الظاهرية حيث قالوا: يجب الغسل والمسح. كما بيّنه النوويُّ
-رَحِمَهُ اللَّهُ-.
12 - (ومنها): بيان فضل الصلاة بعد الوضوء.
13 - (ومنها): الحثّ على الإخلاص، وفضل حضور القلب
في حال العبادة.
14 - (ومنها): مشروعيّة الاستثبات في الإخبار، وإن
كان المخْبِر صادقًا؛ إذ ربما يطرأ له نسيان، أو نحوه.
15 - (ومنها): أن في كلام عمرو بن عَبَسَةَ -رضي
اللَّه عنه- هنا ما يدلّ على أن الحاجة ربما حملت الشخص على التزيد في الخبر، كما
اطُّلعَ على بعض الوضاعين أنهم زادوا على الأحاديث ما ليس منها، ليتكسبوا بذلك
أموال الأمراء وغيرهم." اهـ
ملحق الفوائد:
حديث عمرو بن عبسة _رضي الله عنه_ من الأحاديث
العظيمة والجامعة للفوائد المهمة، ومن تلك الفوائد:
فوائد من قصة إسلام عمرو بن عبسة رضي
الله عنه
1_ فيه: أن الفطرة تهدي صاحبها إلى استنكار
الباطل، فكون عمرو يشعر بأن الناس في ضلال قبل الإسلام دليل على أن النفوس السوية
تميل إلى التوحيد وتنفر من الشرك، وأن الفطرة إذا لم تُلوَّث بالجهل والعادة قادت
صاحبها للحق ولو قبل مجيء الوحي.
2_ فيه: أن محبة الحق تدفع صاحبها للبحث عنه
والسفر إليه، فرحلته إلى مكة بدون تردد تُظهر أن الحريص على النجاة لا يبقى
مترددًا، بل يتحرك ويبحث ويسعى، وأن الهداية تتطلب طلبًا وجهادًا للنفس.
3_فيه: شدة الأذى الذي لقيه النبي _صلى الله
عليه وسلم_ في مكة، فلذلك وصفه عمرو بن عبسة _رضي الله عنه_ بقوله: "...مستخفيًا
جرءاء عليه قومه."
وقوله هذا يُظهر مقدار الأذى الذي كان يعانيه النبي
ﷺ حتى اضطر إلى الدعوة خفية، وهذا يربي قلوب المؤمنين على الصبر في طريق الدعوة.
4_ فيه: شجاعة النبي _صلى الله عليه وسلم_
وثباته على الدعوة رغم الأذى
فإصراره على الدعوة رغم الخفاء والتهديد يدل على
يقينه بنصر الله، وأن الداعية الحق لا يترك دعوته مهما اشتد الضغط.
5_ فيه: أن أول ما دعي إليه التوحيد والأخلاق
وإزالة الشرك، فجمع النبي ﷺ بين توحيد الله (وهو أصل الدين) وصلة الرحم (وهو إصلاح
المجتمع)، وكسر الأوثان (وهو إزالة مظاهر الشرك).
وهذا يدل على أن الإسلام جاء بمنهج الإصلاح الشامل
للفرد والعائلة والمجتمع.
6_ فيه: أن الدعوة إلى مكارم الأخلاق من أول
يوم أرسل فيه رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، فبَدْءُ الرسالة بالأخلاق دليل على
أن الإسلام ليس عباداتٍ مجردةً، بل دين يُصلح السلوك ويُهذّب العلاقات.
7. أوائل المؤمنين كان فيهم الشريف والضعيف،
فذِكْرُ أبي بكر وبلال معًا يُبيّن أن الإسلام دين
مساواة ودين شامل لجميع الناس إلى يوم الدين، وأن شرف الإيمان لا يُنال بالنسب بل
بالعمل والتقوى.
8_ فيه: حكمة النبي _صلى الله عليه وسلم_ في
عدم قبول مرافقة عمرو حينها، فمَنْعُه من مرافقته لرسول الله _صلى الله عليه وسلم_
لحكمةٍ عظيمة، لأن الإسلام كان في مرحلة
ضعف، وكان بقاؤه في مكة قد يعرّضه للخطر، مما يدل على أن الدعوة تراعي المصلحة
والمفسدة ولا تغامر بالناس.
9_ فيه: مشروعية تأخير بعض الأعمال مراعاةً
للظروف، فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ لم يُكلّفه بما لا يستطيع، ففيه قاعدة:
"التكليف بحسب الاستطاعة"، وأن وقت الضعف له أحكام، ووقت القوة له
أحكام.
10_ فيه: يقين النبي _صلى الله عليه وسلم_
بظهور أمره، فقوله: "فإذا سمعتَ بِيْ قد ظهَرْتُ، فأْتِنِيْ" يقين ورجاء
بالظهور، وهذا يدل على الإيمان الجازم بوعد الله: {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ
وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8]
فوائد من قدوم عمرو إلى المدينة وسؤاله
النبي _صلى الله عليه وسلم_
11_ فيه: حسن خلق النبي _صلى الله عليه وسلم_
وتذكّره لأصحابه
فقوله: "نعم، أنت الذي لقيتني بمكة" يدل
على تواضعه _صلى الله عليه وسلم_، وحُسن استقباله، وتذكّره لأحوال أصحابه. وهذا
أدب للمعلّم والداعية في حسن التعامل مع تلاميذه والناس عموما.
12_ فيه: حرص الصحابة على طلب العلم، فسؤال
عمرو بن عبسة _رضي الله عنه_ بعد هذه المدة الطويلة يدل على أن العلم أول ما يطلبه
الصحابي، وأن معرفة العبادة الصحيحة مقدَّمة على غيرها.
13_ فيه: سؤال العالم عما يحتاجه العبد من
أمر دينه،
فاختيار موضوع الصلاة والوضوء يدل على أن المسلم
ينبغي أن يبدأ بالأمور التي يحتاجها يوميًا، لا المسائل النظرية البعيدة أو
الثقافة الخالية من كبير فائدة لإيمانه.
فوائد من أحكام الصلاة المذكورة في
الحديث
14_ فيه: بيان أوقات النهي عن الصلاة بوضوح،
فالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها دليل على
أن الإسلام يحدد أوقات العبادة بدقة، ويمنع مشابهة الكفار في شعائرهم.
15_ فيه: بيان حكمة النهي أنها أوقات سجود
الكفار، ففيه تعليم مهم: الأحكام الشرعية معللة بالحِكَم، وأن النهي مرتبط بدفع
التشبّه والابتعاد عن مواضع الشرك.
16_ فيه: فضل الصلاة بين ارتفاع الشمس إلى
الزوال،
وصفها بأنها "مشهودة"، أي: تحضرها
الملائكة، وهذا تحريض على المحافظة على صلاة الضحى وسائر النوافل في هذا الوقت
الكريم.
17_ فيه: أن وقت الزوال وقت تسجير جهنم، وأن
من رحمة الله أن نهى عن الصلاة فيه لكونه وقت شدة وخوف.
فوائد من أحكام الوضوء وفضائله
18_ فيه: أن الوضوء يكفّر الخطايا تكفيرًا
متكررًا، فتكرار جملة: "إلا خرت خطاياه" مع كل عضو يدل على أن الوضوء
ليس تنظيفًا جسديًا فحسب، بل عبادة تطهر الروح وتزيل آثار الذنوب.
19_ فيه: أن التكفير يشمل جميع أعضاء الوضوء،
فسقوط الذنوب مع غسل كل عضو يربّي المسلم على تعظيم شأن الوضوء، تحسين أدائه
وإسباغه، واستحضار فضل الوضوء عند كل غَسْلِ أعضاء.
20_ فيه: أن الوضوء المقبول هو الذي يكون كما
أمر الله، فالتأكيد على ذلك بقوله: "كما أمره الله" يدل على أهمية اتباع
السنة، وأن الوضوء الصحيح له طريقة محددة، وأن المخالفة تنقص الأجر.
21_ فيه: الوضوء يمحو آثار الذنوب من ظاهر
الجسد وباطنه، فسقوط الذنوب من أطراف
الشعر والأنامل ليس المقصود به الحسي فقط، بل الإشارة إلى أن الوضوء يُطهّر
الجوارح التي باشرت الذنوب.
فوائد تتعلق بالصلاة بعد الوضوء
22_ فيه: أن اجتماع الطهارتين (الوضوء
والصلاة) سبب لمغفرة عظيمة، فالوضوء يطهّر الجسد، والصلاة تطهر القلب، وإذا اجتمعا
زال أثر الذنب كله.
23_ فيه: أن قبول الصلاة مرتبطٌ بحضور القلب،
فقوله: "وفرّغ قلبه لله" يبيّن أن الصلاة ليست مجردَ حرَكاتٍ، بل حضوع
القلب وإخلاصه.
24_ فيه: أن الصلاة المكملة تمحو الذنوب كلها،
فالذي يحافظ على وضوئه وصلاته بخشوع، يُغفر له حتى يصبح "كهيئة يوم ولدته
أمّه"، مما يدل على سعة رحمة الله، فضل الطاعة الخالصة لله _جل وعلا_,
25_ فيه: أن التكفير مشروط باجتماع أعمال
القلب واللسان والجوارح، فالحمد والثناء والتمجيد وحضور القلب كلها شرائط لقبول
الصلاة التامة.
فوائد عامة من الحديث
26_ فيه: التدرّج في التعليم والدعوة، فالنبي
_صلى الله عليه وسلم_ بدأ معه بالأهم فالأهم، فبدأ بالتوحيد، ثم الصلاة، ثم الوضوء.
وهذا منهج تربوي عظيم.
27_ فيه بيان شمول شرائع الإسلام، فجمع
الحديث بين العقيدة، والأخلاق، والطهارة، والصلاة. وهذا يؤكد أن الإسلام منهج حياة
كامل.
28_ فيه: أن الإسلام يعتني بالظاهر والباطن
معًا، فالوضوء يطهّر الظاهر، والصلاة تطهّر الباطن، فلا يكفي أحدهما دون الآخر.
29_ فيه: وسطية الإسلام في التكليف، فلم
يكلّفه النبي _صلى الله عليه وسلم_
بالبقاء في مكة، ففي ذلك مراعاة للقدرات والظروف، وأن من رحمة الله أن
الدين لا يشقّ على الناس.
Komentar
Posting Komentar