شرح الحديث 144 (باب الأقتصاد في الطاعة) من رياض الصالحين
|
[144] وعن ابن مسعود _رضي الله عنه_: "أنّ
النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_، قَالَ : «هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ»، قالها
ثَلاثاً. رواه مسلم. «المُتَنَطِّعونَ»:
المتعمقون المتشددون في غير موضِعِ التشديدِ. |
ترجمة
عبد الله بن مسعود أبي عبد الرحمن الهذلي _رضي الله عنه_:
قال المزي _رحمه
الله_ في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (16/ 121):
"عَبد
اللَّهِ بن مسعود بن غافل بن حبيب بْن____شمخ بن مخزوم، ويُقال: ابْن شمخ بْن فار
بْن مخزوم بْن صاهلة بْن كاهل بْن الحارث بْن تميم بْن سعد بْن هذيل بْن مدركة بْن إلياس بْن مضر بْن نزار بن معد بن
عدنان، أبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الهذلي، صاحب
رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وكان
أبو مسعود بْن غافل، قد حالف عبد بْن الحارث بْن زهرة فِي
الجاهلية، وأمه أم عبد بنت ود بْن سواء من هذيل أَيْضًا، لها صحبة.
أسلم
بمكة قديما، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول اللَّهِ صلى الله
عليه وسلم.
وهُوَ صاحب
نعل رَسُول اللَّهِ صلى___الله عليه وسلم. كَانَ يلبسه إياها إِذَا قام، فإذا جلس
أدخلها فِي ذراعه. وكَانَ كثير الولوج عَلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم."
اهـ
قال المزي _رحمه
الله_ في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (16/ 127): "وَقَال أَبُو
بَكْر بْن أَبي خيثمة، عَن يحيى بْن مَعِين: (مات
سنة ثلاث أَوِ اثنتين وثلاثين)." اهـ
نص
الحديث وشرحه:
وعن ابن مسعود
_رضي الله عنه_:
"أنّ
النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_، قَالَ : «هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ»، قالها
ثَلاثاً. رواه مسلم.
«المُتَنَطِّعونَ»:
المتعمقون المتشددون في غير موضِعِ التشديدِ.
وفي "مسند
أحمد" - عالم الكتب (1/ 386):
عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ
«أَلَا، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» ثَلَاثَ
مِرَارٍ "
قال النووي
_رحمه الله_ في "شرح صحيح مسلم" (16 / 220):
"أي:
المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في اقوالهم وافعالهم." اهـ
وقال الحريملي
_رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 115):
"المتنطَّع:
المتكلّفُ في العبادة بما يشق فعله ولا يلزمه، والخائضُ فيما لا يعنيه وفيما لا يبلغه عقله." اهـ
وقال شرف الحق
العظيم آبادي _رحمه الله_ في "عون المعبود" (12 / 235):
"قال
الخطابي:
المتنطع:
المتعمق في الشيء، المتكلف للبحث عنه على مذاهب أهل___الكلام الداخلين فيما لا
يعنيهم الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم."
وقال ابن
الجوزي _رحمه الله_ في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (1/ 213):
"التنطع:
التعمق، والغلو: التكلف لما لم يؤمر به." اهـ
وقال البغوي في
"شرح السنة" (12/ 367):
"المتنطع:
المتعمق فِي الْكَلَام الغالي، وَيكون الَّذِي يتَكَلَّم بأقصى حلقه مَأْخُوذ مِن
النَّطِعِ." اهـ
وقال سليمان
بن عبد الله آل الشيخ _رحمه الله_ في "تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب
التوحيد الذى هو حق الله على العبيد" (ص: 265)
وقال أبو
السعادات:
هم المتعمقون
الغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من
الفم، ثم استعمل في كل متعمق قولاً وفعلاً.
قال عبد
الرحمن بن محمد العاصمي القحطاني الحنبلي النجدي (المتوفى: 1392هـ) _رحمه الله_ في
"حاشية كتاب التوحيد" (ص: 152)
"أي:
المتكلفون المتعمقون المتأنقون، الغالون في الكلام، المتكلمون بأقاصى حلوقهم،
مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم،
ثم
استعمل في كل متعمق قولا وفعلا، أو الغالون في عباداتهم، بحيث
تخرج عن قوانين الشريعة، أو الذي يدخل الباطل في قالب الحق لقوة فصاحته،
وأما الفصاحة
التي توضح الحق وترد الباطل، وتظهر عظمة العلم والدليل فممدوحة." اهـ
الفتاوى
الحديثية لابن حجر الهيتمي (ص: 105)
وروى مُسلم
خبر: (هلك المُتَنَطعِّون. قَالَهَا ثَلَاثًا)،
وفسرهم
الْعلمَاء: بالمبالغين فِي الْأُمُور. وَفِي خبر التِّرْمِذِيّ الَّذِي حسنه
أَيْضا: (وَإِن من أبغضكم إِلَيّ وأبعدكم مني مَجْلِسا يَوْم الْقِيَامَة: الثرثارون) (أَي المكثرون للْكَلَام) والمتشدقون: (أَي المتطاولون على النَّاس فِي الْكَلَام)
والمتفيهقون، وفسرهم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
بِأَنَّهُم المتكبرون).
وَلَا يدْخل
فِي الذَّم تَحْسِين أَلْفَاظ الْخطب والمواعظ، إِذا لم يكن فِيهَا إفراط وإغراب،
لِأَن الْمَقْصُود مِنْهَا تهييج الْقُلُوب إِلَى طَاعَة الله ولحسن اللَّفْظ فِي
هَذَا أثر ظَاهر انْتهى
وقال المفتي
الشيخ الفوزان _حفظه الله_ في "إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد" (1/
278_280):
"وأصل
التنطع: هو التقعّر في الكلام إظهاراً للفصاحة، هذا هو أصل التنطع في اللغة. والمراد هنا: التنطع في الكلام، والتنطع في الاستدلال،
والتنطع في العبادة.
* والتنطع
في الكلام معناه: أن يتكلم الإنسان بالكلمات الغريبة من
اللغة التي لا يفهمها الناس، فيأتي بأسلوب وألفاظ من وحشي اللغة لا يعرفها النّاس.
وكذلك
من التنطع في الكلام: أن يخاطب الحاضرين بأشياء لا يفهمونها، فالنّاس بحاجة إلى أن
يبيّن لهم عقيدتهم وعبادتهم وطهارتهم ومعاملاتهم، ثمّ يذهب يتكلم في أشياء بعيدة
عنهم، بل بعيدة من مجتمعهم، يتكلم في أمور السياسة، والأمور البعيدة، وأمور الدول،
وأمور وسائل الإعلام، وأمور بعيدة،
العوام لا
يعرفون منها شيئاً، ولا يستفيدون منها شيئاً، ويخرجون من عنده بجهلهم، لا يعرفون
أمور دينهم، بل منهم من لا يعرف كيف يصلي، منهم من لا يعرف كيف يتوضأ، ومنهم من لا
يعرف كيف يغتسل من الجنابة، فيخرجون بجهلهم، وما انتفعوا بهذا الكلام البعيد
الغريب عن أسماعهم.. هذا من التنطع.
وغرض
المتكلم: أن يبيّن للناس أنه فاهم، وأنه مثقّف ولو على حساب الحاضرين، ولو ما
فهموا، ولو ما عرفوا شيئاً.
وهذا من
التنطع.
والمطلوب
من الخطيب والمحاضر والمتكلم والمدرس: أن يتكلم في حدود ما يفهمه الحاضرون، وما هم
بحاجة إليه في أمور دينهم، وفي أمور معاملاتهم وأخلاقهم، هذا هو المطلوب.
وأن يكون قصده
نفع الحاضرين، وتعليم الحاضرين، لا يكون قصده إظهار شخصيته، وإظهار فصاحته، فهذا
هالك كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هلك
المتنطعون".
فلنحذر من هذا
حينما نتكلم في درس، حينما نخطب في الجمعة، أو عيد أو استسقاء، حينما نلقي محاضرة،
علينا أن نراعي
حالة الحاضرين، وأن نأتي من___الكلام بما يفهمونه، وما يستفيدون منه،
وأيضاً يكون
بأسلوب سهل، لا نتعمّد المجيء بأساليب لا يفهمونها، وكلمات لا يفهمونها، بل يختار
الموضوع المناسب، والأسلوب المناسب، واللغة التي يفهمونها. هذا الذي يريد الخير
للناس، ويريد تعليم الناس.
أما الذي يريد
أن يُظهر نفسه على حساب الناس، فهذا هو المتنطع،
وهذا لا يفيد شيئاً، ويَخرج كما دخل من غير فائدة.
فعلينا أن
نتنبّه لذلك، لئلا نكون من المتنطعين في الكلام.
وأمير
المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: "حدثوا النّاس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب
الله ورسوله؟ ".
* أما
التنطع في الاستدلال، فهو: طريقة أهل الكلام وأهل المنطق
الذين عدلوا عن الاستدلال بالكتاب والسنّة إلى الاستدلال بقواعد المنطق، ومصطلحات
المتكلمين.
والمنطق هذا
من أين جاء؟، وقواعد المنطق من أين جاءت؟، جاءت من اليونان، استجلبوها واستعملوها
في الإسلام، وتركوا الاستدلال بالكتاب والسنّة، وقالوا: إن الأدلة السمعية لا تفيد
اليقين، وإنما الذي يفيد اليقين هو الأدلة العقلية - بزعمهم-، فبذلك هلكوا.
الواجب أن يكون
الاستدلال بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنّة وإجماع المسلمين والقياس الصحيح كما
عليه علماء أهل السنّة والجماعة، ولهذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله: "حكمي
في أهل الكلام: أن يضربوا بالجريد والنعال، وأن يطاف بهم في القبائل، وأن يقال:
هذا جزاء من أعرض عن الكتاب والسنّة واشتغل بعلم الكلام".
فمن هؤلاء من
يترك كلام الله وكلام رسوله ويأتي بقواعد المنطق، حتى في العقائد وهو ما يسمونه
الآن علم التّوحيد، يسمون علم المنطق، وعلم الكلام: علم التّوحيد، ولذلك وقعوا في
الهلاك، وضلوا وأضلوا، وقد انتهى أمرهم إلى الحيرة، كما شهد بذلك أكابرهم، وبعضهم
عند الوفاة أشهد الحاضرين بأنه مات وهو___لا يعرف شيئاً، مع أنه أفنى عمره في علم
الكلام والجدل والمنطق، هذا مآل المتنطعين- والعياذ بالله-، وشهاداتهم على أنفسهم
موجودة، مما يدل على صدق قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هلك
المتنطعون".
* أما
التنطع في العبادة: فهو كما سلف، هو: أن يزيد الإنسان في
العبادة على الحد المشروع، وهذه رهبانية النصارى،
أما الحد المشروع فهو كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: (أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، ومن رغب عن سنتي
فليس مني)،
هذا هو
الاعتدال، وأما التبتّل وعدم التزوج، والصيام دائماً ولا يُفطر، والصلاة كل الليل
ولا ينام، هذا كله من الغلو، ومن التنطع الذي يَهْلك صاحبه كما هلكت النصارى في
رهبانيتهم،
والنبي صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حذّر من الغلو، وحذّر من رهبانية النصارى، وأمر
بالاعتدال والتوسط، وقال: "هذا الدين متين، ولن يشاد الدين أحد إلاّ غلبه،
{فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} ،
وقال صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن المنبتّ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى)
والمنبت هو:
الذي يكلّف نفسه بالسير ولا يستريح ولا يريح راحلته، هذا ينبت، يعني: ينقطع وتموت
راحلته، ويقف في وسط الطريق: "فلا ظهراً أبقى" لأن راحلته ماتت،
ولا أرضاً قطع
لأن المسافة باقية. أما لو أخذ الطريق على مراحل، وشيئاً فشيئاً، وأراح نفسه، وأراح
راحلته لقطع الطريق، وبلغ المقصود ولهذا قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"أوغلوا فيه برفق".
فالحاصل؛
أن التنطع في العبادة هو: الزيادة فيها عن الحد المشروع، والمطلوب أن الإنسان
يتوسط في العبادة من غير زيادة، ومن غير نقصان." اهـ
المعنى
الإجمالي للحديث:
يوضح النبي
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن التعمق في الأشياء والغلو فيها يكون سبباً
للهلاك، ومراده -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- النهي عن ذلك.
مناسبة الحديث
للباب: أن التنطع من الغلو المنهي عنه، ويدخل في ذلك التنطع في تعظيم الصالحين إلى
الحد الذي يفضي إلى الشرك. اهـ من الملخص في شرح كتاب التوحيد (ص: 167)
تخريج
الحديث:
أخرجه مسلم في
"صحيحه" (4/ 2055/ 7) (رقم: 2670)، وأبو داود في "سننه" (4/
201) (رقم: 4608)، وابن أبي شيبة في "مسنده" (1/ 146) (رقم: 198)، وأحمد
في "مسنده" – ط. عالم الكتب (1/ 386) (رقم: 3655)، وابن أبي الدنيا في
"الصمت" (ص: 109) (رقم: 147)، وفي "ذم الغيبة والنميمة" (ص:
9) (رقم: 14)، والبزار في "مسنده" = البحر الزخار (5/ 264) (رقم: 18789)،
وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (8/ 422 و8/ 424 و 9/ 158) (رقم: 5004 و 5007
و 5242)، وأبو عوانة في "المستخرج" – ط. الجامعة الإسلامية (20/ 306_307)
(رقم: 11708_11709)، والطبراني في "المعجم الكبير" (10/ 175) (رقم: 10368)،
وابن بطة في "الإبانة الكبرى" (1/ 396_397 و 1/ 423) (رقم: 294_295 و 346)،
وأبو طاهر الْمُخَلِّصُ في "الْمُخَلِّصِيَّاتِ" (2/ 94 و 3/ 369) (رقم:
1106 و 2735)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (2/ 951) (رقم:
1817_1818)، والبغوي في "شرح السنة" (12/ 367) (رقم: 3396)، وأبو القاسم
الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (1/ 296) (رقم: 484)، وابن عساكر في
"تاريخ دمشق" (24/ 300)، وأبو شجاع الديلمي في "الفردوس بمأثور
الخطاب" (4/ 344) (رقم: 6995).[1]
والحديث
صحيح:
صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (3/ 1350) (رقم: 4785)،
و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1183) (رقم: 7039)، و"غاية
المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام" (ص: 20) (رقم: 7)
من
فوائد الحديث:
وقال أبو
سليمان الخطابي _رحمه الله_ في "معالم السنن" (4/ 300):
"وفيه:
دليل على أن الحكم بظاهر الكلام وأنه لا يترك الظاهر إلى غيره ما كان له مساغ
وأمكن فيه استعمال." اهـ
الترغيب
والترهيب لقوام السنة (1/ 297)
التنطع:
مجاوزة الحد في الكلام وترك الاقتصاد فيه، وفيه الترهيب من تعمق أهل البدع وخوضهم
فيما لم يخض فيه السلف.
وقال النووي
_رحمه الله_ في "الأذكار" – ت. الأرنؤوط (ص: 372):
"يُكره
التقعيرُ في الكلام بالتشدّق وتكلّف السجع والفَصاحة والتصنّع بالمقدمات التي
يَعتادُها المتفاصحون وزخارف القول، فكلُّ ذلك من التكلُّف المذموم،
وكذلك تكلّف
السجع، وكذلك التحريّ في دقائق الإِعراب ووحشي اللغة في حال مخاطبة العوامّ، بل
ينبغي أن يقصدَ في مخاطبته لفظاً يفهمُه صاحبُه فهماً جليّاً ولا يستثقلُه."
اهـ
فيض القدير -
(6 / 355):
وقال النووي:
(فيه كراهة
التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف الفصاحة واستعمال وحشي اللغة ودقائق الإعراب في
مخاطبة العوام ونحوهم) اهـ
وقال غيره: المراد
بالحديث الغالون في خوضهم فيما لا يعنيهم،
وقيل:
المتعنتون في السؤال عن عويص المسائل الذي يندر وقوعها،
وقيل: الغالون
في عبادتهم بحيث تخرج عن قوانين الشريعة ويسترسل مع الشيطان في الوسوسة." اهـ
فتح الباري-
تعليق ابن باز - (13 / 267)
فمن يسد باب
المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها فإنه يقل فهمه وعلمه،
ومن توسع في تفريع المسائل وتوليدها ولا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر، ولا سيما إن
كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة، فإنه يذم فعله وهو عين الذي كرهه السلف
ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل وحصل من الأحكام ما يستفاد من
منطوقه ومفهومه، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك مقتصرا على ما يصلح للحجة منها
فإنه الذي يحمد وينتفع به." اهـ
غذاء الألباب
شرح منظومة الآداب ( ط: الكتب العلمية ) - (2 / 87):
"وَفِي
الْحَدِيثِ: (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ): وَهُمْ الْمُبَالِغُونَ فِي الْأُمُورِ.
وَمِنْ
التَّنَطُّعِ: الِامْتِنَاعُ مِنْ الْمُبَاحَاتِ كَاَلَّذِي يَمْتَنِعُ مِنْ
أَكْلِ اللَّحْمِ، وَالْخُبْزِ، أَوْ لُبْسِ الْكَتَّانِ، أَوْ شُرْبِ الْمَاءِ،
وَيَمْتَنِعُ
مِنْ نِكَاحِ النِّسَاءِ وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ. وَيَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ
الزُّهْدِ الْمُسْتَحَبِّ وَذَلِكَ جَهْلٌ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ شَيْخُ
الْإِسْلَامِ." اهـ
وقال ابن
الوزير _رحمه الله_ في "العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم"
(3/ 187):
وقال الخطّابي:
صوابه الأغلوطات، ولا يصِحُّ عنه، في إسناده مجهول، وله شاهدٌ عن أبي هريرة، رواه
ابن الأثير في كتاب " جامع الأصول ".
وفي "صحيح
البخاري" عن أنس: "نُهينَا عَنِ التَّكَلُّف"،
وهو يشهد
لمعناه، وكذلك حديث " هَلَكَ المُتنَطَّعُونَ " يشهد لمعناه، وهو متّفق
عليه،
وقد كره ذلِكَ
أهلُ العلم، بَلْ ثَبَتَ عن كثيرٍ مِنَ الصَّحابة، والسَّلف كراهية الفتوى في
المسألة قبل وقوعها، وكان زيدُ بنُ ثابت لا يُفتي حتَّى يحلِف السَّائلُ بالله
تعالى أنَّ ما سأل عنه قد وقع، وممَّن ذكر ما ورد من كراهية ذلك، وتقصَّى الآثار:
ابنُ السُّني في كتابه.
وقال أبو عبد
الله شمس الدين بن محمد بن أشرف بن قيصر الأفغاني (المتوفى: 1420هـ) _رحمه الله_ في
"جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية" (2/ 821):
"وقد
استدل علماء الحنفية بهذا الحديث على ذم الغلو، وقالوا: إن المتنطع هو المتعمق
المغالي في الكلام.
ولا شك أن
القبورية من أعظم المتنطعين المغالين في الصالحين الناذرين لهم والمستغيثين بهم
عند الكربات، والعابدين لهم بأنواع من العبادات." اهـ
وقال العثيمين
_رحمه الله_ في "القول المفيد على كتاب التوحيد" (1/ 378):
"فهذه
الأحاديث الثلاثة كلها تدل على تحريم الغلو، وأنه سبب للهلاك وأن الواجب أن يسير
العبد إلى الله بين طرفي نقيض بالدين الوسط، فكما أن هذه الأمة هي الوسط ودينها هو
الوسط; فينبغي أن يكون سيرها في دينها على الطريق الوسط." اهـ
وقال العثيمين
_رحمه الله_ في "تقريب التدمرية" (ص: 41)
وقوله: (والسؤال
عنه - أي: عن كيفيته – بدعة)؛ لأن السؤال عنها لم يعرف في عهد النبي صلى الله عليه
وسلم ولا خلفائه الراشدين، وهو من الأمور الدينية فكان إيراده بدعة، ولأن السؤال
عن مثل ذلك من سمات أهل البدع
ثم إن السؤال
عنه مما لا تمكن الإجابة عليه فهو من التنطع في الدين، وقد قال النبي صلى الله
عليه وسلم: "هلك المتنطعون".
وقال العثيمين
_رحمه الله_ في "شرح العقيدة السفارينية" (1/ 289):
"وكذلك
لم يخبرنا الله سبحانه أو رسوله عن كيفية هذه الصفات، فيتعذر إذاً أن نعلم
كيفيتها، لأن وسائل العلم انتفت، وإذا انتفت الوسيلة انتفت الغاية،
وحينئذٍ نقول:
لا يمكن أن نكيف صفات الله، ولا يجوز أن نسأل عن الكيفية، ومن سأل عن الكيفية
نهيناه؛ لأن السؤال عن الكيفية هلكة، لقول النبي _صلى الله عليه وسلم_: (هلك المتنطعون) .
والسؤال عن
الكيفية من التنطع؛ لأنه لو كان لك فائدة في علم الكيفية لبينها الله ورسوله، بل
نقول: إن الوصول إلى حقيقة كيفية صفات الله أمرٌ مستحيل؛ لأن الإنسان أقل من أن
يحيط بكيفية صفات الله." اهـ
وقال العثيمين
_رحمه الله_ في "شرح العقيدة السفارينية" (1/ 653_654):
"وهذه
قاعدة يجب على طالب العلم أن يفهمها، وهي أن كل شيء سكت
عنه الصحابة رضي الله عنهم من أمور الدين، فاعلم أن الخوض فيه من فضول
الكلام، ولا حاجة إليه؛ لأنه لو كان من مهمات ديننا ومن أصول ديننا ومما يجب علينا
أن ندين الله به لتبين، إما عن طريق القرآن، أو عن طريق السنة، أو الصحابة،
فإذا لم يوجد
واحد من هذه الثلاثة علم أنه ليس من الدين في شيء.
وإذا بنيت
نهجك على هذا استرحت من إشكالات كثيرة يوردها بعض المتعلمين اليوم، فيما يتعلق
بصفات الله عز وجل، وفيما يتعلق باليوم الآخر___من أمور الغيب التي لا مجال للعقل
فيها، فيوردون أشياء هي في الحقيقة تدخل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هلك
المتنطعون)، قالها ثلاثا. وصدق – والله - رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل إنسان
يتنطع فهو هالك ولابد، ولو لم يكن من هلاكه إلا مخالفته طريق الصحابة." اهـ
الملخص في شرح
كتاب التوحيد (ص: 167)
ما يستفاد من
الحديث:
1- الحث على
اجتناب التنطع في كل شيء؛ لا سيما في العبادات وتقدير الصالحين.
2- الحث على
الاعتدال في كل شيء.
3- شدة حرصه
على نجاة أمته، واجتهاده في الإبلاغ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
وقال العثيمين
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 222):
"فكل من
شدد على نفسه في أمر قد وسع الله له فيه فإنه يدخل في هذا الحديث. والله الموفق."
وقال العثيمين
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (6/ 483):
"من آفات
اللسان التقعر في الكلام والتشدق حتى يتكلم الإنسان بملء شدقيه وحتى يتكلم عند
العامة في غرائب اللغة العربية إما رياء ليقول الناس ما أعلمه باللغة العربية أو
لغير ذلك،
فالإنسان
ينبغي أن يكون كلامه ككلام الناس، الكلام الذي يفهم حتى وإن كان بالعامية مادام
يخاطب العوام.
أما إذا كان
يخاطب طلبة علم، وفي مجلس التعلم، فهنا ينبغي أن يكون كلامه بما يقدر عليه من
اللغة العربية،
وفي الباب
الثاني الذي ذكره المؤلف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هلك المتنطعون، هلك
المتنطعون، هلك المتنطعون)،
المتنطع هو
المتقعر في الكلام الذي يتنطع بكلامه أو بقوله أو بفعله أو برأيه أو بغير ذلك مما
يعده الناس خروجا عن المألوف وكل هذا من الآداب الحسنة التي جاء بها الإسلام
والحمد لله رب العالمين." اهـ
وقال الإثيوبي
_رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج"
(41/ 611_615):
"في
فوائده:
1 - (منها):
ذمّ التعمّق في الدِّين بحيث يتجاوز الحد المطلوب فيه، فإن الشريعة سمحة،
فقد أخرج أحمد
في "مسنده" عن أبي أمامة - رضي الله عنه
- قال:
خرجنا مع رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - في سرية من سراياه، قال: فمرّ رجل بغار فيه شيء من
ماء، قال: فحدّث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار، فيقوته ما كان فيه من ماء، ويصيب ما
حوله من البقل، ويتخلى من الدنيا، ثم قال: لو أني أتيت نبيّ الله - صلى الله عليه
وسلم -،
فذكرت ذلك له،
فإن أذن لي فعلتُ، وإلا لم أفعل، فأتاه، فقال: يا نبيّ الله، إني مررت بغار، فيه
ما يقوتني من الماء والبقل، فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه، وأتخلى من الدنيا، قال:
فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "إني لم أُبعث باليهودية، ولا بالنصرانية،
ولكني بُعثت بالحنيفية السمحة، والذي نفس محمد بيده، لغَدْوة، أو روحة في سبيل
الله، خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصفّ خير من صلاته ستين سنة".
انتهى [حم].___
2 - (ومنها):
ما قاله النوويّ رحمه اللهُ:
فيه كراهة
التقعر في الكلام بالتشدّق، وتكلف الفصاحة، واستعمال وحشيّ اللغة، ودقائق الإعراب
في مخاطبة العوام، ونحوهم. انتهى.
3 - (ومنها):
ذمّ التعمّق في البحث، ولا سيّما فيما لا نصّ فيه، إذا كان مما لا حاجة إليه في
الدِّين، وإلا فلا ذمّ.
قال في
"الفتح": قال بعض الأئمة: والتحقيق في ذلك أن البحث عما لا يوجد فيه نصّ
على قسمين:
أحدهما:
أن يبحث عن دخوله في دلالة النصّ على اختلاف وجوهها، فهذا مطلوب، لا مكروه، بل
ربما كان فرضًا على من تعيَّن عليه من المجتهدين.
ثانيهما:
أن يدقّق النظر في وجوه الفروق، فيفرِّق بين متماثِلَين بفرق ليس له أثر في الشرع،
مع وجود وَصْف الجمع، أو بالعكس، بأن يجمع بين متفرِّقَين بوصف طرديّ مثلًا،
فهذا الذي
ذمّه السلف، وعليه ينطبق حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - هذا، فرأوا أن فيه تضييع
الزمان بما لا طائل تحته، ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في
الكتاب، ولا السُّنَّة، ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدًّا، فيصرف فيها زمانًا
كان صرفه في غيرها أَولى، ولا سيما إن لزم من ذلك إغفال التوسع في بيان ما يكثر
وقوعه.
وأشد
من ذلك في كثرة السؤال: البحث عن أمور مغيَّبة، ورَدَ الشرع بالإيمان
بها، مع تَرْك كيفيتها، ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحسّ، كالسؤال عن وقت
الساعة، وعن الروح، وعن مُدّة هذه الأمة، إلى أمثال ذلك، مما لا يُعرف إلا بالنقل
الصِّرف، والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث.
وأشد
من ذلك:
ما يوقع كثرةُ البحث عنه في الشكّ والحيرة، وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -
رفعه: "لا يزال الناس يتساءلون، حتى يقال: هذا اللهُ خلق الخلق، فمن خلق
الله؟ ".
وقال بعض
الشُّرّاح: مثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن
يُفتي بالإذن: أن يسأل عن السِّلَع التي توجد في___الأسواق، هل يُكره شراؤها ممن
هي في يده، من قَبْل البحث عن مصيرها إليه، أوْ لا، فيجيبه بالجواز، فإن عاد،
فقال: أخشى أن يكون من نهب، أو غصب، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة،
فيحتاج أن يجيبه بالمنع، ويقيّد ذلك إن ثبت شيء من ذلك حَرُم، وإن تردّد كُرِه، أو
كان خلاف الأَولى، ولو سكت السائل عن هذا التنطع، لم يَزِد المفتي على جوابه بالجواز.
وإذا تقرر ذلك
فمن يَسُدّ باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه
يَقِلّ فهمه، وعلمه، ومن توسع في تفريع المسائل، وتوليدها، ولا سيما فيما يقلّ
وقوعه، أو يندُر، ولا سيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة، والمغالبة، فإنه
يُذَمّ فعله، وهو عَيْن الذي كرهه السلف،
ومن أمعن في
البحث عن معاني كتاب الله، محافظًا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -، وعن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل، وحصّل من الأحكام ما يستفاد من
منطوقه، ومفهومه، وعن معاني السُّنَّة، وما دلت عليه كذلك، مقتصرًا على ما يصلح
للحجة منها، فإنه الذي يُحْمَد، ويُنتفع به، وعلى ذلك يُحْمَل عَمَل فقهاء
الأمصار، من التابعين، فمَن بعدهم، حتى حدثت الطائفة الثانية، فعارضتها الطائفة
الأُولى، فكَثُر بينهم المراء والجدال، وتولّدت البغضاء، وتَسَمَّوا خُصومًا، وهم
من أهل دين واحد، والواسط هو المعتدل من كل شيء، وإلى ذلك يشير قوله - صلى الله
عليه وسلم - في الحديث الماضي: "فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم،
واختلافهم على أنبيائهم"،
فإن الاختلاف
يجرّ إلى عدم الانقياد. وهذا كله من حيث تقسيم المشتغلين بالعلم، وأما العمل بما
ورد في الكتاب، والسُّنَّة، والتشاغل به، فقد وقع الكلام في أيهما أَولى، والإنصاف
أن يقال: كلما زاد على ما هو في حقّ المكلَّف فرض عين، فالناس فيه على قسمين: من
وجد في نفسه قوّة على الفهم، والتحرير، فتشاغُله بذلك أَولى من إعراضه عنه،
وتشاغلِهِ بالعبادة؛ لِمَا فيه من النفع المتعدي، ومن وجد في نفسه قصورًا، فإقباله
على العبادة أَولى؛ لعُسْر اجتماع الأمرين، فإن الأول لو ترك العلم لأوشك أن يضيع
بعض الأحكام بإعراضه، والثاني لو أقبل على العلم، وتَرَك العبادة، فاته الأمران؛
لعدم حصول الأول له، وإعراضه به عن الثاني.___انتهى ما في "الفتح" ["الفتح"
12/ 267]، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيس، والله تعالى أعلم.
ثم
رأيت الحافظ ابن رجب كتب بحثًا نفيسًا، أحببت إيراده
هنا، وإن كان تقدّم في كلام الحافظ؛ إلا أن فيه تحقيقات مفيدة - ولعل الحافظ أخذه منه،
كما يشير إليه قوله السابق: قال بعض الأئمة إلخ.
قال
رحمه اللهُ: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "هلك
المتنطعون إلخ": المتنطع: هو المتعمق البحّاث عما لا يعنيه، وهذا قد يَتمسك
به من يتعلق بظاهر اللفظ، وينفي المعاني، والقياس، كالظاهرية، والتحقيق في هذا
المقام -والله أعلم- أن البحث عما لم يوجد فيه نصّ خاصّ، أو عامّ على قسمين:
أحدهما:
أن يبحث عن دخوله في دلالات النصوص الصحيحة من الفتوى، والمفهوم، والقياس الظاهر
الصحيح، فهذا حقّ، وهو مما يتعيَّن فِعله على المجتهدين في معرفة الأحكام الشرعية.
والثاني:
أن يدقّق الناظر نظره، وفكره في وجوه الفروق المستبعدة، فيفرق بين متماثِلَين
بمجرد فَرْق، لا يظهر له أثر في الشرع، مع وجود الأوصاف المقتضية للجمع، أو يجمع
بين متفرِّقَين بمجرد الأوصاف الطارئة التي هي غير مناسبة، ولا يدلّ دليل على
تأثيرها في الشرع، فهذا النظر والبحث غير مرضيّ، ولا محمود، مع أنه قد وقع في
طوائف من الفقهاء،
وإنما
المحمود: النظر الموافق لِنَظر الصحابة - رضي الله عنهم -،
ومَن بعدهم، من القرون المفضلة، كابن عباس ونحوه، ولعل هذا مراد ابن مسعود - رضي
الله عنهم - بقوله: "إياكم والتنطع، إياكم والتعمق، وعليكم بالعتيق"؛
يعني: ما كان عليه الصحابة - رضي الله عنهم -.
ومن كلام بعض
أعيان الشافعية: لا يليق بنا أن نكتفي بالخيالات في الفروق،
كدأب أصحاب
الرأي. والسر في تلك: أن متعلَّق الأحكام في الحال
الظنون وغلباتها، فإذا كان اجتماع مسألتين أظهر في الظن من افتراقهما، وجب القضاء
باجتماعهما،
وإن انقدح فرقٌ على بُعد، فافهموا ذلك، فإنه من قواعد الدين. انتهى.
ومما يدخل في
النهي عن التعمّق والبحث عنه: أمور الغيب الخبرية التي أُمرنا بالإيمان بها، ولم
يبيّن كيفيتها، وبعضها قد لا يكون له شاهد في هذا____العالم المحسوس، فالبحث عن
كيفية ذلك هو مما لا يعني، وهو مما يُنْهَى عنه، وقد يوجب الحيرةَ والشكَّ، ويرتقي
إلى التكذيب.
وفي
"صحيح مسلم" عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبيّ - صلى الله عليه
وسلم - قال: "لا يزال الناس يسألون، حتى يقال: هذا خلق الله، فمن خلق اللهَ؟
فمن وجد من ذلك شيئًا، فليقل: آمنت بالله"، وفي رواية له: "لا يزال
الناس يسألونك عن العلم،
حتى يقولوا:
هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟ "، وفي رواية له أيضًا: "ليسألنكم الناس
عن كل شيء، حتى يقولوا: الله خلق كل شيء، فمن خلقه؟ ".
وخرّجه
البخاريّ أيضًا، ولفظه: "يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟
حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه، فليستعذ بالله، ولْيَنْتَهِ".
وفي
"صحيح مسلم" عن أنس - رضي الله عنه -، عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -
قال: قال الله عزَّ وجلَّ: "إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟ ، ما كذا؟ حتى
يقولوا: هذا الله خلق
الخلق، فمن
خلق الله؟ ". وخرّجه البخاريّ، ولفظه: "لم يزل الناس يسألون، هذا الله
خالق كل شيء، فمن خلق الله؟ ".
قال إسحاق بن
راهويه: لا يجوز التفكر في الخالق، ويجوز للعباد أن يتفكروا في المخلوقين بما
سمعوا فيهم، ولا يزيدون على ذلك؛ لأنهم إن فعلوا تاهوا، قال: وقال الله عزَّ
وجلَّ: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44]،
ولا يجوز أن
يقال: كيف تسبيح القِصَاع، والأَخْونة، والخبز، والمخبوز، والثياب
المنسوجة؟ وكل
هذا قد صح العلم فيهم أنهم يسبّحون، فذلك إلى الله أن يجعل
تسبيحهم كيف
شاء، وكما شاء، وليس للناس أن يخوضوا في ذلك، إلا بما علموا، ولا يتكلموا في هذا
وشِبهه، إلا بما أخبر الله، ولا يزيدوا على ذلك، فاتقوا الله، ولا تخوضوا في هذه
الأشياء المتشابهة، فإنه يُرديكم الخوض فيه عن سنن الحقّ. نَقَل ذلك كله حرب، عن
إسحاق رحمه الله تعالى. انتهى ما كتبه ابن
رجب رحمه
اللهُ ["جامع العلوم والحكم" 2/ 171 في شرح الحديث الثلاثين: "إن
الله فرض
فرائض، فلا
تضيّعوها ... " الحديث]، وهو بحثٌ مفيدٌ، وتحقيقٌ سديد، والله تعالى أعلم.
{إِنْ أُرِيدُ
إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ
تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}." اهـ
وقال الشاطبي
في "الموافقات" (1/ 521_522):
"إِنَّ
مَقْصُودَ الشَّارِعِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الرُّخْصَةِ الرِّفْقُ بِالْمُكَلَّفِ
عَنْ تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ؛ فَالْأَخْذُ بِهَا مُطْلَقًا مُوَافَقَةٌ لقصده،
بخلاف الطرف الآخر؛ فإنه___
الموافقات (1/
522)
مَظِنَّةُ
التَّشْدِيدِ، وَالتَّكَلُّفِ، وَالتَّعَمُّقِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْآيَاتِ
[وَالْأَحَادِيثِ] 1؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ
أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86]
وَقَوْلِهِ:
{وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: 185] .
وَفِي
الْتِزَامِ الْمَشَاقِّ تَكْلِيفٌ وَعُسْرٌ، وَفِيهَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
فِي قِصَّةِ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: "لَوْ ذَبَحُوا بَقَرَةً مَا
لَأَجْزَأَتْهُمْ، وَلَكِنْ شَدَّدُوا؛ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ"، وَفِي
الْحَدِيثِ: "هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ"." اهـ
وقال الدهلوي
في "حجة الله البالغة" (2/ 312):
"وَاعْلَم
أَن التنطع والتشدق. والتقعر فِي الْكَلَام. والإكثار من الشّعْر. والمزاح. وتزجية
الْوَقْت بأسمار وَنَحْوهَا إِحْدَى المسليات الَّتِي تشغل عَن الدّين
وَالدُّنْيَا وَمَا يَقع بِهِ التفاخر والمراءة فَكَانَ حَالهَا كَحال عادات
الْعَجم فكرهها النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَين مَا فِي ذَلِك من
الْآفَات، وَرخّص فِيمَا لَا يتَحَقَّق فِيهِ معنى الْكَرَاهِيَة وَإِن أشتبه بادى
الرَّأْي." اهـ
ملحق
الفوائد:
من فوائد من
الحديث:
1. بيان خطورة
التنطّع وأنه سبب للهلاك في الدين والدنيا، وأن الشريعة جاءت بضده وهو اليسر
والسماحة.
2. التأكيد
على أن الغلوّ والتكلف ليس من منهج النبي صلى الله عليه وسلم بل هو من مسالك أهل
الانحراف والهلاك.
3. تكرار
النبي صلى الله عليه وسلم للفظ يدل على عظم المقصود وأن الأمر ليس عادياً، بل
يستحق التنبيه والتحذير الشديد.
4. الاعتدال
وسط بين طرفين مذمومين؛ بين التفريط والغلوّ، وكلاهما هلاك، والشرع يريد من العبد
التوسط في كل شأن.
5. التحذير من
التشدد في العبادات؛ لأنه يجرّ إلى المشقة ثم الملل والترك، وقد قال صلى الله عليه
وسلم: «إن الدين يسر».
6. التنبيه
على ضرورة اتباع السنة وعدم الزيادة عليها؛ لأن الزيادة بدافع المبالغة تُعدّ
خروجاً عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
7. إثبات أن
التكلف في الكلام أو السؤال أو الفقه مذموم، وأن العبد يكفيه ما أبان الله ورسوله
دون تعقيدات لا ثمرة لها.
8. التحذير من
إلزام الناس بما لم يُلزمهم الله به؛ فالمتنطع قد يشدد على نفسه ثم ينتقل لتشديده
على غيره.
9. الهلاك
الحقيقي هو انحراف القلب وابتعاد الإنسان عن مقاصد الشريعة بسبب ظنه أنه يحسن
صنعاً بالغلو والتنطع.
10. الرسول
صلى الله عليه وسلم هو أكمل الناس عبادة وأتقاهم ومع ذلك لم يبالغ ولم يتعمّق،
فدلّ ذلك على بطلان طريق الغالين والمتنطعين.
Komentar
Posting Komentar