شرح الحديث 142 (باب الاقتصاد في العبادة) من رياض الصالحين

 

[142] وعن عائشة _رضي الله عنها_ :

أنَّ النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_ دخل عَلَيْهَا، وعِندها امرأةٌ، قَالَ: «مَنْ هذِهِ؟» قَالَتْ : "هذِهِ فُلاَنَةٌ"، تَذْكُرُ مِنْ صَلاتِهَا.

قَالَ : «مهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَواللهِ لا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا»

وكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ صَاحِبُهُ عَلَيهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وَ «مهْ» : كَلِمَةُ نَهْي وَزَجْر. ومَعْنَى «لا يَمَلُّ اللهُ» : لا يَقْطَعُ ثَوَابَهُ عَنْكُمْ وَجَزَاء أَعْمَالِكُمْ ويُعَامِلُكُمْ مُعَامَلةَ المَالِّ حَتَّى تَمَلُّوا فَتَتْرُكُوا، فَيَنْبَغِي لَكُمْ أنْ تَأخُذُوا مَا تُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيهِ لَيدُومَ ثَوابُهُ لَكُمْ وَفَضْلُهُ عَلَيْكُمْ.

 

ترجمة عائشة بنت أبي بكر الصديق _رضي الله عنهما:

 

وفي "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (2/ 135) للذهبي:

"عَائِشَةُ بِنْتُ الصِّدِّيْقِ أَبِي بَكْرٍ التَّيْمِيَّةُ أُمُّ المُؤْمِنِيْنَ * (ع) بِنْتُ الإِمَامِ الصِّدِّيْقِ الأَكْبَرِ، خَلِيْفَةِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي قُحَافَةَ عُثْمَانَ بنِ عَامِرِ بنِ عَمْرِو بنِ كَعْبِ بنِ سَعْدِ بنِ تَيْمِ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَيٍّ القُرَشِيَّةُ، التَّيْمِيَّةُ، المَكِّيَّةُ، النَّبَوِيَّةُ، أُمُّ المُؤْمِنِيْنَ، زَوجَةُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَفْقَهُ نِسَاءِ الأُمَّةِ عَلَى الإِطْلاَقِ.

وَأُمُّهَا: هِيَ أُمُّ رُوْمَانَ بِنْتُ عَامِرِ بنِ عُوَيْمِرِ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ بنِ عَتَّابِ بنِ أُذَيْنَةَ الكِنَانِيَّةُ.

هَاجَرَ بِعَائِشَةَ أَبَوَاهَا، وَتَزَوَّجَهَا نَبِيُّ اللهِ قَبْلَ مُهَاجَرِهِ بَعْدَ وَفَاةِ الصِّدِّيْقَةِ خَدِيْجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِبِضْعَةَ عَشَرَ شَهْراً، وَقِيْلَ: بِعَامَيْنِ. وَدَخَلَ بِهَا فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، مُنَصَرَفَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ - مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعٍ.

فَرَوَتْ عَنْهُ: عِلْماً كَثِيْراً، طَيِّباً، مُبَارَكاً فِيْهِ." اهـ

 

وفي "معرفة الصحابة" لابن منده (ص: 939):

"وبقيت إلى خلافة معاوية، وتوفيت سنة ثمان، وقيل: سبع وخمسين، وقد قاربت السبعين، وأوصت أن تدفن بالبقيع، وكان وصيها: عبد الله بن الزبير بن العوام." اهـ

 

وفي الأعلام للزركلي (3/ 240) : "عائِشَة أم المُؤْمِنِين (9 ق هـ - 58 هـ = 613 - 678 م) :

عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان، من قريش: أفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالدين والأدب.

كانت تكنى بأم عبد الله. تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية بعد الهجرة، فكانت أحب نسائه إليه، وأكثرهن رواية للحديث عنه. ولها خطب ومواقف.

وما كان يحدث لها أمر إلا أنشدت فيه شعرا.

وكان أكابر الصحابة يسألونها عن الفرائض فتجيبهم. وكان (مسروق) إذا روى عنها يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق. وكانت ممن نقم على (عثمان) عمله في حياته، ثم غضبت له بعد مقتله، فكان لها في هودجها، بوقعة الجمل، موقفها المعروف.

وتوفيت في المدينة. روي عنها 2210 أحاديث. ولبدر الدين الزركشي كتاب (الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة - ط)

 

نص الحديث وشرحه:

 

وعن عائشة _رضي الله عنها_ :

أنَّ النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_ دخل عَلَيْهَا، وعِندها امرأةٌ، قَالَ: «مَنْ هذِهِ؟» قَالَتْ : "هذِهِ فُلاَنَةٌ"، تَذْكُرُ مِنْ صَلاتِهَا.

قَالَ : «مهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَواللهِ لا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا»

وكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ صَاحِبُهُ عَلَيهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وَ«مهْ» : كَلِمَةُ نَهْي وَزَجْر. ومَعْنَى «لا يَمَلُّ اللهُ» : لا يَقْطَعُ ثَوَابَهُ عَنْكُمْ وَجَزَاء أَعْمَالِكُمْ ويُعَامِلُكُمْ مُعَامَلةَ المَالِّ حَتَّى تَمَلُّوا فَتَتْرُكُوا، فَيَنْبَغِي لَكُمْ أنْ تَأخُذُوا مَا تُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيهِ لَيدُومَ ثَوابُهُ لَكُمْ وَفَضْلُهُ عَلَيْكُمْ.

 

وقال الإثيوبي في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (17/ 368):

(فَقَالَ) - صلى اللَّه عليه وسلم - (مَهْ) قال الجوهري: هي كلمة مبنيّة على السكون، وهي اسم، سُمّي به الفعل، والمعنى اكفُفْ، يقال: مَهْمَتُهُ: إذا زجرتَهُ، فإن وصلتَ نَوَّنْتَ، فقلت: مَهٍ. وقال الداوديّ: أصل هذه الكلمة "ما هذا؟ "، كالإنكار، فطرحوا بعض اللفظة، فقالوا: مَة، فصيّروا الكلمتين كلمة. وهذا الزجر يحتمل أن يكونْ لعائشة، والمراد نهيها عن مدح المرأة بما ذَكَرتْ، ويحتمل أن يكون المراد النهي عن ذلك الفعل، وقد أخذ بذلك جماعة من الأئمة، فقالوا: يكره صلاة جميع الليل. قاله في "الفتح".

 

ألفاظ الحديث:

 

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (6/ 212) (رقم: 25772):

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟» قُلْتُ: هَذِهِ فُلَانَةٌ وَهِيَ تَقُومُ اللَّيْلَ - أَوْ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ - فَكَرِهَ ذَلِكَ حَتَّى رَأَيْتُ الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ «عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا»

 

وفي "صحيح مسلم" (1/ 542):

عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ الْحَوْلَاءَ بِنْتَ تُوَيْتِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مَرَّتْ بِهَا وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَنَامُ اللَّيْلَ خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَسْأَمُ اللهُ حَتَّى تَسْأَمُوا»

 

وفي "صحيح مسلم" (1/ 542):

عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟» فَقُلْتُ: امْرَأَةٌ لَا تَنَامُ تُصَلِّي، قَالَ: «عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ».

 

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (6/ 199)

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ حَسَنَةُ الْهَيْئَةِ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: هَذِهِ فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هِيَ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ فَقَالَ: «مَهْ مَهْ خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَأَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ»

 

قال ابن عبد البر _رحمه الله_ في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (4/ 1815) (رقم: 3306):

"الحولاء بنت تويت بن حبيب بْن أسد بْن عبد العزى بْن قصي القرشية الأسدية:

هاجرت إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكانت من المجتهدات فِي العبادة، وفيها جاء الحديث أنها كانت لا تنام الليل. فَقَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن اللَّه لا يمل حَتَّى تملوا اكلفوا من العمل مَا لكم به طاقة." اهـ

 

المعنى الإجمالي لحديث عائشة رضي الله عنها:

 

أخبرت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ دخل عليها، فوجد عندها امرأةً اشتهرت بكثرة القيام وطول العبادة حتى قيل إنها لا تنام الليل من شدة اجتهادها.

فلما سمع النبي ﷺ ذلك أنكر ذلك عليها، وظهرت الكراهية في وجهه، ثم وجّه جميع الحاضرين بقوله:

لا تُكَلِّفوا أنفسكم من الأعمال ما لا تقدرون على الاستمرار عليه؛ لأن الله تعالى لا يقطع ثوابه عن العبد ما دام العبد ثابتًا على عبادته، ولكن إذا ملّ العبد وانقطع انقطع عنه الفضل والأجر المستمر.

 

ولهذا بيّن ﷺ أن أحب الأعمال إلى الله هي الأعمال القليلة التي يُداوِم عليها العبد، لا الأعمال الكثيرة التي ينقطع عنها بسبب المشقة أو التكلف.

 

فمقصود الحديث: الدعوة إلى الاعتدال، وترك المبالغة في العبادة، والحرص على الاستمرار، ولو على القليل، لأن الثبات أحب إلى الله وأعظم بركة للقلب والعمل.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "صحيحه" (1/ 17) (رقم: 43)، ومسلم في  "صحيحه" (1/ 542/ 220_221) (رقم: 785)، والنسائي في "سننه" (3/ 218 و 8/ 123) (رقم: 1642 و 5035)، وفي "السنن الكبرى" (2/ 118) (رقم: 1309)، وابن ماجه في "سننه" (2/ 1416) (رقم: 4238)، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (2/ 139) (رقم: 625)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (6/ 51 و 6/ 199 و 6/ 212 و 6/ 231) (رقم: 24245 و 25632 و 25772 و 25945)

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1125) (رقم: 6625).

 

من فوائد الحديث :

 

قال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (16/ 198_199):

في فوائده:

1 - (منها): الحضّ على التخفيف في أعمال النوافل، ويتضمّن الزجر عن التشدّد والغلوّ فيها، قال القرطبي -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وسبب ذلك أن التخفيف يكون معه الدوام والنشاط، فيكثر الثواب؛ لتكرار العمل، وفراغ القلب، بخلاف الشاقّ منها، فإنه يكون معه التشويش، والانقطاع غالبًا. انتهى (1).

2 - (ومنها): كراهة إحياء الليل كله بالعبادة، خشية الفتور، والملل على فاعله، فينقطع عن عبادة التزمها، فيكون رجوعًا عما بذل لربّه من نفسه، ونقل في "الفتح" أن الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- سئل عن قيام جميع الليل؟ فقال: لا أكرهه إلا من خَشِي أن يضُرّ بصلاة الصبح. انتهى (2).

قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي عزاه إلى الشافعيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- من عدم كراهته قيام جميع الليل لعله لا يصحّ عنه، كما يرشد إليه ما سيأتي عن النوويّ، وإن صحّ فلا وجه؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كرهه، وأنكره على هذه المرأة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.

3 - (ومنها): جواز مدح الإنسان بما فيه من أعمال الخير، إذا لم يُخش عليه الافتتان، وما ورد من النهي يُحمل على خوف الفتنة.

4 - (ومنها): استحباب الاقتصاد في العبادة، وكراهة التنطّع، والتعمّق فيها.

5 - (ومنها): أن اللَّه تعالى يعامل عبده بما يعامله به هو، فإن أدام الإقبال عليه، أقبل عليه دائمًا، وإن أعرض عنه أعرض عنه، جزاء وفاقًا.

6 - (ومنها): أن أحب الدين إلى اللَّه تعالى، وإلى رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- ما داوم عليه صاحبه، وإن كان قليلًا.

7 - (ومنها): ما قاله النوويُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: في هذا دليلٌ لمذهبنا، ومذهب جماعة، أو الأكثرين: أن صلاة جميع الليل مكروهة،

وعن جماعة من السلف أنه لا بأس به، وهو رواية عن مالك، إذا لم يَنَم عن الصبح. انتهى. ___

قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الأولون هو الحقّ؛ لصريح حديث الباب، فقد أنكر النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ذلك على هذه المرأة، فقد تقدّم عن "موطّأ" مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ- في هذا الحديث زيادةُ: "وكَرِهَ ذلك، حتى عُرِفت الكراهة في وجهه"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل." اهـ

 

وقال الإثيوبي في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (17/ 370_371):

في فوائده:

منها: كراهة إحياء الليل كله بالعبادة، خشية الفتور، والملل على فاعله، فينقطع عن عبادة التزمها، فيكون رجوعًا عما بذل لربّه من نفسه.

ومنها: جواز مدح الإنسان بما فيه من أعمال الخير.

ومنها: استحباب الاقتصاد في العبادة، وكراهة التنطّع، والتعمّق فيها.

ومنها: أن اللَّه تعالى يعامل عبده بما يعامله به هو، فإن أدام الإقبال عليه، أقبل عليه دائما، وإن أعرض عنه أعرض عنه، جزاء وفاقًا.

ومنها: أن أحب الدين إلى اللَّه تعالى، وإلى رسوله - صلى اللَّه عليه وسلم - ما داوم عليه صاحبه، وإن كان قليلاً.

ومنها: ما قاله النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ-: في هذا دليل لمذهبنا، ومذهب جماعة، أو الأكثرين، أن صلاة جميع الليل مكروهة، وعن جماعة من السلف أنه لا بأس به، وهو رواية عن مالك، إذا لم يَنَم عن الصبح انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الأولون هو الحقّ؛ لصريح حديث الباب، فقد أنكر النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - ذلك علي هذه المرأة، ففي "موطأ مالك" -رَحِمَهُ اللَّهُ- في هذا الحديث___زيادة "وكَرِهَ ذلك، حتى عُرِفت الكراهة في وجهه".

واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

 

قال العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (2 / 188):

"فيه: جواز الحلف من غير استحلاف وأنه لا كراهة فيه إذا كان فيه تفخيم أمر أو حث على طاعة أو تنفير عن محذور ونحوه وقال أصحاب الشافعي يكره اليمين إلا في مواضع منها ما ذكرنا ومنها إذا كانت في دعوى فلا تكره إذا كان صادقا

 

وقال العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (2 / 189)

فيه فضيلة الدوام على العمل، والحث على العمل الذي يدوم والعمل القليل الدائم خير من الكثير المنقطع لأن بدوام القليل تدومُ الطاعة والذكر والمراقبة والنية والأخلاص والإقبال على الله سبحانه وتعالى ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة."

 

وقال الحافظ _رحمه الله_ في "فتح الباري" – ت. ابن باز (1 / 103):

"قال النووي: "بدوام القليل تستمر الطاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص والإقبال على الله، بخلاف الكثير الشاق حتى ينمو القليل الدائم، بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة"

 

وقال الحافظ _رحمه الله_ في "فتح الباري" – ت. ابن باز (1 / 103):

وقال ابن الجوزي:

"إنما أحب الدائم لمعنيين:

أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرض للذم،

ولهذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية ثم نسيها، وإن كان قبل حفظها لا يتعين عليه.

ثانيهما: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يوم وقتا ما كمن لازم يوما كاملا ثم انقطع." اهـ

 

وقال ابن بطال في "شرح صحيح البخارى" (1 / 100):

"وقال المهلب وأبو الزناد:

إنما قال ذلك _صلى الله عليه وسلم_ - والله أعلم -، خشية الملال اللاحق بمن انقطع فى العبادة . وقد ذَمَّ الله من التزم فعل البرِّ ثم قطعه بقوله تعالى : (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) [الحديد : 27]

ألا ترى أن عبد الله بن عمرو لما ضعف عن العمل ندم على مراجعته رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فى التخفيف عنه، وقال: "ليتنى قبلت رخصة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_"، ولم يقطع العمل الذى كان التزمه." اهـ

 

وقال العيني _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (2/ 189):

"فيه: بيان شفقة النبي ورأفته بأمته، لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة، لأن النفس تكون فيه أنشط، ويحصل منه مقصود الأعمال وهو الحضور فيها، والدوام عليها، بخلاف ما يشق عليه، فإنه تعرض لأن يترك كله أو بعضه أو يفعله بكلفة، فيفوته الخير العظيم." اهـ

 

وقال العيني _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (2 / 189):

فيه: دليل للجمهور على أن صلاة جميع الليل مكروهة،

وعن جماعة من السلف: لا بأس به،

قال النووي: وقال القاضي: "كرهه مالك مرة، وقال: لعله يصبح مغلوبا، وفي رسول الله أسوةٌ،

ثم قال: لا بأس به ما لم يضر ذلك بصلاة الصبح، وإن كان يأتيه الصبح، وهو نائم، فلا! وإن كان به فتور وكسل، فلا بأس به." اهـ

 

فتح الباري ـ لابن رجب (1 / 150)

فإن المراد بهذا الحديث : الاقتصاد في العمل والأخذ منه بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه ، وأن أحب العمل إلى الله مادام صاحبه عليه وإن قل .

 

فتح الباري ـ لابن رجب موافقا للمطبوع - (1 / 151)

الملل والسآمة للعمل يوجب قطعه وتركه ، فإذا سأم العبد من العمل ومله قطعه وتركه فقطع الله عنه ثواب ذلك العمل ؛ فإن العبد إنما يجازى بعمله ، فمن ترك عمله انقطع عنه ثوابه وأجره إذا كان قطعه لغير عذر من مرض أو سفر أو هرم .

كما قال الحسن : إن دور الجنة تبنيها الملائكة بالذكر فإذا فتر العبد انقطع الملك عن البناء فتقول له الملائكة : ما شأنك يا فلان ؟ فيقول : إن صاحبي فتر ، قال الحسن : أمدوهم - رحمكم الله - بالنفقة . وأيضا - فإن دوام العمل وإيصاله ربما حصل للعبد به في عمله الماضي ما لا يحصل له فيه عند قطعه ؛ فإن الله يحب مواصلة العمل ومداومته ، ويجزي على دوامه ما لا يجزي على المنقطع منه .

 

q         شرح صحيح البخارى ـ لابن بطال - (1 / 99)

قال المؤلف : قول عائشة : (وكان أحب الدين إلى الله ما دام) - هو معنى الباب ؛ لأنها سَمَّت الأعمال دينًا بخلاف قول المرجئة .

 

q         تأسيس الأحكام - (3 / 213)

وبهذا يتبين أن الأفضلية ليست في كثرة العمل، ولكن في إصابة السنة والله تعالى أعلم

 

q         الفقيه والمتفقه - (1 / 471)

باب: ذكر أخلاق الفقيه وآدابه وما يلزمه استعماله مع تلاميذه وأصحابه يلزم الفقيه أن يتخير من الأخلاق أجملها , ومن الآداب أفضلها , فيستعمل ذلك مع البعيد والقريب , والأجنبي والنسيب , ويتجنب طرائق الجهال , وخلائق العوام والأرذال ))

ثم قال:

ويستصلح المتعلم نفسه ببعض الأمر من أخذه نصيبا من الدعة والراحة واللذة فإن ذلك يعقبه منفعة بينة

 

فتاوى الشيخ محمد علي فركوس - (7 / 1) : الفتوى رقم: 157

وتقديره: «إن الله لا يملُّ وإن مَلَلْتُم»، وهو ما ذكره البغوي في«شرح السُّنَّة» وقال: «بأنّ الملال على الله لا يجوز»(4- شرح السنة للبغوي: (4/49))، ونقل الحافظ في «الفتح» الاتفاق على أنّ الملال على الله محال.

قلت: إن كانت دلالة الحديث مُثبتة لوصف الملل على الله تعالى فينبغي حمله على وجه يليق بجلاله سبحانه وتعالى من غير أن يتضمّن شيئًا من النَّقص أو العيب الذي يعتري حال الإنسان،

 

q         تطريز رياض الصالحين (ص: 114)

قال ابن الجوزي: إنما أحَبَّ العمل الدائمَ؛ لأنَّ مداوم الخير ملازم للخدمة.

وقال المصنف: بدوام القليل تستمر الطاعة، بالذكر، والمراقبة والإخلاص، والإقبال على الله." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

فيما يأتي فوائدٌ عديدةٌ مستنبطة من هذه الروايات المتعددة لحديث عائشة رضي الله عنها:

1. حرص النبي ﷺ على توجيه الأمة إلى الاعتدال،

فظهر في الحديث أن النبي ﷺ لم يكتفِ بسماع خبر المرأة التي لا تنام الليل، بل أنكر ذلك وظهرت الكراهية في وجهه.

وهذا يدل على أن الشريعة قائمة على الوسطية، وأن الغلو ولو في العبادات منهيٌّ عنه.

2. مشروعية السؤال عن حال الضيف والزائر لأجل التربية،

فقوله ﷺ: «من هذه؟» دليل على أنه يسأل ليعرف حال الشخص، لا لفضول، ولكن ليستثمر الموقف في التعليم والتوجيه.

3. التحذير من التكلف في العبادة بما لا يطاق

فقوله: «عليكم من العمل ما تطيقون» قاعدة عظيمة تؤسس لمبدأ ارتباط العبادة بالاستطاعة من غير مشقة مفرطة؛ لأن التكلف يؤدي إلى الانقطاع.

4. استمرار العمل الصالح أفضل من كثرته مع الانقطاع،

فهذا أصلٌ تكرر في ألفاظ الحديث: «أحب الدين إلى الله ما داوم عليه صاحبه» «وإن قل»

قال العلماء: القليل الدائم أنفع للقلب وأقرب للإخلاص، وأثبت للأثر، وأعظم ثوابًا.

5. إنكار النبي ﷺ للغلو ولو كان صومًا أو صلاةً،

عندما أخبر ببعض العابدات أنه لا يَنمن الليل أنكر ذلك، مما يدل على أن الغلو مرفوض في جميع أنواع العبادة، لا في باب معين.

6. أن العبادات المؤقتة كقيام الليل ليست واجبة بحيث يُحمِّل الإنسان نفسه فيها فوق الطاقة

فالنبي ﷺ يعلم أن أكثر الناس لو حملوا أنفسهم على السهر الدائم لانقطعوا، وضاعت الفرائض، فنهى عن ذلك.

7. حسن الخُلُق مع من يُخطئ في الاجتهاد

فالمرأة المذكورة اجتهدت في العبادة، ومع ذلك لم يوبّخها النبي ﷺ توبيخًا قاسيًا، بل وُجِّه الكلام إلى الجميع: «عليكم...» أدبًا ولطفًا.

8. العبرة في العبادة بالكيف لا بِالْكَمِّ،

فرب عمل قليل تُحسن فيه النية والإخلاص والمتابعة خير من عمل كثير على غير سنّة.

9. استحباب تنويع النبي ﷺ للفظ التعليم بحسب المقام

جاء في رواية: «مه»

وفي أخرى: «مه مه»

وفي ثالثة: «خذوا»

وفي رابعة: «اكلفوا»

وفي هذا تعليمٌ بليغ، ينوّع فيه النبي ﷺ الأساليب بما يناسب المقام والسامعين.

10. بيان معنى «لا يمل الله» وأنه ليس على ظاهره المحسوس

في الشرح أن المعنى:

لا يقطع الله ثوابه عنكم ما دمتم على عملكم، ويجازيكم ما دُمتم عليه.

فهذا من باب المقابلة، وليس معناه الملل المنسوب إلى المخلوق، تعالى الله.

 

11. إظهار النبي ﷺ الانزعاج حين يُخالف الهدي الشرعي

فقول عائشة: «حتى رأيت الكراهية في وجهه»

هذا يدل على أن علامات الإنكار قد تظهر على وجه العالم أو المربي، ليعرف الناس خطورة الأمر.

12. العادة القلبية أقوى من الطاعة المتكلفة

فالمداومة تحول العبادة إلى عادة قلبية محببة، بخلاف العمل المكثف المؤقت، الذي يترك خللًا وإرهاقًا.

13. الأجر مرتبط بالثبات لا بالهياج العاطفي المؤقت

وهذا من أدق الفوائد؛ فكثير من الناس يتحمسون ثم ينقطعون، ولن يصل إلى مراتب الصالحين إلا من ثبت شيئًا فشيئًا.

14. أن الزيادة في العبادة بلا علم قد تكون مذمومة

فالمرأة ظنّت أن قيام الليل كله خيرٌ محض، ولم تعلم أن مخالفة هدي النبي ﷺ شرٌّ محض، وأن الزيادة على السنة قد تتحول إلى بدعة أو غلو.

15. جواز ذكر الإنسان بصفةٍ عند الحاجة للتعليم

فعائشة رضي الله عنها قالت: «هي لا تنام الليل»، وهو من باب الإخبار لا من باب الغيبة، لأنه لغرض شرعي.

16. المرأة لها نصيب كبير في الاجتهاد والعبادة

فالروايات تشير إلى أن الحولاء بنت تويت كانت من المجتهدات في العبادة، وفيه بيان دور النساء في الطاعة والارتقاء الروحي.

17. تعليم المربي لأهله أولى من غيرهم،

فالنبي ﷺ وجَّه الخطاب لعائشة، ومن كان عندها، وفي هذا دلالة على أن الإصلاح يبدأ من داخل البيت.

18. من علامات صدق الناصح أن يبيّن خطأ المبالغة في الخير

فالرسول ﷺ لم يترك الموقف يمر دون نصح، لأنه باب يؤدي إلى مشقة وانقطاع.

19. العمل إذا كان أقلّ لكنه دائم أدعى لحضور القلب

فالقلوب لا تحتمل المبالغة، وديمومة العبادة تُعين على صفاء القلب وثبات الإيمان.

20. المراد بالعمل الصالح هو العمل المنضبط بالسنة

فقد كان النبي ﷺ يوجّه إلى أصل العبادة الشرعية: اتباع لا ابتداع، واعتدال لا غلو.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ