شرح الحديث 105-106 من بلوغ المرام
|
105 - وَعَنْ عَائِشَةَ _رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا_، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_: "إِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا
جُنُبٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ،
وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ |
وَعَنْ عَائِشَةَ _رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا_، قَالَتْ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ _صلى
الله عليه وسلم_:
"إِنِّي لَا أُحِلُّ
الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ". رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ
ففي "سنن أبي داود"
(1/ 60):
عَائِشَةَ _رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا_، تَقُولُ:
جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي
الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ».
ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ _صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وَلَمْ يَصْنَعِ الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ أَنْ
تَنْزِلَ فِيهِمْ رُخْصَةٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بَعْدُ، فَقَالَ:
«وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ
عَنِ الْمَسْجِدِ، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ
لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ»
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ
فُلَيْتٌ الْعَامِرِيُّ
سنن ابن ماجه (1/ 212) (رقم: 645)
- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ، عَنْ أَبِي
الْخَطَّابِ الْهَجَرِيِّ، عَنْ مَحْدُوجٍ الذُّهْلِيِّ، عَنْ جَسْرَةَ، قَالَتْ:
أَخْبَرَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرْحَةَ هَذَا الْمَسْجِدِ،
فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ «إِنَّ الْمَسْجِدَ لَا يَحِلُّ لِجُنُبٍ، وَلَا
لِحَائِضٍ»
البدر المنير (2/ 564):
"ووجوه
الْبيُوت الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث المُرَاد بِهِ أَبْوَابهَا (قَالَه)
الْخطابِيّ (قَالَ) : وَمَعْنى وجهوها عَن الْمَسْجِد: اصرفوا وجوهها عَنهُ."
تخريج
الحديث:
سنن أبي داود (1/ 60) (رقم: 232)،
والبخاري في "التاريخ الكبير" (2/ 67) (رقم: 1710)، مسند إسحاق بن
راهويه (3/ 1032) (رقم: 1783)، الكنى والأسماء للدولابي (2/ 466) (رقم: 843)، صحيح
ابن خزيمة (2/ 284) (رقم: 1327)، الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (5/ 135)
(رقم: 2535)، السنن الكبرى للبيهقي (2/ 620) (رقم: 4323)
والحديث ضعيف: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (1/ 162 و 1/ 210
و 4/ 141) (رقم: 124 و 193 و 968)، مشكاة المصابيح (1/ 143) (رقم: 462)، ضعيف
الجامع الصغير وزيادته (ص: 883) (رقم: س6117)، ضعيف أبي داود - الأم (1/ 86) (رقم:
32) من أجل جسرة بنت دِجاجة.[1]
قال الألباني _رحمه الله_ في
"تمام المنة في التعليق على فقه السنة" (ص: 118_119):
"سوق
الحديث على هذه الصورة يوهم القارئ أنهما حديثان بإسنادين متغايرين:
* أحدهما عن عائشة،
* والآخر عن أم سلمة.
وليس كذلك بل هما حديث واحد
بإسناد واحد، مداره على جسرة بنت دجاجة اضطربت في روايته، فمرة قالت: "عن
عائشة" ومرة: "عن أم سلمة."
والاضطراب مما يوهن به الحديثَ كما هو معروف عند المحدثين، لأنه يدل
على عدم ضبط الراوي وحفظه.
يضاف إلى ذلك: أن جسرة هذه لم يوثقها من يعتمد على توثيقه، بل قال
البخاري: "عندها عجائب"،
ولذلك ضعف جماعة هذا الحديث كما قال الخطابي.
وقال البيهقي: "ليس
بالقوي لما" وقال عبد الحق: " لا يثبت"، وبالغ ابن حزم فقال: "إنه
باطل"[2].
وللحديث شاهدان لا ينهضان
لتقويتِه ودعمِه، لأن في أحدهما: متْرُوكًا، وفي
الآخر: كذابًا، وقد خرجتهما وفصلت القول فيهما في
"ضعيف سنن أبي داود" (رقم: 32)
والقول
عندنا في هذه المسألة من الناحية الفقهية: كالقول في مس القرآن من الجنب، للبراءة الأصلية وعدم وجود
ما ينهض على التحريم وبه قال الإمام أحمد وغيره
قال البغوي في "شرح
السنة" 2 / 46: "وجوز أحمد والمزني المكث فيه وضعف أحمد الحديث لأن
راويه أفلت مجهول وتأول الآية على أن عابري السبيل هم المسافرون تصيبهم الجنابة
فيتيممون ويصلون وقد روي ذلك عن ابن عباس".
ففي "شرح السنة"
للبغوي (2/ 45):
"وَلا
يَجُوزُ لِلْجُنُبِ، وَلا لِلْحَائِضِ الْمَكْثُ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ كَثِيرٍ
مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«وَجِّهُوا
هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ، فَإِنِّي لَا أحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ
وَلا جُنُبٍ» وَهَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ
الرَّأْيِ.
وَجَوَّزَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ
الْمُرُورَ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى: {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النِّسَاء: 43]
يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ،
وَجَابِرٍ.
وَجَوَّزَ أَحْمَدُ،
وَالْمُزَنِيُّ الْمَكْثَ فِيهِ، وَضَعَّفَ أَحْمَدُ الْحَدِيثَ، لأَنَّ رَاوِيَهُ
أَفْلَتُ بْنُ خَلِيفَةَ مَجْهُولٌ، وَتَأَوَّلَ الآيَةَ عَلَى أَنَّ {عَابِرِي
سَبِيلٍ} [النِّسَاء: 43]
هُمُ الْمُسَافِرُونَ
تُصِيبُهُمُ الْجَنَابَةَ، فَيَتَيَمَّمُونَ وَيُصَلُّونَ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ." اهـ
وقال العثيمين _رحمه الله_ في
"فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" ط المكتبة الإسلامية (1/ 344_345):
"في هذا
الحديث فوائد:
منها: جواز إضافة التحليل والتحريم إلى الرسول - عليه الصلاة
والسلام-، وأنه - عليه الصلاة والسلام- يحلل ويحرم كما أن الله - تبارك وتعالى-
يحلل ويحرم، قال الله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربوا} [البقرة: 275]. كذلك
النبي - عليه الصلا والسلام- له أن يحلل ويحرم كما له أن يأمر وله أن ينهى.
ومن فوائد هذا
الحديث: تعظيم
المساجد، وذلك بمنع الحائض والجنب منها.
ومن فوائد هذا
الحديث: أنه لا يجوز
للحائض أن تمكث في المسجد سواء مكثت جالسة أو مضطجعة، أو مترددة فيه، ومن ثم منع
النبي صلى الله عليه وسلم الحائض من الطواف، فإن العلة الظاهرة فيه - أي:
منعالحائض من الطواف- هو أنها تمكث في المسجد لأنها تتردد، والتردد هذا بمنزلة
المكث؛
ولذلك قال شيخ الإسلام رحمه
الله: "إن الحائض إذا اضطرت إلى أن تطوف، فلا بأس أن تطوف"،___
ولكن الضرورة ما هي؟ ظن بعض
الناس أن الضرورة بمعنى الحاجة، وأن المرأة لها أن تطوف إذا أراد أهلها أن ينفوا
وإن كان يسهل عليها أن ترجع بعد الطهر وتطوف، ولكن هذا ليس بصحيح، هذا ظن خاطئ وهو
غلط على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأن شيخ الإسلام رحمه الله فرض المسألة
في أمر ضروري: امرأة إذا سافرت لا يمكنها أن ترجع، وحينئذ إذا قلنا بأنها غير
محصرة تبقى محرمة مدى الدهر إلى أن تستطيع الرجوع إلى البيت، وإن قلنا: إنها محصرة
فاتا الحج، أو العمرة، وهذا خسارة عظيمة، لاسيما النساء اللاتي يأتين من محل بعيد،
وأما المرأة الحائض التي تكون في السعودية - عندنا- فيسهل عليها أن تبقى مع
محرمها، أو أن تذهب على إحرامها، فإذا طهرت ادت فطافت.
ومن فوائد هذا
الحديث: أن ظاهره
أنه لا يجوز للمرأة وهي حائض أن تعبر المسجد، وكذلك الجنب لقوله: "لا أحله
لحائض ولا جنب"، ولكن قد دلت الأدلة الخرى بجواز عبور المرأة الحائض المسجد،
حيث طلب النبي صلى الله عليه وسلم من إحدى أمهات المؤمنين أن تأتي بالخمرة وهي في
المسجد - أعني: الخمرة- فقالت: إنها حائض، فقال لها: "إن حيضتك ليست في
يدك"، وكذلك الجنب قال الله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل} [النساء: 43].
وعليه فيكون المراد بنفي الإحلال هو المكث، وأما المرور والعبور فلا بأس به، إلا
أن العلماء - رحمهم الله- اشترطوا في الحائض أن تأمن تلويث المسجد، فإن كانت لا
تأمن بحيث ينزل الدم إلى المسجد فإنه لا يجوز لها أن تمر؛ لأن ذلك يؤدي إلى تنجيس
المسجد.
فإن قال قائل: وهل يزول
التحريم بالوضوء؟
نقول: أما الجنب فنعم، يزول
التحريم بالوضوء، فغذا توضأ جاز له المكث في المسجد؛ لأن هذا هو عمل الصحابة - رضي
الله عنهم- من وجه، ومن وجه آخر هذا الوضوء يخفف الجنابة، وأما الحائض فلا؛ لأن
الحائض لا يمكن أن يصح منها الوضوء؛ لماذا؟ لأن الحدث باق، ومن شروط صحة الوضوء:
ارتفاع الحدث، بمعنى ألا يكون المتوضئ قد استمر به الحدث، إلا من حدث دائم فيجوز
وضوءه للضرورة بالشروط المعروفة.
وعلى هذا فنقول: إذا توضأ
الجنب جاز له أن يمكث في المسجد فإن انتقض وضوءه بعد ان توضأ فهل يجوز أن يمكث؟
الجواب: "نعم"؛ لأن تخفيف الجنابة حصل بالوضوء؛ ولأن الصحابة يتوضئون
وينامون في المسجد، والنوم ينقض الوضوء، ولو كان نقض الوضوء يعد مانعا من المكث في
المسجد للجنب لما جاز لهم أن يناموا.
|
106 - وَعَنْ عائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْها- قَالَتْ:
"كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ,
تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ" مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ، وزَادَ ابْنُ حِبَّانَ: "وَتَلْتَقِي أَيْدِينَا" |
ترجمة عائشة بنت أبي بكر
-رضي الله عنهما-:
( خ م د ت س ق ) : عائشة
بنت أبى بكر الصديق عبد الله بن عثمان أبي قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب ابن سعد
بن تيم بن مرة القرشية التيمية، أم المؤمنين ، تكنى: أم عبد الله ،
و أمها:
أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة ابن سبيع بن دهمان بن
الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة ،
و قيل غير ذلك فى نسبها ، و أجمعوا أنها من بنى غنم
بن مالك بن كنانة .
تزوجها
رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بمكة قبل الهجرة بسنتين فى قول
أبى عبيدة ، و هى بنت ست سنين،
و بنى بها بالمدينة،
بعد منصرفه من وقعة بدر فى شوال سنة اثنتين (2 هـ)
من الهجرة، و هى بنت تسع سنين (9).
ثناء على عائشة
عن أبى موسى الأشعري:
"ما أشكل علينا أصحاب محمد _صلى الله عليه
وسلم_ حديث قط فسألنا عائشة عنه، إلا وجدنا عندها منه علما .
عن قبيصة بن ذؤيب
قال :
"فكنت أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن نجالس أبا
هريرة، وكان عروة بن الزبير يغلبنا بدخوله على عائشة،
وكانت عائشة أعْلَمَ الناسِ،
يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_."
عن مسروق: "رأيت مشيخة أصحابِ محمدٍ الأكابرَ
يسألونها عن الفرائض."
و قال الشعبى:
"كان مسروق إذا حدث عن عائشة، قال: حدثتنى
الصادقة بنت الصديق، حبيبةُ حبيبِ اللهِ، الْمُبَرَّأَةُ مِنْ فَوْقِ سَبْع سَمَاوَاتٍ.
وقال هشام بن عروة، عن أبيه:
"ما رأيت أحدا أعلم بفقه و لا بطلب و لا بشعر
من عائشة." اهـ
وقال عطاء بن أبى رباح:
"كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، و أحسن
الناس رأيا فى العامة." اهـ
و قال الزهرى:
"لو جمع علم عائشة
إلى علم جميع أزواج النبى _صلى الله عليه وسلم_، وعِلْمِ جميْعِ النساءِ، لكان علم
عائشة أفضل."
و قال أبو عثمان النهدى، عن
عمرو بن العاص: قلتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "أى الناس أحب
إليك؟" قال: "عائشة." قلت: "فمن الرجال؟" قال: "أبوها."
وفى الصحيح عن أبى موسى الأشعرى، عن النبى _صلى
الله عليه وسلم_ قال:
"فضل عائشة على النساءِ، كفضل الثريد على سائر
الطعام."
و مناقبها و فضائلها كثيرة جدا رضى الله عنها و
أرضاها .
العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار
(1/ 102_103)
واختصَّت عائشةُ بفضائل لم يشركْها أحدٌ من أزواج
النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها:
الأولى: أنه - صلى الله عليه وسلم - تزوجها بِكْرًا
دون غيرها.
الثانية: أنها خُيِّرَتْ فاختارتِ اللهَ ورسولَه
على الفور، وكُنَّ تبعًا لها في ذلك.
الثالثةُ: نزول آية التَّيَمُّم بسبب عِقْدِها حين
حبسَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - النَّاس، وقال أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرِ: ما
هيَ بأولِ بركتِكم يا آلَ أبي بكر.
الرَّابعةُ: نزولُ براءتها من السَّماء.
الخامسة: جَعْلُها قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة.
السادسةُ: تَتَبُّعُ الناس بهداياهم يومَها؛ لما
علموا من حبِّه - صلى الله عليه وسلم - لها.
السابعة: اختيارُه - صلى الله عليه وسلم - أن
يُمَرَّضَ في بيتها.
الثامنةُ: وفاته - صلى الله عليه وسلم - بين
سَحْرِها ونحرِها.
التاسعة: وفاته في يومها.
العاشرةُ: وفاته - صلى الله عليه وسلم - في بيتها.
الحاديةَ عشرةَ: دفنُه - صلى الله عليه وسلم - في
بيتِها.
الثانية عشرة: [بيتها] بقعة هي أفضلُ بقاع الأرض
مطلقًا، وهي مدفنه - صلى الله عليه وسلم -، وادعى القاضي عياض الإجماع عليه.
الثالثةَ عشرةَ: أنها رأتْ جبريلَ - صلى الله عليه
وسلم - في صورة دحيةَ الكلبيِّ، وسلَّم عليها.
الرَّابعةَ عشرةَ: كانت أحبَّ نساء النبي - صلى
الله عليه وسلم - إليه.
الخامسةَ عشر: اجتماعُ ريقِ رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - وريقِها في آخر أنفاسه.
السَّادسةَ عشرةَ: كانت أكثرَهن علمًا.
السَّابعةَ عشرةَ: كانت أفصحَهن لسانًا.____
الثامنةَ عشرةَ: لم ينزلِ الوحيُ على رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - في لِحاف امرأةِ غيرها.
التَّاسعةَ عشرةَ: أن جبريلَ جاء إلى النَّبي - صلى
الله عليه وسلم - بصورتها قبل أن يتزوَّجها.
العشرون: لم ينكح النبي - صلى الله عليه وسلم -
امرأة أبواها مُهاجران بلا خلاف سواها.
الحاديةُ والعشرون: كان أبوها أحبَّ الرجال إليه،
وأعزهم عليه - صلى الله عليه وسلم -.
الثَّانيةُ والعشرونَ: كان لها يومان وليلتان في
القَسْم دونهن لمَّا وهبتْها سَوْدَةُ بنتُ زمعةَ يومَها وليلتَها.
الثالثةُ والعشرون: أنَّها كانت تغضب، فيترضَّاها -
صلى الله عليه وسلم -، ولم يثبت ذلك لغيرها.
الرَّابعةُ والعشرون: لم ينزلْ بها أمر إلا جعل
الله لها منه مخرجا، وللمسلمين بركة.
الخامسةُ والعشرون: لم يَرْوِ عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - امرأةٌ حديثًا أكثرَ منها.
السَّادسةُ والعشرون: أنّه - صلى الله عليه وسلم -
كان يتتبع رضاها في المباحات؛ كضرب الجواري إليها، وجعل ذقنها على عاتقه، ووقوفه
لتنظر إلى الحَبَشَةِ يلعبون." اهـ
وفاة عائشة :
قال سفيان بن عيينة ، عن هشام بن عروة : توفيت
عائشة سنة سبع و خمسين .
وصلى
عليها أبو هريرة .
و أَمَرَتْ أن تدفن ليلا ، فدفنت بعد الوتر بالبقيع
، و صلى عليها أبو هريرة و نزل فى قبرها خمسة :
عبد الله بن الزبير ، و عروة بن الزبير ، و القاسم بن محمد بن أبى بكر ، و أخوه
عبد الله بن محمد بن أبى بكر ، و عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر .
و توفى النبى صلى الله عليه وسلم و هى بنت ثمانى
عشرة سنة (18) . وعمرها 64 سنة.
نص
الحديث وشرحه:
وَعَنْ عائِشَةَ -رَضِيَ
اللهُ عَنْها- قَالَتْ: "كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ مِنْ
إِنَاءٍ وَاحِدٍ, تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
وزَادَ ابْنُ
حِبَّانَ: "وَتَلْتَقِي
أَيْدِينَا"
وفي "سنن النسائي"
(1/ 201):
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ فِي
الْإِنَاءِ - وَهُوَ الْفَرَقُ - وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَهُوَ مِنْ إِنَاءٍ
وَاحِدٍ»
وفي "سنن النسائي"
(1/ 202):
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
" كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ أُبَادِرُهُ وَيُبَادِرُنِي حَتَّى يَقُولَ: دَعِي
لِي، وَأَقُولَ أَنَا: دَعْ لِي " قَالَ سُوَيْدٌ: «يُبَادِرُنِي وَأُبَادِرُهُ،
فَأَقُولُ دَعْ لِي دَعْ لِي»
المعنى الإجمالي للحديث:
يُخبرنا هذا الحديث بما روته
أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن حال النبي صلى الله عليه وسلم معها في البيت،
وهو أنهما كانا يغتسلان معًا من إناء واحد عند الجنابة، وتتقارب أيديهما وتلتقي
وهما يأخذان من الماء.
والمقصود من الحديث بيان
بساطة حياته صلى الله عليه وسلم، و شدة قربه وطيب معاشرته لأهله، وأن ذلك من سنّته
وهديه. كما يدل الحديث على جواز اغتسال الزوجين من إناء واحد دون حرج، وأن الماء
يبقى طهورًا، ولو استعملاه معًا وتبادلا الأخذ منه.
فالحديث يجمع بين تعليم
الأحكام الشرعية المتعلقة بالطهارة، وبين إبراز الأخلاق النبوية العالية في
المعاملة، مما يجعل المسلم يقتدي به في الطهارة وفي حسن العشرة.
تخريج
الحديث:
أخرجه البخاري (1/ 61) (رقم: 261)،
ومسلم (1/ 256/ 45) (رقم: 321)، والنسائي (1/ 128 و 1/ 201) (رقم: 233 و 410 و 412)،
وابن حبان (3/ 395) (رقم: 1111)
والحديث صحيح: صححه الألباني في "التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان"
(2/ 382) (رقم: 1108)
من
فوائد الحديث:
وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في
"ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (2/ 185):
فدل الحديث على أن ما بقى من
الماء طاهر سواء كان خلال الاغتسال، أو بعده، وأراد بذلك أن النهي الوارد عن ذلك
محمول على التنزيه، كما يرشد إليه قوله في كتاب الغسل بعد ذكر باب النهي عن
الاغتسال بفضل الجنب "باب الرخصة في ذلك".
وقال البسام في "توضيح
الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 404)
* ما يؤخذ من
الحديث:
1 - وجوبُ
الاغتسال من الجنابة على الرجل والمرأة.
2 - أنَّ اغتسال
المرأة والرجل من إناءٍ واحدٍ لا يؤثِّر في طهارة الماء بالإجماع.
3 - أنَّ وضع
الجنب يده في الإناء الَّذي فيه الماءُ لا يسلُبُهُ الطُّهُورية، بل هو باقٍ على
طهوريته.
4 - جواز أنْ
يَرَى كلُّ واحدِ من الزوجين بَدَنَ الآخرِ وعورته، وهو داخلٌ تحت___قوله تعالى:
{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ
مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)} [المؤمنون].
5 - استحبابُ
التقليل من ماء الوضوء والغسل؛ فهذا النَّبي -صلى الله عليه وسلم- هو وعائشة
يغتسلان ويغترفان من إناءٍ واحد.
جاء في بعض روايات البخاري
(250): "مِنْ قَدَحٍ يُقالَ له: الفَرَق" والقدح: إناءُ شرب.
قال الباجي: الصوابُ: أنَّه
صاعان، أو ثلاثة آصُعٍ، كما عليه الجماهير.
6 - في الحديث
حُسْنُ عِشْرة النَّبي -صلى الله عليه وسلم- لأهله، ومشاركَتُهُ لهم في أحوالهم
وأعمالهم؛ تطييبًا للقلب، وإزالةً للكلفة.
7 - فيه فضلُ
أزواجِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، لا سيَّما الصدِّيقةُ بنت الصدِّيق، فكم
نَقَلْنَ للأمَّة من الأحكامِ الشرعية، لا سيَّما الأعمالُ المنزليَّة التي لا
يطَّلع عليها إلاَّ المُعاشِرُ في المنزل.
وقال العثيمين في "فتح
ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" - ط المكتبة الإسلامية (1/ 346):
ففي هذا الحديث من الفوائد:
ما سبق من صراحة نساء الصحابة - رضي الله عنهن-، وأنهن يبين الحق، ولو كان مما
يستحيا منه.
ومنها: جواز اغتسال الرجل مع
امرأته. فإن قال قائل: لماذا لا يجعلونه سنة؟ قلنا: هذا لا يظهر فيه أثر التعبد،
والظاهر أنه من قسم المباح، نعم إذا كان يؤدي إلى قوة المحبة والمودة والائتلاف
قلنا: إنه يسن من أجل هذا الغرض النبيل؛ لأنه إذا ارتفعت الكلفة بين الزوجين إلى
هذا الحد فإن المودة سوف تزداد وتقوى.
ومنها جواز تعري الزوجين
بعضهما عند بعض؛ لأن الاغتسال لابد فيه من التعري، وقد قال الله - تبارك وتعالى-:
{والذين هم لفروجهم حفظون إلا على أزوجهم أو ما ملكت أيمنهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون:
5، 6]. وهذا جائز عند الاغتسال، وجائز أيضا في الفراش، وأما ما روي عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال: "لا تجردا تجرد العيرين". فهذا إن صح فالمراد
أن يفعلا ذلك وهما مكشوفان، وأما إذا كانا عليهما اللحاف فلا بأس بذلك.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز
اغتراف الجنب من الماء ليتطهر به.
ومن فوائده: أن الماء
المستعمل أو الماء الذي تغمس فيه اليد التي فيها الحدث لا يكون طاهرا، بل هو طهور
وإلا لارتفعت الطهورية من أول مرة غمس فيه يده، وهذا القول هو الراجح أن الماء
المستعمل في طهارة باق على طهوريته ولا يفتقده ذلك الاستعمال الطهورية؛ لأنه لا
دليل على أن الماء ينتقل من وصف الطهورية إلى وصف الطاهر غير مطهر، وإذا لم يكن
دليل فالأصل بقاء ما كان على ما كان.
ملحق
الفوائد:
فيما يلي فوائد عديدة مستفادة
من هذا الحديث الشريف، يجمع بين الفوائد الفقهية، والسلوكية، والأسرية، والدعوية:
فوائد فقهية:
1. جواز اغتسال
الزوجين من إناء واحد، ولو كان الماء قليلاً، وهذا محل اتفاق بين العلماء.
2. طهارة الماء
المتبقي بعد استعمال أحد الزوجين، وأنه لا يُعدّ مستعملاً حكمًا يمنع التطهير به.
3. مشروعية
الاغتسال من الجنابة بالماء المشترك دون كراهة.
4. جواز كشف
العورة بين الزوجين؛ لأن الغسل مشترك ومتناوب بينهما.
5. أن القليل من
الماء يكفي للغسل إذا أُحسن استعماله، كما كان هديه صلى الله عليه وسلم الاقتصاد
في الماء.
6. إثبات أن
الماء لا ينجس بمجرد استعمال الجنب له، مادام لم تتغير أوصافه.
7. جواز الإسراع
إلى استعمال الماء ولو أدى إلى ملامسة الأيدي، ما دام بلا نزاع ولا خصومة.
8. بيان أن
الغسل من الإناء الصغير جائز، كالفرق، وهو ما بين 16–20 رطلاً تقريبًا في زمنهم.
فوائد تربوية
وأخلاقية
9. التواضع
النبوي؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلف ولا يتعالى في بيته.
10. حسن عشرة
الزوجة، وأن علاقة الزوجين تقوم على اللطف، لا على الحاجز والرسميات.
11. إظهار
الجانب الإنساني للبيت النبوي، وأنه كان مليئًا بالمودة والرحمة.
12. الرفق
بالزوجة ومعاملتها بودّ، كما يظهر من التبادر اللطيف في أخذ الماء.
13. التعاون بين
الزوجين في أمور الحياة اليومية، حتى في الطهارة والاغتسال.
14. جواز
المداعبة والملاطفة بين الزوجين حتى أثناء الغسل.
15. تعليم أن
البيت الصالح هو بيت تسوده المودة، لا الصراخ ولا القسوة.
فوائد دعوية وعلمية
16. حرص أمهات
المؤمنين على نقل العلم؛ فلو سكتت عائشة لما عرف المسلمون هذا الحكم.
17. بيان أهمية
النقل الدقيق؛ إذ وصفت عائشة اختلاف الأيدي والتبادر.
18. أن الحياء
لا يمنع من تبليغ العلم الشرعي فيما يحتاج الناس إليه.
19. الاقتداء
بحياة النبي في بيته جزء من السنة، وليس عباداته فقط.
فوائد أسرية
واجتماعية
20. الحديث دليل
على قرب الزوجين وغياب الجفاء، فالبيت السعيد يبدأ من أبسط التفاصيل.
21. تعليم
الأزواج أن الودّ يُبنى من التفاصيل الصغيرة، لا من الأمور الكبيرة فقط.
22. إظهار أن
الزواج سكن ورحمة كما قرره القرآن، ويظهر ذلك في سلوك النبي.
23. الاهتمام
بالنظافة والطهارة داخل الأسرة والحرص على الغسل الشرعي السليم.
فوائد إيمانية
وروحية
24. إحياء السنة
في كيفية الغسل يُورث محبة النبي واتباع هديه.
25. تعليم العبد
الاقتصاد في الماء وأنه من الأخلاق الإيمانية.
26. تعظيم شعيرة
الطهارة التي هي مفتاح الصلاة وأساس القرب من الله.
فوائد لغوية:
27. دلالة لفظ
"تختلِف أيدينا" على التتابع والتناول السريع للماء.
28. زيادة ابن
حبان "وتلتقي أيدينا" تؤكد ملمح اللطف بين الزوجين.
29. صيغة
"أبادره ويُبادرني" تفيد المسابقة في الأخذ من الماء بلطف، لا تنازعًا.
[1] قال الزيلعي _رحمه الله_
في "نصب الراية" (1/ 194):
"قَالَ
الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِمَامِ: رَأَيْت فِي كِتَابِ الْوَهْمِ
وَالْإِيهَامِ لِابْنِ الْقَطَّانِ الْمَقْرُوءِ عَلَيْهِ دَجَاجَةٌ بِكَسْرِ
الدَّالِ وَعَلَيْهَا صَحَّ، وَكَتَبَ النَّاسِخُ فِي الْحَاشِيَةِ - بِكَسْرِ
الدَّالِ - بِخِلَافِ وَاحِدَةِ الدَّجَاجِ، انْتَهَى كَلَامُهُ." اهـ
وقال ابن الملقن _رحمه الله_ في "البدر المنير"
(2/ 560):
"وأعلت
هَذِه الطَّرِيقَة أَيْضا بجسرة - بِفَتْح الْجِيم وَإِسْكَان السِّين الْمُهْملَة
- بنت دجَاجَة - بِكَسْر الدَّال - لَا كواحدة الدَّجَاج، كَمَا أَفَادَهُ ابْن
الْقطَّان فِي حَاشِيَة كِتَابه «الْوَهم وَالْإِيهَام» ، وَفِي «المؤتلف
والمختلف» للدارقطني عَن ابْن حبيب أَنه قَالَ: كل اسْم فِي الْعَرَب دجَاجَة
مكسور الدَّال.
(قلت):
لَكِن فِي «الْعباب» للصغاني وَمن خطه نقلت: (و) قد سموا دَجاجة. كَذَا هُوَ
بِخَطِّهِ بِفَتْح الدَّال، وَكَذَا قَالَ الْأَزْهَرِي وَصَاحب «الْمُحكم» :
دَجاجة - يَعْنِي بِالْفَتْح - اسْم امْرَأَة فاستفده." اهـ
[2] وقال الألباني _رحمه الله_
في "تمام المنة في التعليق على فقه السنة" (ص: 119) معلقا عليه:
"قلت: وقد خفي هذا التحقيق على الشوكاني فقوى
حديث عائشة بحديث أم سلمة كما خفي عليه أن علة الحديث جسرة هذه فانظر "السيل
الجرار" 1 / 109." اهـ
Komentar
Posting Komentar