شرح الحديث 104 (باب الغسل وحكم الجنب) من بلوغ المرام

 

104 - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا_، قَالَتْ:

"يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ شَعْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟"

- وَفِي رِوَايَةٍ: "وَالْحَيْضَةِ؟" -."

قَالَ: "لا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ

 

ترجمة ُأمّ سَلَمَة _رضي الله عنها_:

 

قال الزركلي _رحمه الله_ في "الأعلام" (8/ 97_98):

"أُمّ سَلَمَة (28 ق هـ - 62 هـ = 596 - 681 م):

هند بنت سهيل المعروف بـ"أبي أمية" (ويقال: اسمه حذيفة، ويعرف بـ"زاد الراكب") ابن المغيرة، القرشية المخزومية،

أم سلمة: من زوجات النبي (صلى الله عليه وسلّم)، تزوجها في السنة الرابعة للهجرة.

وكانت___من أكمل النساء عقلا وخلقا. وهي قديمة الإسلام، هاجرت مع زوجها الأول " أبي سلمة بن عبد الأسد بن المغيرة " إلى الحبشة، وولدت له ابنه " سلمة " ورجعا إلى مكة،

ثم هاجرا إلى المدينة، فولدت له أيضا بنتين وابنا. ومات أبو سلمة (في المدينة من أثر جرح)، فخطبها أبو بكر، فلم تتزوجه.

وخطبها النبي (صلى الله عليه وسلّم) فقالت لرسوله ما معناه: مثلي لا يصلح للزواج، فإنّي تجاوزت السن، فلا يولد لي، وأنا امرأة غيور، وعندي أطفال. فأرسل إليها النبي (صلّى الله عليه وسلّم) بما مؤداه: أما السن فأنا أكبر منك، وأما الغيرة فيذهبها الله، وأما العيال فإلى الله ورسوله. وتزوجها.

وكان لها " يوم الحديبيّة " رأي أشارت به على النبي (صلّى الله عليه وسلّم) دل على وفور عقلها.

ويفهم من خبر عنها أنها كانت " تكتب " وعمرت طويلا.

واختلفوا في سنة وفاتها، فأخذت بأحد الأقوال. وبلغ ما روته من الحديث 378 حديثا وكانت وفاتها بالمدينة


نص الحديث:

 

وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا_، قَالَتْ:

"يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ شَعْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟"

- وَفِي رِوَايَةٍ: "وَالْحَيْضَةِ؟" -."

قَالَ: "لا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ

 

روايات الحديث:

 

ففي "صحيح مسلم" (1/ 259):

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟

قَالَ: «لَا. إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ».

 

وفي "صحيح مسلم" (1/ 260):

وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: "فَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضَةِ وَالْجَنَابَةِ." فَقَالَ: «لَا» ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

حديث أم سلمة _رضي الله عنها_ يبيّن أن المرأة ليست مُلزَمة بنقض ضفائر شعرها عند غسل الجنابة أو غسل الحيض.

 

يكفيها أن تصبّ على رأسها ثلاث حثيات من الماء حتى يصل الماء إلى أصول الشعر وبشرة الرأس، ثم تفيض الماء على سائر بدنها، فيتحقق بذلك الغسل الصحيح وترتفع به الجنابة أو الحيض.

 

فالمقصود من الغسل هو إيصال الماء إلى البشرة، ولا يُكلَّف الناس بما يشقّ عليهم من نقض الشعر، وفي هذا من تيسير الشريعة ورفع الحرج عن المكلّفين ما هو ظاهر.

 

خلاف العلماء:

 

وقال الترمذي في "سننه" – ت. شاكر (1/ 177):

"وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الجَنَابَةِ فَلَمْ تَنْقُضْ شَعْرَهَا أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهَا بَعْدَ أَنْ تُفِيضَ المَاءَ عَلَى رَأْسِهَا." اهـ

 

قال المباكفوري _رحمه الله_ في "تحفة الأحوذي" (1/ 301_302):

"قَوْلُهُ: (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الْجَنَابَةِ فَلَمْ تَنْقُضْ شَعْرَهَا إِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهَا بعد أن تفيض الماء على رأسها)،

* مذهب الْجُمْهُورِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الْجَنَابَةِ أَوْ الْحَيْضِ يَكْفِيهَا أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا نَقْضُ شَعْرِهَا.

* وَقَالَ الْحَسَنُ وَطَاوُسٌ: يَجِبُ النَّقْضُ فِي غَسْلِ الْحَيْضِ، دُونَ الْجَنَابَةِ. وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ،

* وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ فِيهِمَا.

وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ النَّقْضِ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ دُونَ الْجَنَابَةِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ: (وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي).

وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: (لِلْحَيْضَةِ وَالْجَنَابَةِ)

وَحَمَلُوا الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: (وَانْقُضِي رَأْسَكِ) عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَوْ يُجْمَعُ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ مَنْ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى أُصُولِهِ بالنقض فَيَلْزَمُ، وَإِلَّا فَلَا.

هَذَا خُلَاصَةُ مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ

وَقِيلَ: إِنَّ شَعْرَ أُمِّ سَلَمَةَ كَانَ خَفِيفًا، فَعَلِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى أُصُولِهِ

وَقِيلَ: بِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَشْدُودًا نُقِضَ، وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ نَقْضُهُ، لِأَنَّهُ يَبْلُغُ الْمَاءُ أُصُولَهُ.

قَالَ صَاحِبُ "سُبُلِ السَّلَامِ":

لَا يَخْفَى أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ كَانَ فِي الْحَجِّ، فَإِنَّهَا أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ ثم___حَاضَتْ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ، فَأَمَرَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَنْقُضَ رَأْسَهَا وَتَمْتَشِطَ وَتَغْتَسِلَ بِالْحَجِّ، وَهِيَ حِينَئِذٍ لَمْ تَطْهُرْ مِنْ حَيْضِهَا، فَلَيْسَ إِلَّا غُسْلُ تَنْظِيفٍ لَا حَيْضٍ، فَلَا يُعَارِضُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ أَصْلًا، فَلَا حَاجَةَ إِلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي فِي غَايَةِ الرَّكَاكَةِ فَإِنَّ خِفَّةَ شَعْرِ هَذِهِ دُونَ هَذِهِ يَفْتَقِرُ إِلَى دَلِيلٍ.

وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا مَشْدُودٌ وَهَذَا غَيْرُ مَشْدُودٍ، وَالْعِبَارَةُ عَنْهُمَا مِنَ الرَّاوِي بِلَفْظِ النَّقْضِ دَعْوَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ." انْتَهَى." اهـ


 

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (1/ 367)

يجب النقض في الحيض دون الجنابة. وبهذا قال الإمام أحمد وغيره من السلف. وهذا الجمع أولى، فقد جاء ما يشهد لهذا الحديث، عن أم سلمة

 

قال البسام في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 400_401):

"خلاف العلماء:

قال في الشرح الكبير: لا يجبُ على المرأة نقضُ شعرها لِغُسْلِهَا من الجنابة، روايةً واحدة، ولا نعلم في هذا خلافًا، إلاَّ عن ابن عمر، والنخعي، ولا نعلم أحدًا وافقهما على ذلك، لما روتْ أم سلمة أنها قالت: "يا رسول الله! إني امرأةٌ أَشُدُّ شعر رأسي، أفأنقضه للجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاثَ حَثَيَاتٍ ثمَّ تفيضين عليك بالماء، فتتطهَّرين به" [رواه مسلم].

قال في المغني: اتفق الأئمةُ الأربعة على أنَّ نقضه غيرُ واجب. أهـ.

واختلفوا في وجوب نقضِ شَعْرِ المرأة لِغُسْلها من الحيض:

فذهب الإمام أحمد -في المشهور من مذهبه-: إلى وجوب نقضه، قال مهنَّا: سألتُ أحمد عن المرأة تنقُضُ شعرها من الحيض؟ قال: نعم، فقلت له: كيف تنقُضُهُ من الحيض ولا تنقُضُهُ من الجنابة؟ فقال: حدَّثَتْ أسماءُ عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: تنقضه. أهـ.

ولما جاء في البخاري (316)، ومسلم (1211) من حديث عائشة أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: "إذا كنت حائضًا فانقُضِي رأسك وامتشطي".

ولأنَّ أصل وجوب نقض الشعر ليتيقَّن وصولُ الماء إلى ما تحته، فعفي عنه في غسل الجنابة؛ لأنَّه يكثُرُ فيشُقُّ ذلك؛ بخلاف الحيض.

وذهب أكثر العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: إلى أنَّه لا يجب، لما روى مسلم عن أم سلمة أنَّها قالت يا رسول الله: "إنِّي أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: إنَّما يكفيك أنْ تحثي على رأسك ثلاث حثيات".

وهي رواية عن الإمام أحمد، اختارها الموفَّق، والمجد، والشَّارح والشيخ تقي الدِّين، وغيرهم، لحديث أم سلمة السَّابق.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز: الصحيح أنَّه لا يجب عليها نقضه في غسل الحيض؛ لما ورد في بعض روايات أم سلمة عند مسلم؛ أنَّها قالت للنَّبي -صلى الله عليه وسلم-:

"إنِّي امرأةٌ أشد ضفر رأسي أفأنقضه للحيض والجنابة؟ قال: لا".

ومذهب الجمهور: أنَّه إِذا وصَلَ الماء إلى جميع شعرها، ظاهره وباطنه من غير نقض لم يجبِ النَّقْضُ.

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: الرَّاجِحُ في الدليل: عدمُ وجوب النقض في غسلِ الحيض؛ كعدم وجوبه في الجنابة، إلاَّ أنَّه في الحيض مشروعٌ للأدلة، والأمرُ فيه ليس للوجوب؛ بدليل حديث أمِّ سلمة، وهذا اختيار صاحب الإنصاف، وأمَّا الجنابة: فليس مندوبًا في حقِّها، وإنَّما هو متأكِّد في الحيض.

قال الزركشي: الأوَّل هو الأولى؛ لحمل الحديثَيْن على الاستحباب.

ودليلُ من لا يوجبُ النقض: بعضُ روايات حديث أمِّ سلمة التي ذكرت الحيضَ مع الجنابة، وقد قال ابن القيِّم عن بعض هذه الروايات: الصحيحُ في حديث أمِّ سَلَمَةَ الاقتصارُ على ذكر الجنابة دون الحيض، وليس نقض شعر الرَّأس بمحفوظٍ للحائض.

وقال الألباني: إنَّ ذكر الحيضة في الحديث شاذٌّ لا يثبت.

وبهذا فمذهبُ الإمام أحمد قويٌّ في هذه المسألة، وأنَّ حمل الحديثَيْن على الاستحبابِ محمَلٌ حَسَنٌ." اهـ

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه مسلم في "صحيحه" (1/ 259/ 58) (رقم: 330)، وأبو داود في "سننه" (1/ 65) (رقم: 251)، الترمذي في "سننه" – ت. شاكر (1/ 175) (رقم: 105)، والنسائي في "سننه" (1/ 131) (رقم: 241)، وفي "السنن الكبرى" (1/ 167) (رقم: 238)، وابن ماجه في "سننه" (1/ 198) (رقم: 603)، وعبد الرزاق الصنعاني في "مصنفه" (1/ 272) (رقم: 1046)، والحميدي في "مسنده" (1/ 307) (رقم: 296)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (1/ 73) (رقم: 792)، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (4/ 86) (رقم: 1851)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (6/ 289 و 6/ 314) (رقم: 26477 و 26677)، وابن خزيمة في "صحيحه" (1/ 122) (رقم: 246)، وابن حبان في "صحيحه" (3/ 470) (رقم: 1198)، والطبراني في "المعجم الكبير" (23/ 296) (رقم: 657_658).

 

والحديث صحيح: صححه الألأباني _رحمه الله_ في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (1/ 168) (رقم: 136)، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (1/ 368) (رقم: 189)، و"تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 137) (رقم: 438)

 

من فوائد الحديث:

 

وقال البسام _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 399):

* ما يؤخذ من الحديث:

1 - عدمُ وجوبِ نقض المرأة شعرها للغُسْلِ من الجنابة، أو الغسل من الحيض.

2 - الاكتفاء بحثي الماء -ثلاث مراتٍ- على الرأس؛ هذا هو مذهب جمهور العلماء، وسيأتي تحقيق الخلاف، إنْ شاء الله تعالى.

3 - يَدُلُّ الحديثُ على أنَّ للمرأة أنْ تَشُدَّ شعر رأسها، ولم يبيِّن صفة الشد هل تضفره أو تعكصه؟

وهذه الأمور عادية لا دخل لها في العبادة، فالعادةُ التي يعملها النَّاس وليسَتْ زيًّا خاصًّا بالكفَّار، يجوزُ فعلها." اهـ

 

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (8/ 81_82):

"في فوائده:

1 - (منها): بيان عدم وجوب نقض المرأة شعرها المضفور في حالة غسلها من الجنابة، أو الحيض؛ لحديث أم سلمة - رضي الله عنها - هذا، فلا يجب عليها إيصال الماء إلى أصول شعرها، وسيأتي تمام البحث في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى.

2 - (ومنها): أنه ينبغي للإنسان أن يسأل حكم ما يجهله من أمر دينه، كما أمر الله عز وجل بذلك، حيث قال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].

3 - (ومنها): أنه يجب على المرأة أن تحثي على رأسها ثلاث حثيات من الماء إذا اغتسلت من الجنابة، أو الحيض.___

4 - (ومنها): وجوب تعميم سائر البدن بإفاضة الماء عليه.

5 - (ومنها): ما كان عليه الصحابيّات من شدّة حرصهنّ في تعلّم دينهنّ، ولا سيّما ما يخصّهُنّ مما يتعلّق بغسل الحيض، والنفاس.

6 - (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله:

(اعلم): أن غسل الرجل والمرأة من الجنابة والحيض والنفاس وغيرها من الأغسال المشروعة سواء في كل شيء، إلا ما سيأتي في المغتسلة من الحيض والنفاس أنه يستحب لها أن تستعمل فِرْصَةً من مسك، وقد تقدم بيان صفة الغسل بكمالها في الباب السابق.

قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن الرجل يخالف المرأة في نقض ضفيرته، فيجب عليه دونها؛ لحديث ثوبان - رضي الله عنه - الآتي، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

قال: فإن كانت المرأة بكرًا لم يجب إيصال الماء إلى داخل فرجها، وإن كانت ثيبًا وجب إيصال الماء إلى ما يظهر في حال قعودها لقضاء الحاجة؛ لأنه صار في حكم الظاهر، هكذا نصَّ عليه الشافعيّ، وجماهير أصحابنا،

وقال بعض أصحابنا: لا يجب على الثَّيِّب غسل داخل الفرج،

وقال بعضهم: يجب ذلك في غسل الحيض والنفاس، ولا يجب في غسل الجنابة، والصحيح الأول." انتهى كلام النوويّ رحمه الله ["شرح النوويّ" 4/ 12]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب." اهـ

 

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (8/ 84)

قال الجامع عفا الله عنه: القول بإيجاب إيصال الماء إلى داخل شعر المرأة، فيه نظر لا يخفى، بل الحقّ أنه لا يجب عليها، بل يكفيها أن تحثي ثلاث حثيات على رأسها، كما هو نصّ حديث أم سلمة - رضي الله عنها - المذكور هنا، حيث قال: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك إلخ"، وكذا حديث ثوبان - رضي الله عنه - المذكور نصّ أيضًا، حيث قال: "وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه، لِتَغْرِف على رأسها ثلاث غُرُفات بكفيها"، فدلّ على أن صبها على ظاهر رأسها كافٍ في غسلها." اهـ

 

قلت: أما حديث ثوبان _رضي الله عنه_، فقد أخرجه أبو داود في "سننه" (1/ 66) (رقم: 255):

عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ:

أَفْتَانِي جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ عَنِ الْغُسْلِ مِنَ الجَنَابَة، أَنَّ ثَوْبَانَ حَدَّثَهُمْ أَنَّهُمُ اسْتَفْتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ:

«أَمَّا الرَّجُلُ فَلْيَنْشُرْ رَأْسَهُ، فَلْيَغْسِلْهُ حَتَّى يَبْلُغَ أُصُولَ الشَّعْرِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا عَلَيْهَا أَنْ لَا تَنْقُضَهُ لِتَغْرِفْ عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ بِكَفَّيْهَا»

صححه الألباني في "صحيح أبي داود" - الأم (2/ 7) (رقم: 250)

 

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (8/ 85_86):

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها -: "انقضي رأسك، وامتشطي. . ." الحديث، رواه مسلم، فإنه في غسل النظافة للإحرام بالحجّ، لا لغسل الطهارة من الحيض؛ لأنها لم تزل في ذلك الوقت من حيضها، وعلى تقدير أنه يشمل الطهارة من الحيض، فيُحمَل على الاستحباب؛ جمعًا بينه وبين هذين الحديثين.

وكذلك حديث أسماء بنت شكل - رضي الله عنها - الآتي، حيث قال لها النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها. . ." الحديث، فمحمول أيضًا على وجه الكمال، والاستحباب أيضًا، لا على الوجوب؛ جمعًا بين النصوص.

وأما ما أخرجه الطبراني، والدارقطنيّ في "الأفراد"، والضياء المقدسيّ في "المختارة" من حديث أنس - رضي الله عنه - مرفوعًا: "إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها نقضًا، وغسلته بخطميّ وأُشنان، وإن اغتسلت من جنابة صبّت الماء على رأسها صبًّا، وعصرته".

فحديث ضعيف، ولا تغترّ بإخراج الضياء له، فإن له في "المختارة" أحاديث ضعيفة، كما لا يخفى على من له إلمام بهذا الشأن، وقد بيّن الشيخ الألبانيّ رحمه الله ضعف هذا الحديث في "السلسلة الضعيفة" 2/ 342 رقم (937).

وخلاصة القول في المسألة أن أرجح الأقوال قول من قال: إن المرأة يكفيها أن تحثي على رأسها ثلاثًا، ولا يجب عليها أن تنقض ضفيرتها، وهذا كله يعمّ الجنابة، والحيضة؛ لزيادة رواية عبد الرزاق الآتية للحيضة، وهي زيادة ثقة غير منافية لرواية غيره، فتُقبل، وأما دعوى ابن القيّم شذوذها فغير مقبول، هذا كلّه في حقّ المرأة.

وأما الرجل فيجب عليه نقض ضفيرته حتى يصل الماء إلى أصول شعره؛ لحديث ثوبان - رضي الله عنه - المتقدّم: "أما الرجل فليَنشُر إلخ"، وهو حديث صحيح، كما سبق آنفًا.

فقد بيّن الفرق بين الرجل والمرأة، فأوجب عليه النقض دونها.

والحاصل: أن الرخصة في عدم نقض الضفيرة خاصّ بالمرأة في الحيض والجنابة، وأما الرجل فيجب عليه النقض؛ لما ذكرناه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (4/ 417)

قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي قول الجمهور من أن المرأة يكفيها أن تحثي على رأسها ثلاثا، لما في رواية مسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها بزيادة الحيضة من رواية عبد الرزاق، عن الثوري، وهي زيادة ثقة غير منافية لرواية غيره. وأما دعوى ابن القيم شذوذها فغير صحيح. هذا في حق المرأة، وأما الرجل فيجب عليه النقض إذا لم يصل إلى أجزائه، لما تقدم من حديث ثوبان رضي الله عنه، وحديث علي مرفوعا "من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فَعَل الله به كذا وكذا من النار"، قال علي: ومن ثَمَّ عاديت شعري، رواه أحمد، وأبو داود، وزاد: وكان يجُرُّ شعره رضي الله عنه.

قال الحافظ: وإسناده صحيح، لكن قيل: إن الصواب وقفه. اهـ

قلت: وإن كان موقوفًا فله حكم الرفع؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه كما هو ظاهر، لا سيما ويشهد له حديث ثوبان. فتأمل. وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر"، أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي، فلا يصلح للاستشهاد به للاتفاق على تضعيف الحارث ابن وجيه الراوي عن مالك بن دينار.

والحاصل أن الرخصة في عدم النقض خاص بالنساء في الحيض والجنابة. وأما الرجال فهم على أصل وجوب تعميم أجزاء الشعر، والبشر. والله أعلم." اهـ

 

وقال العثيمين _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 343_344):

"ففي هذا الحديث من الفوائد:

* أولا: صراحة نساء الصحابة - رضي الله عنهم- في السؤال عما قد يستحيا منه؛ لأن أم سلمة رضي الله عنها قالت: "أفأنقضه لغسل الجنابة".

ومنها: جواز شد شعر الراس، ولكن ينهى أن تجعل المرأة شعر رأسها فوق؛ لأنه ربما يكون ذلك سببا للتدرج حتى تجعل الرءوس كأسنمة البخت المائلة،

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

"صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونستاء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها." [م]

ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب نقض شعر المرأة عند الغسل من الجنابة أو الحيض لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا"، وقد ذكرنا أنه يحتمل أن تكون لنفي الوجوب ويحتمل أن تكون للنهي.___

ومن فوائد هذالحديث: أنه يكفي أن يحثي الإنسان علىراسه ثلات حثيات.

فإن قال قائل: وهل يكفي دون ذلك؟

فالجواب: نعم، لكن لما كان الرأس الذي له شعر يحتاج إلى المبالغة قال: إنما كان يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات"، وإلا إذا علمنا أن الحثية الواحدة بلغت أصول الشعر، فإنه لا يلزمها أكثر من ذلك؛ لقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6]." اهـ

 

ملحق الفوائد:

1. التيسير في الشريعة ورفع الحرج عن المكلَّفين، فالنبي ﷺ لم يُلزم المرأة بنقض شعرها عند الغسل، مما يدل على أن الشريعة تراعي المشقة، وترفع الحرج، وتسهِّل على الناس عباداتهم دون تكليف مرهِق.

2. فيه: الاكتفاء بوصول الماء إلى أصول الشعر دون الحاجة لنقضه، فيكفي أن تُفيض المرأة الماء على رأسها ثلاث مرات ليصل إلى البشرة، وهذا هو المقصود في الغسل الشرعي.

3. فيه: التفريق بين الواجبات والسنن والعادات، فشدُّ المرأة لشعرها عادةٌ لها، ولم يُطالَب بتغييرها أو نقضها إلا عند الحاجة المعتبرة، مما يدل على أن الدين لا يصادم العادات إلا إذا تعارضت مع الشرع.

4. فيه: خصوصية أحكام النساء في الطهارة، فالحديث يدل على عناية النبي ﷺ بسؤال النساء، وتوجيههن فيما يختص بهن من أحكام قد لا يفطن لها الرجال.

5. فيه: أن غسل الجنابة والحيض لا يختلف في أصل الحكم، فكلاهما لا يحتاج إلى نقض الشعر، وهذا ثابت بنص الرواية الثانية؛ وفيه دلالة على اتحاد طريقة الغسل في الحكمين مع اختلاف السبب.

6. فيه: جواز سؤال النساء للرسول ﷺ عن أمور الحياء إذا تعلق بها الحكم الشرعي، فأم سلمة رضي الله عنها سألت عن مسألة قد يستحيي النساء من سؤالها، فدلّ ذلك على أهمية طلب العلم وعدم منع الحياء منه.

7. فيه: أن إيصال الماء إلى ظاهر الشعر يكفي في الغسل الواجب، وهذا من اليسر، بخلاف المبالغة التي تؤدي إلى الوسوسة والتشديد.

8. فيه: إثبات أن الماء القليل يكفي في الطهارة إذا عمّ البدن، فثلاث حثيات على الرأس ثم إفاضة الماء على البدن كافية، وفيه الاقتصاد في استعمال الماء وعدم الغلو.

9. فيه: تعليم النبي ﷺ الطريقة العملية في العبادة، فلم يكتف بقول عام، بل بيّن خطوات الغسل: ثلاث حثيات على الرأس ثم إفاضة الماء على الجسد.

10. فيه: حرص الصحابة والتابعين على معرفة التفاصيل الدقيقة للطهارة

فقوله: "أفأنقضه للحَيضة والجنابة؟" يدل على تتبع السنة ومعرفة الأحكام بدقة.

11. فيه: إثبات أن الأصل عدم تكليف المكلَّف بما يشق عليه إلا بنص، فمثل نقض الشعر الذي قد يشق على المرأة، لذلك لم يُوجَب إلا في حالات مخصوصة كالتيمم عند الحاجة أو بعض مسائل الطهارة الخاصة.

12. فيه: دلالة على كمال شفقة النبي ﷺ ورحمته، إذ لم يُحمّل النساء فوق طاقتهم، وبيّن لهن أيسر الطرق في الغسل.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ