شرح الحديث 103 (باب الغسل وحكم الجنب) من بلوغ المرام

 

103 - وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ:

"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ،

* يَبْدَأُ، فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ،

* ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ،

* ثُمَّ يَتَوَضَّأُ،

* ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ،

* ثُمَّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ،

* ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ،

ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

 

وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ -رضي الله عنها-:

"ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا الْأَرْضَ".

 

وَفِي رِوَايَةٍ:

"فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ"، وَفِي آخِرِهِ: "ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ" وَفِيهِ: "وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ"

 

نص الحديث:

 

وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ:

"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ،

* يَبْدَأُ، فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ،

* ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ،

* ثُمَّ يَتَوَضَّأُ،

* ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ،

* ثُمَّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ،

* ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ،

ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

 

وفي "مسند أبي يعلى الموصلي" (7/ 471):

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ جَنَابَةٍ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، وَرُبَّمَا كَنَّتْ عَنِ الْفَرْجِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَوُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ بِهِ فِي شَعْرِهِ، فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ مَسَّ الْبَشَرَةَ الْمَاءُ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ ثَلَاثًا، وَأَفْضَلَ فِي الْإِنَاءِ فَضْلَةً فَصَبَّهَا عَلَيْهِ بَعْدَمَا يَفْرُغُ»

 

الاستذكار (1/ 263)

وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِغَسْلِ النَّجَاسَاتِ مِنَ الثِّيَابِ فَمَرَّةً قَالَ لِأَسْمَاءَ فِي دَمِ الْحَيْضِ اقْرُصِيهِ وَاعْرُكِيهِ وَمَرَّةً أَمَرَ فِي بَوْلِ الْغُلَامِ بِأَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ الماء وأن يتبع لبول الْمَاءَ دُونَ عَرْكٍ وَلَا مُرُورٍ بِيَدٍ

فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْغَسْلَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ يَكُونُ مَرَّةً بِالْعَرْكِ وَمَرَّةً بِالصَّبِّ وَالْإِفَاضَةِ

كُلُّ ذَلِكَ يُسَمَّى غَسْلًا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ

 

............................................

 

رواية ميمونة:

وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ -رضي الله عنها-: "ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا الْأَرْضَ".

وَفِي رِوَايَةٍ:" فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ"، وَفِي آخِرِهِ: "ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ" وَفِيهِ: "وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ"

 

ففي "صحيح البخاري" (1/ 62) (رقم: 266):

عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ، قَالَتْ: «وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا وَسَتَرْتُهُ، فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ، فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ»

- قَالَ: سُلَيْمَانُ لاَ أَدْرِي، أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لاَ؟ -

ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوْ بِالحَائِطِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ خِرْقَةً، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَلَمْ يُرِدْهَا "

 

تخريج الحديث:

 

* حديث عائشة _رضي الله عنها_:

أخرجه البخاري في "صحيحه" (1/ 59 و 1/ 63) (رقم: 248 و 272)، ومسلم في "صحيحه" (1/ 253/ 35) (رقم: 316)، وأبو داود في "سننه" (1/ 63) (رقم: 242)، والترمذي في "سننه" – ت. شاكر (1/ 174) (رقم: 104)، والنسائي في "سننه" (1/ 134_135 و 1/ 205 و 1/ 206) (رقم: 247_248 و 420 و 423)، وفي "السنن الكبرى" (1/ 168) (رقم: 241)، ومالك في "الموطأ" – ت. الأعظمي (2/ 61) (رقم: 138)، وعبد الرزاق الصنعاني في "مصنفه" (1/ 260 و 1/ 261) (رقم: 997 و 999)، والحميدي في "مسنده" (1/ 242) (رقم: 163)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (1/ 64) (رقم: 685)، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (2/ 95) (رقم: 560_562)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (6/ 52 و 6/ 101) (رقم: 24257 و 24700)، والدارمي في "سننه" (1/ 579) (رقم: 775)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (7/ 405 و 7/ 457 و 7/ 471) (رقم: 4430 و 4482 و 4497)، وابن الجارود في "المنتقى" (ص: 35) (رقم: 99)، وفي "مسند عائشة" (ص: 53 و 84) (رقم: 12 و 77)، والنَّسَوي في "الأربعون" (ص: 61) (رقم: 19)، وابن خزيمة في "صحيحه" (1/ 121) (رقم: 242)، وابن حبان في "صحيحه" (3/ 468) (رقم: 1196)، المعجم الأوسط (9/ 124) (رقم: 9311)، وابن بشران في "الأمالي" - الجزء الأول (ص: 389) (رقم: 898)، والدارقطني في "سننه" (1/ 203) (رقم: 402)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 266 و 1/ 268 و 1/ 269_270) (رقم: 812_813 و 820 و 823_825)، وفي "السنن الصغير" (1/ 63) (رقم: 139_140)، و"معرفة السنن والآثار" (1/ 477) (رقم: 1425)،

 

* حديث ميمونة _رضي الله عنها_:

أخرجه البخاري في "صحيحه" (1/ 62 و 1/ 63) (رقم: 266 و 274)، ومسلم في "صحيحه"  (رقم: 317)، وأبو داود في "سننه" (1/ 64) (رقم: 245)، والترمذي في "سننه" – ت. شاكر (1/ 173) (رقم: 103)، والنسائي في "سننه" (1/ 137) (رقم: 253)، وابن ماجه في "سننه" (1/ 190) (رقم: 573).

صححه الألباني _رحمه الله_ في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (1/ 169) (رقم: 138)

 

من فوائد الحديث:

 

وقال العيني _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (3/ 192):

بَيَان استنباط الْأَحْكَام:

مِنْهَا: أَن قَوْله (كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) يدل على الْمُلَازمَة والتكرار فَدلَّ ذَلِك على اسْتِحْبَاب غسل يَدَيْهِ قبل الشُّرُوع فِي الْوضُوء، وَالْغسْل إِلَّا إِذا كَانَ عَلَيْهَا شَيْء مِمَّا يجب إِزَالَته فَحِينَئِذٍ يكون وَاجِبا.

وَمِنْهَا: أَن تَقْدِيم الْوضُوء قبل الْغسْل سنة، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ عَن قريب. وَمِنْهَا: أَن ظَاهر قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كَمَا يتَوَضَّأ للصَّلَاة) يدل على أَنه لَا يؤخلا غسل رجلَيْهِ وَهُوَ الْأَصَح من قَول لشافعي. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه يُؤَخر عملا بِظَاهِر حَدِيث ميمونه رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَله قَول ثَالِث: إِن كَانَ الْموضع نظيفاً فَلَا يُؤَخر، وَإِن كَانَ وسخاً أَو المَاء قَلِيلا أخر جمعا بَين الْأَحَادِيث، وَعند أَصْحَابنَا إِن كَانَ فِي مستنقع المَاء يُؤَخر وإلاَّ فَلَا وَهُوَ مَذْهَب مَالك أَيْضا.

وَمِنْهَا: التَّخْلِيل فِي شعر الرَّأْس واللحية لظَاهِر قَوْله: (فيخلل أصُول الشّعْر) وَهُوَ وَاجِب عِنْد أَصْحَابنَا، وَسنة فِي الْوضُوء، وَعند الشَّافِعِيَّة وَاجِب فِي قَول: وَسنة فِي قَول. وَقيل: وَاجِب فِي الرَّأْس وَفِي اللِّحْيَة قَولَانِ للماليكة، فروى ابْن الْقَاسِم عدم الْوُجُوب، وروى أَشهب الْوُجُوب، وَنقل ابْن بطال فِي بَاب: تَخْلِيل الشّعْر، الْإِجْمَاع على تَخْلِيل شعر الرَّأْس، وقاسوا اللِّحْيَة عَلَيْهَا. وَمِنْهَا: أَنه يصب على رَأسه ثَلَاث غرف بيدَيْهِ كَمَا هُوَ فِي الحَدِيث، وَعَن الشَّافِعِيَّة اسْتِحْبَاب ذَلِك فِي الرَّأْس، وَبَاقِي الْجَسَد مثله. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ والقرطبي من الماليكة: لَا يسْتَحبّ التَّثْلِيث فِي الْغسْل، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا يفهم من هَذِه الثَّلَاث أَنه غسل رَأسه ثَلَاث مَرَّات، لِأَن التّكْرَار فِي الْغسْل غير مَشْرُوع لما فِي ذَلِك من الْمَشَقَّة، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك الْعدَد لِأَنَّهُ بَدَأَ بِجَانِب رَأسه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر ثمَّ على وسط رَأسه، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا اغْتسل من الْجَنَابَة دَعَا بِشَيْء نحوالحلاب، فَأخذ بكفه فَبَدَأَ بشق رَأسه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر ثمَّ أَخذ بكفيه، فَقَالَ بهما على رَأسه) رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد على مَا يَجِيء. وَمِنْهَا: أَن قَوْلهَا (ثمَّ يفِيض المَاء على جلده كُله) لَا يفهم مِنْهُ الدَّلْك، وَهُوَ مُسْتَحبّ عندنَا وَعند الشَّافِعِي وَعند أَحْمد وَبَعض الْمَالِكِيَّة وَخَالف مَالك والمزني فذهبا إِلَى وُجُوبه بِالْقِيَاسِ على الوضو، وَقَالَ ابْن بطال وَهَذَا لَازم. قلت: لَيْسَ بِلَازِم، إِذْ لَا نسلم وجوب الدَّلْك فِي الْوضُوء وَمِنْهَا جَوَاز إِدْخَال الْأَصَابِع فِي المَاء." اهـ

 

وقال الإثيوبي في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (7/ 551):

"في فوائده:

1 - (منها): مشروعيّة غسل اليدين قبل الشروع في الوضوء والغسل، وقد تقدّم تمام البحث فيه.

2 - (منها): أن قولها: "غسل يديه" هذا الغسل قبل إدخال اليدين الإناء، وقد تبيّن ذلك مصرّحًا به في رواية زائدة الآتية، بلفظ: "كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ، فغسل يديه قبل أن يُدخل يده في الإناء".

3 - (ومنها): استحباب تقديم الوضوء على الغسل، وقد اختُلف فيه، فذهب الجمهور إلى استحبابه، وذهب بعضهم إلى وجوبه، وأن الغسل لا ينوب___عنه، والراجح قول الجمهور، وقد حقّقت المسألة بأدلتها في "شرح النسائيّ"، فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. [راجع: "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" 4/ 313]

4 - (ومنها): ما قال ابن دقيق العيد - رَحِمَهُ اللهُ -: لا شكّ في استحباب تقديم الوضوء على الغسل، نعم يقع البحث في أن هذا الغسل لأعضاء الوضوء، هل هو وضوء حقيقةً، فيُكتفى به عن غسل هذه الأعضاء للجنابة، فإن موجب الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحد، أو يقال: إن غسل هذه الأعضاء إنما هو عن الجنابة، وإنما قُدّمت على بقيّة الجسد تكريمًا لها وتشريفًا، ويَسقُط غسلها عن الوضوء باندراج الطهارة الصغرى تحت الكبرى، فقد يقول قائلٌ: قولها: "وضوءَ الصلاة" مصدرٌ مشبّهٌ به، وتقديره: وُضوءًا مثل وضوئه للصلاة، فيلزم أن تكون هذه الأعضاء المغسولة مغسولة عن الجنابة، لأنها لو كانت مغسولة عن الوضوء حقيقةً، لكان قد توضّأ عين الوضوء للصلاة، فلا يصحّ التشبيه؛ لأنه يقتضي تغاير المشبّه والمشبّه به، فإذا جعلناها مغسولة للجنابة صحّ التغاير، وكان التشبيه في الصورة الظاهرة.

وجوابه بعد تسليم كونه مصدرًا مشبّهًا به من وجهين:

[أحدهما]: أن يكون شُبّه الوضوء الواقع في ابتداء غسل الجنابة بالوضوء للصلاة في غير غسل الجنابة، والوضوءْ بقيد كونه في غسل الجنابة مغايرٌ للوضوء بقيد كونه خارجًا عن غسل الجنابة، فيحصُلُ التغاير الذي يقتضي صحّة التشبيه، ولا يلزم منه عدم كونه وضوءًا للصلاة حقيقةً.

[الثاني]: لما كان وضوء الصلاة له صورة معنويّة ذهنيّة، شُبّه هذا الفرد الذي وقع في الخارج بذلك المعلوم في الذهن، كأنه يقال: أوقع في الخارج ما يُطابق الصورة الذهنيّة لوضوء الصلاة. انتهى. ["إحكام الأحكام" 1/ 372 - 374]

5 - (ومنها): استحباب تخليل الشعر، ويكون ذلك بمجموع الأصابع العشر؛ لظاهر قولها: "فيُدخل أصابعه في أصول الشعر"، وفي رواية: "ثم يُخلّل شعره بيديه".___

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (7/ 553)

6 - (ومنها): استحباب صبّ الماء على الرأس.

7 - (ومنها): ما قال في "الفتح": واستَدَلّ بقوله: "ثمّ أفاض ... إلخ " مَن لم يشترط الدَّلْك، وهو ظاهرٌ، وقال المازريّ: لا حجة فيه؛ لأن أفاض بمعنى غَسَلَ، والخلاف في الغسل قائمٌ، قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه، والله أعلم.

وقال ابن الملقّن - رَحِمَهُ اللهُ -: فرّق في الحديث بين إفاضة الماء، وبين الغسل، فذكرت إفاضة الماء مجرّدةً بعد حصول التخليل، ثم الغسل [خ 273]، فاستدل به المالكيّة على أن الغسل لا يكون إلا مع الدلك، وإلا فلا فائدة للتفرقة، وأنصف المازريّ المالكيّ، فقال: الحديث حخة للشافعيّة على عدم وجوب الدلك؛ لأن إفاضة الماء تكون مع الدلك ودونه، بخلاف الغسل، فيُحمل المطلق على المقيّد. انتهى ["الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" 2/ 29 - 30]

8 - (ومنها): أن القاضي عياضًا قال: لم يأت في شيء من الروايات في وضوء الغسل ذِكْرُ التكرار.

فتعقّبه الحافظ، وأجاد فيه، فقال: بل ورد ذلك من طريق صحيحة، أخرجها النسائيّ، والبيهقيّ، من رواية أبي سلمة، عن عائشة - رضي الله عنها -، أنها وَصَفَت غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الجنابة، وفيه: "ثم يتمضمض ثلاثًا، وششنشق ثلاثًا، ويغسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا، ثم يُفيض على رأسه ثلاثًا". انتهى ["الفتح" 1/ 430].

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذا استحباب التثليث في وضوء الغسل؛ لهذا النصّ الصريح، ولظاهر قولها: "توضّأ وضوءه للصلاة"، فإنكار القاضي عياض، والقرطبيّ، وغيرهما لاستحباب التثليث في الوضوء المذكور___لا ينبغي أن يُلتفت إليه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

9 - (ومنها): بيان أن أفعال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كلّها حجةٌ كأقواله، إلا ما كان خصوصيّةً له، وهي لا تثبت إلا بدليل خاصّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

10 - (ومنها): أن النوويّ - رَحِمَهُ اللهُ - لخّص في "شرحه" كيفيّة غسل الجنابة، فأجاد، وأفاد، فقال - رَحِمَهُ اللهُ -: قال أصحابنا: كمال غسل الجنابة أن يبدأ المغتسل، فيغسل كفيه ثلاثًا قبل إدخالهما في الإناء، ثم يغسل ما على فرجه، وسائر بدنه من الأذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة بكماله، ثم يُدخل أصابعه كلها في الماء، فيغرف غرفة يُخَلِّل بها أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يَحْثِي على رأسه ثلاث حثيات، ويتعاهد معاطف بدنه، كالإبطين، وداخل الأذنين، والسُّرَّة، وما بين الأليتين، وأصابع الرجلين، وعُكَن البطن، وغير ذلك، فيوصل الماء إلى جميع ذلك، ثم يُفِيض على رأسه ثلاث حثيات، ثم يُفيض الماء على سائر جسده ثلاث مرات، يَدلُك في كل مرّة ما تصل إليه يداه من بدنه، وإن كان يغتسل في نهر أو بِرْكةٍ انغمس فيها ثلاث مرّات، ويوصل الماء إلى جميع بشرته، والشعورِ الكثيفة والخفيفة، وَيعُمّ بالغسل ظاهر الشعر وباطنه، وأصول منابته.

والمستحب أن يبدأ بميامنه، وأعالي بدنه، وأن يكون مستقبل القبلة.

قال الجامع عفا الله عنه: يدلّ على استحباب استقبال القبلة في حالة الوضوء، ما أخرجه الطبرانيّ بإسناد حسن، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

"إن لكل شيء سيِّدًا، وإن سيد المجالس قُبَالةُ القبلة" [صححه الشيخ الألبانيّ في: "السلسلة الصحيحة" 6/ 300]، والله تعالى أعلم.

قال: وأن يقول بعد الفراغ: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وينوي الغسل من أول شروعه فيما ذكرناه، ويَستصحب النية إلى أن يفرغ من غسله، فهذا كمال الغسل.___

والواجب من هذا كله النية في أول ملاقاة أول جزء من البدن للماء، وتعميم البدن شعره وبشره بالماء، ومن شرطه أن يكون البدن طاهرًا من النجاسة، وما زاد على هذا مما ذكرناه سنة.

وينبغي من اغتسل من إناء كالإبريق ونحوه، أن يتفطن لدقيقة قد يَغفُل عنها، وهي أنه إذا استنجى، وطَهَّر محل الاستنجاء بالماء، فينبغي أن يغسل محل الاستنجاء بعد ذلك بنية غسل الجنابة؛ لأنه إذا لم يغسله الآن رُبَّما غفل عنه بعد ذلك، فلا يصحّ غسله لترك ذلك، وإن ذكره احتاج إلى مسّ فرجه، فينتقض وضوؤه، أو يحتاج إلى كُلْفة في لَفّ خِرْقة على يده، والله أعلم.

قال الجامع عفا الله عنه: غسل محلّ الاستنجاء مرّة ثانيةً محلّ نظر، بل الذي يظهر لي أنه حينما يسنتجي أوّلًا ينوي به إزالة الجنابة أيضًا، فلا يحتاج لغسله مرّةً ثانيةً، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.

قال: هذا مذهبنا، ومذهب كثيرين من الأئمة، ولم يوجب أحد من العلماء الدلك في الغسل، ولا في الوضوء إلا مالك، والمزنيّ، ومن سواهما يقول: هو سنة، لو تركه صحت طهارته في الوضوء والغسل، ولم يوجب أيضًا الوضوء في غسل الجنابة إلا داود الظاهريّ، ومن سواه يقولون: هو سنة، فلو أفاض الماء على جميع بدنه من غير وضوء، صَحّ غسله، واستباح به الصلاة وغيرها، ولكن الأفضل أن يتوضأ كما ذكرنا، وتحصل الفضيلة بالوضوء قبل الغسل أو بعده.

قال الجامع عفا الله عنه: حصول الفضيلة بالوضوء بعد الغسل فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه خلاف السنّة، فتبصّر، والله تعالى أعلم.

قال: وإذا توضأ أوّلًا لا يأتي به ثانيًا، فقد اتَّفَقَ العلماء على أنه لا يُستحب وضوءان، فهذا مختصر ما يتعلق بصفة الغسل، وأحاديث الباب تدل على معظم ما ذكرناه، وما بقي فله دلائل مشهورة، والله تعالى أعلم.

(واعلم): أنه جاء في روايات عائشة - رضي الله عنها -، في صحيح البخاري ومسلم: أنه - صلى الله عليه وسلم - توضأ وضوءه للصلاة قبل إفاضة الماء عليه، فظاهر هذا أنه - صلى الله عليه وسلم - أكمل الوضوء بغسل الرجلين، وقد جاء في أكثر روايات ميمونة - رضي الله عنها -: توضأ، ثم أفاض الماء عليه، ثم تنحى فغسل رجليه، وفي رواية من حديثها، رواها____

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (7/ 556)

البخاريّ: توضأ وضوءه للصلاة غير قدميه، ثم أفاض الماء عليه، ثم نَحَّى قدميه، فغسلهما، وهذا تصريح بتأخير القدمين.

وللشافعي رحمه اللهُ قولان، أصحهما وأشهرهما، والمختار منهما أنه يُكَمّل وضوءه بغسل القدمين، والثاني أنه يؤخر غسل القدمين، فعلى القول الضعيف، يتأول روايات عائشة، وأكثر روايات ميمونة على أن المراد بوضوء الصلاة أكثره، وهو ما سوى الرجلين، كما بيّنته ميمونة في رواية البخاريّ، فهذه الرواية صريحة، وتلك الرواية محتملة للتأويل، فيُجْمَع بينهما بما ذكرناه.

وأما على المشهور الصحيح، فيُعْمَل بظاهر الروايات المشهورة المستفيضة عن عائشة وميمونة - رضي الله عنهما - جميعًا في تقديم وضوء الصلاة، فإن ظاهره كمال الوضوء، فهذا كان الغالب والعادة المعروفة له - صلى الله عليه وسلم -، وكان يعيد غسل القدمين بعد الفراغ؛ لإزالة الطين، لا لأجل الجنابة، فتكون الرجل مغسولة مرتين، وهذا هو الأكمل الأفضل، فكان - صلى الله عليه وسلم - يواظب عليه، وأما رواية البخاريّ، عن ميمونة - رضي الله عنها -، فجرى ذلك مرةً، أو نحوها؛ بيانًا للجواز، وهذا كما ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومرةً مرةً، فكان الثلاث في معظم الأوقات؛ لكونه الأفضل، والمرة في نادر من الأوقات؛ لبيان الجواز، ونظائر هذا كثيرةٌ.

وأما نية هذا الوضوء، فينوى به رفع الحدث الأصغر إلا أن يكون جنبًا، غير محدث، فإنه ينوي به سنة الغسل. انتهى كلام النوويّ - رَحِمَهُ اللهُ – ["شرح مسلم" 3/ 228 - 230]،

وهو تحقيق جيّد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

وقال الإثيوبي في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (4/ 456_457):

"في فوائده:

منها أن قولها "كان" يدل على الملازمة والتكرار، قال ابن دقيق العيد رحمه الله: يقال: كان يفعل كذا، بمعنى أنه تكرر منه فعله، وكان عادته، كما يقال: كان يقري الضيف، "وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المرسلة"، وقد تستعمل "كان" لإفادة مجرد الفعل، ووقوع الفعل، دون الدلالة على التكرار، والأول أكثر في الاستعمال، وعليه ينبغي حمل الحديث.

ومنها أن قولها: "كان إذا اغتسل" يحتمل أن يكون من باب التعبير بالفعل عن إرداة الفعل، كما في قوله تعالى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] ويحتمل أن يكون قولها: "اغتسل" بمعنى شرع في الغسل، فإنه يقال: فعل إذا شرع، وفعل إذا فرغ، فإذا حملنا "اغتسل" على شرع صح ذلك؛ لأنه يمكن أن يكون___الشروع وقتا للبدأة بغسل اليدين، وهذا بخلاف {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} فإنه لا يمكن أن يكون وقت الشروع في القراءة وقتًا للاستعاذة. قاله ابن دقيق العيد. في إحكامه ج 1 ص 368.

ومنها: مشروعية غسل اليدين قبل الشروع في الوضوء والغسل، وقد تقدم حكمه في 1/ 1.

ومنها: تقديم الوضوء على الغسل، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة التالية.

ومنها: أن ظاهر قولها "كما يتوضأ للصلاة" يفيد أنه لا يؤخر غسل الرجلين، وقد تقدم الكلام عليه قريبا، وهو الأصح من قولي الشافعي، كما قال العيني، والقول الثاني أنه يؤخِّر عملا بظاهر حديث ميمونة رضي الله عنها, وله قول ثالث إن كان الموضع نظيفًا فلا يؤخر، وإن كان وسخًا، أو الماء قليلا أخّر جمعَا بين الأحاديث، وعند الحنفية إن كان في مُستَنْقَع الماء يؤخر وإلا فلا، وهو مذهب مالك.

ومنها: التخليل في شعر الرأس.

ومنها: صب الماء على الرأس ثلاث مرات." اهـ

 

وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (1/ 260_261):

"وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي وَصْفِ الِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ مِنْ أَحْسَنِ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ وَفِيهِ فَرْضٌ وَسُنَّةٌ

فَأَمَّا السُّنَّةُ فَالْوُضُوءُ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَحَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَغَيْرِهِمَا فَإِنْ لَمْ يَتَوَضَّأِ الْمُغْتَسِلُ لِلْجَنَابَةِ قَبْلَ الْغُسْلِ وَلَكِنَّهُ عَمَّ جَسَدَهُ وَرَأَسَهُ وَيَدَيْهِ وَجَمِيعَ بَدَنِهِ بِالْغَسْلِ بِالْمَاءِ وَأَسْبَغَ ذَلِكَ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ إِذَا قَصَدَ الْغُسْلَ وَنَوَاهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا افْتَرَضَ عَلَى الْجُنُبِ الْغُسْلَ دُونَ الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) النِّسَاءِ 43 وَقَوْلُهُ (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) الْمَائِدَةِ 6

وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِيهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَّا أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ أَيْضًا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ لِلْجُنُبِ تَأَسِّيًا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ وَلِأَنَّهُ أعون عَلَى الْغُسْلِ وَأَمَّا الْوُضُوءُ بَعْدَ الْغُسْلِ فَلَا وَجْهَ لَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ

وَقَدْ رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عن عائشة قالت كان النبي علي السَّلَامُ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ

وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ لِحَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ((فَيُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ يُفْرِغُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ))

وَأَيُّوبُ ثِقَةٌ حَافِظٌ

قَالَ أَيُّوبُ فَقُلْتُ لِهِشَامٍ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ لَا يُعِيدُ الْمُغْتَسِلُ غَسْلَهَا فِي غَسْلِهِ لِأَنَّهُ قَدْ غَسَلَهَا فِي وُضُوئِهِ

وَالِابْتِدَاءُ بِالْوُضُوءِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي الْغُسْلِ سُنَّةً مَسْنُونَةً فِي تَقْدِيمِ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ خَاصَّةً لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْغُسْلِ رُتْبَةٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ___بَابِ السُّنَّةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ الْفَرْضِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُعِيدَ تِلْكَ الْأَعْضَاءَ بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ غَسَلَهَا وَقَدَّمَ الْغُسْلَ لَهَا عَلَى سَائِرِ الْبَدَنِ

وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يُعَادُ بَعْدَ الْغُسْلِ مَنْ أَوْجَبَ مِنْهُمُ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا فَدَلَّ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ

 

قال البسام _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 396_397):

* ما يؤخذ من الحديث:

1 - في هذا الحديث صِفَةُ غُسْل النَّبي -صلى الله عليه وسلم- من الجنابة ترويها عائشة رضي الله عنها.

2 - استحبابُ البداءة بغَسْلِ يديه؛ لأنَّ اليدين هما أداةُ غَرْفِ الماء، وأداةُ دلك الجسد، فينبغي طهارتهما قبل كُلِّ شيءٍ، والمرادُ باليدين عند الإطلاق هما الكَفَّان.

3 - إفراغُ الماء من اليد اليُمْنَى على اليد اليسرى، التي ستباشر غسل الفرج، الذي عليه آثارُ الجماع، فاليمنَى لتناوُلِ الماء، واليسرى لإزالة الأذى.

4 - البداءةُ بغَسْلِ الفرج قبل بقيَّة البدن؛ لإزالةِ الأذى الَّذي عليه؛ لأنَّ غسله: إمَّا لإزالةِ نجاسة تجبُ إزالتها، أو لإزالةِ وساخةِ ينبغي إزالتها أيضًا، وتكون إزالةُ النجاسات والأوساخ قبل رَفْعِ الحدث.

5 - بعد غسله فرجَهُ بشماله، يمسح يده بالتراب؛ وذلك لإزالة اللزوجة العالقة بها، من غسل الفرج المتلوِّث بالنجاسة أو المني، وليَكُونَ ذلك عند إزالة الأذى.

6 - ثمَّ يتوضَّأ بغَسْلِ ما يغسل من أعضاء الوضوء، ومَسْح ما يمسح منها، فرَفْعُ الحدث الأصغر يكونُ قبل رفع الأكبر.

7 - ثمَّ يروِّي بالماء أصول شعره، فإنَّه لو صَبَّ الماء على الشعر الكثيف بدون تخليلِ وتعاهدِ أصوله، لم يَصِلِ الماء إلى أصولها، ولا إلى ما تحتها من البشرة.

8 - ثمَّ يَصُبُّ الماء على رأسه بثلاث حفنات، ليعمَّ الماء ظاهر الشعر وباطنه.

9 - ثمَّ يغسل سائر جسده، ويفيض الماء عليه مرَّةً واحدة، وظاهر النص أنَّه دون أعضاءِ الوضوء التي سبَقَ غسلها، وهو الَّذي يدل لفظ "سائر"؛ فإنَّ السائر هو الباقي.

10 - المشهورُ من المذهب: استحبابُ غسل البدن ثلاثَ مرَّات، ولكن الحديث___يدل على أنَّه لا يشرع غسل البدن إلاَّ مرَّةً واحدة؛ فإنَّ التثليث لم يرد إلاَّ في غسل الرَّأس، وهذا هو الصحيح، والله أعلم.

11 - ثمَّ خصَّ رجليه بالغسل في آخر الأمر؛ لأنَّ كل ما تحدَّر من جسده من أوساخٍ وفضلاتٍ أصابت رجليه، فكان حقُّهما أنْ يطهَّرا بعد ذلك؛ لإزالة ما عَلِقَ بهما، وما نزَلَ عليهما.

وفي بعض ألفاظ حديث ميمونة: "ثُمَّ تنحَّى عن مقامه ذلك، فغسل رجليه"؛ وهذا أبلغ في تنظيفهما.

12 - ذكر المؤلِّف في صفة غُسْل النَّبي -صلى الله عليه وسلم- حديثين: حديث عائشة، وحديث ميمونة:

فأمَّا حديث عائشة: فذكرت الوضوء، وقالت في إحدى رواياته: "ثمَّ توضَّأ وضوءه للصلاة"، ثمَّ قالت؛ "ثمَّ غسل رجليه"؛ ممَّا يفيد أنَّه كرَّر غسل الرجلين في أوَّل الغسل وآخره.

وأمَّا حديثُ ميمونة: فذكرت الوضوء إلاَّ غسل الرجلين، ثمَّ قالت: "ثمَّ تنحَّى مِنْ مقامه، فغسل يديه"، ممَّا يفيد أنَّه لم يغسل رجليه إلاَّ مرَّةً واحدة، بخلاف ما جاء في حديث عائشة من أنَّه توضَّأ وضوءه للصلاة، ثمَّ قالت: "ثمَّ غسل رجليه".

قال الحافظ: "ثمَّ غسل رجليه" أي: أعاد غسلهما لاستيعاب الغسل بعد أنْ كان غسلهما في الوضوء؛ فيحمل هذا على حالةٍ أخرى.

13 - كراهة التنشيف بالمنديل ونحوه بعد الغسل أو الوضوء؛ لأنَّ ما على البدن أو على أعضاءِ الوضوء هو مِنْ أثر العبادة، فينبغي بقاؤُهَا واستصحابها، ويكتفي بنفض زائد الماء باليد دون إزالته.

14 - هذه الصفة هي أفضلُ الصفات للغُسْلِ من الجنابة، فقد جمعَتْ بين تنظيف أداة الغسل، وغَسْلِ الأذى، وترويةِ أصول الشعر، وإسباغِ الوضوء

 

وقال العثيمين في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" - ط المكتبة الإسلامية (1/ 341_343):

الفائدة قوله: "وغسله بشماله"؛ حيث نصت على أن غسل الفرج يكون بالشمال، "ثم ضرب بها الأرض" أي: ضرب بشماله الأرض بعد أن غسل فرجه، وفي لفظ: "أو الحائط مرتين أو ثلاثا"؛ لأن ذلك أبلغ في سرعة إزالة ما علق بها، وكان الماء قليلا يحتاج إلى أن يزاد في الغسل بالضرب على الأرض أو على الحائط ليكون أبلغ في التطهير، وفي رواية: "مسحها بالتراب"؛ وهي بمعنى ضرب بها الأرض، وفي آخره: "ثم أتيته بالمنديل فرده"، وفيه: "وجعل ينفض الماء بيده" رد المنديل، يعني: لم يتمنندل به، "وجعل ينفض الماء بيده" يعني: يسلته عن جسده وينفضه.

هذا الحديث فيه بيان الغسل من الجنابة على الوجه الأكمل كما سمعتم، والواجب: هو أن يفيض الماء على سائر جسده على أي وجه كان سواء بدأ بالوضوء، أو بدأ بالرأس، أو بدأ بالجنب، أو بدأ بالأسفل، المهم أن يعم الماء جميع بدنه.

فإن قال قائل: ما هو الدليل على أن الواجب هو أن يعم الماء جميع البدن؟

قلنا: قوله - تبارك وتعالى-: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6]. ولم يذكر الله تعالى البداءة بشيء دون آخر.

فلو قال قائل: هذا لفظ مجمل بينه فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟

قلنا: نعم، هذا وجيه لولا أن السنة جاءت ببيان أنه ليس بواجب، أي: هذه الصفة التي ذكرتها عائشة وهي ما ثبت في البخاري في قصة الرجل الذي اعتزل القوم ولم يصل معهم، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: أصابتني جنابة ولا ماء. فقال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك"، ثم حضر الماء فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ماء، فقال: "خذ هذا فأفرغه على نفسك". ولم يذكر له الكيفية التي ذكرت في حديث عائشة، ولو كانت واجبة لبينها النبي صلى الله عليه وسلم، لأن المقام يحتاج إلى البيان.

ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز للمرأة أن تصرح بما قد يستحيا منه لبيان الحق، لقولها: "إذا اغتسل من الجنابة"، ومعلوم أن أم المؤمنين عائشة هي إحدى زوجاته، وأنه سيكون جنبا منها ومن غيرها، ومثل هذا قد يستحيا منه، لكن إذا كان لبيان الحق فإنه لابد منه.___

ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي أن يغتسل الإنسان على هذه الكيفية المذكورة.

ومن فوائده: أنه يبدأ بالوضوء قبل الغسل؛ لقوله: "ثم يتوضأ ... إلخ"،

وهل هذا الوضوء يكفي عن الوضوء مرة ثانية بعد الاغتسال؟ الجواب: نعم، بل لو أنه أفاض الماء على سائر جسده دون أن يتوضأ كفاه عن الوضوء؛ لأن الله لم يذكر في الجنب إلا أن يتطهر، ولم يذكر الوضوء،

نعم، لو مس ذكره في أثناء الغسل، وقلنا بوجوب الوضوء من مس الذكر مطلقا؛ فهنا نقول: حصل حدث في أثناء الغسل فيجب أنيتوضأ له أما على القول بأنه لا ينتقض الوضوء بمس الذكر إلا إذا كان لشهوة كما هو القول الراجح فإنه لا يضره إذا مس ذكره في أثناء الاغتسال.

ومن فوائد هذا الحديث: العناية بغسل الرأس في الجنابة، وأنه يجب إيصال الماء إلى أصول الشعر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ومثل هذا لا يفعل إلا إذا كان واجبا لما في ذلك من المشقة على الإنسان في إيصال الماء إلى أصول الشعر؛ ولأنه إذا كان في أيام الشتاء سيكون فيه مشقة أخرى بعد الاغتسال.

ومن فوائد هذا الحديث: تكرار غسل الرأس ثلاث مرات بعد إدخال الماء إلى أصول الشعر لقولها: "ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات".

ومن فوائده: أنه لا ينبغي تكرار الغسل في بقية البدن لقولها: "ثم أفاض على سائر جسده"، ولم تذكر التثليث، وهذا هو القول الراجح، وقال بعض أهل العلم: بل يسن التثليث قياسا على الوضوء، والصواب عدم ذلك؛ يعني: عدم صحة ذلك القياس، وأنه يكتفي بغسله مرة واحدو.

ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يشترط الدلك وهو كذلك، لأنه لم يذكر في الحديث أن الرسول كان يدلك بدنه، لكن إذا خاف الإنسان ألا يعم الماء بدنه فينبغي أن يمر يده حتى يتيقن، لاسيما إذا كان قد ابطأ في غسل البدن فإنه يكون فيه شيء من الدهن ربما يزيل الماء عن بعض البدن فيحتاج أن يمسحه بيده حتى يتأكد من وصول الماء إلى سائر جسده.

ومن فوائده: مشروعية غسل الرجلين بعد انتهاء الغسل، ولكن هذا مقيد بما إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأنه لم يذكر في رواية البخاري أنه غسل رجليه بعد الغسل، فالظاهر - والله أعلم-: أن هذا فيما إذا احتيج إليه، وأن الرسول يغسلها أحيانا ولا يغسلها أحيانا.

ومن فوائد هذا الحديث: أن الفرج يغسل بالشمال، سواء كان ذلك عن استنجاء أو عن جنابة، أو غير ذلك، ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول".

ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا كان الماء قليلا فينبغي للإنسان أن يستعمل ما يساعد على___التنظيف بسرعة كالضرب باليد على الحائط، أو على الأرض كما جاء ذلك في حديث ميمونة رضي الله عنها.

ومن فوائد هذا الحديث: جواز التمسح بالمنديل؛

وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه، وإنما ردها لاحتمال أن تكون المنديل فيه شيء من الوسخ، أو خاف ان يشق على الأمة، أو ما أشبه ذلك، ويدل لهذا أنه لولا أنه من عادة الرسول - عليه الصلاة والسلام- انه يستعملها ما جاءت بها ميمونة فالظاهر أن هذا كان معتادا لكن ردها لسبب من الأسباب.

ومن فوائد هذا الحديث: جواز نفض الماء باليد، واما ما ورد من النهي عن ذلك فإنه ضعيف لا تقوم به حجة، فالصواب أنه يجوز للإنسان أن يتمندل، وإذا لم يفعل فلا حرج أن ينفض الماء بيده." اهـ

 

قال الألباني في الإرواء (1/ 169) (رقم: 138):

"وقد استُدِل بالحديث أن من سُنن الغسل: إزالة الأذى , والوضوء قبله , وإفراغ الماء على الرأس ثلاثا , وعلى بقية جسده ثلاثا , والتيامن , والموالاة , وإمرار اليد على الجسد وإعادة غسل رجليه بمكان آخر،

وأما إعادة غسل الرجلين فليس ذلك في الحديث صراحة , وإنما استنبط ذلك المؤلف تَبَعًا لغيره من قول عائشة في أول حديثها: " توضأ وضوءه للصلاة " فإنه بظاهره يشمل غسل الرجلين أيضا ومن قولها في آخره: " ثم غسل سائر جسده " , فإنه يشمل غسلهما أيضا , بل قد جاء هذا صريحا في صحيح مسلم بلفظ: " ثم أفاض عل سائر جسده ثم غسل رجليه " ,

وله طربق أخرى عند الطيالسي في مسنده , ونحوه في مسند أحمد ,

ثم وجدت ما يشهد للظاهر من أول حديثها وهو ما أخرجه أحمد من طريق الشعبي عنها قالت:

" أن رسول الله - صلى اللهُ عليه وسلَّم - إذا اغتسل من الجنابة بدأ فتوضأ وضوءه الصلاة وغسل فرجه وقدميه .. الحديث " , لكن الشعبي لم يسمع من عائشة كما قال ابن معين والحاكم ,

وأما حديث ميمونة فتقدم نصه من المؤلف (131) وذكرت من هناك أقرب الألفاظ إلى لفظه وفيه: " ثم ننحى فغسل رجليه "

وفي رواية للبخاري:

" قالت: توضأ رسول الله - صلى اللهُ عليه وسلَّم - وضوءه للصلاة غير رجليه " , قلت: وهذا نصٌّ على جواز تأخير غسل الرجلين في الغسل بخلاف حديث عائشة, ولعله - صلى اللهُ عليه وسلَّم - كان يفعل الأمرين: تارة يغسل رجليه مع الوضوء فيه , وتارة يؤخر غسلهما إلى آخر الغسل. والله أعلم. أ. هـ

 

ملحق الحديث:

الفوائد المستنبطة من حديث عائشة وميمونة في صفة غسل النبي ﷺ

1_ فيه: دقّة نقل الصحابيات لأفعال النبي ﷺ في بيته،

فإن رواية عائشة وميمونة _رضي الله عنهما_ تدل على أن أمهات المؤمنين كنَّ ينقلن دقائق أحواله ﷺ في بيته، مما يُبرز عناية الصحابة بحفظ أحكام الشريعة حتى في الأمور الخاصة.

2_ فيه: أن الغسل عبادة، له هيئة شرعية محددة،

فالتفصيل الدقيق في الروايات يثبت أن الغسل من الجنابة ليس عملًا عشوائيًّا، بل عبادة لها ترتيب وهيئة، وهذا أصل في متابعة السنة.

3_ فيه: أن الطهارة الكبرى شريعة كاملة بحدودها وآدابها، إذ تتضمن إزالة النجاسة، وإيصال الماء، والتخليل، والترتيب، مما يدل على عظمة عناية الإسلام بالطهارة.

4_ فيه: استحباب غَسْل اليدين قبل إدخالهما الإناء،

وذلك احتياطًا للطهارة، لئلّا يكون على اليدين نجاسة أو أذى فيلوّث الماء، وفيه مراعاةٌ لنقاء الوسيلة قبل استعمالها.

5_ فيه: تكريم اليمين وتنزيهها عن مباشرة الأذى،

فكان ﷺ يَصبُّ بيمينه على شماله لغسل الفرج، مما يدل على تكريم اليمين وتنزيهها عن مباشرة الأذى.

6_ فيه: أن غسل اليدين أولًا يُهيِّئ المتطهّر للوضوء والغسل على طهارة كاملة، وهو أدب شرعي يُرَسِّخ النظافة قبل الدخول في عبادة أعظم.

7_ فيه: أن غسل الفرج مقدَّم على الوضوء في الغسل من الجنابة، لأنه موضع الأذى، وإزالته تُعدّ مقدمة لازمة قبل مباشرة الوضوء الشرعي.

8_ فيه: مشروعية صبِّ الماء باليمين على الشمال لغسل الفرج، جمعًا بين تطهير الموضع وتعظيم اليمين عن مباشرة النجاسة.

9_ فيه: استحباب دلك اليد بالأرض أو الحائط بعد غَسل الفرج كما رواية ميمونة _رضي الله عنها_، والمقصود بذلك: تنظيفُ اليد وإزالةُ أثر النجاسة، فيستفاد منه جواز استعمال الأجسام الصلبة في إزالة الروائح أو الأوساخ العالقة.

10_ فيه: استحباب الوضوء الكامل قبل الغُسْل، كما في قولها: "يتوضأ وضوءه للصلاة"، وهذا الترتيب يُكمّل الطهارة ويُيسّر إفاضة الماء بعده.

11_ فيه: أن ترتيب الطهارات مقصد شرعي، فبدأ بغسل اليدين، ثم الفرج، ثم الوضوء، ثم إفاضة الماء، وهذا يُدلّ على أن العبادات مبنية على النظام والترتيب.

12_ فيه: جواز تأخير غسل القدمين إلى آخر الغسل، وذلك إذا كان المكان قد يتقاطر فيه الماء المستعمل، فيُؤخّر غسلهما حتى ينتقل إلى موضع آخر.

13_ فيه: مشروعية تخليل الشعر قبل صبّ الماء،

وهذا لضمان وصول الماء إلى جميع منابت الشعر، وهو من كمال إسباغ الطهارة.

14_ فيه: وجوب تيقّن وصول الماء إلى البَشَرَةِ،

كما في قوله: "حتى يستبرئ البشرة"، أي: حتى يتيقّن وصول الماء إلى أصل الشعر والجلد.

15_ فيه: أن السنة ثلاث حثيات على الرأس،

وهذا القدر كافٍ في تطهير الرأس، وهو من هدي النبي ﷺ الدال على التيسير وعدم المبالغة.

16_ فيه: تقديم التخليل على الحثي يدل على عناية الشريعة بالإسباغ، فلا يُكتفى بمجرد إفاضة الماء ما لم يتيقّن دخول الماء إلى الأصول.

17_ فيه: أن السنة تعميم البدن كله بالماء، وهو الركن الأساسي في الغُسل من الجنابة، ولا يتم بدونه.

18_ فيه: جواز صبِّ الماء مباشرةً على البدن من الإناء، وهذا من التيسير ورفع الحرج، خصوصًا مع قلة الماء.

19_ فيه: أن النبي ﷺ كان يعتني بألا يترك موضعًا من الجسد، إلا ويُفيض عليه الماء، وفيه كمال إسباغ الغسل، والحرص على إزالة آثار الجنابة.

20_ فيه: بيان أن مسمّى (الغسل) في اللغة يشمل الدلك والصبّ والإفاضة، كما نصّ عليه ابن عبد البر، وهذا يُعين الفقهاء في تفسير النصوص المطلقة في الطهارة.

21_ فيه: أن إيصال الماء كافٍ ولو دون دلك، ما دام الماء قد عمّ البشرة، وهذا أصل مهم في باب الطهارة.

22_ فيه: أن الدلك قد يُشرع في مواضع النجاسات، كما أمر النبي ﷺ أسماءَ بفرك دم الحيض، فيدل ذلك على فرقٍ بين الغسل التعبّدي والغسل لإزالة النجاسة.

23_ فيه: بيان صفة صبّ الماء على الفرج بيده ثم غسله بشماله، وهو أدب يجمع بين النظافة وتعظيم اليمين.

24_ فيه: دلك اليد بالأرض أو الحائط بعد غسل الفرج، ففيه فقه إزالة النجاسة بالأشياء الخشنة، لا بالماء فقط.

25_ ورواية ميمونة تثبت المضمضة والاستنشاق ضمن الوضوء قبل الغُسل، وهذا يؤكد أنه ﷺ كان يتوضأ كاملًا، لا وضوءًا ناقصًا.

26_ فيه: أنه ﷺ كان يتنحّى بعد غسل بدنه ليغسل رجليه خشية أن يصيب قدميه ماء فيه وسخ، وهو دليل على العناية بالطهارة والنزاهة.

27_ فيه: كمال عناية النبي ﷺ بالطهارة الظاهرة، مما يدل على رفعة شأن الطهارة في الإسلام.

28_ فيه: أن ترتيب الغسل يربي المسلم على التنظيم في عباداته، لأن الطهارة مقدمة الصلاة،

29_ فيه: أن نقل النساء لأحكام الغسل نعمةٌ عظيمة على الأمة، إذ لا يمكن معرفة هذه الأحكام إلا منهن.

30_ فيه: شمولية الشريعة لكل تفاصيل الحياة حتى في كيفية غسل الجسد، مما يدل على كمال هذا الدين في تشريعاته.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ