انحراف القدرية وشبهتهم مع الرد عليها - وأصنافهم
أولًا: انحراف القدرية
القدرية هم الذين أنكروا قَدَرَ الله السابق،
وزعموا أن الله لم يقدِّر أعمال العباد قبل وقوعها، وأن أفعال الإنسان تقع مستقلة
عن إرادة الله ومشيئته.
وهذا الانحراف ظهر في أواخر عصر الصحابة رضي الله
عنهم، ولهذا قال ابن عمر رضي الله عنهما في أولئك القائلين:
«فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ
أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي»، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ
عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا،
فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ» [صحيح مسلم
(1/ 37) (رقم: 8)]
وقد اتفق السلف على أن إنكار العلم السابق والكتابة
السابقة كفرٌ صريح، لأنه يعني أن الله لم يعلم الأشياء قبل وقوعها، تعالى الله عن
ذلك.
ثانيًا: شبهة القدرية
أبرز شبهة لهم هي قولهم:
"إن القول بأن الله قدَّر على العبد
أفعاله يستلزم أنه مجبور، وأنه لا اختيار له، وهذا يتنافى مع العدل؛ لأن الله لا
يحاسب العبد على عمل أجبره عليه."
ويستدلون بقولهم:
"لو كانت أعمالنا مقدّرة لما كان للثواب
والعقاب معنى."
"الله عدل، فلا يمكن أن يخلق في الإنسان
المعصية ثم يعاقبه عليها."
ثالثًا: ردود أهل السنة على
شبهتهم
1. الجمع بين القدر
والاختيار
أهل السُّنّة يثبتون أمرين متلازمين لا يتناقضان:
* الله قدَّر كل شيء وخلقه وكتبه وشاءه.
* العبد فاعل حقيقةً، مختارٌ غير مجبور.
قال تعالى:
{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ
اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29]
{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ}
[التكوير: 28]
فالعبد يشاء ويريد ويعمل، لكن مشيئته تابعة لمشيئة
الله، وليست مستقلة عنها.
2. إثبات قدرة العبد
الله أثبت للعبد:
* إرادةً: {إِنَّهَا
لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ
يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37)} [المدثر: 35 - 37]
* قدرةً: {لَا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]
وكل هذا يدل على أن الإنسان غير مجبور، وإنما يعمل
بإرادته، لكن إرادته مخلوقة لله.
3. الفرق بين الخلق والفعل
من أخطر أخطاء القدرية: أنهم لم يفرِّقوا بين:
* خلق الله للفعل،
* فعل العبد للفعل.
فالطاعة والمعصية من فعل العبد اختيارًا، لكن الله
هو خالق قدرة العبد وإرادته.
كما أن الله خلق النار، لكنه لا يُقال إنه هو الذي
"حَرَّق" الفراش! بل المحرِّق حقيقة هو النار التي خلقها الله.
وهكذا: خلَق الله قدرة العبد، والعبد هو الذي يفعل.
4. نقض شبهتهم بالعقل
لو كان العبد يخلق فعل نفسه كما تزعم القدرية،
للزم:
* أن يكون في الكون خالقان: الله والعبد!!
* وأن يخرج جزء من خلق الله عن سلطانه
وإرادته!
وهذا باطل عقلاً وشرعًا!
كما أن الإنسان يجد في نفسه الفرق بين:
العمل الاختياري: كالقيام والقعود.
والعمل الاضطراري: كالرعشة والسقوط.
فالاختياري يحاسب
عليه، والاضطراري لا يُحاسَب عليه؛ مما يدل على
وجود اختيار حقيقي.
5. نقض شبهتهم بالنصوص
النصوص الكثيرة تثبت القدر وتقرر مسؤولية العبد
معًا:
{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }
[القمر: 49]
{فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ
فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا} [الكهف: 29]
حديث جبريل: "تؤمن بالقدر خيره وشره". [م]
فهذه النصوص شاملة لكل أركان القدر، مع إثبات
اختيار الإنسان.
رابعًا:
موقف السلف من القدرية
اتفق السلف على أن:
من أنكر علم الله السابق فهو كافر.
من أثبت العلم وأنكر المشيئة والخلق والكتابة فهو
مبتدع ضال.
وقد سماهم بعض السلف: "مجوس هذه الأمة"
لأنهم أثبتوا خالقين للأفعال.
خامسًا:
خلاصة علمية
القدرية أخطؤوا من جهتين:
1. إنكار عموم قدر الله ومشيئته.
2. خلطوا بين الجبر والاختيار، فظنوا أنهما
لا يجتمعان.
بينما أهل السنة وسط بين:
القدرية الذين جعلوا الإنسان خالقًا لفعله،
والجبرية الذين سلبوا الإنسان اختياره.
أصناف
القدرية
القدرية ليسوا فرقة واحدة، بل هم طوائف تتدرج في
الإنكار، وقد ذكر العلماء –كالإمام أحمد، الطبري، ابن تيمية، وابن القيم – أن
القدرية ينقسمون إلى درجتين رئيسيتين، ثم تتفرع منهما أقسام أخرى:
أولًا: القدرية الغلاة (النفاة الأُوَل)
هؤلاء هم أول من ظهر في الإسلام في أواخر عهد
الصحابة، ومنهم: معبد الجهني و غيلان الدمشقي.
معتقدهم:
* ينكرون علم الله السابق بأفعال العباد.
* وينكرون كتابة القدر.
* ويزعمون أن الله لا يعلم المعاصي حتى تقع!
* ويجعلون العبد خالقًا لفعله استقلالًا.
هؤلاء كفّرهم الصحابة مثل ابن عمر رضي
الله عنهما، وقال فيهم:
«أخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني» [م].
ثانيًا: القدرية المتأخرون (النفاة
الجزئيون / المعتزلة)
وهم القدرية الذين ظهروا بعد القرن الثاني، وغالبهم
من المعتزلة.
معتقدهم:
يُقرّون بأن الله يعلم أفعال العباد قبل وقوعها. لكن
ينكرون مشيئة الله الشاملة وخلق أفعال العباد.
ويقولون: العبد يخلق فعله بنفسه.
تسميتهم:
– هم القدرية في اصطلاح السلف وإن ادّعوا
العلم بالقدر.
– ابن تيمية سماهم: "القدرية
النفاة" لأنهم نفوا خلق الله لأفعال العباد.
ثالثًا: القدرية في باب الهداية والضلال
وهم الذين ينكرون أن الله يهدي ويضل بمشيئته،
ويقولون إن الهداية تحصل فقط من العبد لنفسه.
معتقدهم:
يقولون إن الله لا يقدر على هداية من شاء أو إضلال
من شاء. ويؤولون آيات الهداية والضلال تأويلًا باطلًا.
وهذا قول المعتزلة أيضًا، لكنه أُفرد بالذكر لكثرة من وقع فيه.
رابعًا: القدرية في باب الرزق والآجال
وهم الذين يزعمون أن: الرزق ليس مقدرًا، والآجال لا
يكتبها الله، وأن الإنسان يستطيع أن يطيل عمره أو ينقصه بغير تقدير سابق.
* وهؤلاء أخطر، لأن إنكارهم يصل إلى إنكار
عموم القدر كله.
وقد نقل ابن بطة واللالكائي عن طائفة قالت:
"إن الله لا يخلق أرزاق العباد، ولا
يقدّر الآجال."
خامسًا: القدرية من الجهمية والجبرية
قد يُطلق اسم "القدرية" أيضًا على
الجهمية؛ لأنهم: بالغوا في إثبات القدر حتى سلبوا العبد اختياره.
فجعلوا الإنسان مجبورًا على أفعاله تمامًا.
ولذلك قال العلماء:
"القدرية نوعان:
* قدرية نفاة (المعتزلة).
* قدرية مجبرة (الجهمية)."
وهذا من باب الاشتراك اللفظي، لا من باب الاتحاد في
العقيدة.
خلاصة الأصناف
باختصار
القدرية أنواع وأصناف:
* القدرية الغلاة الأُوَل ينكرون العلم
والكتابة والمشيئة كفار بالإجماع
* قدرية المعتزلة المتأخرون يثبتون العلم
وينكرون المشيئة وخلق الأفعال مبتدعة ضُلّال
* قدرية الهداية والضلال ينفون هداية الله
وإضلاله بمشيئته مبتدعة
* قدرية الرزق والآجال ينفون قدر الله في
الأرزاق والآجال أشد غلوًا
* القدرية الجبرية يسلبون العبد اختياره
(الجهمية) مبتدعة ضُلّال
Komentar
Posting Komentar