شرح الحديث 99 من بلوغ المرام

 

99 - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ _رضي الله عنه_:

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_، قَالَ:

"غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ" أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ

 

ترجمة أبي سعيد الخدري _رضي الله عنه_:

قال المزي في تهذيب الكمال  :

( خ م د ت س ق ): سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر ، و هو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصارى ، أبو سعيد الخدرى، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 168) (رقم : 28) : "أَبُو سَعِيْدٍ الخُدْرِيُّ : سَعْدُ بنُ مَالِكِ بنِ سِنَانٍ * (ع) : الإِمَامُ، المُجَاهِدُ، مُفْتِي المَدِيْنَةِ." اهـ

 

سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 169)

وَكَانَ أَحَدَ الفُقَهَاءِ المُجْتَهِدِيْنَ.

 

و أمه أنيسة بنت أبى حارثة ، من بنى عدى بن النجار.

 

سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 169)

وَأَخُو أَبِي سَعِيْدٍ لأُمِّهِ هُوَ: قَتَادَةُ بنُ النُّعْمَانِ الظَّفَرِيُّ، أَحَدُ البَدْرِيِّيْنَ.

اسْتُشْهِدَ أَبُوْهُ مَالِكٌ يَوْمَ أُحُدٍ، وَشَهِدَ أَبُو سَعِيْدٍ الخَنْدَقَ، وَبَيْعَةَ الرُّضْوَانِ.

 

استصغر يوم أحد[1]، و استشهد أبوه يومئذ ،

و غزا بعد ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتى عشرة غزوة . اهـ .

 

و قال حنظلة بن أبى سفيان عن أشياخه : لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفقهَ من أبى سعيد الخدرى, و فى رواية : أعلم .

 

وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (2/ 602) :

"أول مشاهده الخندق، وغزا مع رَسُول اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ اثنتي عشرة غزوة، وكان ممن حفظ عن رَسُول اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ سننا كثيرة، وروى عنه علما جما، وكان من نجباء الأنصار وعلمائهم وفضلائهم." اهـ

 

إكمال تهذيب الكمال (5/ 247)

قال: وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بني المصطلق، وكانت في شعبان قبل الخندق بثلاثة أشهر.

 

تاريخ بغداد وذيوله ط العلمية (1/ 192)

وورد المدائن في حياة حذيفة بْن اليمان، وبعد ذلك مع عَلِيّ بْن أَبِي طالب لما حارب الخوارج بالنهروان.

 

مختصر تاريخ دمشق (9/ 272)

شهد خطبة عمر بالجابية وقدم دمشق على معاوية.

 

إكمال تهذيب الكمال (5/ 247)

وذكره المرادي في كتاب «الزمنى» أنه عمي.

 

قال الحافظ في تهذيب التهذيب 3 / 481 :

و قال أبو الحسن المدائنى : مات سنة ثلاث و ستين .

و قال العسكرى : مات سنة خمس و ستين . اهـ .

 

معرفة الصحابة لأبي نعيم (3/ 1260)

كَانَ يَسْكُنُ الْمَدِينَةَ، وَبِهَا تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَلَهُ عَقِبٌ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، كَانَ يُحْفِي شَارِبَهُ وَيُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ.

 

زاد بعضهم : بالمدينة .

 

روى له الجماعة . اهـ .

 

سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 172)

مُسْنَدُ أَبِي سَعِيْدٍ: أَلْفٌ وَمائَةٌ وَسَبْعُوْنَ حَدِيْثاً، فَفِي (البُخَارِيِّ) وَ (مُسْلِمٍ) : ثَلاَثَةٌ وَأَرْبَعُوْنَ.

وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ: بِسِتَّةَ عَشَرَ حَدِيْثاً، وَمُسْلِمٌ: بِاثْنَيْنِ وَخَمْسِيْنَ.

 

سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 170):

أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ:

عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَلَيْكَ بِالجِهَادِ، فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَةُ الإِسْلاَمِ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ وَتِلاَوَةِ القُرْآنِ، فَإِنَّهُ رُوْحُكَ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ، وَذِكْرُكَ فِي أَهْلِ الأَرْضِ، وَعَلَيْكَ بِالصَّمْتِ إِلاَّ فِي حَقٍّ، فَإِنَّكَ تَغْلِبُ الشَّيْطَانَ

 

نص الحديث وشرحه:

 

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ _رضي الله عنه_:

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_، قَالَ:

"غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ" أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ

 

وفي "صحيح البخاري" (2/ 3):

عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ:

أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ»

قَالَ عَمْرٌو: «أَمَّا الغُسْلُ، فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الِاسْتِنَانُ وَالطِّيبُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لاَ، وَلَكِنْ هَكَذَا فِي الحَدِيثِ»

 

وفي "مسند أحمد" - عالم الكتب (3/ 30):

عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَالسِّوَاكُ، وَأَنْ يَمَسَّ مِنَ الطِّيبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَوْ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ»

 

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (3/ 65):

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَلْبَسُ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ طِيبٌ، مَسَّ مِنْهُ»

 

وفي "مصنف عبد الرزاق الصنعاني" (3/ 198):

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:

"أَوْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ."

 

وفي "المعجم الأوسط" (1/ 194):

"عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ أَدْرَكَ الْحُلُمَ مِمَّنْ أَتَى الْجُمُعَةَ»."

 

وفي "سنن أبي داود" (1/ 97) (رقم: 353):

عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ جَاءُوا فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَتَرَى الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ أَطْهَرُ، وَخَيْرٌ لِمَنِ اغْتَسَلَ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ،

وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ بَدْءُ الْغُسْلِ، كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقًا مُقَارِبَ السَّقْفِ - إِنَّمَا هُوَ عَرِيشٌ –

فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمٍ حَارٍّ وَعَرِقَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الصُّوفِ حَتَّى ثَارَتْ مِنْهُمْ رِيَاحٌ آذَى بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا،

فَلَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الرِّيحَ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمَ فَاغْتَسِلُوا، وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ أَفْضَلَ مَا يَجِدُ مِنْ دُهْنِهِ وَطِيبِهِ»

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ، وَكُفُوا الْعَمَلَ وَوُسِّعَ مَسْجِدُهُمْ، وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الْعَرَقِ."

قال الالباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 170) (رقم: 544): (حسن)

 

وهذا الأثر من ابن عباس رضي الله عنهما من أقوى ما يُستدلّ به لمن قال إن غسل الجمعة غير واجب، ولذلك لا بد لمن رجَّح الوجوب أن يحرّر الجواب عنه بدقةٍ علميةٍ تجمع بين الفقه والدراية بالحديث وأقوال السلف.

فيما يلي بيانٌ للجواب عن هذا الأثر مع التفصيل والتحليل العلمي:

أولًا: نصّ الأثر ومحلّ الإشكال

قال ابن عباس رضي الله عنهما كما في "سنن أبي داود":

«ليس بواجب، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل...»،

ثم علّل ذلك بأن الأمر بالغسل كان بسبب الأذى بالعرق والرائحة في أول الإسلام، فلما زالت تلك العلة خفّ التأكيد.

فالإشكال هنا:

كيف يُقال بوجوب الغسل وقد نفى ابن عباس وجوبه وبيّن علّته بأنها كانت لأجل النظافة لا الإلزام الشرعي العام؟

ثانيًا: أوجه الجواب عن هذا الأثر على مذهب من رجّح الوجوب

1. قول ابن عباس اجتهادٌ منه، وليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ

الأثر موقوف على ابن عباس، لا مرفوع إلى رسول الله ﷺ،

فيبقى قوله اجتهادًا صحابيًا، يحتمل الصواب والخطأ،

ولا يُقدَّم على الحديث الصحيح الصريح المرفوع إلى النبي ﷺ:

«غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم».

🔹 قال الإمام الشافعي رحمه الله:

“الحديث المرفوع أولى من رأي غيره وإن كان صحابيًا، لأن المرفوع عن النبي ﷺ حجة قاطعة.” (الأم 1/ 233).

فلا يُترك نصٌّ صريح من النبي ﷺ لأجل فهم صحابيٍّ، خصوصًا إذا كان قد خالفه غيره من الصحابة.

2. ثبت عن غير ابن عباس ما يدلّ على الوجوب

فقد وردت آثار عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أنكر على من لم يغتسل يوم الجمعة.

عائشة رضي الله عنها كانت تقول: "كان الناس يُؤمرون بالغسل يوم الجمعة."

أبو هريرة رضي الله عنه يرويه مرفوعًا بلفظ الوجوب، وهو من أوثق رواة الباب.

فهؤلاء الصحابة يؤكدون الوجوب أو شدة التأكيد، مما يدل أن قول ابن عباس ليس إجماعًا ولا مانعًا من الأخذ بخلافه.

 

3. يمكن حمل قول ابن عباس "ليس بواجب" على نفي الوجوب الاصطلاحي (الإثم بتركه)، لا على نفي أصل اللزوم

أي: أراد ابن عباس أنه ليس فرضًا تأثم بتركه،

لكنّه باقٍ على مرتبةٍ عالية من التأكيد،

ولهذا قال بعده:

"ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل"

فهو إقرارٌ بفضيلته وتأكيده، لا بإسقاط أمره.

فكلامه في حكم الكراهة الشرعية (الإثم)،

لا في نفي أصل الطلب الشرعي المؤكّد.

وهذا شائع في كلام السلف، حيث يعبّرون بـ"ليس بواجب" أي: "ليس فرضًا يأثم بتركه"، ولو كان مؤكّدًا في الاستحباب واللزوم العملي.

4. يحتمل أن ابن عباس تأوّل وجوب الغسل الأول بأنه كان لعِلّةٍ وقتية

وقد صرّح هو بذلك حين قال:

"كان الناس مجهودين... فوجد رسول الله ﷺ الريح فقال: اغتسلوا..."

فهو يفسّر سبب تشريع الغسل في أول الأمر، لا أنه ينسخ حكمه بعد ذلك.

فالمعنى: أن من حِكم الغسل إزالة الأذى، لا أن الحكم زال بزوال تلك العلة.

إذ القاعدة عند أهل الأصول:

الحكم يدور مع علّته وجودًا وعدماً، ما لم يكن التعبد فيه ظاهرًا.

لكن لفظ النبي ﷺ «واجب على كل محتلم» نص تعبدي صريح،

فلا يُقال إن الوجوب سقط بزوال الرائحة، لأن الحكم شرعي تعبدي، لا مجرد تنظّف عرفي.

🔹 قال ابن عبد البر رحمه الله:

“من قال إن الغسل إنما أُمر به لأجل العرق فقد قلّل من شأن التعبد، لأن النبي ﷺ علّله باليوم لا بالرائحة.” (التمهيد 24/ 6)

5. احتمال أن ابن عباس تكلم قبل علمه بالأحاديث الصريحة

 

ابن عباس لم يسمع كل الأحاديث، وكان صغيرًا في زمن النبي ﷺ،

وقد يُحتمل أن حكمه هذا قبل أن يبلغه حديث أبي سعيد أو أبي هريرة في الوجوب،

وهذا كثيرٌ في فتاوى الصحابة، يختلفون بحسب ما بلغهم من السنة.

 

6. الجمع بين قول ابن عباس والأحاديث المرفوعة

 

يمكن الجمع بأن: الأصل في الخطاب النبوي الوجوب لمن يأتي الجمعة؛

 

لكن من لم يُؤذِ أحدًا ولم يعرق فغسله ليس واجبًا عليه وجوبًا إثمًا، بل تأكيدًا.

وهذا التفصيل الذي رجّحه ابن تيمية وابن القيم والنووي وغيرهم،

فيُحمل قول ابن عباس على هذا المعنى، أي:

"ليس واجبًا على كل أحدٍ مطلقًا، بل على من كان في حال الأذى أو سيأتي الجمعة."

 

🌿 ثالثًا: تلخيص الجواب في نقاط

1. الأثر موقوف غير مرفوع، فلا يعارض الحديث المرفوع الصريح.

2. قول الصحابي يُحمل على الاجتهاد لا على النسخ.

3. قوله "ليس بواجب" أي ليس فرضًا يأثم بتركه، لا أنه غير مطلوب.

4. تفسيره للعلة لا يعني زوال الحكم التعبدي.

5. يمكن الجمع بين قوله والحديث: الوجوب على من يحضر الجمعة، خصوصًا إذا وُجدت الحاجة.

6. وقد خالفه غيره من الصحابة كعمر وأبي هريرة وعائشة في فهم الحكم.

 

الخلاصة الراجحة

 

الجواب القوي على أثر ابن عباس هو: أن نفيه للوجوب لا يُعارض ثبوت الوجوب في السنة المرفوعة،

لأن قوله اجتهادٌ منه، وهو موقوف، لا يرفع الحديث الصريح المرفوع،

كما أنه يمكن حمله على نفي الوجوب الإثمـي لا نفي اللزوم الشرعي،

أو على حالةٍ مخصوصة زالت علتها،

فتبقى دلالة الأحاديث المرفوعة على الوجوب باقيةً على أصلها.

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (16/ 126)

والحديث استدلّ به المصنف رحمه الله تعالى على الترخيص في ترك غسل الجمعة، ووجه استدلاله به أنه يدل على أن الغسل كان لسبب، فلما زال ذلك السبب، زال الوجوب معه، وفي هذا الاستدلال نظرٌ لا يخفى، إذ قوله -صلى الله عليه وسلم-: "أو لا تغتسلون" يفيد الإنكار التوبيخي، وهو يدلّ على الأمر بالاغتسال، لا على تركه، وأيضًا فإن زوال سبب التشريع لا يدلّ على زوال الحكم، كالرَّمَل مثلًا، كان لإغاظة المشركين -كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى من "كتاب الحج"- وقد زال ذلك السبب، ولم يزل ذلك الحكم، بل صار شرعًا مستمرًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

 

وفي "صحيح أبي داود" - الأم (2/ 184) (381):

عن سَمرَةَ قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ توضأ؛ فبها ونِعْمَتْ، ومَنِ اغتسل؛ فهو أفضل ".[2]

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري (1/ 171 و 2/ 3 و 2/ 5 و 3/ 177) (رقم: 858 و 879_880 و 895 و 2665)، صحيح مسلم (2/ 580/ 5 و 7) (846)، سنن أبي داود (1/ 94 و 1/ 95) (رقم: 341 و 344)، سنن النسائي (3/ 92 و 3/ 93 و 3/ 97) (رقم: 1375 و 1377 و 1383)، السنن الكبرى للنسائي (2/ 263 و 2/ 270) (رقم: 1679_1680 و 1700)، سنن ابن ماجه (1/ 346) (رقم: 1089)، مسند أبي داود الطيالسي (3/ 666) (رقم: 2330)، مصنف عبد الرزاق الصنعاني (3/ 198 و 3/ 200) (رقم: 5307 و 5318)، مسند الحميدي (2/ 7) (رقم: 753)، مصنف ابن أبي شيبة (1/ 433) (رقم: 4988)، مسند أحمد - عالم الكتب (3/ 6 و 3/ 30 و 3/ 60 و 3/ 65 و 3/ 69) (رقم: 11027 و 11250 و 11578 و 11625 و 11658)، وسنن الدارمي (2/ 962) (رقم: 1578)، صحيح ابن حبان (4/ 28_29 و 4/ 34) (رقم: 1228_1229 و 1233)، المعجم الأوسط (1/ 100 و 1/ 194 و 3/ 167 و 3/ 321) (رقم: 307 و 617 و 2820 و 3287)، وغيرهم.

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 168) (رقم: 538)، صحيح أبي داود - الأم (2/ 170) (رقم: 369)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 763 و 2/ 769) (رقم: 4155 و 4177_4178)، و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (2/ 447) (رقم: 1225_1226)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 442) (رقم: 706)

 

من فوائد الحديث:

 

قال البسام _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 382_384):

* ما يؤخذ من الحديث:

1 - يحتمل نسبة الغسل إلى زمانه، وهو يوم الجمعة؛ فيكونُ الغسلُ خاصًّا لليوم، وفضيلتُهُ حاصلةٌ وَقَعَ الغسلُ قبل الصلاة أو بعدها.

ويحتملُ أنْ تكون نسبته إلى صلاة الجمعة، فهو من إضافة الشيء إلى سببه؛ وحينئذٍ لا تحصل فضيلةُ الغسل، إلاَّ إِذَا وقع للصلاة قبلها، وهذا هو___الرَّاجحُ؛ لأنَّ سبب الحديث يشير إلى هذا المعنى، ولما جاء في البخاري (877) ومسلم (844) عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة، فليغتسل"، وهو مذهب جمهور العلماء.

2 - قوله: "على كلِّ محتلم" يدل على أنَّ غسل الجمعة -وإنْ كان واجبًا للصلاة نفسها- فإنَّه لا يجبُ على الصغار، وإنْ أتوا إليها وصلَّوْهَا، ولولا قيد "الاحتلام"، لوجب على كل من صلاها من الذكور، ولو كانوا صغارًا؛ لأنَّهم إذا تلبَّسوا بها، وجب عليهم كلُّ ما لا تتمُّ عبادتهم إلاَّ به، من الأركان والشروط والواجبات؛ وإلاَّ لَمَا صَحَّتْ عبادتهم.

3 - ظاهر الحديث وجوب غسل يوم الجمعة على كلِّ بالغ، وفيه خلاف يأتي تحقيقه قريبًا إنْ شاء الله تعالى.

4 - من لم يبلغ لا يجبُ عليه الغسل؛ لأنَّ التكاليفَ الشرعية لا تجبُ على الصغيرِ والمجنون.

5 - تخصيصُ مشروعية الغسل يوم الجمعة، وتخصيصُهُ بالرِّجال دون النساء دليلٌ على أنَّ الغسل هو لصلاة الجمعة، فلا يجزىء بعدها، وتقدَّم ذكره.

6 - الحديثُ يدُلُّ على أنَّ وجوبَ الأحكامِ الشرعيَّة منوطٌ بالبلوغ؛ فلا يجب قبله شيء، وتقدَّم بحثه.

7 - جاء في مسلمٍ (854) أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "خير يومٍ طلعَتْ عليه الشمسُ يومُ الجمعة".

8 - ذكر "اليوم" في الحديث دليلٌ على أنَّ الغسل لا يجزىء في ليلةِ الجمعة، بل وقته هو مِنْ طلوعِ الفجر.

9 - فيه دليلٌ على تعظَيمِ هذا اليوم الجليل، ويكونُ تعظيمُهُ بشعور القلب بذلك، وبالاستعدادِ للصلاةِ، واجتماعِهِ بالغسلِ والطيبِ واللباسِ الحسن، والتفرُّغِ للعبادة فيه.___

10 - أخذ بعضُ العلماء من مشروعية اغتسال صلاة الجمعة، استحبابَ الاغتسالِ لكلِّ اجتماعٍ عامٍّ للعبادة؛ كصلاة العيد.

11 - قال العلماء: يُسَنُّ أنْ يتنظَّف للجمعة بقَصِّ شاربه، وتقليم أظفاره، وقطع الروائح الكريهة بالسواك وغيره، وأنْ يتطيَّب، ويلبس أَحسَنَ ثيابه؛ لما روى البخاري (883) عن سلمان الفارسي -رضي الله عنه- أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يغتسلُ رجلٌ يوم الجمعة ويتطهَّرُ ما استطاعَ من طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ وَيَمَسُّ من طيبِ امرأتِهِ، ثُمَّ يصلِّي ما كُتِبَ له، إلاَّ غُفِرَ له ما بينه وبين الجمعة الأُخْرى".

 

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (16/ 106_107)

"في فوائده:

منها: ما ترجم له المصنف، وهو الأمر بالسواك يوم الجمعة، وحمله العلماء على الاستحباب

ومنها: مشروعية الغسل للجمعة، وسيأتي الكلام عليه في الباب التالي إن شاء الله تعالى.

ومنها: استعمال الطيب للجمعة، إزالةً للرائحة الكريهة، وبُعْدًا عن إيذاء المسلمين الذين يحضرون الجمعة.

ومنها: أن طيب الرجال مخالف لطيب النساء، وهو أن طيبه ما ظهر ريحه، وخفي لونه، وطيبها ما ظهر لونه، وخفى ريحه.

فقد جاء فيه حديث صحيح، أخرجه الترمذي في "جامعه" من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: "طيب الرجل ما ظهر ريحهه، وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه، وخفي ريحه".___

وأخرجه الطبراني، والضياء المقدسي من حديث أنس -رضي الله عنه- [راجع "صحيح الجامع" للشيخ الألباني رحمه الله جـ 2 ص 730 رقم 3937].

ومنها: اهتمام الشرع بالنظافة، فقد حَثّ عليها في هذا الحديث، فينبغي للمسلم أن يكون نظيف الجسد، واللباس، والمكان، ولاسيما في الأوقات التي يجتمع الناس فيها، كالجمعة، والعيدين، ونحوها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب." اهـ

 

تمام المنة في التعليق على فقه السنة (ص: 120)

قوله تحت رقم 1 -: "وقد ذهب جماعة من العلماء إلى القول بوجوب الغسل للجمعة ... ".

قلت: وهو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه لأن الأحاديث الدالة عليه أقوى إسنادا وأصرح في الدلالة من الأحاديث التي استدل بها المخالفون على الاستحباب فانظر مثلا استدلالهم بحديث عمر المذكور في الكتاب فإنه لا حجة لهم فيه بل هو عليهم لأن إنكار عمر على رأس المنبر في ذلك الجمع الحافل على مثل ذلك الصحابي الجليل وتقرير جميع الحاضرين من الصحابة وغيرهم لما وقع من ذلك الإنكار لهو من أعظم الأدلة القاضية بأن الوجوب كان معلوما عند الصحابة ولو كان الأمر عندهم على عدم الوجوب لما عول ذلك الصحابي في الاعتذار على غيره فأي تقرير من عمر ومن حضر بعد هذا الإنكار؟!

وكذلك استدلالهم بحديث أبي هريرة: "من توضأ فأحسن الوضوء ... " فقد أجاب عنه الحافظ نفسه بقوله في "الفتح ":

"ليس فيه نفي الغسل وقد ورد من وجه آخر في الصحيح بلفظ: "من اغتسل" فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدم غسله على الذهاب فاحتاج إلى إعادة الوضوء".

وجملة القول أن الأحاديث المصرحة بوجوب غسل الجمعة فيها حكم زائد على الأحاديث المفيدة لاستحبابه فلا تعارض بينها والواجب الأخذ بما تضمن الزيادة منها وراجع تفصيل هذا البحث في "نيل الأوطار" للشوكاني و "المحلى" لابن حزم.

 

[قلت]: أشار الألباني إلى ما روه مسلم في "صحيحه" (2/ 588/ 27) (رقم: 857):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا»

 

ويفسر هذه الرواية ما أخرجه مسلم في "صحيح مسلم" (2/ 587/ 26) (رقم: 857):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نفسه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:

«مَنِ اغْتَسَلَ؟ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ»

 

وقال الألباني _رحمه الله_ في "صحيح أبي داود" - الأم (2/ 192_193):

"وهذه الأحاديث وإن كانت أفرادها ضعيفة؛ فمجموعها مما يعطي الحديث قوة، ويرقيه إلى درجة الحسن على أقل الدرجات. وقد حسنه الترمذي والنووي كما سبق، وقوّاه البيهقي؛ فقال الزيلعي (1/93):

" قال البيهقي: والآثار الضعيفة إذا ضمَّ بعضها إلى بعض؛ أحدثت قوة فيما اجتمعت فيه من الحكم. انتهى."

لكن الحديث ليس نصّاً فيما بوب له المصنف؛ لأن غاية ما فيه: أن الوضوء نِعْمَ العملُ، وأن الغسل أفضل، وهذا مما لاشكَّ فيه، وقد قال الله تعالى: (ولو آمن أهلُ الكتاب لكان خيرا لهم).

قال ابن حزم رحمه الله (2/14):

"فهل دل هذا اللفظ على أن الإيمان والتقوى ليس فرضاً؟! حاشا لله من هذا! ".

قال:

" ثم لو كان في جميع هذه الأحاديث نصٌّ على أن غسل الجمعة ليس فرضاً؛ لما كان في ذلك حجة؛ لأن ذلك كان يكون موافقاً لما كان الأمر عليه قبل قوله _عليه السلام_: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم." و"على كل مسلم."

وهذا القول منه عليه السلام شرع وارد، وحكم زائد ناسخ للحالة الأولى بيقين لا شك فيه، ولا يحل ترك الناسخ بيقين والأخذ بالمنسوخ."

قلت [الألباني]: والحق أن غسل الجمعة واجب؛ لأن الأحاديث الواردة في الباب قبله صريحة في ذلك، لا تقبل التأويل، إلا بتكلف واضح؛ لكنها لا تفيد الشرطية، فمن اغتسل يوم الجمعة؛ فقد أدى الواجب الذي عليه، ومن تركه فقد أثم؛ لكن صلاة___الجمعةِ صحيحة. والله تعالى أعلم." اهـ

 

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (17/ 38):

"والحاصل: أن غسل يوم الجمعة مستحب استحبابًا أكيدًا بحيث يستحقّ تاركه التعنيف، والإنكار الشديد عليه، كما تقدم من قصّة عمر، وعمار بن ياسر، وغيرهما، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب." اهـ

 

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (17/ 62_63):

ونص الشافعي -في رواية البويطي- على أن صلاة الكسوف ليست بنفلٍ، ولكنها واجبةٌ وجوب السنة.

وهذا تصريح منه بأن السنة المتأكدة تسمى واجبًا، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن رجب -رَحِمَهُ اللَّهُ- ["فتح الباري" لابن رجب _رَحِمَهُ اللَّهُ_ 8/ 83].

قال الجامع _عفا اللَّه عنه_:

هذا الذي ذكره الحافظ ابن رجب -رَحِمَهُ اللَّهُ- بحث نفيسٌ، خلاصته: أن الأرجح حمل الوجوب المذكور في هذا الحديث على الأمر المتأكد، لا على الواجب الذي يأثم تاركه؛ جمعًا بين الأدلّة الظاهرة في ذلك.

[فمنها]: حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- عند مسلم مرفوعًا: "من توضّأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت، غُفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا".

[ومنها]: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها- الآتي: فقيل لهم: "لو اغتسلتم يوم الجمعة"، فإن هذا عرض وتحضيضٌ، وإرشاد، لا يقال مثله في الواجب.

[ومنها]: تقرير عمر عثمان بمحضر من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- على اكتفائه بالوضوء، كما سبق بيانه.___

[ومنها]: حديث الحسن، عن سمرة بن جندب -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"، قال الترمذيّ: حديث حسن، وقد اختُلف في سماع الحسن، عن سمرة في غير حديث العقيقة، لكن يشهد له ما سبق من حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- عند مسلم.

والحاصل: أن أرجح الأقوال في المسألة هو قول الجمهور، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه، إلا عن الظاهريّة، كما سبق آنفًا عن ابن عبد البرّ، ومال إليه ابن رجب في كلامه السابق آنفًا، وقد استوفيت البحث في هذا في الباب الماضي، فارجع إليه تزدد علمًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه

 

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (3/ 202)

(فقه الحديث) دلّ الحديث على تأكد غسل يوم الجمعة على كل بالغ ولو لم يحضر الصلاة

 

وقال العثيمين _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 331_332):

"وقوله: (واجب)،

الواجب هو الشيء الثابت اللازم، ومنه قوله تعالى: {فإذا وجبت جنوبها} [الحج: 36]. أي: سقطت، ومنه قولهم: وجبت الشمس؛ يعني: غابت؛ لأن هذا مكث وثبوت.

وهو عند الأصوليين - الواجب- ما أمر به على وجه الإلزام ويثاب فاعله امتثالا ويستحق العقاب تاركه.

قوله: (على كل محتلم)،

أيْ: على كل بالغ، وذلك أن البلوغ يحصل بالاحتلام وهو إنزال الماء بشهوة في حال النوم، فيكون هذا القيد مبنيا لما سنذكره إن شاء الله تعالى.

في هذا الحديث نص صريح واضح على أن غسل الجمعة واجب، والمتكلم به هو أفصح الخلق، والمتكلم به أنصح الخلق، والمتكلم به أعلم الخلق، فهو - عليه الصلاة والسلام- اجتمع في كلامه العلم، والثاني الفصاحة، والثالث النصح، ومثل هذا يمكن أن يقول قولا يوهم معنى غير ظاهره، ونحن إذا نظرنا إلى الظاهر عرفنا أن الوجوب محتم، ويدل لها أنه علقه بوصف يقتضي التكليف، وهو الاحتلام، فيكون هاذ دليلا واضحا على أن المراد بالوجوب: اللزوم، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء - رحمهم الله-.

منهم من قال: إن الاغتسال للجمعة اغتسال لليوم؛ فيجوز أن يغتسل قبل الصلاة وبعد الصلاة، لكن هذا قول ضعيف، ولولا أنه قيل ما ذكرناه، والصواب: أن الغسل قبل الجمعة، لكن اختلفوا هل هو واجب أو سنة مطلقا في القولين، أو واجب على من كان فيه رائحة، أو حيث تتوقع الرائحة كأيام الصيف التي يكثر فيها العرق، والنتن، فالأقوال ثلاثة:

الأول: الوجوب.

والثاني: الاستحباب.

والثالث: التفصيل (فإذا كان مظنة انبعاث لرائحة كريهة، أو كان نفس الإنسان فيه عرق ووسخ كثير تنبعث منه الرائحة الكريهة كان الغسل واجبا، وإلا فلا)،

والذي تقتضيه الأدلة: أن الغسل واجب مطلقا؛ لأن الأحاديث علمة "غسل الجمعة واجب"، والقائل بهذا يعرف بماذا يتكلم، ويعرف من يخاطب - عليه الصلاة والسلام-، ويدل للوجوب:

أولا: أن الرسول - عليه الصلاة والسلام- صرح به، ولو أن هذه العبارة في متن من متون الفقه ما توقف شارح المتن بأن المؤلف يرى الوجوب فكيف وهو حديث.

ثتانيا: أن الرسول - عليه الصلاة والسلام- علق الحكم بوصف يقتضي التكليف والإلزام وهو البلوغ.

ثالثا: الأوامر الأخرى: "إذا أتى أحدكم الجمعة فلغتسل". والأصل في الأمر الوجوب.___

رابعا: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان يخطب الناس يوم الجمعة، فدخل عثمان وهو يخطب فكأنه لامه على تأخره، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت ثم أتيت. فقال: والوضوء أيضا! وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أتى أحدكم الجمعة فلغتسل"، فلامه على عذره، حيث إنه اقتصر على الوضوء،

وتعلمون أن المتكلم عمر رضي الله عنه خليفة المسلمين، والمخاطب عثمان أفضل الصحابة بعده، والجمع من؟ الصحابة - رضي الله عنهم-،

فكيف يمكن لعمر أن يوبخ عثمان على الاقتصار على الوضوء في هذا الجمع العظيم، مع علو منزلته _رضي الله عنه_،

لولا أن الاغتسال واجب؛ فالصواب عندي كالمقطوع به أن غسل الجمعة واجب على كل إنسان، وما تركته منذ علمت بهذا الحديث لا صيفا ولا شتاء، ولا حرا ولا بردا، ولا إذا كان في مرض يتحمل الاغتسال،

وقلت هذا حتى أنني لا أشك في وجوبه، وأرى أنه لابد أن يغتسل الإنسان، وسبحان الله! ماذا يكون جوابنا لله رب العالمين يوم القيامة إذا قال: أبلغكم رسولي بأنه واجب؟

فنقول: لا ليس بواجب، قال: واجب لأنه مؤكد، هذا لا يمكن للإنسان، ليس جوابا صوابا.

فلو قال قائل: إذا كان واجبا فهل هو شرط لصحة الصلاة؟

فالجواب: لا، لدليلين:

الدليل الأول: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يلزم عثمان أن يذهب ويغتسل، ولو كان شرطا؛ لألزمه لأن معه وقت يدرك به الجمعة، يمكنه أن يذهب ويغتسل ويرجع ويصلي الجمعة.

الدليل الثاني: أن الله - سبحانه وتعالى- إنما جعل الغسل للصلاة من الجنابة، فقال: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6]. فأوجب التطهر للصلاة من الجنابة فقط، وعليه فلو أن الإنسان ترك الغسل يوم الجمعة ثم صلى فهل نقول: إن صلاته باطلة؟ لا، نقول: صلاته صحيحة، ولكنه آثم لترك الغسل." اهـ



[1] وفي سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 169)

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي سَعِيْدٍ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:

عُرِضْتُ يَوْمَ أُحُدٍ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا ابْنُ ثَلاَثَ عَشْرَةَ، فَجَعَلَ أَبِي يَأْخُذُ بِيَدِي، وَيَقُوْلُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! إِنَّهُ عَبْلُ العِظَامِ.

وَجَعَلَ نَبِيُّ اللهِ يُصَعِّدُ فِيَّ النَّظَرَ، وَيُصَوِّبُهُ، ثُمَّ قَالَ: (رُدَّهُ) . فَرَدَّنِي." اهـ

[2]  قال الخطابي _رحمه الله_ في "معالم السنن" (1/ 111):

"قوله: (فبها): قال الأصمعي: معناه فبالسنة أخذ،

وقوله: (ونعمت) يريد: ونعمت الخصلة ونعمت الفعلة أو نحو ذلك،

وإنما ظهرت التاء التي هي علامة التأنيث لإظهار السنة أو الخصلة أو الفعلة، وفيه البيان الواضح أن الوضوء كاف للجمعة وإن الغسل لها فضيلة، لا فريضة." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة