شرح الحديث 95 (باب الغسل وحكم الجنب)
|
95 - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ
أُمَّ سُلَيْمٍ - وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ - قَالَتْ:
"يَا
رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى
الْمَرْأَةِ الْغُسْلُ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ:
(نَعَمْ؛ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ ...)." الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ |
الأعلام للزركلي (8/ 97)
أُمّ سَلَمَة
(28 ق هـ - 62 هـ = 596 - 681 م)
هند بنت سهيل المعروف ب أبي أمية (ويقال اسمه حذيفة، ويعرف بزاد الراكب) ابن المغيرة، القرشية المخزومية، أم سلمة: من زوجات النبي (صلى الله عليه وسلّم) تزوجها في السنة الرابعة للهجرة. وكانت___من أكمل النساء عقلا وخلقا. وهي قديمة الإسلام، هاجرت مع زوجها الأول " أبي سلمة بن عبد الأسد بن المغيرة " إلى الحبشة، وولدت له ابنه " سلمة " ورجعا إلى مكة،
ثم هاجرا إلى المدينة، فولدت له أيضا بنتين وابنا. ومات أبو سلمة (في المدينة من أثر جرح) فخطبها أبو بكر، فلم تتزوجه. وخطبها النبي (صلى الله عليه وسلّم) فقالت لرسوله ما معناه: مثلي لا يصلح للزواج، فإنّي تجاوزت السن، فلا يولد لي، وأنا امرأة غيور، وعندي أطفال. فأرسل إليها النبي (صلّى الله عليه وسلّم) بما مؤداه: أما السن فأنا أكبر منك، وأما الغيرة فيذهبها الله، وأما العيال فإلى الله ورسوله. وتزوجها.
وكان لها " يوم الحديبيّة " رأي أشارت به على النبي (صلّى الله عليه وسلّم) دل على وفور عقلها. ويفهم من خبر عنها أنها كانت " تكتب " وعمرت طويلا. واختلفوا في سنة وفاتها، فأخذت بأحد الأقوال. وبلغ ما روته من الحديث 378 حديثا وكانت وفاتها بالمدينة
نص الحديث وشرحه:
صحيح البخاري (1/ 38)
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ:
جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَقَالَتْ:
"يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ
يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا
احْتَلَمَتْ؟"
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«إِذَا رَأَتِ المَاءَ»
فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ، تَعْنِي وَجْهَهَا،
وَقَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟"
قَالَ: «نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ
يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا»
السنن الكبرى للنسائي (5/ 383)
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ امْرَأَةً، قَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ عَلَى الْمَرْأَةِ
غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟، قَالَ: «نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ»،
فَضَحِكَتْ أُمُّ
سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: أَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَفِيمَ يُشْبِهُ الْوَلَدُ؟»
سنن ابن ماجه (1/ 197)
عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ:
جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَتْهُ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا
مَا يَرَى الرَّجُلُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ فَلْتَغْتَسِلْ»،
فَقُلْتُ: فَضَحْتِ
النِّسَاءَ، وَهَلْ تَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا
إِذًا»
وقال السندي في "الحاشية على سنن ابن ماجه"
(1/ 208):
"قَوْلُهُ (فَضَحْتِ) بِكَسْرِ التَّاءِ
عَلَى خِطَابِ الْمَرْأَةِ أَيْ بِإِظْهَارِ مَا لَا يُنَاسِبُ." اهـ
وفي "مسند إسحاق بن راهويه" (4/ 116):
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ
امْرَأَةَ أَبِي طَلْحَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ
تَرَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ زَوْجَهَا يَقَعُ عَلَيْهَا غُسْلٌ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ
إِذَا رَأَتْ بَلَلًا» ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ:
أَوَ تَفْعَلُ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ: «تَرِبَتْ
جَبِينُكِ فَأَنَّى يَأْتِي شِبْهُ الْخُؤُلَةِ إِلَّا مِنْ ذَلِكَ أَيُّ
النُّطْفَتَيْنِ سَبَقَتْ إِلَى الرَّحِمِ غَلَبَتْ إِلَى الشَّبَهِ»
وفي "مسند إسحاق بن راهويه" (4/ 168_169):
أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ:
إِنِّي رَأَيْتُ فِيَ الْمَنَامِ كَأَنَّ فُلَانَا
يَنْكِحُنِي فَذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِذَا رَأَيْتِ الرَّطْبَ فَلْتَغْتَسِلْ»
وفي "المعجم الكبير" للطبراني (23/ 263):
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ
عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِ أُمِّ
سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَرَى فِي
مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: تَبًّا لَكِ فَضَحْتِ
النِّسَاءَ، قَالَتْ: إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ، فَقَالَ رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ رَأَى ذَلِكَ مِنْكُنَّ
فَلْتَغْتَسِلْ»
قال النووي رحمه الله:
"هو من ألفاظ العرب التي لا يُراد بها
الدعاء، وإنما تُقال عند التعجب من الكلام، أو للزجر، أو للتحريض." (شرح مسلم
4/ 31)
قال الخطابي رحمه الله:
"هو كلمة لا يراد بها الدعاء على
المخاطب، وإنما جرت على ألسنة العرب في المخاطبة." (معالم السنن 4/ 255)
قال ابن حجر رحمه الله:
"أصلها الدعاء بالفقر، لكن العرب
تستعملها غير مريدةٍ حقيقتها، بل على سبيل المثل الجاري في الكلام." (فتح
الباري 1/ 363)
الخلاصة:
«تَرِبَتْ يَدَاك» أو «تَرِبَتْ يَمِينُكِ»
معناها في لغة الحديث: «رحمك الله!» أو «انتبهِي!»
أو «كأنك لم تعلمِي ذلك!»
وهي كلمة تعجب أو تنبيه لا دعاء حقيقي بالفقر.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في "صحيحه" (1/ 38 و 1/ 64
و 4/ 132 و 8/ 24 و 8/ 29) (رقم: 130 و 282 و 3328 و 6091 و6121)، ومسلم في
"صحيحه" (1/ 251/ 32) (رقم: 313)، والترمذي في "سننه" – ت.
شاكر (1/ 209) (رقم: 122)، والنسائي في "سننه" (1/ 114) (رقم: 197)، وفي
"السنن الكبرى" (1/ 153 و 5/ 383) (رقم: 199 و 5856)، وابن ماجه في
"سننه" (1/ 197) (رقم: 600)، ومالك في "الموطأ" – ت. الأعظمي
(2/ 70) (رقم: 161)، وعبد الرزاق الصنعاني في "مصنفه" (1/ 283) (رقم: 1094)،
الحميدي في "مسنده" (1/ 309) (رقم: 300)، وابن أبي شيبة في "مصنفه"
(1/ 79) (رقم: 878)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (6/ 292 و 6/ 302
و 6/ 306) (رقم: 26503 و 26579 و 26613)، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (4/
58 و 4/ 115 و 4/ 168) (رقم: 1819_1820 و 1882 و 1951)، وأبو يعلى الموصلي في
"مسنده" (12/ 437) (رقم: 7004)، وابن الجارود في "المنتقى"
(ص: 33) (رقم: 88)، وابن خزيمة في "صحيحه" (1/ 118) (رقم: 235)، وابن
حبان في "صحيحه" (3/ 440_442) (رقم: 1165_1167)، والطبراني في "المعجم
الكبير" (23/ 263 و 23/ 297 و 23/ 341_342 و 23/ 344 و 23/ 382 و 23/ 411)
(رقم: 553 و 659 و 794_795 و 802 و 908_909 و 990)، وغيرهم.
والحديث صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 135) (رقم: 433)، إرواء
الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (1/ 162) (رقم: 126).
من فوائد الحديث:
وقال البسام _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من
بلوغ المرام" (1/ 372)
* ما يؤخذ من الحديث:
1 - أنَّ المرأة تحتلم في المنام كما يحتلم
الرجل، فتتخيَّل العمليَّة الجنسيَّة في منامها كما يتخيَّل الرجل، فرُبَّمَا
حَصَلَ منها إنزال.
2 - هذا التخيُّل المناميُّ لا يَدُلُّ على
نقصٍ في الدِّين، ما دام أنَّه يَلُمُّ بفُضْلَيَاتِ النِّساء، والنَّبيُّ -صلى
الله عليه وسلم- يسمعه منهنَّ، ولم ينصحهنَّ بمجاهدتِهِ وأسبابه، فهذا أمرٌ طبيعي،
لمن عنده قوَّةٌ غريزيَّة كبتها العقلُ الظَّاهر، فإذا غابتْ مراقبة هذا العقل،
تنبَّه العقلُ الباطن؛ ليُشْبعَ هذه الغريزة الطبيعية.
3 - أنَّ المرأة إذا احتلمتْ ورأت الماء،
فعليها الغسل.___
4 - أنَّ المرأة تنزلُ كما ينزل الرَّجل، فالجنينُ
يولد من نطفتي الرَّجُلِ والمرأة، وهي نطفةُ الأمشاجِ التي قال الله تعالى عنها:
{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} [الإنسان: 2]، ومن
نطفتها يكونُ شبه الولد بها.
5 - إثباتُ صفة الحياءِ لله تعالى إثباتًا
حقيقيًا يليقُ بجلاله.
6 - أنَّ الحياءَ لا ينبغي أنْ يمنع من
تعلُّم العلم، حتَّى في المسائل التي عادةً يُسْتحيا منها؛ فقد قالت عائشة -رضي
الله عنها-: "نِعْمَ النِّساءُ نساءُ الأنصار، لم يمنعْهُنَّ الحياءُ من
التفقُّه في الدِّين".
7 - أنَّ من الأدبِ وحسنِ المخاطبة أنْ
يُقَدِّمَ أمام الكلامِ الذي يُسْتحيا منه مقدمةً تناسبُ المقام تمهيدًا للكلام،
وليَخِفَّ وقعه، ولئلا يُنْسَبَ صاحبه إلى الجفاء.
8 - مشروعيةُ سؤال الإنسان ما يحتاجُ إليه في
أمور الدِّين.
9 - الاحتلام المجرَّد عن الإنزال لا يوجبُ
الغسل، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا رأت الماء".
10 - الذي يجد بعد استيقاظه من النومِ بللًا
في ثوبِهِ أو بدنه، مِنْ ذكرٍ أو أنثى، لا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أنْ يتحقَّق أنَّه منيٌّ، فيغتسل، ولو لم
يذكر احتلامًا.
الثانية: أنْ يتحقق أنَّه مَذْيٌ، فهو نجاسةٌ لا
غير، يجب عليه غسلها، وليس عليه غسل، وإنما يَغْسِلُ ذكره وأنثييه.
الثالثة: أنْ يكونَ جاهلًا بكونه منيًّا أو
مَذْيًا، ففي هذه الحال:
إنْ سبق نومَهُ ملاعبةٌ أو فكرٌ أو انتشارٌ ونحو
ذلك، فالغالب: أنَّه مَذْي؛ فيجب عليه غسل ما أصاب بدنه أو ثوبه منه، ولا يجب عليه
غسل.
وإنْ لم يسبق نومَهُ خروجُ المذي، فهنا يجبُ عليه
الغسل، ويجبُ عليه غَسْلُ ما أصاب بدنه أو ثوبه احتياطًا." اهـ
سنن الترمذي ت شاكر (1/ 210)
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ
الفُقَهَاءِ: أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا رَأَتْ فِي المَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى
الرَّجُلُ فَأَنْزَلَتْ أَنَّ عَلَيْهَا الغُسْلَ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ
الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ وَفِي البَابِ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَخَوْلَةَ،
وَعَائِشَةَ، وَأَنَسٍ
وقال ابن رجب _رحمه الله_ في كتابه "فتح
الباري" (1/ 338_341)
وهذا الحديث: نص على أن المرأة إذا إذا رأت حلماً
في منامها، ورأت الماء في اليقضة أن عليها الغسل.
وإلى هَذا ذهب جمهور العلماء، ولا يعرف فيهِ خلاف،
إلا عَن النخعي وَهوَ شذوذ.
ولعل النخعي أنكر وقوع ذَلِكَ من المرأة كَما
أنكرته أم سلمة على أم سليم، حتى قالَ لها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ -: "تربت يمينك، وبم يشبهها ولدها؟"___
فبين - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن
للمرأة ماء كما للرجل، وأنها إذا رأت الماء في نومها باحتلام، فإنه يجب عليها
الغسل منهُ. وفي ذَلِكَ تنبيه على أن الرجل كذلك، وأنه إذا رأى حلماً ورأى الماء،
أنَّهُ يلزمه الغسل. وهذا مما لا اختلاف فيهِ بين العلماء...
ولو رأى الرجل والمرأة بللاً ولم يذكر احتلاماً،
فإن كانت أوصاف المني موجودة فيهِ لزم الغسل، وإن احتمل أن يكون منياً وأن يكون
مذياً وغير ذَلِكَ ففيه قولان:
أحدهما: عليهِ الغسل، حكاه الترمذي في ((كتابه))
عَن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
والتابعين، وعن سفيان، وأحمد.___
وممن روي عَنهُ أنه قالَ: يغتسل: ابن عباس، وعطاء،
والشعبي، والنخعي.
وَهوَ قول أبي حنيفة، وظاهر مذهب أحمد، إلا أنَّهُ
استثنى من ذَلِكَ أن يكون ثُمَّ سبب يقتضي خروج غير المني، مثل أن يكون قَد سبق
منهُ ملاعبته لأهله، أو فكر قبل نومه، أو يكون بهِ إبردة فخرج منهُ بلل بسببها،
فلم يوجب الغسل في هَذهِ الصور؛ لأن إحالة البلل الخارج على السبب الموجود المعلوم
أولى من إحالته على سبب موهوم.
فإن لَم يوجد شيء من هَذهِ الأسباب لزمه الغسل؛ لأن
خروج المني من النائم بالاحتلام هوَ الأغلب، فيحال البلل عند لشك عليهِ دونَ المذي
وغيره؛ لأن خروج ذَلِكَ في النوم أندر، ولأن ذمته قَد اشتغلت بطهارة قطعاً، ولا
يتيقن، بل ولا يغلب على الظن صحة صلاته بدون الإتيان بطهارة الوضوء والغسل، فلزمه
ذَلِكَ.
والقول الثاني: لا غسل عليهِ بذلك حتى يتيقن أنَّهُ
مني، وَهوَ قول مجاهد،
وقتادة، والحكم، وحماد، ومالك، والشافعي، وإسحاق،
وأبي يوسف، لأن الأصل الطهارة، فلا يجب الغسل بالشك.
والقول الأول أصح.
ولا يشبه هَذا من تيقن الطهارة وشك في الحدث؛ فإن
ذاك لَم يتيقن شيئاً موجباً لطهارة في ذمته، بل هوَ مستصحب للطهارة المتيقنة، ولم
يتيقن اشتغال ذمته بشيء، وهذا قَد تيقن أن ذمته اشتغلت بطهارة،___
فلا تبرأ ذمته بدون الإتيان بالوضوء والغسل.
ورجح هَذا القول طائفة من محققي الشافعية - أيضاً.
وأما إن رأى الرجل والمرأة احتلاماً، ولم ير بللاً،
فلا غسل عليهِ، كَما دل عليهِ هَذا الحديث الصحيح، وحكاه الترمذي عَن عامة أهل
العلم، وحكاه ابن المنذر إجماعاً عَن كل من يحفظ عَنهُ من أهل العلم.
وقال ابن حجر في "فتح الباري" (1/ 389):
* وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كِتْمَانَ
مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِنَّ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ شهوتهن
للرِّجَال، وَقَالَ بن بَطَّالٍ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ النِّسَاءِ
يَحْتَلِمْنَ وَعَكَسَهُ غَيْرُهُ، فَقَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ
النِّسَاءِ لَا يَحْتَلِمْنَ،
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَاد بن بَطَّالٍ الْجَوَازُ،
لَا الْوُقُوعُ أَيْ فِيهِنَّ قَابِلِيَّةُ ذَلِكَ.
* وَفِيهِ: دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى
الْمَرْأَة بالإنزال وَنفى بن بَطَّالٍ الْخِلَافَ فِيهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ
عَنِ النَّخَعِيِّ،
وَكَأَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ لَمْ تَسْمَعْ حَدِيثَ
الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ أَوْ سَمِعَتْهُ وَقَامَ عِنْدَهَا مَا يُوهِمُ خُرُوجَ
الْمَرْأَةِ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ نُدُورُ بُرُوزِ الْمَاءِ مِنْهَا.
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ
فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ:
أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: "يَا رَسُولَ
اللَّهِ، وَهَلْ لِلْمَرْأَةِ مَاءٌ؟" فَقَالَ:
(هُنَّ شَقَائِقُ الرِّجَالِ)."
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ:
(إِذَا رَأَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَاءَ كَمَا يَرَاهُ الرَّجُلُ)،
وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ
حَدِيثِ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ: (لَيْسَ
عَلَيْهَا غُسْلٌ حَتَّى تُنْزِلَ كَمَا يُنْزِلُ الرَّجُلُ)،
وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَاءَ
الْمَرْأَةِ لَا يَبْرُزُ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ إِنْزَالُهَا بِشَهْوَتِهَا،
وَحُمِلَ قَوْلُهُ: (إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ)، أَيْ: عَلِمَتْ بِهِ، لِأَنَّ
وُجُودَ الْعِلْمِ هُنَا مُتَعَذِّرٌ، لِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ بِهِ عِلْمَهَا
بِذَلِكَ، وَهِيَ نَائِمَةٌ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ، لِأَنَّ الرَّجُلَ لَوْ
رَأَى أَنَّهُ جَامَعَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ أَنْزَلَ فِي النَّوْمِ، ثُمَّ
اسْتَيْقَظَ، فَلَمْ يَرَ بَلَلًا، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا.
فَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ
عِلْمَهَا بِذَلِكَ بعد أَن استيقظتْ، فَلَا يَصح، لِأَنَّهُ لايستمر فِي
الْيَقَظَةِ مَا كَانَ فِي النَّوْمِ إِنْ كَانَ مُشَاهَدًا فَحَمْلُ الرُّؤْيَةِ
عَلَى ظَاهِرِهَا هُوَ الصَّوَابُ.
* وَفِيهِ: اسْتِفْتَاءُ الْمَرْأَةِ بِنَفْسِهَا
وَسِيَاقُ صُوَرِ الْأَحْوَالِ فِي الْوَقَائِعِ الشَّرْعِيَّةِ لِمَا يُسْتَفَادُ
مِنْ ذَلِكَ.
وَفِيهِ جَوَازُ التَّبَسُّمِ فِي التَّعَجُّبِ
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: (فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا) فِي
بَدْءِ الْخَلْقِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ _تَعَالَى_." اهـ
وقال القاضي عياض _رحمه الله_ في "إكمال المعلم
بفوائد مسلم" (2/ 151):
"وفيه كلِّه: دليلٌ على أن الولد من
المائين جميعاً، وردٌّ على من ذهب أنه من ماء المرأةِ، وأن ماء الرجل إنما هو له
عاقدٌ كالأنفحة للبن." اهـ
[تعليق]: ففي "صحيح مسلم" (1/ 250/ 30) (رقم:
311):
عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ،
حَدَّثَهُمْ:
أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ، حَدَّثَتْ أَنَّهَا سَأَلَتْ
نَبِيَّ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي
مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_: «إِذَا رَأَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ فَلْتَغْتَسِلْ»
فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: وَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ
ذَلِكَ، قَالَتْ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟
فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟ إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ
غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ، فَمِنْ أَيِّهِمَا
عَلَا، أَوْ سَبَقَ، يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ»
وقال محمد بن علي بن آدم الإثيوبي _رحمه الله_ في
"البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (7/ 509):
"وبالجملة: فالحياء صفة ثابتة لله
تعالى، على ما يليق بجلاله، بلا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ
شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، والله تعالى أعلم بالصواب."
اهـ
وقال الإثيوبي في "ذخيرة العقبى في شرح
المجتبى" (4/ 200)
في فوائد الحديث:
* منها: أن فيه ترك الاستحياء لمن عرضت له
مسألة دينية،
* واستفتاء المرأة بنفسها في مثل هذا،
* وفيه: وجوب الغسل على المرأة إذا وجدت الماء،
* وفيه: إثبات أن المرأة لها ماء،
* وفيه: رد على من أنكر بروز الماء للمرأة، وقال:
إنما يعرف إنزالها بشهوتها، وقد تقدم البحث عنه،
* وفيه: إثبات
القياس وإلحاق حكم النظير بالنظير،
* وفيه: جواز الضحك في التعجب،
* وفيه: زجر من يلوم على من يسأل عما جهله، وإن كان
مما يستحى منه. والله أعلم." اهـ
وقال الإثيوبي في "ذخيرة العقبى في شرح
المجتبى" (4/ 200_201):
المسألة السابعة: في مذاهب العلماء في
حكم الاحتلام:
قال ابن المنذر رحمه الله: أجمع كل من يُحفَظ عنه
العلم أن الرجل إذا رأى في منامه أنه احتلم أو جامع ولم
يجد بللا أن لا غسل عليه،
واختلفوا فيمن
رأى بللا ولم يتذكر احتلاما:
* فقالت طائفة: يغتسل، روينا ذلك عن ابن عباس،
والشعبي، وسعيد بن جبير، والنخعي، وقال أحمد: أحب إلى أن يغتسل إلا رجل به
أبْردَة، وقال إسحاق: يغتسل إذا كانت بلة نطفة،
* وروينا عن الحسن أنه قال: إذا كان انتشر إلى أهله
من الليل فوجد من ذلك بلة فلا غسل عليه، وإن لم يكن كذلك اغتسل،
* وفيه: قول ثالث، وهو أن لا يغتسل حتى يوقن بالماء
الدافق، هكذا قال مجاهد، وهو قول قتادة،
وقال مالك، والشافعي، وأبو يوسف: يغتسل إذا علم
بالماء الدافق،
وقال الخطابي: ظاهره يوجب الاغتسال إذا رأى البلة،
وإن لم يتيقن أنه الماء الدافق، وروي هذه القول عن جماعة من التابعين،
وقال أكثر أهل العلم: لا يجب عليه الاغتسال حتى
يعلم أنه بلل الماء الدافق. اهـ عمدة القاري ج 3 ص 236 - 237.___
قال الجامع عفا الله عنه: الذي
يترجح عندي قول من قال بالوجوب إذا رأى البلة وإن لم يتيقن أنه الماء الدافق،
لإطلاق الحديث في ذلك حيث قال "إذا رأت الماء"، فلم يقيده بذلك، بل علق
الحكم بمجرد رؤية الماء. والله أعلم.
ومثل الرجل في هذا المرأة، ولم يخالف فيه إلا
النخعي على ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عنه ذلك، وهو محجوج بالنص. والله أعلم."
اهـ
وقال ابن عبد البر _رحمه الله_ في "الاستذكار"
(1/ 292):
"وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَالَّذِي
قَبْلَهُ: إِيجَابُ الْغُسْلِ عَلَى النِّسَاءِ إِذَا احْتَلَمْنَ وَرَأَيْنَ
الْمَاءَ حُكْمُهُنَّ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الرِّجَالِ فِي الِاحْتِلَامِ إِذَا كَانَ
مَعَهُ الْإِنْزَالُ
وَهَذَا مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ
العلماء والحمد لله
وأكثر أصحاب بن شِهَابٍ يَقُولُونَ فِي هَذَا
الْحَدِيثِ نَعَمْ إِذَا وَجَدَتِ الْمَاءَ
وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَأَنَسٍ
فِي قِصَّةِ أُمِّ سُلَيْمٍ وَكَذَلِكَ رَوَتْهُ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ عَنِ
النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ
وَالْعُلَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ مُجْمِعُونَ فِيمَنْ
وَجَدَ الْمَاءَ الدَّافِقَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِي التَّمْهِيدِ هَذَا
الْمَعْنَى." اهـ
وقال ابن العطار _رحمه الله_ في "العدة في شرح
العمدة في أحاديث الأحكام" (1/ 220_221):
"أمَّا أحكام الحديث:
ففيه: السؤال عن العلم؛ إذا جهله، أو علمه، أو
احتاج إلى زيادة إيضاح.
وفيه: تقديمُ الاعتذار قبل المعتذَر منه، وإن كان
واجب الفعل؛ لأجل العادة.
وفيه: الاحتياط لعدم سوء الظن بالشخص بعدم الأدب
العادي، وإن لم يكن سوء أدب شرعًا.
وفيه: أن بيان المطلوب؛ إنما هو فيما وافق الشرع،
لا العادة.
وفيه: السؤال في الاستفتاء: بهل؛ تنبيهًا على عدم
معرفة السائل؛ فلا يقول هكذا قلت أنا، ولا كنت أعلم ذلك من غيرك، أو قال فلان:
بخلاف قولك.
وفيه: أنَّ لفظة (على) مقتضاها: الوجوب.
وفيه: جواب المفتي: بنعم، مع قيد في الحكم؛ إذا
كان.
وفيه: أنَّ المرأة يجب عليها الغسل بخروج المني
سواء النوم، واليقظة؛ كما يجب على الرجل بخروجه؛ وهو مجمع عليه.
وكذلك أجمعوا على أنه: يجب بإيلاج الحشفة في الفرج.
وكذلك أجمعوا على إيجابه بالحيض، والنفاس.
واختلفوا في إيجابه على من ولدت ولدًا، ولم تر ماءً
أصلًا، أو ألقت مضغة أو علقة، والأصح عند أصحاب الشَّافعي: وجوب الغسل، ومن لا
يوجبه أوجب الوضوء.
ومذهب الشَّافعي - رحمه الله -: أنَّه يجب الغسل
بخروج المني، سواء كان بشهوة، أو دفق، أم بنظر في النوم، أو في اليقظة؛ وسواء
أحسَّ بخروجه، أم لا، وسواء خرج من العاقل، أو من المجنون.
ثم المراد بخروج المني: أن يخرج إلى الظاهر، أمَّا
ما لم يخرج؛ فلا يجب الغسل؛ وذلك بأن يرى النائم، أنَّه يجامع وأنه قد أنزل، ثم
يستيقظ، فلا يرى شيئًا، فلا غسل عليه بإجماع المسلمين.
وكذلك لو اضطرب بدنه لمبادئ خروج المني، فلم يخرج؛
وكذا لو نزل المني إلى أصل الذكر، ثم لم يخرج؛ فلا غسل، وكذا لو صار المني في وسط
الذكر، وهو في صلاة، فأمسك بيده على ذكره، فوقَ حائل، فلم يخرج المني حتى سلَّم من
صلاته، صحت صلاتُه، فإنه ما زال متطهرًا حتى خرج.
والمرأة كالرجل في هذا؛ إلَّا إذا كانت ثيبًا، فنزل
المني إلى فرجها، فإنه يجب الغسل، كما تقدم ذكره، وإن كانت بكرًا؛ لم يلزمها، ما
لم يخرج من فرجها، لأنَّ داخل فرجها كداخل إحليل الرجل، والله أعلم.
وفيه: جواز
استفتاء المرأة بنفسها.
وفيه: قبول خبرها؛ وهو مجمع عليه.
وفيه: استحباب حكاية الحال في الوقائع الشرعية مع
الحكم، والله أعلم.
وفيه: رد على من يزعم أنَّ ماء المرأة لا يبرز،
وإنما يعرف إنزالها بشهوتها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (نعمْ؛ إذا رأتِ
الماءَ)." اهـ
وقال العثيمين _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال
والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 322):
"فالحديث فيه فوائد:
* منها: الأدب العالي للصحابة - رضي الله عنهم-
وذلك يتمثل في قول أم سليم: "إن الله لا يستحي من الحق".
* ومنها: وصف الله تعالى بالحياء لقولها:
"لا يستحي من الحق"، ولو كان الحياء ممتنعا على الله لامتنع عليه الحياء
مطلقا من حق وغير حق، فلما نفى أن يستحي من الحق دل على أنه تعالى يستحي من غيره،
وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الله يوصف
بالحياء، وهو صفة حقيقية ثابتة لله على الوجه اللائق به، وليس كحيائنا نحن، بل
بينه وبين حيائنا كما بين الإنسان وذات الله عز وجل، فهو لا يشبه حياء المخلوقين،
وبهذا الطريق وعلى هذا الأساس نسلم من كل شبهة،
وتطمئن قلوبنا أيضا؛ لأن مذهب أهل السنة - والحمد لله- هين سهل، فيه براءة للذمة،
وفيه إعمال للنصوص كلها، فنحن نثبت الحياء لله على
وجه يليق به ولا يشبه حياء المخلوقين، وقد ثبت عن النبي - عليه الصلاة والسلام-
وصف الحياء إثباتا لا نقيا؛ حيث قال: ___
"إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه
أن يردهما صفرا". فقال: إن الله حيي كريم.
فإن قال قائل: إن الله لا يوصف إلا بالكمال، فهل
الحياء كمال؟
فالجواب: نعم، هو كمال؛ ولهذا قال النبي صلى الله
عليه وسلم: "الحياء شعبة من الإيمان". والإيمان كمال، زقال - عليه
الصلاة والسلام-: "إن مما ادرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي
فاصنع ما شئت". وهذا الحديث له معنيان:
المعنى الأول: أن الذي ليس عنده حياء يصنع ما يشاء
وإلا يبالي.
والمعنى الثاني: أنك إذا أردت أن تفعل شيئا وهو لا
يستحيا منه فافعله: "اصنع ما شئت"، وكلا المعنيين صحيح.
فإن قال قائل: هل من الحياء أن يسكت الإنسان عن
الشيء من دين الله يشكل عليه؟
فالجواب: لا، ليس هذا من الحياء، بل هذا من الخوف
والجبن وضعف الشخصية، والواجب: أن يسأل الإنسان عن كل شيء يتعلق بدينه، لاسيما بعد
أن انقطع الوحي بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم فإننا الآن قد آمنا أن ينزل الوحي
بتحريم شيء حلال أو إيجاب شيء غير واجب، فليسأل ولا يستحي نعم، إذا كان الشيء مما
يستحيا من التصريح به فليكني عنه، وباب الكناية واسع، وإذا كان مما لابد أن يصرح
به لكن أراد الإنسان أن يكون السؤال بينه وبين المسئول فليؤخر لا بأس، أما إذا كان
خاليا من هذا فإن الحياء يعني الجبن، وضعف الشخصية، وهو حرام بهذه المثابة، الواجب
على الإنسان أن يسأل كما أمر الله تعالى: {فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}
[النحل: 43].
ومن فوائد هذا الحديث: أن
النساء يحتلمن كما يحتلم الرجال لقولها؛ رضي الله عنها" "هل على المرأة
غسل إذا هي احتلمت"، و"إذا" في الغالب تقال للشرط المحقق، لكنها
شرط للزمان لا للوقوع، بخلاف "إن" فإنها شرط للوقوع.
ومن فوائد هذا الحديث: أن
الاحتلام بلا إنزال لا يجب فيه الغسل حتى لو أحس الإنسان باللذة ولكن لم يخرج شيء
فلا غسل عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيد هذا بما إذا رأت الماء.
ومن فوائد هذا الحديث: أنها
- أي: المرأة- ومثلها الرجل لو رأى بعد استيقاظه أثر الجنابة وتيقن أنه مني وجب
عليه الغسل، وإن لم يذكر احتلاما؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل مدار___الحكم
على رؤية الماء، وهذا يقتضي أنه متى رؤي الماء وجب الغسل؛ ولهذا قيد بعض الفقهاء
هذه فقال: من موجبات الغسل: خروج المني دفقا بلذة من غير نائم، وقصده بذلك: أن
النائم قد ينزل ولا يحس بنفسه، لكنه إذا استيقظ رأى أثر الجنابة فهنا يجب الغسل.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه
لا يجب الغسل بانتقال المني إذا لم يخرج لقوله: "إذا هي رأت الماء". وهذا القول هو الراجح،
وقد ذهب بعض أهل العلم إى أن المني إذا انتقل ولكن
لم يخرج لفتور الشهوة أو لغير ذلك من الأسباب فإنه يجب عليه الغسل، لكن هذا قول
ضعيف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيد وجوب الغسل برؤية الماء؛ لأن الشيء في
باطنه لا يعتبر شيئا؛ ولهذا أجسامنا ممتلئة بالعذرة، وممتلئة بالبول، ولا يكون هذا
نجسا، حتى إن العلماء ضربوا مثلا، قالوا: لو أن رجلا حمل وهو يصلي قارورة فيها
نجاسة، وظاهرها طاهر مفصول والغطاء محكم؛ فالصلاة غير صحيحة، ولو حمل طفلا فالصلاة
صحيحة، مع أن بطنه مملوء بالقاذورات؛ لأن الشيء في معدنه ليس له حكم.
فائدة: هل الإحساس بانتقال الحيض كخروجه؟
إذن نقول: هذا الحديث يدل على أن الإنسان لو أحس
بانتقال المني لقوة شهوته ولكن لم يخرج فلا غسل عليه، وهل مثله انتقال الحيض؛
يعني: لو أن المرأة أحست بانتقال الحيض لكن لم يخرج الدم فهل نقول: انتقاله
كخروجه؟
الجواب: إن قلنا: إن انتقال المني كخروجه، صار
انتقال الحيض كخروجه، وإن قلنا: لا، صار انتقال الحيض ليس كخروجه، وتظهر الفائدة
في امرأة صائمة أحست قبل غروب الشمس بقليل بأن الحيض انتقل، ولكن لم يخرج إلا بعد
غروب الشمس؛ فعلى القول بأن الانتقال كالخروج يكون صومها باطلا، وعلى القول الراجح
صومها صحيح؛ لأنه لم يخرج إلا بعد غروب الشمس.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب الغسل مع الشك؛
يعني: إاذ وجد النائم بللا بعد استيقاظه ولا يدري أهو جنابة أم بول أم مذي ما
يدري، هل يجب عليه الغسل أم لا؟ لا يجب.
من أين نأخذ هذا؟ من قوله: "إذا رأت
الماء". لم يقل: إذا ظنت الماء، أو إذا غلب على ظنها، قال: "إذا رأت
الماء"، فإذا استيقظ النائم ورأى بللا ولا يدري أهو عرق، أو بول، أو مذي، أو___سائل
آخر أو مني، فليس عليه غسل، ولكن هل يجب عليه ان يغسل ما أصابه؟ نقول: نعم يغسله
احتياطا، أما الغسل فلا يجب، ولا فرق في ذلك بين أن يتقدم نومه ما يثير الشهوة أو
لا ما دام على شك، فالأصل براءة الذمة، وهذا الحديث يدل على ما ذكرنا.
ومن فوائد الحديث: الفائدة
العظيمة وهي أن الشريعة الإسلامية مبنية على الحقائق لا على الأوهام، ولا على
الظنون إلا فيما طلب من الإنسان فعله فلا حرج عليه أن يبني عل ظنه أنه أتى بالفعل
المطلوب، لكن الأوهام الطارئة على أصل ثابت هذه لا عبرة بها في الشريعة، وهذه
قاعدة من أحسن قواعد الإسلام حتى يبقى الإنسان غير متحير ولا قلق، وإلا لبقي
الإنسان في أوهام لا نهاية لها، أما ما طولب الإنسان به وغلب على ظنه أنه اداه فإن
الظن يكفي ولهذا قلنا: إذا شك هل طاف سبعة أشواط أو ستة وغلب على ظنه أنها سبعة،
كم تكون؟ سبعة، كذلك أيضا في الصلاة شك هل صلى ثلاثا أو أربعا وغلب على ظنه أنها
أربعا فهي أربعا، لكن الصلاة فيها سجود السهو، والطواف ليس فيه سجود السهو؛ لأن
أصله ليس فيه السجود فكذلك سهوه.
المهم: أن هذه من نعمة الله عز وجل أن الشريعة
الإسلامية تحارب القلق محاربة تامة، والحمد لله هذا من تيسير الله، لو أن الإنسان
كلما أصيب بما يوجب الشك ذهب مع الشك ما قر له قرار ولا اطمأن له بال، لكن من نعمة
الله هو ما ذكرته لكم، كذلك مر علينا من قبل قصة الرجل الذي يجد في نفسه شيئا
ويشكل عليه أخرج منه أو لا فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
ومن فوائد هذا الحديث - ولا سيما زيادة
مسلم-: جواز استكشاف الأمر حتى من الكبراء؛
بمعنى: أن الإسلام جعل للإنسان الحرية أن يستكشف عن الأمر الذي يمكن إدراكه وذلك
في قول أم سلمة: "هل يكون ذلك" وهي تخاطب الرسول، وهي تعلم رضي الله
عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر أن المراة تحتلم؛ لأنه من لازم حكمه أن
عليها الغسل إذا رأت الماء أن يكون الاحتلام واقعا، فهي قد عرفت أن الرسول أقرها
لكن استكشفت كيف يكون ذلك، وهل يكون؟
فمن فوائده: جواز
الاستكشاف عما يمكن إدراكه وبيانه، أما ما لا يمكن فالاستكشاف عنه غلط؛ ولهذا قال
الإمام مالك رحمه اله في الذي سأل عن كيفية الاستواء قال: السؤال عنه بدعة لكن ما
يمكن إدراكه لا بأس أن تسأل.
ومن فوائد هذا الحديث: تواضع
النبي صلى الله عليه وسلم التواضع الجم؛ حيث إن زوجته تتكلم تقول:___
هل يكون هذا؟ وربما يظن السامع أنها تعترض وحاشاها
من ذلك، ولكنها تريد أن تستكشف، بينما لو أن أحدنا كلمته زوجته في مثل هذا جاءت
امرأة تستفتيه وقال: عليك كذا وكذا، فقالت الزوجة: كيف يصير علي كذا وكذا هل يمكن؟
ماذا يقول؟ على كل حال هذا: من خلق النبي - عليه الصلاة والسلام- وحسن سيرته، ولكن
يا إخوان إذا مر عليكم مثل هذا وقيل: هذا من سيرة الرسول، هذا من خلقه، هل المراد
أن تعلموه علما نظريا؟ لا، أبدا المراد أن تطبقوه، وإلا فما الفائدة، فينبغي
للإنسان أن يمارس مثل هذه الأمور، وأن يعود نفسهعلى ما كان الرسول صلى الله عليه
وسلم يعتاده في أهله.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه
ينبغي تعداد الأدلة وتنويعها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نعم"،
وهذا دليل شرعي يكتفى به عند كل مؤمن، وأضاف إلى هذا الدليل دليلا حسيا، وهو قوله:
"فمن أين يكون الشبه؟ ".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه
ينبغي للمستدل أن يذكر الدليل الذي يقتنع به المخاطب من الناحيتين الشرعية والحسية
وكذلك العقلية إذا أمكن؛ لأنه كلما ازدادت الأدلة ازداد الإنسان طمأنينة، ويدل
لهذا الأصل العظيم: أن إبراهيم الخليل عليه السلام قال: {رب أرني كيف تحي الموتى}،
فقال الله له: {أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260]. فليس الخبر
كالمعاينة، فأراه الله عز وجل ذلك فيما أمره به أن يفعل ففعل؛ فرأى كيف يحيي الله
الموتى عز وجل.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه
ربما يستدل بالشبه على ثبوت النسب لقوله: "فمن أين يكون الشبه؟ "، ويؤيد
هذا ما ورد في قصة عتبة بن أبي وقاص حينما زنى فولد له ولد من الزنا، فلما مات
عتبة تنازع اخوه سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة في هذا الولد الذي ولد، عبد بن
زمعة قال: يا رسول الله، هذا أخي ولد على فراش أبي، وقال سعد: هذا ابن أخي عتبة
عهد به إلي، وقالسعد للرسول - عليه الصلاة والسلام-: يارسول الله، انظر شبهه، فنظر
إليه النبي - عليه الصلاة والسلام- فراىشبها بينا بعتبة فأعمل هذا الشبه لم يلغه،
ولكنه احال الحكم على سبب أقوى وهو الفراش، فقال - عليه الصلاة والسلام-: "الغلام
لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر"، فثبت الآن أن هذا الغلام
أخ لسودة بنت زمعة، زوجة الرسول - عليه الصلاة والسلام-، ولكنه لما رأى الشبه بين
لعتبة قال لها: "احتجبي منه يا سودة". فهنا أعمل الشبه، مع أن الولد
شرعا الذي حصل فيه التنازع لمن؟ لزمعة شرعا، يرثه إخوانه ويرثونه____وبينهما
محرمية، لكن أعمل النبي صلى الله عليه وسلم الشبه وجعل سودة تحتجب منه من باب
الاحتياط نظرا لهذا الشبه، فدل ذلك على اعتبار الشبه في الأمور الاحتياطية."
اهـ
ومن فوائد الحديث أيضا:
هذا الحديث العظيم وما في معناه من الروايات المتعددة
يشتمل على فوائد كثيرة جداً، ومن تلك الفوائد ما يلي:
1_ فيه: بيان فضل أمهات المؤمنين والصحابيات
في حرصهن على التعلم والسؤال عن أمور الدين، حتى في المسائل الدقيقة المتعلقة
بالطهارة والاحتلام.
2_ فيه: جواز سؤال النساء عن أمور دينهن، ولو
في مسائل الحياء، لأن العلم لا يُستحى منه فيما يتعلق بالحق، لقوله: «إِنَّ اللهَ
لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ».
3_ فيه: تصريح بوجوب الغسل على المرأة إذا
احتلمت ورأت الماء، كما هو الحكم للرجل سواء بسواء.
4_ فيه: أن العبرة برؤية الماء (المني) لا
بمجرد الاحتلام أو الرؤيا، لقوله ﷺ: «إِذَا رَأَتِ المَاءَ».
5_ فيه: أن المرأة قد تحتلم كما يحتلم الرجل،
وهذا من دلائل اكتمال الطبيعة البشرية للمرأة.
6_ فيه: أن الحياء في طلب العلم محمود ما لم
يمنع من معرفة الحكم الشرعي، أما إذا منع، فهو مذموم.
7_ فيه: أن النبي ﷺ كان يعلم الرجال والنساء
بالرفق والحكمة، ويجيب عن الأسئلة الدقيقة بلا حرج ولا غضب.
8_ فيه: أن العلم الشرعي يجب أن يُسأل عنه
أهل الذكر، والمرأة لا تتعلم بالظن، بل تسأل كما فعلت أم سليم.
9_ فيه: إثبات أن الشبه في الولد يكون من جهة
أي النطفتين سبق إلى الرحم، وهذا من الإعجاز النبوي العلمي.
10_ فيه: جواز الضحك تعجبًا من المسائل أو
الأجوبة كما ضحكت أم سلمة رضي الله عنها.
11_ فيه: إثبات أن الصحابيات كنَّ شديدات
الأدب مع النبي ﷺ، فقد غطت أم سلمة وجهها حين استحيت.
12_ فيه: إثبات جواز السؤال بحضور غير السائل
إذا لم يكن في ذلك فتنة، كما حصل بحضور أم سلمة مع أم سليم.
13_ فيه: أن المرأة الصالحة الحيية قد تُعجب
من بعض الأمور الفطرية دون إنكار للشرع، وهذا من فطرة الطهر فيهن.
14_ في قوله ﷺ: «تربت يمينك»: أنه من أساليب
العرب في الخطاب لا يُراد به الدعاء، بل للتعجب أو الزجر اللطيف.
15_ فيه: استنباط قاعدة فقهية: أن الغسل لا
يجب، إلا بوجود الموجب الحسي (وهو رؤية المني)، لا بمجرد الشعور أو التخيل.
16_ في قولها: "فضحت النساء":
دلالة على غيرة المرأة وحرصها على ستر جنسها، وهذا من خصال النساء الفاضلات.
17_ فيه: إثبات أن العلم الشرعي شامل لأحكام
الرجال والنساء، وأن كليهما مخاطب بالتكاليف الشرعية على السواء.
18_ فيه: بيان أن الإسلام دين واقعي، لا يمنع
من مناقشة الأمور المتعلقة بالغريزة والطهارة إذا كان ذلك طلبًا للحق.
19_ فيه: دقة النبي ﷺ في تقرير الأحكام
بعبارات مختصرة جامعة، فجوابه: «إذا رأت الماء» قاعدة عامة في باب الغسل.
20_ في قوله: "فبِمَ يُشْبِهُهَا
ولدُها": بيان سبب الشبه الوراثي من حيث سبق أحد النطفتين، وهو من إعجاز
النبوة.
21_ في اختلاف ألفاظ الروايات: فائدة لطالب
العلم في معرفة طرق الحديث وتنوع ألفاظه مع اتحاد المعنى.
22_ فيه: أن الصحابة كانوا ينقلون أدق ما
يسمعون من النبي ﷺ، ولو في الأمور الخاصة، لأن المقصود نشر العلم.
23_ في تعدد الروايات: زيادة تأكيد لصحة
الحديث وانتشاره بين الصحابة، مما يدل على ثبوته وشهرته.
24_ في رواية الطبراني قولها: «تَبًّا لَكِ»
يدل على أن أم سلمة قالتها غير قاصدة الإهانة، بل إنكارًا لطريقة السؤال، وهذا من
حرصها على الستر.
25_ فيه: أن النبي ﷺ أقر قول السائلة (إن
الله لا يستحيي من الحق)، مما يدل على أن استعمال هذه العبارة مشروع عند الحاجة.
26_ فيه: أن الأصل في الأسئلة أن تكون بنية
التعلم، لا التعنت، ولهذا أثنى النبي ﷺ ضمنيًا على أم سليم في حرصها على الفهم.
27_ فيه: أن الرؤيا التي يُرى فيها الجماع
إذا لم يُرَ المني فلا توجب الغسل، فميز بين الاحتلام الشرعي والرؤيا العادية.
28_ فيه: بيان أن النطفة هي أصل خلق الإنسان،
وأن اختلاف صفاتها هو سبب اختلاف صفات الأبناء.
29_ فيه: أن علم النبي ﷺ لم يكن بالتجربة أو
الطب، بل بوحي من الله تعالى، لقوله: «فبِمَ يُشْبِهُهَا ولدُها».
30_ فيه: إثبات كمال الحياء في النبي ﷺ مع
كمال بيانه للحق، فهو لا يترك التعليم حياءً ولا يتكلم بلفظ فاحش.
31_ في قوله "إذا رأت الرطب
فلتغتسل": دليل على أن الرطوبة الناتجة عن
المني توجب الغسل، بخلاف المذي ونحوه.
32_ فيه: بيان أهمية وجود أمهات المؤمنين في
نقل العلم إلى النساء، إذ كنّ واسطة بين النساء والنبي ﷺ في كثير من الأحكام
الخاصة.
33_ في تكرار هذا السؤال من أكثر من امرأة:
دلالةٌ على أن المسألة كانت خفية عند كثير من النساء.
34_ فيه: أن الدين لا يقوم على الاستحسان أو
العادات، بل على الدليل، فالحياء لا يمنع من بيان الحكم الشرعي.
35_ فيه: أن تعليم النبي ﷺ بالأسلوب العملي
والسؤال الجوابي فيه فائدة تربوية عظيمة للمعلمين والدعاة.
36_ فيه: فائدة فقهية: أن الاحتلام نفسه لا
يوجب الغسل، إلا إن خرج المني حقيقة، سواء عند الرجل أو المرأة.
37_ فيه: أن الإسلام راعى طبيعة المرأة
النفسية في الستر والحياء، ولذلك كان النبي ﷺ يجيب برفق دون تعنيف.
38_ في هذه الأحاديث: تأصيل منهج الفقه في
الطهارة الكبرى، وهو أحد أهم أبواب الفقه بعد الإيمان والصلاة.
39_ في قول النبي ﷺ "نعم" جوابًا
للسؤال الأول: سرعةُ جوابه لتقرير أصل الحكم بلا تردد، وهذا من فقه التعليم.
40_ فيه: فائدة أدبية: أن الخطاب النبوي كان
بليغًا يجمع بين التعليم والرحمة، كما في قوله: «تربت يمينك» على وجه الملاطفة.
Komentar
Posting Komentar