شرح الحديث 94 (باب المبادرة إلى الخيرات) من الرياض

 

[94] الثامن: عَنْهُ:

أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ يَومَ خيبر:

«لأُعْطِيَنَّ هذِهِ الرَّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَفتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيهِ».

قَالَ عُمَرُ _رضي الله عنه_:

"مَا أحبَبْتُ الإِمَارَة إلا يَومَئِذٍ، فَتَسَاوَرتُ لَهَا رَجَاءَ أنْ أُدْعَى لَهَا، فَدَعا رسولُ الله _صلى الله عليه وسلم_ علِيَّ بْنَ أَبِيْ طَالِبٍ _رضي الله عنه_، فَأعْطَاهُ إيَّاهَا،

وَقالَ: «امْشِ وَلا تَلتَفِتْ حَتَّى يَفتَح اللهُ عَلَيكَ».

فَسَارَ عليٌّ شيئاً، ثُمَّ وَقَفَ ولم يلتفت فصرخ: "يَا رَسُول الله، عَلَى ماذا أُقَاتِلُ النّاسَ؟"

قَالَ: «قاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إله إلا اللهُ، وَأنَّ مُحَمداً رسولُ الله، فَإِذَا فَعَلُوا ذلك فقَدْ مَنَعوا مِنْكَ دِمَاءهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلا بحَقِّهَا، وحسَابُهُمْ عَلَى الله» رواه مسلم.

 

«فَتَسَاوَرْتُ» هُوَ بالسين المهملة: أي وثبت متطلعاً.

 

ترجمة أبي هريرة الدوسي _رضي الله عنه_ :

 

اختلف فِي اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا،

فقيل: اسمه عبد الرحمن بْن صخر بن  ذي الشري بْن طريف بْن عيان بْن أَبي صعب بْن هنية بْن سعد ابن ثعلبة بْن سليم بْن فهم بْن غنم بْن دوس بْن عدثان بن عَبد الله بن زهران بن كعب بن الْحَارِثِ بْن كعب بْن عَبد اللَّهِ بن مالك ابن نصر بْن الأزد.

 

وفي "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (34/ 366_367) للمزي:

"ويُقال: كَانَ اسمه فِي الجاهلية عبد شمس وكنيته أبو الأسود...وروي عَنْهُ أنه قال، إنما كنيت بأبي هُرَيْرة أني وجدت أولاد هرة وحشية فحملتها فِي كمي، فقيل: ما هَذِهِ؟ فقلت: هرة، قِيلَ فأنت أَبُو هُرَيْرة."

وذكر أَبُو القاسم الطبراني: أن اسم أمه ميمونة بنت صبيح." اهـ

 

وفي "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (34/ 377):

"وَقَال عَمْرو بْن علي: نزل المدينة، وكان مقدمه وإسلامه عام خيبر، وكانت خيبر فِي المحرم سنة سبع."اهـ

 

وفي "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (34/ 378):

"قال سفيان بْن عُيَيْنَة، عن هشام بْن عروة: مات أَبُو هُرَيْرة، وعائشة سنة سبع وخمسين.

وَقَال أَبُو الحسن المدائني، وعلي ابن المديني، ويحيى بْن بكير، وخليفة بْن خياط، وعَمْرو بْن علي: مات أَبُو هُرَيْرة سنة سبع وخمسين." اهـ

 

وفي تاريخ الإسلام ت بشار (2/ 561) للذهبي :

"قَالَ الْبُخَارِيُّ : رَوَى عَنْهُ: ثمان مائة رَجُلٌ أَوْ أكثر.

قلت: روي لَهُ نَحْو من خمسة آلاف حديث وثلاث مائة وسبعين حديثًا (5370). في الصحيحين منها: ثلاث مائة وخمسة وعشرون حديثًا (325)، وانفرد الْبُخَارِيُّ أيضًا لَهُ بثلاثة وتسعين (93)، ومسلم بمائة وتسعين (190)." اهـ

 

نص الحديث وشرحه:

 

الثامن : عَنْهُ[1] :

أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ يَومَ خيبر:

«لأُعْطِيَنَّ هذِهِ الرَّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَفتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيهِ»

قَالَ عُمَرُ _رضي الله عنه_:

"مَا أحبَبْتُ الإِمَارَة إلا يَومَئِذٍ، فَتَسَاوَرتُ لَهَا رَجَاءَ أنْ أُدْعَى لَهَا، فَدَعا رسولُ الله _صلى الله عليه وسلم_ علِيَّ بْنَ أَبِيْ طَالِبٍ _رضي الله عنه_، فَأعْطَاهُ إيَّاهَا،

وَقالَ : «امْشِ وَلا تَلتَفِتْ حَتَّى يَفتَح اللهُ عَلَيكَ» .

فَسَارَ عليٌّ شيئاً ثُمَّ وَقَفَ ولم يلتفت فصرخ: "يَا رَسُول الله، عَلَى ماذا أُقَاتِلُ النّاسَ؟"

قَالَ: «قاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إله إلا اللهُ، وَأنَّ مُحَمداً رسولُ الله، فَإِذَا فَعَلُوا ذلك فقَدْ مَنَعوا مِنْكَ دِمَاءهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلا بحَقِّهَا، وحسَابُهُمْ عَلَى الله» رواه مسلم.

«فَتَسَاوَرْتُ» هُوَ بالسين المهملة: أي وثبت متطلعاً.

 

وفي رواية عن أَبي العباس سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - :

أنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ يوم خَيبَر:

«لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رجلاً يَفْتَحُ الله عَلَى يَدَيهِ، يُحبُّ اللهَ وَرَسولَهُ، ويُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ»،

فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أيُّهُمْ يُعْطَاهَا. فَلَمَّا أصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رسولِ الله _صلى الله عليه وسلم_، كُلُّهُمْ يَرْجُو أنْ يُعْطَاهَا.

فَقَالَ: «أينَ عَلِيُّ بنُ أَبي طالب؟»،

فقيلَ: "يَا رسولَ الله، هُوَ يَشْتَكي عَيْنَيهِ." قَالَ: «فَأَرْسِلُوا إِلَيْه»

فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم – في عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ، فَبَرِئَ حَتَّى كأنْ لَمْ يكُن بِهِ وَجَعٌ، فأعْطاهُ الرَّايَةَ.

فقَالَ عَليٌّ _رضي الله عنه_: "يَا رَسُول اللهِ، أقاتِلُهمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟"

فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بسَاحَتهمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإسْلاَمِ، وَأخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ تَعَالَى فِيهِ، فَوَالله لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

قوله: «يَدُوكُونَ» : أي يَخُوضُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ. وقوله: «رِسْلِكَ» بكسر الراءِ وبفتحها لغتانِ، والكسر أفصح.

 

تخريج الحديث :

 

أخرجه مسلم في "صحيحه" صحيح مسلم (4/ 1871/ 33) (رقم: 2405)، وأحمد في "مسنده" (14/ 540) (رقم: 8990)، أبو داود الطيالسي في "مسنده" (4/ 187) (رقم: 2563) (رقم: 2405)، وأبو عَوانة في "مستخرجه" – ط. الجامعة الإسلامية (18/ 477) (رقم: 10604)، وسعيد بن منصور الخُراساني في "سننه" (2/ 215) (رقم: 2474)، والنسائي في "السنن الكبرى" (7/ 414) (رقم: 8350 و 8549)، وغيرهم.

 

من فوائد الحديث:

 

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (38/ 577_578):

"في فوائده:

1 - (منها): أن فيه معجزات ظاهرات لرسول الله -صلي الله عليه وسلم- قولية، وفعلية:

فالقولية: إعلامه -صلى الله عليه وسلم- بأن الله تعالى يفتح على يديه، فكان كذلك،

والفعلية: بُصاقه -صلى الله عليه وسلم- في عينه، وكان أرمد، فبرأ من ساعته.

2 - (ومنها): أن فيه فضائلَ ظاهرةً لعليّ -رضي الله عنه-، وبيان شجاعته، وحُسْن مراعاته لأمر رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، وحبه لله تعالى، ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وحبهما إياه.

3 - (ومنها): أن فيه الدعاء إلى الاسلام قبل القتال، وقد قال بإيجابه طائفة على الإطلاق،

قال النوويّ -رحمه الله-: ومذهبنا، ومذهب آخرين أنهم إن كانوا ممن لم تبلغهم دعوة الإسلام وجب إنذارهم قبل القتال، وإلا فلا يجب، لكن يستحبّ، وقد سبقت المسألة مبسوطة في أول "كتاب الجهاد"، وليس في هذا ذِكر الجزية، وقبولها إذا بذلوها، ولعله كان قبل نزول آية الجزية، والله تعالى أعلم.

وقال القرطبيّ -رحمه الله-:

"هذه الدَّعوة قبل القتال التي تقدَّم القول فيها في___"الجهاد"، وقد فسَّرها في الرواية الأخرى في مسلم قال: "فصرخ عليٌّ: يا رسول الله! على ماذا أقاتل الناس؟ قال: قاتِلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمَّدًا رسول الله، فإذا فعلوا فقد منعوا منا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله"،

فهذا هو حقّ الله المذكور في الرواية المتقدِّمة. انتهى "المفهم" [6/ 276)].

4 - (ومنها): أن فيه دليلًا على قبول الإسلام، سواءٌ كان في حال القتال، أم في غيره،

5 - (ومنها): أنه يُشترط في صحة الإسلام النطق بالشهادتين، فإن كان أخرس، أو في معناه كَفَتْه الإشارة إليهما، والله تعالى أعلم.

 

ومن فوائد الحديث أيضا:

 

في هذا الحديث العظيم فوائد كثيرة جدًّا في العقيدة والفقه والسير والأخلاق، ومن أبرزها ما يلي:

1_ فيه: فضل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث شهد له النبي ﷺ بأنه يحبّ الله ورسوله، وأن الله ورسوله يحبانه، وهذه أعظم شهادة يمكن أن ينالها عبد.

2_ فيه: إثبات صفة المحبة لله ولرسوله ﷺ، وأنها صفة حقيقية تليق بجلال الله تعالى، على ما يليق به سبحانه من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تعطيل، ولا تكييف.

3_ فيه: بيان أن محبة الله ورسوله من أعظم المقامات الإيمانية، وهي سبب لرفعة العبد واصطفائه للنصر والتمكين.

4_ فيه: مشروعية الجهاد في سبيل الله، وأن المقصود منه هو إعلاء كلمة التوحيد، لا الغنيمة ولا الجاه ولا الدنيا.

5_ فيه: بيان أن غاية القتال في الإسلام هي الدعوة إلى التوحيد، كما قال ﷺ: «قاتِلْهُم حتّى يشهدوا أن لا إله إلا الله...»، فالمقصد الأعظم هو دخول الناس في دين الله.

6_ فيه: أن الدخول في الإسلام يعصم الدم والمال، لقوله ﷺ: «فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها».

7_ فيه: أن الحكم في الدنيا على الظاهر، وأما السرائر فإلى الله تعالى، لقوله ﷺ: «وحسابهم على الله».

8_ فيه: مشروعية تولية الأكفأ والأصلح للمسؤولية، فالنبي ﷺ أعطى الراية لعلي رضي الله عنه لأنه هو الأقدر على تحقيق النصر والطاعة لله ورسوله.

9_ فيه: حرص الصحابة _رضي الله عنهم_ على الخير والمنافسة فيه، كما فعل عمر _رضي الله عنه_ حين تمنى الإمارة في ذلك اليوم لا لحبّ الرياسة، بل لنيل الفضيلة التي وعد بها النبي ﷺ.

10_ فيه: بيان أدب عليّ رضي الله عنه في الطاعة، فإنه لما أمره النبي ﷺ أن لا يلتفت، امتثل الأمر فورًا، ولم يلتفت إلا ليطلب التوضيح في أمر شرعي.

11_ فيه: أن الاستفسار في أمر الدين محمود، إذا كان المقصود به العلم والطاعة، كما سأل عليّ: «على ماذا أقاتل الناس؟».

12_ فيه: بيان منزلة الصحابة في الحرص على اتباع أمر النبي ﷺ بدقة، وهذا من تمام محبتهم واتباعهم.

13_ فيه: أن النصر من عند الله تعالى وحده، لقوله ﷺ: «يفتح الله على يديه»، فالفاتح الحقيقي هو الله، والعبد إنما هو سبب.

14_ فيه: فضل غزوة خيبر، فهي من المواطن التي أظهر الله فيها عز الإسلام وأذل اليهود.

15_ فيه: أن القيادة في الإسلام شرف ديني ومسؤولية عظيمة، لا تُطلب للدنيا بل للقيام بأمر الله.

16_ فيه: التواضع في طلب المناصب الدينية، فإن عمر رضي الله عنه لم يكن يحب الإمارة، لكنه رغب فيها يومئذٍ لما فيها من الخير والفضل والنصر للإسلام.

17_ في الحديث: بيان فقه التعامل مع العدو، فليس القتال لإهلاك الناس، بل لدعوتهم إلى كلمة التوحيد، فإن استجابوا كُفّ عنهم.

18_ فيه: أن الإسلام دين رحمة وعدل، فبمجرد أن ينطق الكافر بالشهادتين، يُكفّ عنه ويُصان دمه وماله.

19_ فيه: حرص النبي ﷺ على ترسيخ مبدأ الطاعة والانقياد التامّ، حيث قال لعليّ: «امشِ ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك».

20_ فيه: إثبات صدق النبوة بمعجزة الإخبار بالمغيّبات، فقد أخبر ﷺ بأن الفتح سيكون على يدي عليّ رضي الله عنه، فكان كما قال.

21_ فيه: فضيلة الاستعداد النفسي والقلبي للجهاد، إذ لم يعيّن النبي القائد ابتداءً ليختبر النفوس، فظهر شوق الصحابة للخير.

22_ فيه: أن القتال لا يكون إلا بعد إقامة الحجة، لقوله ﷺ: «قاتلهم حتى يشهدوا»، فليس في الإسلام إكراه قبل البيان.

23_ فيه: أن من علامات المحبة الصادقة لله ولرسوله هي الطاعة المطلقة في الأمر والنهي، كما فعل علي رضي الله عنه.

24_ فيه: إشارة إلى أهمية الثقة بأوامر القيادة الشرعية، وعدم الالتفات أو التراجع حتى يتحقق الهدف المشروع.

25_ فيه: إرشاد القادة والدعاة من هذا الحديث في كيفية اختيار الأصلح، وغرس النية الصالحة في العمل القيادي والدعوي.



[1] يعني : أبا هريرة _رضي الله عنه_.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة