شرح الحديث 234 (بَابُ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَبْقَلَةِ، وَحَمَلِ الشَّيْءِ عَلَى عَاتِقِهِ إِلَى أَهْلِهِ بِالزَّبِيلِ) من الأدب المفرد
|
118- بَابُ الْخُرُوجِ إِلَى
الْمَبْقَلَةِ، وَحَمَلِ الشَّيْءِ عَلَى عَاتِقِهِ إِلَى أَهْلِهِ بِالزَّبِيلِ 234 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ حَمَّادِ
بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ أَبِي قُرَّةَ الْكِنْدِيِّ قَالَ: عَرَضَ أَبِي عَلَى سَلْمَانَ أُخْتَهُ، فَأَبَى
وَتَزَوَّجَ مَوْلَاةً لَهُ، يُقَالُ لَهَا: بُقَيْرَةُ،
فَبَلَغَ أَبَا قُرَّةَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ حُذَيْفَةَ
وَسَلْمَانَ شَيْءٌ، فَأَتَاهُ يَطْلُبُهُ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ فِي مَبْقَلَةٍ
لَهُ، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ، فَلَقِيَهُ مَعَهُ زَبِيلٌ
فِيهِ بَقْلٌ، قَدْ أَدْخَلَ عَصَاهُ فِي عُرْوَةِ الزَّبِيلِ - وَهُوَ
عَلَى عَاتِقِهِ -، فَقَالَ: "يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا كَانَ بَيْنَكَ
وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ؟" قَالَ: يَقُولُ سَلْمَانُ: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ
عَجُولًا} [الإسراء: 11]، فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا دَارَ سَلْمَانَ، فَدَخَلَ
سَلْمَانُ الدَّارَ فَقَالَ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ)، ثُمَّ أَذِنَ لِأَبِي قُرَّةَ، فَدَخَلَ، فَإِذَا نَمَطٌ مَوْضُوعٌ عَلَى بَابٍ، وَعِنْدَ
رَأْسِهِ لَبِنَاتٌ، وَإِذَا قُرْطَاطٌ،
فَقَالَ: "اجْلِسْ عَلَى فِرَاشِ مَوْلَاتِكَ الَّتِي تُمَهِّدُ
لِنَفْسِهَا." ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُهُ، فَقَالَ: "إِنَّ حُذَيْفَةَ كَانَ يُحَدِّثُ بِأَشْيَاءَ،
كَانَ يَقُولُهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَضَبِهِ
لِأَقْوَامٍ، فَأُوْتَي، فَأُسْأَلُ عَنْهَا؟ فَأَقُولُ: "حُذَيْفَةُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ، وَأَكْرَهُ
أَنْ تَكُونَ ضَغَائِنُ بَيْنَ أَقْوَامٍ، فَأُتِيَ حُذَيْفَةُ، فَقِيلَ لَهُ: "إِنَّ
سَلْمَانَ لَا يُصَدِّقُكَ، وَلَا يُكَذِّبُكَ بِمَا تَقُولُ، فَجَاءَنِي حُذَيْفَةُ فَقَالَ: "يَا سَلْمَانُ
ابْنَ أُمِّ سَلْمَانَ." فَقُلْتُ: "يَا حُذَيْفَةُ ابْنَ أُمِّ حُذَيْفَةَ،
لَتَنْتَهِيَنَّ، أَوْ لَأَكْتُبَنَّ فِيكَ إِلَى عُمَرَ." فَلَمَّا خَوَّفْتُهُ بِعُمَرَ، تَرَكَنِي. وَقَدْ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَنَا، فَأَيُّمَا عَبْدٌ مِنْ
أُمَّتِي لَعَنْتُهُ لَعْنَةً، أَوْ سَبَبْتُهُ سَبَّةً، فِي غَيْرِ كُنْهِهِ،
فَاجْعَلْهَا عَلَيْهِ صَلَاةً» [قال الشيخ الألباني: حسن] _________ (1) – المقبلة: الأرض تزرع بالبقل. (2) – الزبيل: الجراب الذي يصنع من الخواص. |
رواة الحديث:
* حَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ مَخْلَدٍ (ثقة حافظ مجتهد: ت. 238 هـ بـ نيسابور):
إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطر الحنظلي،
أبو محمد وأبو يعقوب، المعروف بـ"ابن راهويه" المروزي (نزيل نيسابور)، المولود:
سنة 166 هـ، من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ
م د ت س
* عَنْ حَمَّادِ
بْنِ أُسَامَةَ (ثقة ثبت ربما دلس، وكان بأخرة يحدث من كتب غيره: ت. 201 هـ بـ الكوفة):
حماد بن أسامة بن زيد القرشي مولاهم، أبو أسامة الكوفي (مولى بني هاشم (قاله
البخاري، وقيل: مولى زيد بن علي)، من صغار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* عَنْ مِسْعَرٍ (ثقة ثبت: ت. 153 هـ أو 155 هـ):
مسعر بن كدام بن ظهير بن
عبيدة بن الحارث بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالي العامري، أبو سلمة الكوفي، من كبار أتباع
التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* قَالَ:
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ(صدوق ربما وهم، ورمي بالإرجاء):
عمر بن أبي مسلم قيس، الماصر، أبو الصباح الكوفي، قيل العجلي (مولى ثقيف،
وقيل: مولى الأشعث بن قيس الكندي)، من الذين عاصروا صغار التابعين، روى له: بخ د
* عَنْ عَمْرِو
بْنِ أَبِي قُرَّةَ الْكِنْدِيِّ (ثقة):
عمرو بن أبي قرة سلمة بن
معاوية بن وهب بن قيس بن وهب بن حجر الكندي الكوفي،
من كبار التابعين، روى له: بخ د
* عَنْ سَلْمَانَ (صحابي: 34 هـ):
سلمان الخير الفارسي، أبو عبد الله بن الإسلام (أصله من
أصبهان، وقيل: من رامهرمز)، روى له: خ م د ت س
ق
نص
الحديث وشرحه:
عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي
قُرَّةَ الْكِنْدِيِّ قَالَ:
عَرَضَ أَبِي عَلَى سَلْمَانَ
أُخْتَهُ، فَأَبَى وَتَزَوَّجَ مَوْلَاةً لَهُ، يُقَالُ لَهَا: بُقَيْرَةُ،
فَبَلَغَ أَبَا قُرَّةَ
أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ حُذَيْفَةَ وَسَلْمَانَ شَيْءٌ، فَأَتَاهُ يَطْلُبُهُ،
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ فِي مَبْقَلَةٍ لَهُ، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ، فَلَقِيَهُ مَعَهُ
زَبِيلٌ فِيهِ بَقْلٌ، قَدْ أَدْخَلَ عَصَاهُ فِي
عُرْوَةِ الزَّبِيلِ - وَهُوَ عَلَى عَاتِقِهِ -، فَقَالَ:
"يَا أَبَا عَبْدِ
اللَّهِ، مَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ؟"
قَالَ: يَقُولُ سَلْمَانُ:
{وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11]،
فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا
دَارَ سَلْمَانَ، فَدَخَلَ سَلْمَانُ الدَّارَ فَقَالَ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ)،
ثُمَّ أَذِنَ لِأَبِي
قُرَّةَ، فَدَخَلَ، فَإِذَا نَمَطٌ مَوْضُوعٌ
عَلَى بَابٍ، وَعِنْدَ رَأْسِهِ لَبِنَاتٌ، وَإِذَا قُرْطَاطٌ،
فَقَالَ: "اجْلِسْ عَلَى فِرَاشِ مَوْلَاتِكَ الَّتِي تُمَهِّدُ لِنَفْسِهَا."
ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُهُ،
فَقَالَ: إِنَّ حُذَيْفَةَ كَانَ يُحَدِّثُ بِأَشْيَاءَ، كَانَ يَقُولُهَا رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَضَبِهِ لِأَقْوَامٍ، فَأُوْتَي،
فَأُسْأَلُ عَنْهَا؟
فَأَقُولُ: "حُذَيْفَةُ
أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ، وَأَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ ضَغَائِنُ بَيْنَ أَقْوَامٍ،
فَأُتِيَ حُذَيْفَةُ، فَقِيلَ لَهُ: "إِنَّ سَلْمَانَ لَا يُصَدِّقُكَ، وَلَا
يُكَذِّبُكَ بِمَا تَقُولُ،
فَجَاءَنِي حُذَيْفَةُ
فَقَالَ: "يَا سَلْمَانُ ابْنَ أُمِّ سَلْمَانَ."
فَقُلْتُ: "يَا
حُذَيْفَةُ ابْنَ أُمِّ حُذَيْفَةَ، لَتَنْتَهِيَنَّ، أَوْ لَأَكْتُبَنَّ فِيكَ
إِلَى عُمَرَ."
فَلَمَّا خَوَّفْتُهُ
بِعُمَرَ، تَرَكَنِي. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ:
«مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَنَا، فَأَيُّمَا عَبْدٌ مِنْ أُمَّتِي
لَعَنْتُهُ لَعْنَةً، أَوْ سَبَبْتُهُ سَبَّةً، فِي غَيْرِ كُنْهِهِ، فَاجْعَلْهَا
عَلَيْهِ صَلَاةً»
مسند ابن أبي شيبة (1/ 310)
عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قُرَّةَ الْكِنْدِيِّ، قَالَ:
عَرَضَ أَبِي عَلَى سَلْمَانَ أُخْتَهُ أَنْ تَزَوَّجَهُ، فَأَبَى وَتَزَوَّجَ
مَوْلَاةً لَهُ يُقَالُ [ص:311] لَهَا: بُقَيْرَةُ، قَالَ: فَبَلَغَ أَبَا
قُرَّةَ، أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ حُذَيْفَةَ وَسَلْمَانَ شَيْءٌ: فَأَتَاهُ
يَطْلُبُهُ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ فِي مَبْقَلَةٍ لَهُ، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ فَلَقِيَهُ
مَعَهُ زَبِيلٌ فِيهِ بَقْلٌ، قَدْ أَدْخَلَ عَصَاهُ فِي عُرْوَةِ الزَّبِيلِ،
وَهُوَ عَلَى عَاتِقِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَانَ بَيْنَكَ
وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ، قَالَ: يَقُولُ سَلْمَانُ: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا}
[الإسراء: 11]،
فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا دَارَ سَلْمَانَ، فَدَخَلَ
سَلْمَانُ الدَّارَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ أَذِنَ لِأَبِي
قُرَّةَ فَإِذَا نَمَطٌ مَوْضُوعٌ عَلَى بَابٍ، وَعِنْدَ رَأْسِهِ لَبِنَاتٌ
وَإِذَا قُرْطَانِ[1]،
فَقَالَ: "اجْلِسْ عَلَى فِرَاشِ مَوْلَاتِكَ الَّتِي
تُمَهِّدُ لِنَفْسِهَا."
ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ: إِنَّ حُذَيْفَةَ كَانَ
يُحَدِّثُ بِأَشْيَاءَ كَانَ يَقُولُهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِي غَضَبِهِ لِأَقْوَامٍ، فَأَتَى حُذَيْفَةَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ
سَلْمَانَ لَا يُصَدِّقُكَ وَلَا يُكَذِّبُكَ بِمَا تَقُولُ، فَأَتَانِي
حُذَيْفَةُ، فَقَالَ: يَا سَلْمَانُ، يَا ابْنَ أُمِّ سَلْمَانَ قُلْتُ: يَا
حُذَيْفَةُ يَا ابْنَ أُمِّ حُذَيْفَةَ، لَتَنْتَهِيَنَّ أَوْ لَأَكْتُبَنَّ فِيكَ
إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا خَوَّفْتُهُ بِعُمَرَ تَرَكَنِي، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَنَا، فَأَيُّمَا
عَبْدٌ مِنْ أُمَّتِي لَعَنْتُهُ لَعْنَةً، أَوْ سَبَبْتُهُ سَبَّةً فِي غَيْرِ
كُنْهِهَا فَاجْعَلْهَا عَلَيْهِ صَلَاةً»
وفي "سنن أبي داود" (4/ 215):
"عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قُرَّةَ، قَالَ:
كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ فَكَانَ يَذْكُرُ
أَشْيَاءَ قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِأُنَاسٍ
مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْغَضَبِ، فَيَنْطَلِقُ نَاسٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ
حُذَيْفَةَ فَيَأْتُونَ سَلْمَانَ فَيَذْكُرُونَ لَهُ قَوْلَ حُذَيْفَةَ،
فَيَقُولُ سَلْمَانُ: حُذَيْفَةُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ،
فَيَرْجِعُونَ إِلَى حُذَيْفَةَ فَيَقُولُونَ لَهُ:
"قَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَكَ لِسَلْمَانَ، فَمَا
صَدَّقَكَ وَلَا كَذَّبَكَ، فَأَتَى حُذَيْفَةُ سَلْمَانَ وَهُوَ فِي مَبْقَلَةٍ."
فَقَالَ: "يَا سَلْمَانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ
تُصَدِّقَنِي بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ؟"
فَقَالَ سَلْمَانُ:
"إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ يَغْضَبُ فَيَقُولُ فِي الْغَضَبِ لِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ،
وَيَرْضَى فَيَقُولُ فِي الرِّضَا لِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ،
أَمَا تَنْتَهِي حَتَّى تُوَرِّثَ رِجَالًا حُبَّ رِجَالٍ
وَرِجَالًا بُغْضَ رِجَالٍ، وَحَتَّى تُوقِعَ اخْتِلَافًا وَفُرْقَةً؟ وَلَقَدْ
عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فَقَالَ:
«أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي سَبَبْتُهُ سَبَّةً، أَوْ
لَعَنْتُهُ لَعْنَةً فِي غَضَبِي، فَإِنَّمَا أَنَا مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَغْضَبُ
كَمَا يَغْضَبُونَ، وَإِنَّمَا بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَاجْعَلْهَا
عَلَيْهِمْ صَلَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وَاللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ أَوْ لَأَكْتُبَنَّ إِلَى عُمَرَ."
وفي "سنن أبي داود" (4/ 215):
عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قُرَّةَ، قَالَ:
"كَانَ حُذَيْفَةُ
بِالْمَدَائِنِ فَكَانَ يَذْكُرُ أَشْيَاءَ قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِأُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْغَضَبِ، فَيَنْطَلِقُ
نَاسٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ حُذَيْفَةَ فَيَأْتُونَ سَلْمَانَ فَيَذْكُرُونَ
لَهُ قَوْلَ حُذَيْفَةَ، فَيَقُولُ سَلْمَانُ: حُذَيْفَةُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ،
فَيَرْجِعُونَ إِلَى حُذَيْفَةَ فَيَقُولُونَ لَهُ قَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَكَ
لِسَلْمَانَ فَمَا صَدَّقَكَ وَلَا كَذَّبَكَ، فَأَتَى حُذَيْفَةُ سَلْمَانَ
وَهُوَ فِي مَبْقَلَةٍ فَقَالَ: يَا سَلْمَانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُصَدِّقَنِي
بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ
سَلْمَانُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْضَبُ
فَيَقُولُ فِي الْغَضَبِ لِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَيَرْضَى فَيَقُولُ فِي
الرِّضَا لِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَمَا تَنْتَهِي حَتَّى تُوَرِّثَ رِجَالًا
حُبَّ رِجَالٍ وَرِجَالًا بُغْضَ رِجَالٍ، وَحَتَّى تُوقِعَ اخْتِلَافًا
وَفُرْقَةً؟ وَلَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ خَطَبَ فَقَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي سَبَبْتُهُ سَبَّةً،
أَوْ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً فِي غَضَبِي، فَإِنَّمَا أَنَا مِنْ وَلَدِ آدَمَ
أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُونَ، وَإِنَّمَا بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ،
فَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ صَلَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَاللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ
أَوْ لَأَكْتُبَنَّ إِلَى عُمَرَ." اهـ
صحيح البخاري (22/ 310) (رقم:
6361)
عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي
الله عَنهُ أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: اللَّهُمَّ!
فأيُّما مُومِنٍ سَبَبْتُهُ فاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إلَيْكَ يَوْمَ
القِيامَةِ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ
النَّبِيَّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قَالَ:
«اللَّهُمَّ إِنِّي اتَّخَذْتُ
عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ
الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ شَتَمْتُهُ، لَعَنْتُهُ، جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ
صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
صحيح مسلم (4/ 2007)
عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:
دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ
فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ، لَا أَدْرِي مَا هُوَ فَأَغْضَبَاهُ، فَلَعَنَهُمَا، وَسَبَّهُمَا،
فَلَمَّا خَرَجَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَصَابَ مِنَ الْخَيْرِ
شَيْئًا، مَا أَصَابَهُ هَذَانِ، قَالَ: «وَمَا ذَاكِ» قَالَتْ: قُلْتُ:
لَعَنْتَهُمَا وَسَبَبْتَهُمَا، قَالَ: " أَوَ مَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ
عَلَيْهِ رَبِّي؟ قُلْتُ: اللهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ
لَعَنْتُهُ، أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا "
قال الخليل بن أحمد الفراهيدي
(المتوفى: 170 هـ) _رحمه الله_ في "العين" (2/ 344):
"البَرْذَعَةُ:
الحِلْسُ الذي يُلْقَى تحت الرَّحْل وهو القِرطاط."
اهـ
وقال ابن السكيت (المتوفى:
244 هـ) _رحمه الله_ في "الكنز اللغوي في اللسن العربي" (ص: 65):
"ويقال:
قرطاط وقرطان للبرذعة." اهـ
وقال ابن قتيبة الدِّيْنَوَرِيّ
(المتوفى: 276هـ) _رحمه الله_ في "الجراثيم" (1/ 398):
"والبرذعة:
هو الحلس للبعير، وهو لذوات الحافر قرطاطٌ وقرطانٌ." اهـ
وقال ابن دُريد الأزدي
(المتوفى: 321هـ) _رحمه الله_ في "جمهرة اللغة" (2/ 757):
"والقُرْطان:
لُغَة فِي القرْطاط، وَهُوَ للسَّرج بِمَنْزِلَة الوَليَّة للرَّحْل، وَرُبمَا
استُعمل للرحل أَيْضا." اهـ
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 91) (رقم: 234)،
وأبو داود في "سننه" (4/ 215) (رقم: 4659)، وأحمد في "مسنده" –
ط. عالم الكتب (5/ 437 و 5/ 439) (رقم: 23706 و 23721)، وابن أبي شيبة في "مسنده"
(1/ 310) (رقم: 467)، والطبراني في "المعجم الكبير" (6/ 259_260) (رقم: 6156_6157)،
وأبو نعيم الأصبهاني في "تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة" (ص: 342) (رقم: 159).
وأخرجه مختصرا دون القصة: ابن أبي شيبة في "مسنده" (1/
300) (رقم: 451)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (6/ 71) (رقم: 29549)، والبزار
في "مسنده" = "البحر الزخار" (6/ 496) (رقم: 2532)،
والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة
الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (4/ 353) (رقم: 1758)، و"صحيح
الأدب المفرد" (ص: 104) (رقم: 174)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته"
(1/ 529) (رقم: 2728)
ومن فوائد الحديث:
وقال العيني _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح
البخاري" (22/ 310):
"هَذَا من جملَة خلقه الْكَرِيم وَكَرمه العميم حَيْثُ قصد
مُقَابلَة مَا وَقع مِنْهُ بِالْخَيرِ والكرامة، إِنَّه لعلى خلق عَظِيم."
اهـ
وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في
شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (40/ 690_692):
"في فوائده:
1 - (منها): بيان أن النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
بشر من بني آدم، فله صفات بني آدم، فيغضب كما يغضبون، ويأسف كما يأسفون، ولكن الله
- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - عصمه من الوقوع في المعاصي، وإن وقع منه بعض ما يعاتَب
عليه، فقد ينبّهه الله تعالي، فيرجع في الحال.
2 - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - من كمال الشفقة، وشدّة الرحمة، فإذا حصل له شيء من الصفات التي لا
يخلو البشر عنها، من الغضب على بعض الناس لسوء أدبه، فسبّه، أو لعنه، أو نحو ذلك،
فإنّه دعا الله _تعالى_ أن يجعل ذلك له زلفى إلى الله تعالي، وصلاة وزكاة، وهذا
مصداق قوله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -:
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)}
[الأنبياء: 107].
وقال في "الفتح": وفي الحديث كمالُ شفقته -
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أمته، وجميل خُلُقه، وكرم ذاته، حيث قَصَد
مقابلة ما وقع منه بالجبر، والتكريم، وهذا كلّه
في حقّ معيَّن في زمنه واضح، وأما ما وقع منه بطريق التعميم
لغير معيَّن، حتى يتناول من لَمْ يُدرك زمنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
فما أظنه يشمله، والله أعلم. انتهى ["الفتح" 14/ 398، كتاب
"الدعوات" رقم (6361)].
وقال النوويّ - رَحِمَهُ اللهُ -:
"هذه الأحاديث مُبَيّنة ما كان عليه - صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الشفقة على أمته، والاعتناء بمصالحهم، والاحتياط لهم،
والرغبة في كلّ ما ينفعهم، وهذه الرواية المذكورة آخرًا - يعني: رواية: "وليس
لها بأهل" - تبيّن المراد بباقي___الروايات المطلقة، وأنه إنما يكون دعاؤه
عليه رحمةً، وكفارةً، وزكاةً، ونحو ذلك، إذا لَمْ يكن أهلًا للدعاء عليه، والسبّ،
واللعن، ونحوه، وكان مسلمًا، وإلا فقد دعا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
على الكفار، والمنافقين، ولم يكن ذلك لهم رحمةً.
[فإن قيل]: كيف يدعو على من ليس هو باهل للدعاء عليه، أو يسبه، أو
يلعنه، ونحو ذلك؟ .
[فالجواب]: ما أجاب به العلماء، ومختصره وجهان:
أحدهما: أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالي، وفي باطن الأمر،
ولكنه في الظاهر مستوجب له، فيظهر له - صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استحقاقه لذلك بأمارة شرعية، ويكون في باطن الأمر ليس أهلًا
لذلك، وهو - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مأمور بالحكم بالظاهر، والله يتولى
السرائر.
والثاني: أن ما وقع من سبّه، ودعائه، ونحوه، ليس بمقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب
في وَصْل كلامها بلا نيّة؛ كقوله: "تربت
يمينك"، و"عقرَي، حلقَى"، وفي هذا الحديث "لا كَبِرت
سنُّك"، وفي حديث معاوية:
"لا أشبع الله بطنه"، ونحو ذلك، لا يقصدون بشيء من ذلك
حقيقة الدعاء، فخاف - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يصادف شيء من ذلك ساعة
إجابة، فسأل ربه - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -، ورَغِب إليه في أن يجعل ذلك رحمةً،
وكفارةً، وقربةً، وطَهورًا، وأجرًا،
وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذّ من الأزمان، ولم
يكن - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاحِشًا، ولا متفحشًا، ولا لعّانًا، ولا
منتقمًا لنفسه،
وقد سبق في هذا الحديث أنهم قالوا: ادع على دوس، فقال: "اللَّهُمَّ اهد دوسًا"،
وقال: "اللَّهُمَّ اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون"، والله أعلم. انتهى ["شرح
النوويّ" 16/ 151 - 153].
3 - (ومنها): بيان فضل هذه الأمة المحمّديّة، حيث جعلها الله تعالى
أمة لهذا النبيّ الكريم _عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم_، فإذا حصل لها شيء من التقصير،
حصل لها منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فضل كبير، حيث يدعو عليها، فتكون
تلك الدعوة لها قربةً إلى الله _تعالى_، بخلاف الأمم السابقة، فإنها إذا أساءت إلى
أنبيائها دعوا عليها، فهلكت، اللَّهُمَّ لك الحمد على هذه النعماء، ولك الشكر على
مزيد___الآلاء، اللَّهُمَّ أوزعنا شكرك، وألهمنا ذِكرك، ولا تجعلنا من الغافلين،
آمين." اهـ
وقال العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح
التقريب" (8/ 14):
"وَفِيهِ: بَيَانُ مَا اتَّصَفَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ - مِنْ الشَّفَقَةِ عَلَى أَمَتِهِ وَالِاعْتِنَاءِ بِمَصَالِحِهِمْ
وَالِاحْتِيَاطِ لَهُمْ وَالرَّغْبَةِ فِي كُلِّ مَا يَنْفَعُهُمْ." اهـ
وقال العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح
التقريب" (8/ 15)
وَفِيهِ جَوَازُ لَعْنِ الْعَاصِي الْمُعَيَّنِ وَقَدْ
ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ ظَوَاهِرَ الْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ
وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافَهُ.
وقال المناوي _رحمه الله_ في "فيض القدير" (1/
137):
"قال النووي في "الأذكار":
ظاهر هذه الأحاديث تدل على جواز لعن العاصي مع التعيين أي
أنه لو لم يجز لعنه كانت اللعنة على لاعنه والمشهور حرمة لعن المعين
وأجاب الزين العراقي: بأنه قد يقال إن ذلك من خواص المصطفى صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم لمقولة: (اللهم إني أتخذ عندك عهدا أيما مسلم سببته أو لعنته)،
الحديث." اهـ
قال زيد بن محمد المدخلي _رحمه الله في كتابه "عون
الاحد الصمد" (1/ ص ٢٥٩):
دل هذا الاثرُ العظيم على أن الصحابة الكرام ليسوا معصومين،
فقد يحصل من بعضهم على بعض ما يبغضه أو يخالفه، لكنه لا يجُرُّهم إلى القطيعة،
وانما كل من المتخاصمين يبذل السلام، ويكون صافي القلب لصاحبه،
* كما يستفاد من الحديث: الرجوع إلى ولي الأمر عند الاختلاف
بالمسائل والقضايا، ويطلب منه الفصل بين المتخاصمَين او المتخاصمِين بالقضية، كما
قال سلمان لحذيفة: (لأكتبَنَّ فيك إلى عمر)،
فلما خوفه بعمر، تركه، ثم أخبر أن النبي _صلى الله عليه
وسلم_ كان يغضب على أقوام، وربما يقول شيئا يكرهه الرجل الذي يواجهه النبي صلى
الله عليه وسلم به مما لا يحبه،
فجاء هذا الدعاء من الرسول صلى الله عليه وسلم_ إذ قال:
(أيما عبد من أمتي لعنته لعنة أو سببته سبة في غير كنهه - يعني
في غير حقيقه - فاجعلها عليه صلاةً)،
فصار كل كلامه _عليه الصلاه والسلام_ رحمة للامة حتى الذي
يصدر منه حال الغضب، ولو على سبيل التوبيخ والغلظة في الكلام، وكان المواجه باللوم
غيرَ مستحق له." اهـ
قال الشيخ محمد لقمان السلفي _رحمه الله_ في كتابه "رش
البرد" (ص: ١٤١):
"فيه: مناقب للصحابة لأن سلمان _رضي الله عنه_ لم يرض بإظهار
ما صدر في شان بعض الصحابة من رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أحيانا ونادرا بسبب
الاخلال بالتعظيم الواجب في شأنهم بما لهم من الصحبة." اهـ
وفي "موسوعة الألباني في العقيدة" (8/ 406):
وقد قال الإمام النووي في " شرحه على مسلم " (2/
325 طبع الهند): " وأما دعاؤه - صلى الله عليه وآله وسلم - على معاوية ففيه
جوابان:
أحدهما: أنه جرى على اللسان بلا قصد.
والثاني: أنه عقوبة له لتأخره، وقد فهم مسلم رحمه الله من
هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا الدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعله
غيره من مناقب معاوية لأنه في الحقيقة يصير دعاء له ".
وقد أشار الذهبي إلى هذا المعنى الثاني فقال في " سير
أعلام النبلاء ":
"قلت: لعل أن يقال: هذه منقبة لمعاوية لقوله - صلى الله عليه
وآله وسلم -: اللهم من لعنته أو سببته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة ".
واعلم أن قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - في هذه
الأحاديث: «إنما أنا بشر أرضى كما يرضى
البشر ... » إنما هو تفصيل لقول الله تبارك وتعالى: {قُلْ
إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ... } الآية.
وقد يبادر بعض ذوي الأهواء أو العواطف الهوجاء، إلى إنكار
مثل هذا الحديث بزعم تعظيم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وتنزيهه عن النطق
به! ولا مجال إلى مثل هذا الإنكار فإن الحديث صحيح، بل هو عندنا متواتر، فقد رواه
مسلم من حديث عائشة وأم سلمة كما ذكرنا، ومن حديث أبي هريرة وجابر رضي الله عنهما،
وورد من حديث سلمان وأنس وسمرة وأبي الطفيل وأبي سعيد وغيرهم.___انظر " كنز
العمال " (2/ 124).
وتعظيم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - تعظيماً مشروعاً،
إنما يكون بالإيمان بكل ما جاء عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - صحيحاً ثابتاً،
وبذلك يجتمع الإيمان به - صلى الله عليه وآله وسلم - عبدا ورسولا، دون إفراط ولا
تفريط، فهو - صلى الله عليه وآله وسلم - بشر، بشهادة الكتاب والسنة، ولكنه سيد
البشر وأفضلهم إطلاقاً بنص الأحاديث الصحيحة. وكما يدل عليه تاريخ حياته - صلى
الله عليه وآله وسلم - وسيرته، وما حباه الله تعالى به من الأخلاق الكريمة،
والخصال الحميدة، التي لم تكتمل في بشر اكتمالها فيه - صلى الله عليه وآله وسلم -،
وصدق الله العظيم، إذ خاطبه بقوله الكريم: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم}. - "الصحيحة"
(1/ 1/164 - 167)." اهـ
المعلم بفوائد مسلم (3/ 296):
قال الشّيخ -وفّقه الله-: إن قيل كيف يدعو - صلى الله عليه
وسلم - بدعوةٍ على من ليس لَهَا بِأهلِ. وهذا مما لا يليق به - صلى الله عليه وسلم
- قِيل المراد بقوله "ليس لها بأهل عِندك في باطن أمَره لاَ على ما يظهر
إلَيه - صلى الله عليه وسلم - (مِماّ تقتضيه حالته وجنايته حين دعائه عليه) (31)
فكَأنَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: من كان باطِن أمره عِندَك أنه ممَّن ترضى
عنه فاجعل دَعوتيِ عليه التي اقتضاها ما ظهر إليَّ من مقتضى حاله حينئذ طَهورًا
وزكاة. وهذا معنى صحيح لا إحالة فيه وهو - صلى الله عليه وسلم - متَعَبَّد
بالظواهر، وحساب النّاس في البواطن على الله تعالى، فَإن قيل: فما معنى قوله
"وأغضَب كَما يَغضَب البشر" وهذا يشير إلى أن تلك الدعوة وقعت بحكم
سَورة الغضب لا عَلىَ أنها من مقتضى الشرع فبقي السؤال على حاله. قيل: يحتمل أن
يكون - صلى الله عليه وسلم - أراد أنَّ دَعوَتَه عليه أو سَبَّه أو جَلدَه___كان
مما خير بين فعله له عقوبة للجاني أو تركِه والزجر له بما سوى ذلك فيكون الغضب لله
سبحانه بعثه على لَعنته أو جلدِه، ولا يكون ذلك خارجا عن شرعِه ولا موقِعًا له
فيماَ لا يجَوز.
ويحتمل أن يكون خرج هذا مخرج الإشفاق منه - صلى الله عليه
وسلم - وتعليمِ أمته الخوف من تعدّي حدودِ الله تعالى فكأنّه - صلى الله عليه وسلم
- يظهر الإشفاق من أن يكون الغضب يحمله على زيادة يسيرة في عقوبة الجاني لولا
الغضب ما زادها وَلاَ أوقعها ويكون ذلك من الصغائر على القول بجواز وقوعها من
الأنبياء عليهم السلام أو إشفاقا منه - صلى الله عليه وسلم - وان لم يقع فيه.
وقد يقع اللّعن والسّباب من غير قصد إليه فلا يكون في ذلك
نَازلا منزلة اللّعنة الواقعةِ رغبةً إلى الله سبحانه وطلبًا للاستجابة فمثل هذه
الطرائق ينبغي أن يسلكَ في مثل هذا الحديث." اهـ
ومن فوائد الحديث أيضا:
في هذا الحديث الجليل عن سلمان رضي الله عنه فوائد عظيمة،
منها:
1_ فيه: فهم دقيق لسيرة النبي ﷺ، وأنه بشر من البشر، يغضب ويرضى،
كما قال ﷺ: «إِنَّمَا أَنَا مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُونَ»،
ومع ذلك فإن غضبه لا يخرج عن حدود العدل، ولا يترتب عليه
إثم ولا جور، لأن الله عصمه من الظلم والقول على الباطل.
2_ فيه: بيان سموّ أخلاق النبي ﷺ ورحمته بأمته، إذ دعا أن يجعل
الله ما يصدر منه في حال الغضب من سبٍّ أو لعنٍ رحمةً لمن وقع عليه، فقال:
«فَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ صَلَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فكان ﷺ رحمة حتى في مواضع
الغضب.
3_ فيه: ورع سلمان _رضي الله عنه_ وعظيم فقهه، حيث لم يتعجّل في
تصديق أو تكذيب ما يُنقل إليه، بل فوّض الأمر إلى علم صاحبه حذيفة _رضي الله عنه_،
وقال: «حذيفة أعلم بما يقول»،
فدلّ على حكمته وتثبّته في أمور الدين وعدم الخوض فيما يثير
الفتنة.
4_ فيه: تحذير من نشر الأقوال التي تورث الفُرقة والبغضاء بين
المؤمنين، وهو قوله لسيدنا حذيفة: «أما تنتهي حتى تُورِّث رجالاً حبَّ رجالٍ
ورجالاً بغضَ رجالٍ؟»،
ففيه تنبيه على خطورة تناقل الكلام الذي يزرع العداوة بين
الصحابة أو بين المؤمنين عموماً.
5_ فيه: أدب الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم، فقد وقع الخلاف
بين سلمان وحذيفة، لكنه كان اختلافاً منضبطاً بالأدب، بلا تجريح ولا إساءة،
وفيه: من فقه التعامل مع الإخوان ما يُحتذى به.
6_ فيه: حرص الصحابة على سلامة القلوب ووحدة الصف، فكان سلمان يخشى
أن تؤدي بعض الأحاديث المنقولة على غير وجهها إلى الفتنة والفرقة، فسدَّ الباب من
أوله، وهذا من فقه المآلات والنظر في العواقب.
7_ فيه: دليل على أن الغضب من صفات البشر، لكنه لا يقدح في العدالة
إذا كان منضبطاً، لأن النبي ﷺ بشر يغضب كما يغضب الناس، لكن الله طهّره من أن يقول
في غضبه ما لا يرضاه سبحانه.
8_ فيه: إثبات أن النبي ﷺ معصوم من الإقرار على الخطأ، إذ دعا ربه
أن يجعل ما يصدر منه في الغضب من جنس الدعاء بالخير على المخاطَب، فصار قوله رحمةً
لا نقمة.
9_ فيه: إشارة إلى أن العالم أو الداعية ينبغي أن يكون حكيماً في
نقل العلم، فلا يذكر الأقوال في غير موضعها أو أمام من لا يحسن فهمها، لئلا تكون
سبباً للفرقة، كما نبّه سلمان رضي الله عنه.
10_ فيه: استحضار عظمة الصحابة رضي الله عنهم في الفقه والديانة،
فقد جمع سلمان بين العلم، والورع، والنصح للأمة، وخوف الفتنة، وحسن الظن بإخوانه،
فكان مثالاً للناصح الأمين.
11_ وفي الحديث: فائدة تربوية عظيمة، وهي وجوب التأني في الحكم على
الأقوال والمواقف حتى يُعرف سياقها ومقصود قائلها، إذ ليس كل ما يُروى يُفهم على
وجهه بمجرد اللفظ دون معرفة الحال والسبب.
12_ وفيه: شاهد على أن نشر الكلام المثير للفتن هو من أعظم أسباب
الانقسام، وأن السكوت عمّا لا مصلحة فيه هو من كمال الإيمان والعقل.
13_ وفيه: تحذير من تتبّع زلات العلماء أو نقل كلامهم في حال الغضب
أو الشدة، لأن ذلك يفتح أبواب البغضاء ويضعف الهيبة العلمية، كما أشار سلمان رضي
الله عنه في كلامه.
14_ وفيه: فقه عظيم في ضبط العواطف بالغضب والرضا، وأن الغضب لا
ينبغي أن يُحمل على إطلاقه ولا يُبنى عليه حكم شرعي أو ولاء أو براء.
15_ وفيه: أثر لهيبة عمر _رضي الله عنه_ وعدله، حيث قال سلمان:
«والله لتَنتهينَّ أو لأكتبنّ إلى عمر»،
أي: أن الخلفاء الراشدين كانوا مراجع للعدل والفصل بين
الصحابة إذا وقع خلاف.
Komentar
Posting Komentar