شرح الحديث 230 (بَابُ إِمَاطَةِ الْأَذَى) من الأدب المفرد

 

230 - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ:

عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:

"عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي، حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا أَنَّ الْأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا: النُّخَاعَةَ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ."

[قال الشيخ الألباني: صحيح]

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا مُوسَى (ثقة ثبت: 223 هـ بـ البصرة):

موسى بن إسماعيل المنقري مولاهم، أبو سلمة التبوذكي البصري (مشهور بكنيته وباسمه)، من صغار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س

 

* قَالَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ (ثقة: ت. 172 هـ):

مهدى بن ميمون الأَزْدِيُّ، ثُمَّ المِعْوَلِيُّ مولاهم، أبو يحيى البصري، من الذين عاصروا صغار التابعين، روى له: خ م د ت س ق

 

* عَنْ وَاصِلٍ (صدوق عابد: ت. 121 - 130 ه):

واصل الأزدي البصري مولى أبى عيينة (واسم أبي عيينة: عزرة بن المهلب بن أبى صفرة)، من الذين عاصروا صغار التابعين، روى له: بخ م د س ق 

 

* عَنْ يَحْيَى بْنِ عَقِيلٍ (صدوق: ت. 111 - 120 ه):

يحيى بن عقيل الخزاعي البصري (نزيل مرو)، من الوسطى من التابعين، روى له: بخ م د س ق 

 

* عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ (ثقة فصيح، وكان يرسل: ت. 129 هـ):

يحيى بن يعمر العَدْوَانِيُّ البصري، أبو سليمان (ويقال: أبو سعيد، ويقال أبو عدي، نزيل مرو، وقاضيها)، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

قال الزركلي _رحمه الله_ في "الأعلام" (8/ 177):

"يحيى بن يعمر الوشْقى العدوانيّ، أبو سليمان: أول من نقط المصاحف. ولد بالأهواز. وسكن البصرة. وكان من علماء التابعين، عارفا بالحديث والفقه ولغات العرب." اهـ

 

* عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ (ثقة فاضل، مخضرم: ت. 69 هـ):

أبو الأسود الديلي أو الدُّؤَلِي البصري: ظالم بن عمرو بن سفيان أو عمرو بن ظالم أو عمرو بن عثمان أو عثمان بن عمرو، من كبار التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ أَبِي ذَرٍّ (صحابي: ت. 32 هـ بـ الربذة):

جندب بن جنادة أبو ذر الغفاري، (وهو أخو عمرو بن عبسة لأمه)، روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:

"عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي، حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا أَنَّ الْأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا: النُّخَاعَةَ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ."

 

قال علي بن سلطان القاري _رحمه الله_ في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (2/ 599):

"وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي) أَيْ: إِجْمَالًا مِنْ غَيْرِ بَيَانِ عَامِلِيهَا، وَيَحْتَمِلُ تَفْصِيلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ

(حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا) : بِالرَّفْعِ بَدَلٌ مِنْ أَعْمَالٍ

(فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا): جَمْعِ حُسْنٍ بِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ

(الْأَذَى): أَيِ: الْمُؤْذِي يَعْنِي إِزَالَتَهُ، وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَقِيلَ لِلْجِنْسِ،

(يُمَاطُ) أَيْ: يُزَالُ

(عَنِ الطَّرِيقِ): صِفَةُ الْأَذَى قَالَهُ الطِّيبِيُّ.

(وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا) جَمْعِ سُوءٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَالْيَاءُ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الْهَمْزَةِ

(النُّخَاعَةَ): بِضَمِّ النُّونِ أَيِ: الْبُزَاقَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ الْفَمِ، وَالْمُرَادُ بِهَا: إِلْقَاؤُهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الْبُصَاقُ، وَالنُّخَامَةُ هِيَ الْبَلْغَمُ

(تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ) صِفَةُ النُّخَاعَةِ

(لَا تُدْفَنُ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْجُمْلَتَانِ صِفَتَانِ أَوْ حَالَانِ أَيْ مُتَدَاخِلَتَانِ أَوْ مُتَرَادِفَتَانِ." اهـ

 

وفي "سنن ابن ماجه" (2/ 1214):

عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

"عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي بِأَعْمَالِهَا حَسَنِهَا وَسَيِّئِهَا، فَرَأَيْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا: الْأَذَى يُنَحَّى عَنِ الطَّرِيقِ، وَرَأَيْتُ فِي سَيِّئِ أَعْمَالِهَا: النُّخَاعَةَ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ."

 

وفي "مسند أبي داود الطيالسي" (1/ 389):

عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا فَرَأَيْتُ مِنَ أَحْسَنِ أَعْمَالِهِمُ الْأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَرَأَيْتُ مِنَ سَيِّئِ أَعْمَالِهِمُ النُّخَاعَةَ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ»

 

تنبيه:

 

والسَّيِّئُ هنا هو الخطيئة والذنب كما ورد أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ _رضي الله عنه_، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا»

أخرجه البخاري في "صحيحه" (1/ 91) (رقم: 415)، ومسلم في "صحيحه" (1/ 390/ 55) (رقم: 552)

 

وقال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "فتح الباري (3/ 133):

"قوله: (خطيئة)، ظاهره: يقتضي أنه معصية، وجعل كفارة هذه المعصية دفنها.

وهذا يستدل به من يقول: إن البزاق لا يجوز في المسجد مع دفنه، كما لا يجوز لاحد أن يعمل ذنبا ويتبعه بما يكفره من الحسنات الماحية." اهـ

 

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (1/ 179)

عن سَعْدٍ بن أبي وقاص _رضي الله عنه_، قَالَ :

سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

"إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ ، فَلْيُغَيِّبْ نُخَامَتَهُ ، أَنْ تُصِيبَ جِلْدَ مُؤْمِنٍ أَوْ ثَوْبَهُ فَتُؤْذِيَهُ." – حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/ 138) (رقم: 439)

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 90) (رقم: 230)، ومسلم في "صحيحه" (1/ 390/ 57) (رقم: 553)، وابن ماجه في "سننه" (2/ 1214) (رقم: 3683)، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (1/ 388) (رقم: 485)، وابن أبي شيبة في "الأدب" (ص: 182) (رقم: 114)، وفي "مصنفه" (5/ 306) (رقم: 26349)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (5/ 178 و 5/ 180) (رقم: 21549_21550 و 21567)، والبزار في "مسنده" = البحر الزخار (9/ 352) (رقم: 3916)، وابن خزيمة في "صحيحه" (2/ 276) (رقم: 1308)، مستخرج أبي عوانة (1/ 338) (رقم: 1211)، وابن المنذر في "الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف" (5/ 128) (رقم: 2518)، وابن حبان في "صحيحه" (4/ 518) (رقم: 1640_1641)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 413) (رقم: 3590)، وفي "شعب الإيمان" (13/ 489) (رقم: 10659)، و"الآداب" (ص: 155) (رقم: 372)

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الترغيب والترهيب" (3/ 137) (رقم: 2967)، و"صحيح الأدب المفرد" (ص: 103) (رقم: 170)، و"تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 222) (رقم: 709)

 

من فوائد الحديث:

 

قال الألباني _رحمه الله_ في "الثَمَرِ المستطاب في فقه السنة والكتاب" (2/ 718)

"وهذه الأحاديث تدل على ما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم وهو جواز البصق في المسجد - عند الحاجة طبعا - إذا دفنه قال الحافظ العراقي في "شرح التقريب":

(قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيَّ فَأَمَّا مَنْ بَصَقَ فِي الْمَسْجِدِ وَسَتَرَ بُصَاقَهُ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ مَكِّيٍّ أَنَّهُ يَكُونُ خَطِيئَةً لِمَنْ تَفَلَ فِيهِ وَلَمْ يَدْفِنْهُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ.

وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَيْ عِنْدَ مُسْلِمٍ «وَوَجَدْت فِي مُسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَامَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ»

فَلَمْ يُثْبِتْ لَهَا حُكْمَ السَّيِّئَةِ بِمُجَرَّدِ إيقَاعِهَا فِي الْمَسْجِدِ بَلْ بِذَلِكَ وَبِبَقَائِهَا غَيْرَ مَدْفُونَةٍ.

(قُلْت) وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا إذْنُهُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِقَوْلِهِ أَوْ تَحْتَ رِجْلَيْهِ فَيَدْفِنُهُ إنْ حَمَلْنَا الْحَدِيثَ عَلَى إرَادَةِ كَوْنِهِ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ). – انظر: طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 381_382)

 

قال عبد الرؤوف بن تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ" (المتوفى: 1031 هـ) _رحمه الله في "فيض القدير" (4/ 313):

"قال النووي:

"ظاهره: أن الذم لا يختص بصاحب النخاعة، بل يدخل فيه كل من رآها، ولا يزيلها." اهـ

 

وقال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "فتح الباري" (3/ 133):

"(البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها).

قوله: (خطيئة) ظاهرة يقتضي أنه معصية، وجعل كفارة هذه المعصية دفنها.

وهذا يستدل به من يقول: إن البزاق لا يجوز في المسجد مع دفنه، كما لا يجوز لاحد أن يعمل ذنبا ويتبعه بما يكفره من الحسنات الماحية." اهـ

 

وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 104):

"في هذا الحديث: التنبيه على فضل كل ما نفع الناس أو أزال عنهم ضررًا. وأنَّ القليل من الخير والشر مكتوب على العبد، قال الله تعالى: ... {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} ... [الزلزلة (7، 8) ]." اهـ

 

وقال يحيى بن هُبَيْرَة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (2/ 181):

* في هذا الحديث من الفقه: أن أعمال الأمة عرضت على نبينا - صلى الله عليه وسلم - يدل عليه قوله: (فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق) أي عرضت علي الأعمال حتى هذا،

وذلك أن المسلم يمر بالطريق، وفيها حجر، ربما يتأذى به الرجل الضرير أو غيره، فيرفعه من مكانه فيعتد الله تعالى له به، حتى أنه أرى نبيه _صلى الله عليه وسلم_ ذلك،

وكذلك السيئات حتى النخامة في المسجد التي لا تدفن، ويشير بهذا إلى أنه إذا انتخم الرجل في المسجد، كان هذا منه سيئة إلا أنه لو دفنها كفرها، فكأنه لم يكتب عليه سيئة في الأول حتى أخل بتداركها في الثاني فكتبت.

* وفي هذا الحديث: ما يدل على أنه لا يجوز أن يحتقر من البر شيء، ولا يستصغر من الإثم شيء وإن قل.

* وفيه أيضًا: أن الصحائف على ما يخفى فيها من الأعمال الثقال، فإنها لا يغادر منها لمثاقيل الذر.

* وفيه أيضًا: إشارة إلى أنها لم تعرض على رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، إلا وهي بسبيل أن يستغفر لأهلها منها، ويستوهبها لهم كما قال:

(تعرض علي أعمال أمتي، فإن رأيت حسنًا شكرت الله، وإن رأيت سيئًا استغفرت الله)،

لأنه قد علم الله سبحانه وتعالى رحمة نبيه لأمته فلا يعرض عليه سيئات أعمالهم إلا رفقًا بهم لعلمه أنه يستغفر لهم.

فقد وصفه الله عز وجل: {عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} فلم يعرض عليه إلا ليكون ذلك تبريرًا لشفاعاته المحبوبة ومسائله المطلوبة، والحمد لله رب العالمين." اهـ

 

وقال الزيداني في "المفاتيح في شرح المصابيح" (2/ 69)

إماطةُ الأذى عن الطريق من جملة الحسنات، وإلقاءُ البزاق في المسجد من جملة السيئات.

 

وقال عبد العزيز بن محمد السلمان في "موارد الظمآن لدروس الزمان" (1/ 548_549):

"وَيُسَنُّ صِيَانَةُ المَسَاجِدِ عَنْ كُلِّ وَسَخٍ، وَقَذَرٍ، وَقَذَاةٍ، وَمُخَاطٍ، وَبُصَاقٍ، وَتَقْلِيمِ أَظْفَارٍ، وَقَصِّ شَارِبٍ، وَحَلْقِ رَأْسٍ، وَنَتْفِ إِبْطٍ،

* لِمَا وَرَدَ عَنْ أَنَسٍ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ _صلى الله عليه وسلم_: «عُرِضَتْ عَلَيّ أُجُورُ أَعْمَالِ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةَ يُخْرِجُهَا الرَّجُل مِنَ المَسْجِدِ» * وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عُنْهُ - قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «البُصَاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَة، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» [خ م].

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:

أَنَّ امرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدِ فَفَقْدِهَا رَسُولُ اللهِ _صلى الله عليه وسلم_، فَسَأَلَ عَنْهَا بَعْدَ أَيَّامٍ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ: «فَهَلا أَذَنْتُمُونِي»؟ فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا. [خ م]

وَعَنْ سُمْرَةَ بنُ جُنْدَبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ:

أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَتْخِذَ الْمَسَاجِدِ فِي دِيَارِنَا وَأَمَرَنَا أَنْ نُنَظِّفُهَا. [د حم]

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ _رَضِي اللهُ عَنْهُمَا_، قَالَ:

بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ _صلى الله عليه وسلم_ يَخْطُبُ يَوْمًا إِذَا رَأَى نُخَامَةً فِي قَبْلَةِ المَسْجِدِ فَتَغَيَّظَ عَلَى النَّاس ثُمّ حَكَّهَا - قَالَ: وَأَحْسِبْهُ قَالَ -: فَدَعَا بِزَعْفَران فَلَطَّخَهُ بِهِ، وَقَالَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قِبَلَ وَجْهِ___أَحِدِكُمْ إِذَا صَلَّى فَلا يُبْصُقُ بَيْنَ يَدَيْهِ» [حم].

وَعَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللهُ عُنْهُ - قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللهِ _صلى الله عليه وسلم_:

«مَنْ تَفَلَ تِجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفْلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» .

وَعَنْ أَبِي سَهْلَةَ السَّائِبِ بنِ خَلادٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيّ _صلى الله عليه وسلم_:

أَنَّ رَجُلاً أَمَّ قَوْمًا فَبَصَقَ فِي القِبْلَةِ، وَرَسُولُ اللهِ _صلى الله عليه وسلم_ يَنْظُرُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ فَرَغَ: «لا يُصَلِّي لَكُمْ هَذَا» . فَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّي لَهُمْ فَمَنَعُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ رِسُولِ الله _صلى الله عليه وسلم_،

فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «نَعَمْ» . وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّكَ آذَيْتَ اللهَ وَرَسُولَهُ» [د]." اهـ

 

ومن فوائد الحديث:

 

هذه الأحاديث الشريفة تبين لنا دقّة الشريعة في رعاية مصالح العباد وصيانة أماكن العبادة، وفيها فوائد كثيرة، منها:

 

1/ فيه: عظم شأن الأعمال الصغيرة، فقد يظن الناس أن إماطة الأذى عن الطريق أمر يسير لا قيمة له، لكن النبي ﷺ جعله من محاسن الأعمال، مما يدل على أن الله لا يضيع أجر أي عمل، ولو كان صغيراً.

2/ فيه: بيان رحمة الإسلام وشموله، فهو دين يأمر حتى برفع الأذى من الطريق العام رحمة بالخلق، فيدخل في ذلك كل ما يضر المارة من حجر أو شوك أو زجاج ونحوها.

3/ فيه اهتمام النبي _صلى الله عليه وسلم_ بحقوق العباد، فرفع الأذى عن الطريق فيه نفع مباشر للناس وحفظ لسلامتهم، وهو من أعمال الإحسان التي يحبها الله _تعالى_.

4/ فيه: خطورة الاستخفاف بالمعاصي، كما أن العمل الصغير قد يكون من أعظم الحسنات، فإن العمل الذي يراه المرء هيناً – مثل البصاق في المسجد وتركه دون تنظيف – قد يُعدّ من السيئات العظيمة عند الله.

5/ فيه: أمر بتعظيم بيوت الله، فإلقاء النخاعة في المسجد من أقبح الأعمال؛ لأنها تنافي الطهارة، وتدل على قلة تعظيم شعائر الله، ولذلك عُدّت من سيئات الأعمال.

6/ فيه: أن الأعمال تعرض على النبي ﷺ، وهذا من كرامته _عليه الصلاة والسلام_، إذ أراه الله أعمال أمته ليبشر بالخير ويحذر من الشر.

7/ فيه الترغيب في الطهارة الحسية والمعنوية، إذ شُرِعَ إزالة الأذى من الطريق (طهارة ظاهرة) ومنع الأذى في المسجد (طهارة مكان العبادة)، وهما مظهران لجمال الإسلام.

8/ فيه: إثبات أن الجزاء عند الله مبني على النية والإخلاص، فإماطة الأذى عبادة إذا قصد بها وجه الله، وليست مجرد عادة دنيوية.

9/ فيه دلالة على أن المصلحة العامة مقدمة، فالشريعة اعتبرت رفع الضرر عن عموم الناس من أفضل الأعمال، مما يربي المسلم على حب الخير لغيره.

10/ فيه تربية على الأدب في المساجد، فلا يجوز فعل ما ينافي الاحترام، بل يُشرع الاعتناء بنظافتها وتطييبها وإبعاد كل ما ينفر الناس منها.

11/ فيه: بيان شمولية الشريعة، إذ لم تقتصر على العبادات البحتة، بل شملت حتى ما يتعلق بالطريق والنظافة العامة.

12/ فيه: أن الله مطّلع على أعمال العباد كلها، فكل عملٍ محسوبٌ ومسجّلٌ، حسنًا كان أو سيئًا.

13/ فيه: أن الجزاء لا يتعلّق بكبر العمل وصغره، بل بما فيه من نفع أو ضرر، فقد يكون عمل يسير أعظم أجراً من عبادات طويلة إذا عظم نفعه.

14/ فيه: حث على التعاون على البر والتقوى برفع الأذى، وتربية الأمة على نفع الناس والاهتمام بالمصالح العامة.

15/ فيه: خطورة الغفلة عن صغائر الذنوب، فالنخاعة في المسجد – مع صغرها في نظر الناس – عدّت من مساوئ الأعمال.

16/ فيه: فضل إصلاح البيئة، فإماطة الأذى عن الطريق إصلاحٌ للمكان العام، مما يدل على اهتمام الإسلام بالبيئة ونظافتها.

17/ فيه: تربية على الحياء وحسن الذوق، فالنخاعة في المسجد فعل مستقبح ينفر منه الناس، والشريعة تنهى عن كل ما يشين الذوق العام.

18/ مراعاة مشاعر الآخرين، إذ البصاق في المسجد يؤذي الناس حساً ومعنى، وفيه مخالفة للأخوة الإيمانية.

19/ فيه: أن العمل القليل المستمر أحب من العمل الكبير المنقطع، فرفع الأذى يتكرر كثيراً في حياة المسلم، فيكون رصيداً من الحسنات.

20/ فيه: بيان مكانة المسجد عند الله، وأنه ينبغي أن يكون أنظف مكان وأطهره، تهيئةً للعبادة والخشوع.

21/ فيه: ترغيب في اغتنام فرص الخير: فكل ما يمر بالمسلم من أذى في الطريق فرصة لحسنة جديدة.

22/ فيه تحذير من ترك السنن المتعلقة بالآداب، إذ قد يُكتب على العبد سيئة بسبب تهاونه في أمر يُظن أنه يسير.

23/ فيه: تأكيد على أن الإسلام دين جماعي، فإنه يهتم بمصلحة الجماعة كما يهتم بعبادة الفرد، فلا خير في عبادة بلا إحسان للناس.

24/ تربية المسلم على المراقبة: لأن النبي ﷺ اطلع على أعمال الأمة، فالمؤمن يستحي أن يراه الله على قبيح عمل.

25/ فيه: إحياء روح المراقبة لله، فالمؤمن يستشعر أن أعماله معروضة على الله ثم على نبيه ﷺ، فيزداد حياءً من الله أن يراه على معصية أو تقصير.

26/ فيه: تعليم الناس قيمة العمل الصالح ولو كان صغيرًا، فالخطيب يمكن أن يذكّر أن إزالة حجر أو زجاج من الطريق قد يكون سببًا في دخول الجنة.

27/ فيه: التربية على تعظيم شعائر الله، فالتحذير من النخاعة في المسجد دعوةٌ لتربية القلوب على احترام بيوت الله وصيانتها من أي أذى.

28/ فيه: تركيز على أثر العمل في المجتمع، فالأعمال التي تنفع الآخرين لها وزن عظيم عند الله، وهذا يغرس في النفوس حب نفع الناس وخدمتهم.

29/ فيه: إثارة الوعي بنظافة البيئة، فيمكن للخطيب أن يجعل الحديث مدخلًا للحديث عن مسؤولية المسلم تجاه نظافة الطرقات والحدائق والمدارس والمساجد.

30/ فيه: غرس قيمة الأدب العام، فالمسلم مأمور أن يكون راقيًا في سلوكه، فلا يُؤذي المارة ولا يُنفر الناس في المسجد بأفعال مستقذرة.

31/ فيه تحذير من الاستهانة بالصغائر، فقد تكون سيئة صغيرة سببًا في غضب الله، كما أن حسنة صغيرة قد ترفع درجات.

32/ فيه: تربية على حب الخير للغير، إذ إزالة الأذى عن الطريق نفعه للناس جميعًا، وفيه ترسيخ لمبدأ: "خير الناس أنفعهم للناس".

33/ فيه: إنشاء الأمل للمسلمين: فحتى من لم يستطع القيام بالعبادات الكثيرة، يستطيع أن يغتنم هذه الأعمال اليسيرة التي يكثر ثوابها.

34/ فيه: ترسيخ صورة المسلم القدوة، فالمسلم الحقيقي هو الذي ينفع غيره، يحترم المسجد، ويجعل سلوكه دعوةً إلى دينه.

35/ فيه تذكير بعظم أهوال يوم القيامة، حيث يحاسب العبد على جميع أعماله: الكبيرة والصغيرة!

 

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة