شرح الحديث 184 (الترغيب في الوضوء وإسباغه) من صحيح الترغيب
|
184 - (10) [صحيح لغيره] وعنه أيضاً؛ "أنه
دعا بماءٍ فتوضأ ثم ضَحكَ، فقال لأصحابه: ألا تسألوني ما أضحكني؟ فقالوا:
ما أضحكك، يا أمير المؤمنين؟ قال:
رأيتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأَ كما توضأتُ، ثم ضحك
فقال: "ألا تسألوني: ما أضْحكَكَ؟! ". فقالوا:
ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: "إن العبد إذا دعا بوَضوءٍ، فغسلَ وجْهَه؛ حَطَّ الله عنه
كلَّ خطيئةٍ أصابَها بِوجهِهِ، فإذا غسل ذِراعَيْهِ كان كذلك، وإذا طَهَّر
قَدَمَيْهِ كان كذلك". رواه أحمد بإسناد جيد، وأبو يعلى، ورواه البزار بإسناد صحيح، وزاد
فيه: "فإذا مسح رأسه، كان كذلك". |
تخريج الحديث:
أخرجه أحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب
(1/ 58) (رقم: 415)، والبزار في "مسنده" = "البحر الزخار" (2/
74) (رقم: 420)، و"كشف الأستار عن زوائد البزار" (1/ 143) (رقم: 271)، وأبو
نعيم في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (2/ 297) عن عثمان بن عفان
_رضي الله عنه_.
قال الهيثمي _رحمه الله_ في "مجمع الزوائد
ومنبع الفوائد" (1/ 224):
"قُلْتُ: هُوَ فِي الصَّحِيحِ
بِاخْتِصَارٍ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ."
اهـ
والحديث صحيح لغيره: صرح
بذلك شعيب الأرنؤوط _رحمه الله_ في مسند أحمد ط الرسالة (1/ 474) (رقم: 415)
من فوائد الحديث:
وهذا الحديث تضمن فوائد مهمة:
1_ ففي الحديث: بيان فضل الوضوء، وأنه من
أعظم أسباب مغفرة الذنوب؛ لأن الوضوء عبادة متكررة في اليوم والليلة، يطهِّر الله
بها عبده من الخطايا كلما تجددت الطهارة.
2_ وفيه: سَعة رحمة الله ومغفرته، إذ جعل _سبحانه_
الغَسل بالماء سببًا لمحو ما ارتُكب بالجوارح من الذنوب، رحمةً بعباده ولُطفًا
بهم.
3_ وفيه: الجمع بين الطهارة الحسية
والمعنوية، فكما يُطهِّر الماءُ الجسدَ من الأوساخ، يُطهِّر الوضوءُ القلبَ من
الأدران والذنوب.
4_ وفيه: أن الوضوء عبادة متكررة تُجدِّد
الإيمان، ولذلك قال ﷺ: «الطُّهور شطر الإيمان» [أخرجه صحيح مسلم (1/ 203/ 1) (رقم:
223)]؛ لأن فيها تجديدًا للعهد مع الله.
5_ والحديث يُدخل السرور والطمأنينة على قلب
المؤمن، إذ يعلم أن الله يغفر له مع كل وضوءٍ، فلا ييأس من رحمته.
6_ وفيه: دلالة على محبة الله للمتطهرين، كما
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}
[البقرة: 222]، فالمتوضئ محبوبٌ عند الله.
7. الوضوء تربية للنفس على دوام التوبة،
فالمؤمن يُكرّر الوضوء كما يُكرّر الاستغفار، وكلاهما تجديد لعلاقته بربه.
8_ وفيه: إشارة إلى أن الطهارة مفتاح الصلاة
والطواف، فلا تُقبل صلاة ولا طواف إلا بطهارةٍ، مما يدل على عظمتها وشرفها. قال
النبي _صلى الله عليه وسلم_ لعائشة _رضي الله عنها_ يوم حجة الوداع حين حاضتْ:
«افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لاَ
تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» [أخرجه البخاري في "صحيحه" (1/
68) (رقم: 305)، ومسلم في "صحيحه" (2/ 873/ 120) (رقم: 1211)]
9_ فيه: الاقتداء بالنبي ﷺ في الهيئة والعمل،
كما فعل عثمان _رضي الله عنه_، إذ توضأ كما توضأ النبي ﷺ ليُعلِّم الناس بالسلوك
العملي.
10_ فيه: أدب التعليم بالسؤال، إذ قال لهم
عثمان: «ألا تسألوني ما أضحكني؟»، فدلّهم على الطريقة الحسنة في التعليم بإثارة اهتمام
السامع.
11_ فيه: حرص الصحابة على العلم، إذ بادروا
بالسؤال لمعرفة سبب ضحك عثمان _رضي الله عنه_، حبًّا في التعلم واقتداءً بالنبي ﷺ.
12_ فيه: أن الضحك المباح لا يُنافي الوقار،
فقد ضحك النبي ﷺ ضحك سرورٍ ورحمة، لا ضحك عبثٍ ولهو.
13_ فيه: تعليم الناس بالفعل قبل القول،
فالتربية بالفعل أبلغ في التأثير من مجرد الموعظة اللفظية.
14_ فيه: استحباب التعليم بطريقة محببة، كما
فعل النبي ﷺ حين ابتسم ثم بيّن الفضل، ليرسخ المعنى في القلوب.
15_ فيه: أمانة الصحابة في نقل السنة، إذ
نقلوا وضوءه وضحكه وقوله بدقةٍ تامة، مما يدل على عظيم ضبطهم للدين.
16_ فيه: حثّ على نشر العلم بالقدوة، لأن
التطبيق العملي يُوقظ القلوب ويُرسّخ المعنى في النفوس أكثر من الكلام النظري.
17_ فيه: أن الوضوء عبادة توقيفية، لا مجال
للعقل في تفاصيلها، فلا يجوز الابتداع فيها بزيادة أو نقصان.
18_ فيه: دلالة على أن الذنوب تُكتب على
الجوارح، وأنها تُمحى بالطاعات المقابلة، وهذا من عدل الله وحكمته.
قال الله _تعالى_: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى
قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ
فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ
سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ
الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ» {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا
كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14].
[أخرجه الترمذي في "سننه" – ت. شاكر (رقم:
3334)، وابن ماجه في "سننه" (رقم: 4244) – حسنه
الألباني في "صحيح الجامع الصغير" (1/ 342) (رقم: 1670)]
19_ فيه: أن الوضوء عبادة قلبية قبل أن تكون
جسدية، لأن النية شرطها، فمن توضأ تعبُّدًا، غُفر له، ومن توضأ عادةً لم يُثَب.
20_ فيه: ارتباط ظاهر الجسد بباطن النفس،
فطهارة الأعضاء تنعكس صفاءً في القلب، كما أن المعصية تظلم الوجه والقلب معًا.
21_ فيه: أن الطاعات تُذهِب آثار الذنوب كما
يُذهِب الماءُ الدَّرنَ عن الثوب، وهذه صورة بديعة تُظهر كرم الله وَجُوْدَهُ.
22_ فيه: دليل على ترتيب أعضاء الوضوء، لأن
عثمان _رضي الله عنه_ توضأ على وفق فعل النبي ﷺ، والترتيب واجبٌ عند الجمهور.
23_ وفي زيادة البزّار: «فإذا مسح رأسه، كان
كذلك» دليلٌ على أن المسح ركنٌ من أركان الوضوء، لا يُجزئ تركه.
24_ فيه: حثّ على إحسان الوضوء، لأن المغفرة
مرتبطة بالإتقان؛ فكلما أحسن العبد وضوءه، عظُم أجره.
25_ فيه: مشروعية التبسم والبِشر في التعليم،
فهو من خُلق النبي ﷺ، ويُعين على قبول العلم.
26_ فيه: جواز بيان الفضل والترغيب للمؤمنين،
إذا كان القصد الحثَّ على الطاعة، لا المباهاة.
27_ فيه: أن الوضوء عبادة مستقلة يُثاب عليها
العبد، ولو لم يُصلِّ بعدها، لما ورد من النصوص الدالة على فضلها بذاتها.
28_ والحديث يُرغّب في المحافظة على الوضوء
الدائم، لأن فيه طهارةً مستمرة ومغفرةً متجددة.
29_ فيه: دعوة إلى تصحيح النية في الأعمال
اليومية، فالمؤمن يجعل حتى وضوءه عبادةً لله، لا عادةً دنيوية.
30_ فيه: تعليم للدعاة أن القدوة بالفعل أبلغ
في التأثير من كثرة المواعظ.
31_ فيه: بيان أن الوضوء المتكرر خلال اليوم
يُجدّد الإيمان ويُزيل آثار الغفلة.
32_ فيه: فتح باب الرجاء للمذنبين، لأن الله
يغفر الذنوب بأعمال يسيرة إذا أُريد بها وجهه الكريم.
33_ فيه: إشارة إلى أن الله يحبّ عبده الذي
يبادر إلى الطهارة، لأن الطهارة دليل على حياة القلب.
34_ فيه: تذكير بمراقبة الله في الجوارح، لأن
هذه الجوارح التي تُطهَّر اليوم ستشهد غدًا يوم القيامة.
35_ فيه: تنبيه على حفظ الجوارح بعد الطهارة،
فلا ينبغي أن يعود بها إلى المعصية بعد أن طهّرها الله بالماء والإيمان.
Komentar
Posting Komentar