شرح الحديث 183 (الترغيب في الوضوء وإسباغه) من صحيح الرغيب

 

183 - (9) [صحيح] وعنه[1]:

أنه [أتِيَ بِطَهورٍ وهو جالسٌ على (المقاعدِ) (3) فـ] (4) توضأ، فأحسَنَ الوُضوءَ، [ثم قال:

رَأيتُ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتوضأُ وهو في هذا المجلسِ، فأحْسَنَ الوُضوءَ]، (5) ثم قال:

"من تَوضأَ مِثلَ وُضوئي هذا، ثم أتى المسجدَ، فَركعَ ركعتين، ثم جَلَس؛ غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه". قال: وقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

"لا تغتروا".

رواه البخاري وغيره.

__________

(3) موضع قرب المسجد النبوي، كان يجلس فيه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عند باب الجنائز، انظر "صحيح مسلم" (3/ 63).

(4) سقطتا من الأصل، واستدركتهما من "البخاري"، وهو في مختصري له برقم (104)، وسقوط الزيادة الثانية مفسد للحديث؛ لأنه يصير موقوفاً كما هو ظاهر، وهو مما لم يثبته محمد مصطفى عمارة وغيره! وقد استفادها المعلقون الثلاثة دون الأولى من الطبعة السابقة!

(5) سقطتا من الأصل، واستدركتهما من "البخاري"، وهو في مختصري له برقم (104)، وسقوط الزيادة الثانية مفسد للحديث؛ لأنه يصير موقوفاً كما هو ظاهر، وهو مما لم يثبته محمد مصطفى عمارة وغيره! وقد استفادها المعلقون الثلاثة دون الأولى من الطبعة السابقة!

 

وفي "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (6/ 164) للإثيوبي:

"وقوله: "وَلَا تَغْتَرُّوا": أي بتكفير الذنوب بهذا الوضوء وصلاة ركعتين بعده كما سبق بيان ذلك، فتستكثروا من الأعمال السيّئة،

وقال في "الفتح": أي لا تحملوا الغفران على عمومه في جميع الذنوب، فتسترسلوا في الذنوب اتّكالًا على غفرانها بالصلاة، فإن الصلاة التي تُكفّر الذنوب هي المقبولة، ولا اطّلاع لأحد عليه، أو أن الْمُكَفَّرَ بالصلاة هي الصغائر، فلا تغترّوا، فتعملوا الكبيرة بناءً على تكفير الذنوب بالصلاة، فإنه خاصّ بالصغائر، أو لا تستكثروا من الصغائر، فإنها بالإصرار تُعطَى حكم الكبيرة، فلا يُكفّرها ما يُكفّر الصغيرة، أو ذلك خاصّ بأهل الطاعة، فلا يناله من هو مُرتبِكٌ في المعصية." اهـ

 

وفي "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (23/ 44):

"قَوْله: (لَا تغتروا) فتَجْسُرون على الذُّنُوب معتمدين على الْمَغْفِرَة للذنوب فَإِن ذَلِك بِمَشِيئَة الله _عز وَجل_." اهـ

 

وقال الكوراني _رحمه الله_ في "الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري" (10/ 133)

"وقيل: معناه: لا تغترُّوا فإن الذي يُغفر إنما هو ما عدا الكبيرة، وأيضًا الإصرار على الصغيرة كبيرة." اهـ

 

وقال السندي في "الحاشية على سنن ابن ماجه" (1/ 123):

"قَوْلُهُ (وَلَا تَغْتَرُّوا) أَيْ بِهَذَا الْفَضْلِ عَنِ الِاجْتِهَادِ فِي الْخَيْرَاتِ." اهـ

 

وقال ابن حجر _رحمه الله_ في "فتح الباري" (11/ 251):

"وَحَاصِلُهُ: لَا تَحْمِلُوا الْغُفْرَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي جَمِيعِ الذُّنُوبِ فَتَسْتَرْسِلُوا فِي الذُّنُوبِ اتِّكَالًا عَلَى غُفْرَانِهَا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ هِيَ الْمَقْبُولَةُ وَلَا اطِّلَاعَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ.

وَظهر لِي جَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ الْمُكَفَّرَ بِالصَّلَاةِ هِيَ الصَّغَائِرُ، فَلَا تَغْتَرُّوا فَتَعْمَلُوا الْكَبِيرَةَ بِنَاءً عَلَى تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالصَّغَائِرِ،

* أَوْ لَا تَسْتَكْثِرُوا مِنَ الصَّغَائِرِ، فَإِنَّهَا بِالْإِصْرَارِ تُعْطَى حُكْمَ الْكَبِيرَةِ، فَلَا يُكَفِّرُهَا مَا يُكَفِّرُ الصَّغِيرَةَ

* أَوْ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِأَهْلِ الطَّاعَةِ، فَلَا يَنَالُهُ مَنْ هُوَ مُرْتَبِكٌ فِي الْمَعْصِيَةِ، وَالله اعْلَم." اهـ

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "صحيحه" (8/ 92) (رقم: 6433)، وابن ماجه في "سننه" (1/ 105) (رقم: 285)، والقاسم بن سلام في "الطُّهور" (ص: 93) (رقم: 3)، وأحمد في "مسنده" - عالم الكتب (1/ 64 و 1/ 66) (رقم: 459 و 478)، والبزار في "مسنده" = البحر الزخار (2/ 84) (رقم: 436)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (6/ 313) (رقم: 2505)، وابن حبان في "صحيحه" (2/ 75) (رقم: 360)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (4/ 246_247) (رقم: 2466_2467).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1062) (رقم: 6174)، و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (1/ 383) (رقم: 361)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 190) (رقم: 183).

 

وقال ابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (10/ 157):

"قال المؤلف: نهى الله عباده عن الاغترار بالحياة الدنيا وزخرفها الفاني، وعن الاغترار بالشيطان، وبيّن لنا تعالى عداوته لنا لئلا نلتفت إلى تسويله وتزيينه لنا الشهوات المردية، وحذرنا تعالى طاعته وأخبر أن أتباعه وحزبه من أصحاب السعير، والسعير: النار.

فحق على المؤمن العاقل أن يحذر ما حذّره منه ربه _عز وجل_ ونبيه___ _عليه السلام_ وأن يكون مشفقًا خائفًا وجلاً، وإن واقع ذنبًا أسرع الندمَ عليه والتوبةَ منه وعزم ألا يعود إليه،

وإذا أتى حسنة، استقلها واستصغر عمله ولم يُدْلِ بِهَا، ألا ترى قول عثمان: (من أتى المسجد، فركع ركعتين ثم جلس، غفر له ما تقدم من ذنبه).

وهذا لا يكون إلا من قول النبى (صلى الله عليه وسلم)، ثم أتبع ذلك بقول النبى _صلى الله عليه وسلم_: (لا تغتروا) .

ففهم عثمان _رضى الله عنه_ من ذلك أن المؤمن ينبغى له ألا يتكل على عمله، ويستشعر الحذر والإشفاق بتجنب الاغترار،

وقد قال غير مجاهد فى تفسير الغرور قال: هو أن يغتر بالله، فيعمل المعصية ويتمنى المغفرة." اهـ

 

شرح صحيح البخارى لابن بطال (10/ 203)

وقال أبو بكر الصديق: إن الله يغفر الكبائر فلا تيئسوا، ويعذب على الصغائر فلا تغتروا.

 

عن الْفُضَيْلَ يَقُولُ:

"تَفَكَّرُوا وَاعْلَمُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَنْدَمُوا، وَلَا تَغْتَرُّوا بِالدُّنْيَا فَإِنَّ صَحِيحَهَا سَقِيمٌ، وَجَدِيدَهَا يَبْلَى، وَنَعِيمَهَا يَفْنَى، وَشَبَابَهَا يَهْرَمُ، إِلَّا أَنَّ النَّاسَ قَدْ تَابَعُوا بَيْنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَلَيْسَ لِامْرِئٍ مِنْ شَيْءٍ خَيْرٌ مِمَّا نَوَى وَقَدَّمَ." اهـ من معجم ابن الأعرابي (2/ 824) (رقم: 1693)

 

وفي "التبصرة" لابن الجوزي (1/ 217):

"وَبَكَى يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ عِنْدَ مَوْتِهِ فَقِيلَ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: أَبْكِي عَلَى مَا يَفُوتُنِي مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ. ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ: يَا يَزِيدُ مَنْ يُصَلِّي لَكَ وَمَنْ يَصُومُ عَنْكَ , وَمَنْ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالأَعْمَالِ بَعْدَكَ , وَيْحَكُمْ: يَا إِخْوَانِي , لا تَغْتَرُّوا بِشَبَابِكُمْ , فَكَأَنَّ قَدْ حَلَّ بِكُمْ مِثْلُ مَا قَدْ حَلَّ بِي." اهـ

 

ومن فوائد الحديث أيضا:

 

في هذا الحديث النبوي الجليل فوائد عظيمة ومعانٍ دقيقة، تظهر فيها دقّة التوجيه النبوي في الجمع بين الترغيب في العمل الصالح والتحذير من الاغترار به.

ومن أبرز فوائده ما يلي:

1_ فيه: فضل الوضوء الكامل، وأن الإحسان في الطهارة سبب لمغفرة الذنوب.

2_ فيه: أن الوضوء عبادة عظيمة بنفسه، لا مجرد وسيلة للصلاة، بل سبب للتكفير ورفعة الدرجات.

3_ فيه: بيان فضل صلاة ركعتين بعد الوضوء، وأنها سبب لمغفرة ما تقدم من الذنوب.

4_ فيه: أن من السنّة صلاة ركعتين بعد الوضوء، ولو كانت في المسجد كما فعل عثمان رضي الله عنه.

5_ فيه: اقتداء الصحابة بالنبي ﷺ في أدق الأعمال، حتى في هيئة الوضوء ومجلسه.

6_ فيه: مشروعية التحدث بعمل صالح للتعليم والتذكير، لا للرياء.

7_ فيه: فضل الذهاب إلى المسجد بعد الوضوء مباشرة، لأن السياق يربط بين الوضوء والمسجد.

8_ فيه: أن الاجتماع على الذكر والتعليم في المسجد من عمل السلف.

9_ فيه: حث على دوام الطهارة، خصوصاً عند دخول المسجد.

10_ في الحديث بيان سعة رحمة الله تعالى ومغفرته لعباده المؤمنين.

11_ فيه: تحذير من الاغترار بالعمل الصالح، لقوله ﷺ: «ولا تغتروا».

12_ فيه: أن الغفران الموعود مشروط بقبول العمل، والقبول له شروطه.

13_ فيه: أن المغفرة المذكورة مقيدة بالمشيئة الإلهية، كما قال أهل العلم.

14_ فيه: أن التكفير بالخاص بالصغائر دون الكبائر، كما نص عليه الشراح.

16_ فيه: وجوب الجمع بين الرجاء والخوف في عبادة الله تعالى.

17_ فيه: العمل الصالح لا ينبغي أن يكون سبباً للغرور، بل باعثاً للمزيد من الطاعة.

18_ فيه: أن المؤمن لا يركن إلى عمله، بل إلى فضل الله ومغفرته.

19_ فيه: ردٌّ على من يغتر بالأعمال ويترك التوبة من الذنوب الكبائر.

20_ فيه: إشارة أن الأعمال الصالحة لا تنفع من هو مُصرّ على المعاصي بلا توبة.

21_ فيه: أن الحديث أصلٌ في وجوب الإخلاص في الوضوء والصلاة.

22_ فيه: أن العمل الصالح لا يُقبل إلا إذا كان على السنة.

23_ فيه: أن من تمام التعليم العملي أن يراه الناس كما فعل عثمان _رضي الله عنه_

24_ فيه: أن الاقتداء بالنبي ﷺ هو أعظم وسائل نيل المغفرة.

25_ فيه: أن الوضوء سبب لرفع الدرجات، كما في الأحاديث الأخرى.

26_ فيه: بيان شرف المساجد وأنها موضع المغفرة والرحمة.

27_ فيه: ترغيب في المبادرة إلى الطاعة عقب الطاعة (وهي وضوء يتبعه صلاة).

28_ فيه: تأكيد أن المغفرة ليست دعوى، بل فضل من الله لمن شاء.

30_ فيه: أن النية الصادقة والإتقان في العمل سبب لقبوله.

31_ فيه: إشارة إلى أن الغرور قد يفسد العبادة، كما يفسد الرياء.

32_ فيه: بيان دقّة عثمان _رضي الله عنه_ في نقل السنّة عملياً وقولياً.

33_ فيه: مشروعية تعليم السنّة بالفعل كما بالتحديث.

34_ فيه: أن المغفرة تقتضي أداء العمل على وجهه المشروع.

35_ فيه: أن من صفات المؤمن أنه دائم التوبة، غير مغتر بعمله.

36_ فيه: تحذير من الأمن من مكر الله، وهو ضد الاغترار.

37_ في قوله ﷺ: (لا تغتروا) تربية على المراقبة الدائمة لله.

38_ فيه: تنبيه على أن قبول العمل أمر غيبي، فلا يضمنه أحد.

39_ فيه: أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فلا يُغتَرّ بالإيمان وحده.

40_ فيه: أن عثمان _رضي الله عنه_ كان من أشدّ الناس اتباعاً للنبي ﷺ وتعليماً للناس سنّته.

41_ فيه: أهمية الجمع بين الترغيب والترهيب في تعليم الناس.

42. أن الصحابة كانوا يقتدون بالنبي ﷺ حتى في الجلسة والمكان.

43_ فيه: إشارة إلى أن المقصود من الأعمال: تزكية النفس لا الفخر بها.

44_ فيه: أن من أدب العالم أن ينقل السنّة كما سمعها ويضيف إليها الفائدة.

45_ فيه: أن من علامات صدق العمل أن يعقبه خوف، لا إعجاب.

46_ فيه: أن النبي ﷺ كان يربي أصحابه على التوازن بين العمل والورع.

47_ في قوله: (لا تغتروا) حكمةٌ عظيمة في سدّ باب التساهل بالذنوب.

48_ فيه: بيان أن العمل المقبول هو ما جمع بين الإخلاص والمتابعة.

49_ والحديث أصل في باب الترغيب في الطاعات المقترنة بالتحذير من الغرور.

50_ فيه: أن العبد مهما عمل، يبقى محتاجاً إلى رحمة الله ومغفرته.


[1]  عن عثمان بن عفان _رضي الله عنه_.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة