شرح الحديث 137 (باب بيان كثرة طرق الخير) من رياض الصالحين

 

[137] الحادي والعشرون:

عن أبي المنذِر أُبيِّ بنِ كَعْب _رضي الله عنه_، قَالَ:

كَانَ رَجُلٌ لا أعْلَمُ رَجلاً أبْعَدَ مِنَ المَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لا تُخْطِئُهُ صَلاةٌ،

فَقيلَ لَهُ - أَوْ فَقُلْتُ لَهُ -:

"لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَاراً تَرْكَبُهُ في الظَلْمَاء وفي الرَّمْضَاء؟"

فَقَالَ: "مَا يَسُرُّنِي أنَّ مَنْزِلي إِلَى جَنْبِ المَسْجِدِ، إنِّي أريدُ أنْ يُكْتَبَ لِي مَمشَايَ إِلَى المَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أهْلِي."

فَقَالَ رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_: «قَدْ جَمَعَ اللهُ لَكَ ذلِكَ كُلَّهُ» رواه مسلم.

وفي رواية: «إنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ» .

«الرَّمْضَاءُ» : الأرْضُ التي أصابها الحر الشديد.

 

ترجمة أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الخزرجي _رضي الله عنه_:

 

وفي "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (2/ 262):

"أبي بن كعب بن قيس بن عُبَيد بن زيد بن معاوية بن عَمْرو (وهو حديلة، وهو اسم أمه، ويُقال لبني عَمْرو هذا بنو حديلة وهو) ابن مالك بْن النجار (واسمه تيم اللات، ويُقال: تيم الله) بْن ثعلبة بْن عَمْرو بْن الخزرج الأكبر، الخزرجي الأَنْصارِيّ، أبو المنذر." اهـ

 

وفي "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (1/ 389):

"أُبَيُّ بنُ كَعْبِ بنِ قَيْسِ بنِ عُبَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ * (ع) ابْنِ زَيْدِ بنِ مُعَاوِيَةَ بنِ عَمْرِو بنِ مَالِكِ بنِ النَّجَّارِ، سَيِّدُ القُرَّاءِ، أَبُو مُنْذِرٍ الأَنْصَارِيُّ، النَّجَّارِيُّ، المَدَنِيُّ، المُقْرِئُ، البَدْرِيُّ.

وَيُكْنَى أَيْضاً: أَبَا الطُّفَيْلِ. شَهِدَ العَقَبَةَ، وَبَدْراً، وَجَمَعَ القُرْآنَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وَعَرَضَ عَلَى النَّبِيِّ _عَلَيْهِ السَّلاَمُ_، وَحَفِظَ عَنْهُ عِلْماً مُبَارَكاً، وَكَانَ رَأْساً فِي العِلْمِ وَالعَمَلِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-." اهـ

 

وفي "الأعلام" للزركلي (1/ 82):

"أبي بن كعب بن قيس بن عبيد، من بني النجار، من الخزرج، أبو المنذر، صحابي أنصاري.

كان قبل الإسلام حبرا من أحبار اليهود، مطلعا على الكتب القديمة، يكتب ويقرأ - على قلة العارفين بالكتابة في عصره -،

ولما أسلم كان من كتاب الوحي. وشهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله _صلّى الله عليه وسلم_، وكان يفتي على عهده.

وشهد مع عمر بن الخطاب وقعة الجابية، وكتب كتاب الصلح لأهل بيت المقدس.

وأمره عثمان بجمع القرآن، فاشترك في جمعه.

وله في "الصحيحين" وغيرهما 164 حديثا.

وفي الحديث: (أقرأ أمتي أبي بن كعب).

وكان نحيفا قصيرا أبيض الرأس واللحية. مات بالمدينة." اهـ

 

وفي "سلم الوصول إلى طبقات الفحول" (1/ 107) لمصطفى القسطنطيني العثماني المعروف بـ «كاتب جَلَبِي» أو «حاجي خايفة»:

"أبو المنذر أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار الأنصاري الخَزْرَجي، صحابي مات بالمدينة سنة تسع عشرة،

سمَّاه النبي -عليه السلام- "سَيِّد الأنصار"،

وأُمُّه: صُهيلةُ بِنْتُ الأَسْوَدِ بْنِ حَرَامٍ، عمَّةُ أبِيْ طلحة الأنصاريِّ.

كان ربعة من الرجال، أبيض الرأس واللحية،

شهد العقبة الثانية وبايع النبي -عليه السلام- بها، ثم شهد بدراً وما بعدها من المشاهد،

وكان يكتب للنبي الوحي، وهو أول من كتب عبارةَ: (كتب فلان في المكاتب)، وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله _عليه السلام_ وكان أقرأ الصحابةِ." اهـ

 

نص الحديث وشرحه:

 

الحادي والعشرون:

عن أبي المنذِر أُبيِّ بنِ كَعْب _رضي الله عنه_، قَالَ:

كَانَ رَجُلٌ لا أعْلَمُ رَجلاً أبْعَدَ مِنَ المَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لا تُخْطِئُهُ صَلاةٌ،

فَقيلَ لَهُ - أَوْ فَقُلْتُ لَهُ -:

"لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَاراً تَرْكَبُهُ في الظَلْمَاء وفي الرَّمْضَاء؟"

فَقَالَ: "مَا يَسُرُّنِي أنَّ مَنْزِلي إِلَى جَنْبِ المَسْجِدِ، إنِّي أريدُ أنْ يُكْتَبَ لِي مَمشَايَ إِلَى المَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أهْلِي."

فَقَالَ رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_: «قَدْ جَمَعَ اللهُ لَكَ ذلِكَ كُلَّهُ» رواه مسلم.

وفي رواية: «إنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ» .

«الرَّمْضَاءُ» : الأرْضُ التي أصابها الحر الشديد.

 

وفي رواية لمسلم (1/ 461):

"فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ»."

 

وفي "سنن أبي داود" (1/ 152_153)

عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ يُصَلِّي الْقِبْلَةَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَبْعَدَ مَنْزِلًا مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ،

فَقُلْتُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الرَّمْضَاءِ وَالظُّلْمَةِ، فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ، فَنُمِيَ الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ ذَلِكَ،

فَقَالَ: أَرَدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يُكْتَبَ لِي إِقْبَالِي إِلَى الْمَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِلَى أَهْلِي إِذَا رَجَعْتُ، فَقَالَ: «أَعْطَاكَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، أَنْطَاكَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مَا احْتَسَبْتَ كُلَّهُ أَجْمَعَ»

 

وفي "الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف" (3/ 69):

عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ:

" كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِمَّنْ يُصَلِّي الْقِبْلَةَ أَبْعَدَ مَنْزِلًا مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ يَحْضُرُ الصَّلَوَاتِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: "لَوِ ابْتَعْتَ حِمَارًا، فَرَكِبْتَهُ مِنَ الرَّمْضَاءِ وَالظَّلْمَاءِ؟"

فَقَالَ:

"وَاللهِ، مَا أُحِبُّ أَنَّ مَنْزِلِي يَلْزَقُ الْمَسْجِدَ."

فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ بِذَلِكَ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْمَا يُكْتَبُ أَثَرِي، وَخُطَايَ، وَرُجُوعِي إِلَى أَهْلِي، وَإِقْبَالِي، وَإِدْبَارِي." أَوْ كَمَا قَالَ،

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْطَاكَ اللهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَأَعْطَاكَ مَا احْتَسَبْتَ أَجْمَعَ» أَوْ كَمَا قَالَ."

 

صحيح مسلم (1/ 461)

عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بَيْتُهُ أَقْصَى بَيْتٍ فِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ الصَّلَاةُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَتَوَجَّعْنَا لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ لَوْ أَنَّكَ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا يَقِيكَ مِنَ الرَّمْضَاءِ، وَيَقِيكَ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ،

قَالَ: أَمَ وَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ بَيْتِي مُطَنَّبٌ بِبَيْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَحَمَلْتُ بِهِ حِمْلًا حَتَّى أَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَدَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ يَرْجُو فِي أَثَرِهِ الْأَجْرَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ»

 

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (5/ 133):

عَنْ أُبَيٍّ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَمٍّ لِي شَاسِعَ الدَّارِ، فَقُلْتُ: لَوْ أَنَّكَ اتَّخَذْتَ حِمَارًا أَوْ شَيْئًا فَقَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ بَيْتِي مُطَنَّبٌ بِبَيْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

قَالَ: فَمَا سَمِعْتُ عَنْهُ كَلِمَةً أَكْرَهَ إِلَيَّ مِنْهَا، قَالَ: فَإِذَا هُوَ يَذْكُرُ الْخُطَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةً»

 

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (5/ 133):

عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ:

كَانَ رَجُلٌ يَأْتِي الصَّلَاةَ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ اتَّخَذْتَ حِمَارًا يَقِيكَ الرَّمْضَاءَ وَالشَّوْكَ وَالْوَقْعَ، قَالَ شُعْبَةُ: وَذَكَرَ رَابِعَةً، قَالَ: مَحْلُوفَةً، مَا أُحِبُّ أَنَّ طُنُبِي بِطُنُبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «لَكَ مَا نَوَيْتَ» أَوْ قَالَ: «لَكَ أَجْرُ مَا نَوَيْتَ»

 

وفي "مسند أبي داود الطيالسي" (1/ 446):

عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ لُحْمَتِي وَكَانَ بَيْتُهُ أَقْصَى بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ

 

وفي "مسند الحميدي" (1/ 368):

عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ لِي ابْنُ عَمٍّ شَاسِعُ الدَّارِ، فَقُلْتُ: لَوِ اشْتَرَيْتُ بَيْتًا قَرِيبًا مْنَ الْمَسْجِدِ أَوْ حِمَارًا

قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ بَيْتِيَ مُطْنَبًا بِبَيْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً مُنْذُ أَسْلَمَ كَانَتْ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْهَا، فَإِذَا هُوَ يَذْكُرُ الْخَطَأَ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «إِنَّ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةِ يَخْطُوهَا إِلَى الْمَسْجِدِ دَرَجَةً»

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه مسلم في "صحيحه" (1/ 460/ 278) (رقم: 663)، وأبو داود في "سننه" (1/ 152) (رقم: 557)، وابن ماجه في "سننه" (1/ 257) (رقم: 783)، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (1/ 446) (رقم: 553)، والحميدي في "مسنده" (1/ 368) (رقم: 380)، وابن أبي شيبة في "مصنّفه" (2/ 22) (رقم: 6009)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (5/ 133) (رقم: 21214_21217)، وعبد بن حميد في "المنتخب" – ت. صبحي السامرائي (ص: 84) (رقم: 161)، والدارمي في "سننه" (2/ 815) (رقم: 1321)، وابن خزيمة في "صحيحه" (1/ 230 و 2/ 377) (رقم: 450 و 1500)، والسراج في "مسنده" (ص: 384_385) (رقم: 1252_1253)، وأبو عوانة في "مستخرجه" (1/ 324_325) (رقم: 1152_1153)، والشاشي في "المسند" (3/ 347_348) (رقم: 1459_1460)، وابن حبان في "صحيحه" (5/ 388_389) (رقم: 2040_2041)، وأبو بكر الشافعي في "الفوائد" الشهير بـ"الغيلانيات" (1/ 193_194) (رقم: 166_167)، وأبو نعيم في "المسند المستخرج على صحيح مسلم" (2/ 260) (رقم: 1487)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 90 و 10/ 133) (رقم: 4979 و 20105)، و"شعب الإيمان" (4/ 351) (رقم: 2625_2626)، والبغوي في "شرح السنة" (3/ 340) (رقم: 787)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (7/ 309).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 244) (رقم: 308)، و"صحيح أبي داود" - الأم (3/ 82) (رقم: 566)، و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (3/ 444) (رقم: 2038).

 

من فوائد الحديث :

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (14/ 361_362):

"في فوائده:

1 - (منها): بيان فضل كثرة الْخُطَا إلى المسجد.

2 - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة -رضي اللَّه عنهم- من رحمة بعضهم لبعض.

3 - (ومنها): أن من سمع من شخص ما ظاهر نقيصة في دينه، يرفع أمره إلى كبير القوم؛ ليقوم بإصلاحه، فقد قال أُبيّ -رضي اللَّه عنه- كما في الرواية التالية: "فحملت به حملًا، حتى أتيت نبيّ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخبرته. . . " الحديث.

4 - (ومنها): بيان أنه ينبغي لكبير القوم إذا بلغه من أحد الرعيّة ما ظاهره غير موافق للشرع أن يتثبّت في الأمر، ولا يعاجل صاحبه بالعقوبة، فقد___استدعى النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الرجل، فسأله عما قيل فيه، فبيّن له أنه يقصد بذلك تكثير الأجر، فقال له: "قد جمع اللَّه لك ذلك كلّه".

5 - (ومنها): بيان أن الرجوع من الصلاة ،كالذهاب إليها في الأجر.

6 - (ومنها): الحثّ على الإخلاص في العمل؛ لأن هذا الرجل ما جمع اللَّه تعالى له الأجرين إلا بإخلاصه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل." اهـ

 

وقال محمد بن إسماعيل الحسني، الكحلاني، المعروف بـ"الأمير الصنعاني" (المتوفى: 1182هـ) _رحمه الله_ في "التحبير لإيضاح معاني التيسير" (5/ 597):

"وفيه: إثبات الثواب ذهاباً وإياباً، وفيه: أنّ أعمال البر إذا كانت خالصة تكتب آثارها حسناتٍ، فتدخلُ الخطى خلف الجنازة، ولعيادة المرضى، ولزيارة الإخوان والأرحام، ولطلب العلم، ولقضاء حاجات العباد." اهـ

 

وقال محمد بن إسماعيل الحسني، الكحلاني، المعروف بـ"الأمير الصنعاني" (المتوفى: 1182هـ) _رحمه الله_ في "التحبير لإيضاح معاني التيسير" (5/ 598):

"واستنبط منه بعضهم استحباب قصد المسجد البعيد، ولو كان بجنبه مسجد قريب، وإنما يتم ذلك إذا لم يلزم من ذهابه إلى البعيد هجر القريب، وإلاّ فإحياؤه بذكر الله أولى، وكذا إذا كان في البعيد مانع من الكمال كأن يكون إمامه مبتدعاً." اهـ

 

 

قال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "فتح الباري" (4 / 45):

"وهذا المطلق قَدْ ورد مقيداً فِي حَدِيْث أَبِي صالح، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي خرجه البخاري فيما مضى.

وسيأتي بقيدين :

أحدهما: أن يخرج من بيته عَلَى طُهْرٍ، قَدْ أحسنه وأكمله .

والثاني: أن لا يخرج، إلا إلى الصلاة فِي المسجد،

فلو خرج لحاجة لَهُ، وكان المسجدُ فِي طريقه، فدخل المسجدَ، فصلى، ولم يكن خروجه لذلك، لَمْ يحصل لَهُ هَذَا الأجرُ الخاصُّ.

وكذلك لَوْ خرج من بيته غيرَ متطهرٍ، لكنه يكتب لَهُ بذلك أجرٌ، غيرَ أن هَذَا الأجرَ الخاصَ - وهو رفع الدرجات، وتكفير السيئات - لا يحصل بذلك." اهـ

 

وقال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري (4 / 46):

"واعلم أن الدار القريبة من المسجد أفضلُ من الدار البعيدة، لكن الْمَشْي من الدار البعيدة أفضلَ." اهـ

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (5/ 168):

"فِيهِ: إِثْبَاتُ الثَّوَابِ فِي الْخُطَا، فِي الرُّجُوعِ مِنَ الصَّلَاةِ، كَمَا يَثْبُتُ فِي الذَّهَابِ." اهـ

 

وقال شيخنا عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر _حفظه الله_ في "شرح سنن أبي داود" – تفريغ الشاملة (1 / 2):

"وهذا فيه دليل على أن كتابة الحسنات ورفع الدرجات وحط الخطايا ليس خاصاً بالذهاب إلى المسجد، وإنما هو في الذهاب والإياب،

فكون الإنسان ذهب لأداء العبادة وكونه رجع من المسجد بعد أن أدى العبادة كل ذلك يكتب له حسنات، ويرفع له به درجات ويحط عنه به خطايا، فقال _عليه الصلاة والسلام_: (قد جمع الله لك ذلك كله، أو أعطاك الله جل وعز ما احتسبت كله أجمع)،

يعني: هذا الذي احتسبت ثوابه عند الله، ورجوت ثوابه عند الله، ورجوت أن يكتب الله لك ذلك في الذهاب والإياب، قد كتب الله لك أجر ذلك، أو أعطاك الله ما أردت كله أجمع." اهـ

 

وقال شيخنا عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر _حفظه الله_ في "شرح سنن أبي داود" – تفريغ الشاملة (1 / 2):

"فدل ذلك على فضل الذهاب إلى المساجد، وأنه كلما كان الشخص أبعد كان أعظم أجراً عند الله عز وجل." اهـ

 

وقال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في "اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى" (1 / 6):

"والمشْيُ إلى المسجد أفضلُ من الركوب كما تقدم في حديث أوس في الجُمع، ولهذا جاء في حديث معاذٍ ذِكْرُ الْمَشْيِ على الأقدامِ،

وكان النبي  _صلى الله عليه وسلم_ لا يخرج إلى الصلاة، إلا ماشياً حتى العيد يخرج إلى المصلى ماشياً، فإن الآتي للمسجد زائر لله، والزيارة على الأقدام أقرب إلى الخضوع والتذلل." اهـ

 

وقال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في "اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى" (1 / 7):

"وكلما شق المشي إلى المسجد كان أفضل، ولهذا فُضِّل المشي إلى صلاة العشاء وصلاة الصبح، وعُدل بقيام الليل كله كما في "صحيح مسلم" عن عثمان:

عن النبي _صلى الله عليه_، قال: "مَنْ صَلَّى العشاءَ في جماعةٍ، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليلَ كُلَّهُ." اهـ

 

وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 111):

"في هذا الحديث: دليل على فضل تكثير الخطا إلى الذهاب إلى المسجد، وأنه يكتب له أجر ذهابه إلى المسجد ورجوعه إلى أهله." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (1 / 155):

"ففي هذا: دليل على أن كثرة الخطى إلى المساجد من طرق الخير،

* وأن الإنسان إذا احتسب الأجر على الله، كتَب اللهُ له الأَجْرَ حالَ مَجِيْئِهِ إلى المسجدِ وحالَ رجوعِهِ مِنْهُ." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (1 / 155):

"ولا شك أن للنية أثرا كبيرا في صحة الأعمال، وأثرا كبيرا في ثوابها. وكمْ من شخصين يصليانِ جميعا، بعْضُهَمَا إلى جَنْبِ بعْضٍ، ومع ذلك يكون بَيْنَهُمَا فِيْ قدْرِ الثوابِ مِثْلَ ما بين السماء والأرض. وذلك بصلاح النية، وحُسْنِ العمل.

فكلما كان الإنسان أصدَقَ إخْلاصًا لله، وأقْوى اتِّبَاعًا لرسول الله _صلى الله عليه وسلم_، كان أكثْرَ أجْرًا، وأعْظَمَ مَثُوْبَةً عنْدَ اللهِ _عز وجل_." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (1 / 1214):

"فدل ذلك على فضيلة المشي إلى المساجد وفضل الله واسع وعطاؤه كثير يعطي على العمل القليل الأجر الكثير نسأل الله لنا ولكم من فضله العظيم." اهـ

 

وقال القاضي عياض في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (2/ 642):

"ويدلّ على فضل هذا العمل على جِوارِ المسجد نهْيُ النبى - عليه السلام - الذين أرادوا بيع بيوتهم ليتقربوا من المسجد، وقال: " لكم بكل خطوة درجة ".

وقوله لبنى سلِمة حين أرادوا الانتقال إلى جوار المسجد: (ديارَكم تكتبُ آثارُكم)، الزموا دياركم." اهـ

 

ومن فوائد الحديث أيضا مع رواياته:

 

هذا الحديث الشريف – بألفاظه المختلفة – فيه فوائد عظيمة جدًّا، تدل على عِظم شأن النية، ومكانة الصلاة في الجماعة، وفضل المشي إلى المساجد، ومن فوائده:

1_ فيه: فضيلة شهود الجماعة في المسجد، لأن ذلك الرجل مع بُعد داره، لم تفتْه صلاة مع رسول الله ﷺ، مما يدل على حرصه العظيم على الصلاة في الجماعة.

2_ فيه: عظم أجر المشي إلى المسجد، فالخطوات تُكتب للعبد حسنات وترفعه درجات، كما في بعض روايات الحديث.

3_ فيه: أن النية الصالحة سبب لنيل الأجر: النبي ﷺ قال: «إن لك ما احتسبت»، فدل على أن الأجر مرتب على النية.

4_ فيه: أن الأعمال بالنيات، ولو كان قرب المسجد في نفسه نعمة وتيسيرًا، إلا أن الرجل فضَّل البُعد ليكتب له الأجر في المشي.

5_ فيه: إثبات مضاعفة الأجر في الذهاب والإياب، فالرجل أراد الأجر في الإقبال إلى المسجد والرجوع إلى أهله، فبشره النبي ﷺ أن له ذلك كله.

6_ فيه: بيان حرص السلف على اغتنام الأجور، فذلك الرجل لم يبحث عن الراحة وركوب الدابة، بل بحث عن زيادة الأجر.

7_ فيه: أن ترك المباح طلبًا لزيادة الأجر مشروع، مثل ترك ركوب الدابة مع أنه جائز، لكنه آثر المشقة اليسيرة طلبًا للثواب.

8_ فيه: إثبات أن الله كريم واسع الفضل: «أعطاك الله ذلك كله»، أي أن الله لا يضيع أجر من أحسن عمله.

9_ فيه: بيان مكانةِ المساجد وأثرِها في تزكية النفوس، فقد كان هذا الرجل يربط بيته البعيد بالمسجد، ويجد فيه لذة لا يُعوّضها القرب المكاني.

10_ فيه: توجيه إلى احتساب الأجر في العادات، فالمشي أمر عادي، لكن مع نية صالحة صار عبادة.

11_ فيه: إشارة إلى أن التعب والمشقة إذا احتسبها المسلم، صارت رفعة ودرجة، لا سيما في طاعة الله.

12_ فيه: أن النبي ﷺ يقرّ العمل الصالح ويثبّت أصحابه عليه، فقد أثنى على الرجل ولم يطلب منه أن يقترب من المسجد.

13_ فيه: أن المشي إلى المسجد من أسباب محو الخطايا، كما ورد في أحاديث أخرى، وهذا الحديث يؤكد معناه.

14_ فيه: مشروعية التنافس في الخير، فالرجل كان يحرص على ما يزيد في حسناته وإن كان شاقًّا.

15_ فيه: إثبات قاعدة عظيمة: أن كل خطوة يخطوها العبد في طاعة الله مكتوبةٌ عنده حتى وإن كانت خطوات رجوعه إلى أهله بعد الصلاة.

16_ فيه: بيان أن الاحتساب يرفع العمل اليسير إلى مرتبة عمل عظيم، فخطوات قليلة مع نية صالحة تصير جبالًا من الحسنات.

17_ فيه: فضل أهل المدينة وحرصهم على الصلاة خلف النبي ﷺ، مع بُعد الدور، كانوا يحرصون على الحضور.

18_ فيه: أن قرب المنزل من المسجد فيه فضل من جهة، لكن البعد مع احتساب المشي له فضل آخر أعظم، وهذا من توازن الشريعة.

19_ فيه: إشارة إلى أن الشريعة تراعي النيات ولا تنظر فقط إلى الظواهر: فالمسألة ليست بعد الدار أو قربها، بل النية وراء ذلك.

20_ فيه: حسن تعليم النبي ﷺ، فقد لمز الرجل بأنه يرهق نفسه، لكن النبي ﷺ بين أن له أجرًا عظيمًا، فأزال الوهم وأرشدهم إلى فضل النية.

21_ فيه: أن الإنسان قد يجهل مقدار أجر العمل حتى يُبيِّنه له الشرع، فقد كان الصحابة يتوجعون لبُعد داره، فلما أخبرهم النبي ﷺ عرفوا الحكمة.

22_ فيه: إثبات أن الأجر على قدر المشقة إذا كانت في طاعة الله، وليس المشقة مقصودة لذاتها، ولكن إذا وقعت واحتسبها العبد، فهي رفعة له.

23_ فيه: تربية على الصبر والتحمل في الطاعات، فالرجل لم يَشْكُ من بُعد الطريق، بل صبر واحتسب.

24_ فيه: بيان فضل الأنصار وحرصهم على الدين، فقد ورد في بعض طرق الحديث أنه كان من الأنصار.

25_ فيه: أن المدار على الصدق في النية، فلذلك قال النبي ﷺ: «إن لك ما احتسبت»، فبيّن أن النية الصادقة تنال بها الأجور.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة