شرح الحديث 94 (باب الغسل وحكم الجُنُب) من بلوغ المرام

 

94 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-:

"إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ." مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،

وَزَادَ مُسْلِمٌ: "وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ."

 

نص الحديث وطرقه:

 

وفي "صحيح البخاري" (1/ 66):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ»

 

وفي "صحيح مسلم" (1/ 271):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ»، وَفِي حَدِيثِ مَطَرٍ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ»

 

وفي "سنن أبي داود" (1/ 56):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، وَأَلْزَقَ الْخِتَانَ بِالْخِتَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ»

 

وفي "الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف" (2/ 81) لابن المنذر:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِذَا غَشِيَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَقَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ اجْتَهَدَ بِهَا نَفْسَهُ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ

 

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (2/ 347)

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَأَجْهَدَ نَفْسَهُ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ»

 

وفي "السنن الكبرى" للبيهقي (1/ 253):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا الْتَقَى الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ "

 

وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 84) (رقم: 937):

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «إِذَا غَابِتِ الْمُدَوَّرَةُ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ»

 

وفي "مسند أبي يعلى الموصلي" (8/ 321):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

تَذَاكَرُوا فِي حَلْقَةٍ أَنَا فِيهَا مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا خَالَطَ الرَّجُلُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَتَّى يَنْزِلَ الْمَاءُ.

قَالَ: فَقُلْتُ: أَنَا آتِيكُمْ بِعِلْمِ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْتُ لَهَا: "يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ، وَأَنَا أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْهُ"،

فَقَالَتْ: لَا تَسْتَحِي أَنْ تَسْأَلَنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أُمَّكَ، فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ.

فَقُلْتُ: "يَا أُمَّهْ، مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؟"

فَقَالَتْ: (عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَالْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ)."

 

شرح المفردات:


* (إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ...)

وقال ابن حجر في "فتح الباري" (1/ 395):

"قيل: المراد بشُعَبها هنا يداها، ورجلاها، وقيل: رجلاها، وفخذاها، وقيل: ساقاها، وفخذاها، وقيل: فخذاها، وإسكتاها."[1]

وقيل: فخذاها، وشُفْراها، وقيل: نواحي فرجها الأربع، قال الأزهريّ: (الإِسكتان: ناحيتا الفرج، والشُّفْران: طرف الناحيتين)." اهـ

 

قال ابن دقيق العيد القشيري _رحمه الله_ في "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" (1/ 142):

"(الشُّعَبُ): جَمْعُ شُعْبَةٍ، وَهِيَ الطَّائِفَةُ مِنْ الشَّيْءِ، وَالْقِطْعَةُ مِنْهُ.

وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالشُّعَبِ الْأَرْبَعِ:

* فَقِيلَ: يَدَاهَا وَرِجْلَاهَا،

* أَوْ رِجْلَاهَا وَفَخْذَاهَا،

* أَوْ فَخْذَاهَا وَأَسْكَتَاهَا

* أَوْ نَوَاحِي الْفَرْجِ الْأَرْبَعِ.

* وَفَسَّرَ (الشُّعَبَ) بِالنَّوَاحِي، وَكَأَنَّهُ تَحْوِيمٌ عَلَى طَلَبِ الْحَقِيقَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْغُسْلِ.

وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، أَوْ الرِّجْلَيْنِ وَالْفَخْذَيْنِ. وَيَكُونُ الْجِمَاعُ مَكْنِيًّا عَنْهُ بِذَلِكَ، وَيُكْتَفَى بِمَا ذُكِرَ عَنْ التَّصْرِيحِ، وَإِنَّمَا رَجَحْنَا هَذَا؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ، إذْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا،

وَأَمَّا إذَا حُمِلَ عَلَى نَوَاحِي الْفَرْجِ: فَلَا جُلُوسَ بَيْنَهَا حَقِيقَةً، وَقَدْ يُكْتَفَى بِالْكِنَايَةِ عَنْ التَّصْرِيحِ، لَا سِيَّمَا فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَسْتَحْيِي مِنْ التَّصْرِيحِ بِذِكْرِهَا.

وَأَيْضًا فَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: "(الْجَهْدُ)" مِنْ أَسْمَاءِ النِّكَاحِ، ذكرَ ذَلِكَ عَنْ الْخَطَّابِيِّ، وَعَلَى هَذَا، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ: (جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ) كِنَايَةً عَنْ الْجِمَاعِ، فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ،

 

وقال التوربشتي _رحمه الله_ في "الميسر في شرح مصابيح السنة" (1/ 149)

والظاهر أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ إنما عدل إلى الكناية بذكر شعبها الأربع لاجتنابه عن التصريح بذكر الشفرتين، ولو أراد بها اليدين والرجلين لصرح بها.

 

توضيح الأحكام من بلوغ المرام (1/ 370)

* شُعَبها الأربع: بضم الشين المعجمة، قال ابن الأثير: والشُّعَبُ: النواحي، واختلفوا في المراد بالشعب الأربع، والرَّاجح: أنَّ المراد بها يَدَا المرأة ورجلاها، وهو كنايةٌ عن الجماع.

* جهدها: يُقال: (جَهَدَ في الأمر يَجْهَدُ جهدًا)، من باب نَفَعَ. والجهد: الطاقة والمشقَّة، وفيه لغتان: ضم الجيم وفتحها، فالضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغيرهم، وقيل: المضموم الطاقة، والمفتوح المشقَّة، والمراد هنا: بلوغ الرَّجل طاقته بحركته." اهـ

 

وقال ابن الجوزي _رحمه الله_ في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (4/ 397):

"أصل الشعبة الطَّائِفَة من كل شَيْء والقطعة مِنْهُ. وَقد ذكرنَا المُرَاد بِالشعبِ فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة.

وَأما مس الْخِتَان الْخِتَان، فَقَالَ ابْن عقيل:

"تَفْسِيره: أَن يولج الرجل من ذكره الْحَشَفَة بِحَيْثُ تحاذي جلدَة ختانه، وَهِي الَّتِي تَحت الْبشرَة كالطوق لجلدة ختان الْمَرْأَة، وَهِي جلدَة كعرف الديك فِي أَعلَى فرجهَا، فِي الْموضع الَّذِي يخرج مِنْهُ الْبَوْل، فَتكون الْمُحَاذَاة بِحَيْثُ لَو أخرج من جلدَة ختانه خطا مُسْتَقِيمًا لَا تصل بجلدة ختان الْمَرْأَة، فَهَذِهِ الملاقاة هِيَ الْمُحَاذَاة.

وَأما الِاجْتِمَاع فَلَيْسَ بَينهمَا اجْتِمَاع، وَلِأَن قلفة الْمَرْأَة فِي ختانها فِي أَعلَى الْفرج، وَلَيْسَ ذَلِك مَوضِع إيلاج المجامع، لكنه مَوضِع مخرج الْبَوْل، ومدخل الذّكر فِي ثقب أوسع من ذَلِك فِي أَسْفَل الْفرج. فَهَذَا معنى الالتقاء.

قلت: فقد بَان بِهَذَا أَن معنى مس الْخِتَان الْخِتَان محاذاته. وَهَذَا الحَدِيث نَاسخ لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: " المَاء من المَاء " وَقد بَينا هَذَا فِي مُسْند عُثْمَان بن عَفَّان." اهـ


وقال الخطابي _رحمه الله_ في "أعلام الحديث" (شرح صحيح البخاري) (1/ 310):

"(الشعب الأربع): يريد بها الفخذين والإسكتين وهما حرفا الفرج. وقوله: (جهدها)، معناه حفزها، يريد التقاء الختانين. وقال ابن الأعرابي: (والجهد من أسماء النكاح)." اهـ

 

قال القاضى عياض _رحمه الله_ في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (2/ 197_198):

"الأولى فى هذا والأحرى على معنى الحكم: أن الشعب نواحى الفرج الأربع. والشعب: النواحى،

وهذا مثل قوله فى الحديث الآخر: (إذا التقى الختانان وتوارت الحشفةُ...) [ق][2]، لأنها لا تتوارى حتى يغيب بين الشعب الأربع،

ومثله قول عائشة: (إذا جاوز الختان الختان) و(إذا مَسَّ الختانُ الختانَ)،

وكذلك لا يعتبر التقاء الختانين إِلا بمجاوزتها وبمغيبها هنالك، ولا يلتفت إلى التقائهما على غير هذه الصفة،

وقد يتأتى الجلوس بين اليدين والرجلين والفخذين والإسكتين - وهما الشّفران - ولا يَغيبُ الحشفةُ ولا يلتقى الختانان.___

وبالجملة فمراد الأحاديث على اختلافها أنه لا اعتبار بالماء، وأن المخالطة توجب، انتهت أولاً .. والله أعلم." اهـ


 

* (ثُمَّ جَهَدَهَا...)

وقال ابن رجب في كتابه "فتح الباري" (1/ 372):

"و(جهدها): هوَ عبارة عَن الاجتهاد في إيلاج الحشفة في الفرج، وَهوَ المراد - أيضاً - مِن التقاء الختانين.

قالَ الشَافِعي:

(معنى التقاء الختانين: أن تغيب الحشفة في الفرج يصير الختان الذِي خلف الحشفة حذو ختان المرأة).

وقال أحمد:

(التقاء الختانين: المدورة - يعني: الحشفة -، فإذا غابت فالختان بعدها).

 


وقال عياض في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (2/ 198):

"وقوله: (ثم جهدها):

قال الخطابى: حفَزَها، قال بعضهم: بلغ مشقَّتها، يقال: جهدْتُه وأجهدتُه بلغتُ مشقتَه.

قال القاضى: والأولى هنا أن يكون (جهَد)، أي: بلغ جَهْدَه فى عمله فيها. والجهدُ: الطاقة والاجتهاد منه، وهى إشارة إلى الحركة وتمكن صورة العمل، وهو نحوٌ من قول من قال: (حفزها)، أي: كدَّها بحركتِه، وإلا فأي مشقةٍ تبلغ بها فى ذلك؟

وقال ابن الأنباري:

"(جهدت الرجل) إذا حملتَه علىَ أن يبلغ مجهودَه، وهى أقصى قوته، فلعله - أيضاً - من هذا، أي: طلب منها مثل ما فعل،

وهى بمعنى قوله - أيضاً - فى الحديث الآخر: (إذا خالط)، وهى كناية عن مبالغة الجماع ومغيب الحشفة، واختلاط العضوين. والخلاط: الجماع، قاله الحربى، وخالطها: جامعها،

وقال الخطابى: الجهد من أسماء النكاح، و(الختانان): هما ختان الرجُلِ وختان المرأةِ، ولا يكاد يتماسَّان غالباً، إِلا بعد مغيب الحشفة، فكنى النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتقائهما عما وراءهما من الإيلاج،

و(الشُّعَبُ) جمع شُعبةٍ، وهي الناحية، وفى رواية زهير: " بين أشعبها " جمع شُعَب، والشّعبُ: الاجتماع، وهو على ما قدمناه. " اهـ

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "صحيحه" (1/ 66) (رقم: 291)، وابن المنذر في "الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف" (1/ 132 و 2/ 81) (رقم: 17 و 584 و 586) ومسلم في "صحيحه" (1/ 271/ 87) (رقم: 348)، وأبو داود في "سننه" (1/ 56) (رقم: 216)، والنسائي في "سننه" (1/ 110_111) (رقم: 191_192)، وفي "السنن الكبرى" (1/ 151) (رقم: 195_196)، وابن ماجه في "سننه" (1/ 200) (رقم: 610)، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (4/ 196) (رقم: 2571)، وعبد الرزاق الصنعاني في "مصنفه" (1/ 246) (رقم: 940)، ولأبو نعيم الفضل بن دكين في "الصلاة" (ص: 78) (رقم: 28)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (1/ 84) (رقم: 931_932)، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (1/ 109_110) (رقم: 19_20)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (2/ 234 و 2/ 347 و 2/ 393 و 2/ 471 و 2/ 520 و 2/ 520) (رقم: 7198 و 8574 و 9107 و 10083 و 10743 و 10743)، والدارمي في "سننه" (1/ 589) (رقم: 788)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (8/ 321) (رقم: 4926 و 6227 و 11/ 100)، وابن الجارود في "المنتقى" (ص: 34) (رقم: 92)، وأبو جعفر الطحاوي _رحمه الله_ في "شرح معاني الآثار" (1/ 56) (رقم: 322_324)، وأبو عوانة في "المستخرج" – ط. الجامعة الإسلامية (3/ 88_91) (رقم: 890_893)، وابن حبان (3/ 449 و 3/ 453 و 3/ 456) (رقم: 1174 و 1178 و 1182)، المعجم الأوسط (3/ 363) (رقم: 3410)، والدارقطني في "سننه" (1/ 201) (رقم: 397_398)، وابن شاهين في "ناسخ الحديث ومنسوخه" (ص: 48) (رقم: 26)، وأبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (6/ 275 و 8/ 294 و 8/ 357)، وفي "تاريخ أصبهان" = "أخبار أصبهان" (2/ 276)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 252_253) (رقم: 763_766)، وفي "السنن الصغير" (1/ 61) (رقم: 132_133)، و"معرفة السنن والآثار" (1/ 466) (رقم: 1387_1392)،.

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 135) (رقم: 430)، و"إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (1/ 163) (رقم: 127)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 144) (رقم: 479)، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (2/ 420 و 2/ 423) (رقم: 1175 و 1178)

 

من فوائد الحديث:

 

فتح الباري لابن رجب (1/ 372)

وختان المرأة مشروع بغير خلاف، وفي وجوبه عَن أحمد روايتان، على قولُهُ بوجبه على الرجال.

 

أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) (1/ 310)

وفيه دليل على أن الختانين إذا التقيا وجب الغسل وإن لم يكن إنزال. وأن قوله: (الماء من الماء) منسوخ، وكان ذلك متقدما في صدر الإسلام.

 

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (8/ 282)

في فوائده:

1 - (منها): بيان نسخ مفهوم حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي الله عنه - الماضي: "إنما الماء من الماء"، ودليل النسخ ما رواه الإمام أحمد - رحمه الله - في "مسنده" عن أُبي بن كعب - رضي الله عنه -: "أن الفُتيا التي كانوا يقولون: "الماء من الماء" رخصةٌ، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رَخَّص بها في أول الإسلام، ثم أَمَرَنا بالاغتسال بعدها"، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان.[3]

وقال الإسماعيليّ: إنه صحيح على شرط البخاريّ، وهو صريح في النسخ،

وتؤيّده الآية الكريمة: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، قال الشافعيّ - رحمه الله -: الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع، ولو لم يحصل إنزال.

2 - (منها): أن المراد بالجهد هنا الكدّ بحركته، ولا يكون ذلك إلا مع الإيلاج، ويفسّره رواية أبي داود: "إذا قعد بين شعبها الأربع، وألزق الختان بالختان، فقد وجب الغسل"، وهو حديث صحيح.

3 - (ومنها): أن فيه جواز الجماع على هذه الكيفية، وإن كان غيرها من الإقبال والإدبار، وعلى الشق جائزًا، ما كان في مكان الحرث، وهو القبل؛ لإطلاق الآية: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223]، .

4 - (ومنها): استحباب الكناية فيما يُستقبح التصريح بذكره، كالجماع.

5 - (ومنها): ما قاله ابن الملقّن - رحمه الله -: إن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فقد وجب الغسل" فيه دلالة على أنه ليس على الفور، وهو إجماع، قال: ثم اعلم أن الأحكام المتعلّقة كلّها من وجوب الغسل، والمهر، وغيرهما متعلّقة بتغييب الحشفة بالاتّفاق، ولا يُشترط تغييب جميع الذكر، قال: ومسائل تغييب الحشفة كثيرة جدًّا، أوصلها الجوينيّ إلى ستّين، وغيره إلى نيّف وسبعين، وبعض المالكيّة إلى نيّف وثمانين، وقال ابن أبي جمرة - رحمه الله -: إنها أصل لألف مسألة، وقد___

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (8/ 283)

جمعت منها ما تيسّر من ذلك في أوراق مفردة، ولله الحمد. انتهى (1).

6 - (ومنها): أن نفس الإيلاج موجب للغسل، وإن لم يحصل إنزال، قال ابن الملقّن - رحمه الله -: إن إيجاب الغسل لا يتوقّف على إنزال المنيّ، بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة، ولهذا جاء في الرواية الأخرى: "وإن لم يُنزل"، فيكون قوله: "إذا جلس" خرج مخرج الغالب، لا أن الجلوس بين شُعبها وجهدها شرط لوجوب الغسل، وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة؛ كعثمان، وأُبيّ، ومن بعدهم؛ كالأعمش، وداود، ثم انعقد الإجماع على ما ذكرنا.

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "ثم انعقد الإجماع ... " إلخ فيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ الخلاف لا زال قائمًا على ما ستعرفه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.

وقال الشيخ ابن دقيق العيد - رحمه الله -: خالف بعض الظاهريّة داودَ، ووافق الجماعة، ومستند داود: "إنما الماء من الماء"، وقد جاء في الحديث: "إنما الماء من الماء" كان رخصة في أول الإسلام، ثم نُسخ، رواه الترمذيّ، وصححه (2)، فزال ما استندوا إليه.

وقال النوويّ - رحمه الله - بعد ذكر نحو ما تقدّم -: قال أصحابنا: ولو غَيَّب الحشفة وجب الغسل، سواء كان المولَج فيه حيًّا أو ميتًا صغيرًا أو كبيرًا، وسواء كان ذلك عن قصد، أم عن نسيان، وسواء كان مختارًا، أو مكرَهًا، أو استدخَلَت المرأة ذكره، وهو نائم، وسواء انتشَرَ الذكر أم لا، وسواء كان مختونًا، أم أغلف، فيجب الغسل في كل هذه الصور على الفاعل والمفعول به، إلا إذا كان الفاعل أو المفعول به صبيًّا أو صبيًّة، فإنه لا يقال: وجب عليه لأنه ليس مكلفًا، ولكن يقال: صار جُنُبًا، فإن كان مميزًا وجب على الوليّ أن يأمره بالغسل، كما يأمره بالوضوء، فإن صلّى من غير غسل لم تصح صلاته، وإن لم يغتسل حتى بَلَغ وجب عليه الغسل، وإن اغتسل في الصبا، ثم بلغ لم يلزمه إعادة الغسل.___

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (8/ 285)

أحوط، وهو أحد علماء الدين، والعجب أنه يساوي بين حديث عائشة في وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وبين حديث عثمان، وأبيّ في نفي الغسل إلا بالإنزال، وحديث عثمان ضعيف؛ لأن مرجعه إلى الحسين بن ذكوان المعَلِّم، يرويه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد، والحسين لم يسمعه من يحيى، وإنما نقله له، بـ "قال يحيى"، ولذلك أدخله البخاريّ عنه بصيغة المقطوع، وهذه علّة، وقد خولف حسين فيه عن يحيى، فرواه عنه غيره موقوفًا على عثمان، ولم يذكر فيه النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، وهذه علّة ثانية، وقد خولف فيه أيضًا أبو سلمة، فرواه زيد بن أسلم، عن عطاء، عن زيد بن خالد، أنه سأل خمسة أو أربعة من الصحابة، فأمروه بذلك، ولم يرفعه، وهذه علّة ثالثة، وكم من حديث ترك البخاريّ إدخاله بواحدة من هذه العلل الثلاث، فكيف بالحديث إذا اجتمعت فيه، وحديث أُبيّ أيضًا يصعُب التعلّق به؛ لأنه قد صحّ رجوعه عما رَوَى لَمّا سَمِعَ، وعَلِمَ مما كان أقوى منه.

ويحتمل قول البخاريّ: الغسل أحوط؛ يعني في الدين، وهو باب مشهور في أصول الفقه، وهو أشبه بإمامة الرجل وعلمه (1).

قال الجامع عفا الله عنه: هكذا تجرّأ ابن العربيّ بالحكم على حديثٍ اتّفق الشيخان على تصحيحه، وتخريجه في "صحيحيهما"، سبحان الله إن هذا لهو العجب العُجَاب! ! ! .

قال ابن الملقّن - رحمه الله - بعد سوق كلام ابن العربيّ هذا، ما نصّه: قد أخرج البخاريّ حديث عثمان من غير طريق الحسين بن ذكوان، رواه عن سعد بن حفص، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عطاء، عن زيد بن خالد، عن عثمان مرفوعًا، وقال الدارقطنيّ: حدّث به عن يحيى حسينٌ المعلِّم، وشيبان، وهو صحيح عنهما.____

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (8/ 286)

ورواه ابن شاهين من حديث معاوية بن سلّام، عن يحيى به، والحسين بن ذكوان ثقةٌ مشهورٌ، أخرج له الستّة، وأما العُقيليّ، فضعّفه بلا حجّة.

وقوله: إن البخاريّ رواه بصيغة المقطوع؛ فيه نظرٌ، بل ذكره في موضع الاحتجاج به، وقد أخرجه مسلم بصيغة "عن يحيى" بدل "قال يحيى"، وقال ابن طاهر: سمع الحسين بن ذكوان من يحيى، وقد رواه مصرّحًا بالسماع من يحيى ابنُ خُزيمة في "صحيحه"، والبيهقيّ في "سننه"، وغيرُهما، فلله الحمد.

وقوله: إن أبا سلمة خالفه زيد بن أسلم، لا يضرّه؛ لأن أبا سلمة إمام حافظ، وقد زاد فيُقبل، ولأن الراوي قد ينشَطُ، فيَرفَع الحكم. انتهى كلام ابن الملقّن - رحمه الله - (1).

قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد ابن الملقّن - رحمه الله -، في ردّه على اجتراء ابن العربيّ بتضعيف حديثٍ اتّفَقَ الشيخان على تصحيحه، وجنى عليهما بالحطّ عن مقدارهما، بكونهما لم يَعْلَما ثلاث علل في الحديث اطّلع عليها ابن العربيّ بمهارته، وبُعْد نظره، وهيهات هيهات أن يكون هذا.

وبالجملة فحديث عثمان - رضي الله عنه - صحيح، وقد تقدّم البحث عنه بأتمّ مما هنا عند شرحه، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

 

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (8/ 289)

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور من وجوب الاغتسال من التقاء الختانين، وإن لم يوجد الإنزال؛ لوضوح نسخ حديث: "إنما الماء من الماء" بحديث أبي هريرة، وعائشة - رضي الله عنها - المذكورين في الباب، وعلى فرض عدم تأخّر تاريخهما لم ينتهض حديث: "الماء من الماء" لمعارضتهما؛ لأنه مفهوم، وهما منطوقان، والمنطوق أرجح من المفهوم، كما قاله الشوكانيّ - رحمه الله -، وقد أشبعت الكلام في هذا البحث في "شرح النسائيّ"، فراجعه تزدد علمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

عون المعبود وحاشية ابن القيم (1/ 253)

قُلْتُ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ النَّسْخَ أَنَّ بَعْضَ مَنْ روى عن النبي صلى الله عليه وسلم الرُّخْصَةَ أَفْتَى بِوُجُوبِ الْغُسْلِ وَرَجَعَ عَنِ الْأَوَّلِ

أخرج مالك في الموطإ عن بن شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَقُولُونَ إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ

قُلْتُ وَثَبَتَ الرُّجُوعُ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَغَيْرِهِمْ أَيْضًا فَالْحَقُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ

 

شرح صحيح البخارى لابن بطال (1/ 402_403):

وقد روى مالك فى الموطأ عن عائشة أنها قالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، وهى أعلم بهذا، لأنها شاهدت تطهر رسول الله حياته وعاينته عملا، فقولها أولى ممن لم يشاهد ذلك، وروى عن على بن أبى طالب خلافه. قال ابن القصار: وأجمع التابعون ومن بعدهم على القول بهذا الحديث.___

وإذا كان فى المسألة قولان بعد انقراض الصحابة، ثم أجمع العصر الثانى بعدهم على أحد القولين، كان ذلك مسقطًا للخلاف قبله ويصير ذلك إجماعًا، وإجماع الأعصار عندنا حجة كإجماع الصحابة،

 

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (1/ 227)

وأمَّا ما يتعلق بأحكام الحديث:

ففيه: بيان عدم انحصار وجوب الغسل بالإنزال، بل يجب به، وبالتقاء الختانين؛ وهو تغييب الحشفة، أو قدرِها في الفرج، فعلى هذا يكون الحديث خرج مخرج الغالب؛ لا أن الجلوس بين شعبها، وجهدها شرط لوجوب الغسل.

ولا شك أَنَّ وجوبَ الغسل كان في أول الإسلام منحصرًا في الإنزال؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّما الماءُ من الماءِ" (2)، ثم نُسخ ذلك بهذا الحديث، وغيرِه؛ كحديث: "إِذا التَقَى الخِتانانِ" (3)، وفي رواية: "إذا مَسَّ الخِتانُ الخِتانَ" (4)، وفي رواية أبي داود: "وأُلْزِقَ الخِتانُ بالخِتانِ، فقد وجبَ الغسلُ"

 

توضيح الأحكام من بلوغ المرام (1/ 371)

ما يؤخذ من الحديث:

1 - الشُّعَبُ الأربع هنا: يدا المرأة ورجلاها، وجلوسُ الرجل بينها أثناءَ الجماعِ هي أليقُ صفةٍ من صفات الجماع، مع جواز غيرها، ما دام الإيلاجُ في مكان الحرث، وهو القُبُل.

2 - أنَّ نَفْسَ الإيلاج بتغييب الحَشَفَة مُوجِبٌ للغسل، وإنْ لم يَحْصُلْ إنزال.

3 - المراد بالجهد هنا الكَدُّ بحركته، الذي يكونُ مع الإيلاج، ويفسِّره روايةُ أبي داود (216): "وألزَقَ الختانَ بالختان، ثمَّ جهدها".

4 - أنَّ منطوقَ الحديث ناسخٌ لمفهومِ حديث أبي سعيدٍ السَّابق، ودليلُ النسخ ما رواه الإمام أحمد (5/ 116) عن أُبي بن كعب قال: "كانوا يقولون: إنَّ الماءَ من الماءِ، رخصةٌ، كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رخَّص بها في أوَّل الإِسلام، ثمَّ أمر بالاغتسال بعده"، صحَّحه ابن خُزَيمة وابن حبَّان، وقال الإسماعيلي: إنَّه صحيح على شرط البخاري، وهو صريح بالنسخ، ويؤيِّد هذا الحديث الآية الكريمة: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6].

قال الشَّافعي: الجنابة تُطْلَقُ بالحقيقة على الجماعِ ولو لم يحصُلْ إنزال.

أمَّا منطوقُ حديث أبي سعيد: فليس منسوخًا بحديث أبي هريرة؛ فإنَّ الإنزال يوجب الغسل.

5 - قوله: "فقد وجب الغسل" فيه دلالةٌ على أنَّه ليس على الفَوْرِ؛ وهو إجماع العلماء.

 

وقال العثيمين _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط.: "المكتبة الإسلامية (1/ 321)

"في هذا الحديث فوائد

* منها: التكنية عما يستحيا من ذكره لقوله: "إذا جلس بين شعبها الأربع"، ومعلوم أن الرسول - عليه الصلاة والبسلام- لا يريد أن يجلس على أليته على شعبها الأربع، لا يريد هذا قطعا، وإنما هو كناية عن الجماع.

* ومن فوائد هذا الحديث: أن الغسل واجب إذا حصل الجهد، وهذا لا يتحقق إلا إذا التقى الختانان، ختان الرجل وختان المرأة، وهو كناية عن تغييب الحشفة في الفرج، فمتى حصل التغييب وجب الغسل، وأما ما دون ذلك فإنه لا يوجب الغسل إذا لم يكن إنزال؛ يعني: لو أن الرجل وضع رأس ذكره على حافة فرج الأنثى ولم ينزل فليس عليه غسل، لماذا؟ لأنه لم يجهدها ولا تحس بهذا ايضا؛ يعني: من حيث المشقة.

* ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره وجوب الغسل سواء كان بحائل أو بغير حائل؛ لأنه إذا غيب ذكره في فرجها بحائل سيبلغ منها الجهد، وإلى هذا ذهب كثير من العلماء،

وقال بعض العلماء: لا يجب مع الحائل؛ لأن في بعض الألفاظ: "إذا مس الختان الختان"، والمس لا يصدق إلا إذا كان بغير حائل؛ ولأن الأصل عدم الوجوب، لكن لو حصل إنزال وجب الغسل بالإنزال.

 

من فوائد الحديث أيضا:

 

هذا الحديث الشريف من الأحاديث العظيمة التي بيَّنت بابًا مهمًّا من أبواب الفقه وهو أحكام الغُسل من الجنابة. ومن تدبر ألفاظه وما جاء في طرقه وجد فيه فوائد فقهية وعقدية وتربوية كثيرة، أذكرها مع البيان:

1_ فيه: وجوب الغسل بالجماع ولو لم يُنزِل

وهذا هو المقصود الأوضح من الحديث، إذ نص النبي ﷺ: «أنزل أو لم ينزل». فدل على أن مجرد التقاء الختانين موجب للغسل.

وهذا ناسخٌ للقول السابق: «الماء من الماء» الذي كان يُكتفى فيه بالإنزال.

قاعدة في الجنابة: لا تثبت الجنابة إلا بالإنزال أو التقاء الختانين.

2_ فيه: بيان رحمة النبي ﷺ بأمته في التعليم، إذ خاطبهم بألفاظ كناية لطيفة ("شُعبها الأربع"، "التقى الختانان") مراعاة للحياء.

ففيه: تعليم الأدب في ألفاظ ما يُستحى من ذكره صريحاً.

3_ فيه: إثبات أن الدين شامل لشؤون الحياة كلها حتى أمور الفراش التي قد يظن الناس أنها بعيدة عن الدين، بيَّن فيها الرسول ﷺ الأحكام. فهذا من كمال الشريعة وتمامها.

4_ فيه: التيسير في الشريعة، لأن الحكم عُلِّق بالفعل نفسه، لا بما قد يخفى (الإنزال)، فزال الحرج والشك: هل خرج أم لم يخرج؟ فجعل الغسل عند الجماع مطلقاً.

قاعدة في الضوابط: الأحكام الشرعية تُبنى على أوصاف ظاهرة منضبطة.

5_ فيه: أهمية الطهارة في الإسلام، فوجوب الغسل من الجنابة دليل على عناية الشريعة بالنظافة البدنية والروحانية، فلا تجوز العبادات الكبرى (كالصلاة، والطواف، مس المصحف)، إلا بالطهارة.

قاعدة في الطهارة: ما لا يتم الواجب، إلا به، فهو واجب؛ فالغسل واجب لصحة الصلاة.

6_ وفيه: أن الحياء لا يمنع من طلب العلم النافع، كما فعل أبو هريرة _رضي الله عنه_ حين رجع إلى عائشة أم المؤمنين وسألها عمّا استحيا منه الصحابة.

قاعدة في التعلم والحياء: الحياء لا يمنع من طلب العلم.

7_ فيه: جواز سؤال النساء العالمات في مسائل الفقه بشرط أمن الفتنة، فكانت عائشة _رضي الله عنها_ أجابت بكل وضوح، وقالت: "إنما أنا أمك."

وفيه: دليل أن النساء شقائق الرجال في العلم والتعليم.

قاعدة في مرجعية العلم: الجهل بالحكم يُوجب الرجوع لأهل العلم.

8_ فيه: فضل عائشة _رضي الله عنها_ وعلمها، فهي المرجع للصحابة في مسائل دقيقة، وهذا من دلائل سَعة فقهها، وأنها كانت مدرسة للأمة.

9_ فيه: إثبات النسخ في السنة، فحديث «الماء من الماء» كان في أول الإسلام، ثم نُسخ بهذا الحديث، وهو أصل في باب النسخ.

فمن الفوائد: أن الحكم الأول (اشتراط الإنزال) رُفع، وبقي الحكم الثاني (مجرد الجماع).

قاعدة في النسخ: الحكم المتأخر ناسخ للمتقدم إذا تعذر الجمع.

10_ فيه: التدرج في التشريع، إذ انتقل الحكم من الاكتفاء بالإنزال إلى إيجاب الغسل بمجرد الجماع، وهذا تدرج رحمة بالأمة حتى يتهيأوا لقبول الحكم النهائي.

11_ فيه: أهمية الاجتماع والتذاكر بين طلاب العلم، إذ كان الصحابة _رضي الله عنهم_ اجتمعوا يتذاكرون ما يوجب الغسل، وهذا من عنايتهم بالعلم. ففيه استحباب المدارسة والمناقشة بين طلاب العلم.

12_ فيه: إقرار العالم بالجهل والرجوع للأعلم، فأبو هريرة رضي الله عنه لم يتكلَّف الجواب، بل قال: "أنا آتيكم بعلم ذلك"، ثم رجع إلى عائشة. وهذا من التواضع والورع في الفتوى.

قاعدة في مرجعية العلم: الجهل بالحكم يُوجب الرجوع لأهل العلم.

13_ فيه: إثبات أن الأصل في مسائل الفروج التحريم حتى يرد الدليل، فلا يباح الجماع إلا بما ورد في الشرع من أحكام وضوابط، ومنها بيان الطهارة بعده.

14_ فيه: اهتمام الصحابة بسلامة العبادات، لأن الغسل شرط لصحة الصلاة، فالعناية ببيان ما يوجبه ضمانٌ لسلامة أعظمِ أركانِ الدين بعد الشهادتين.

قاعدة في الطهارة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ فالغسل واجب لصحة الصلاة.

15_ فيه: إثبات أن الحكم الشرعي يُبنى على أوصاف ظاهرة منضبطة، فلفظ: "التقاء الختانين" أمر ظاهر معلوم، بخلاف "الإنزال" الذي قد يخفى، فالحكم عُلِّق بالأظهر رفعاً للوسوسة والشك.

قاعدة في الجنابة: لا تثبت الجنابة إلا بالإنزال أو التقاء الختانين.

قاعدة في الضوابط: الأحكام الشرعية تُبنى على أوصاف ظاهرة منضبطة.

16_ فيه: حرص الصحابة _رضي الله عنهم_ على العلم، ولو فيما يُستحى منه، إذ لو ترك الناس السؤال بحجة الحياء، لضاع كثير من الأحكام.

قال مجاهد: "لا يتعلم العلم مستحيٍ ولا مستكبر".

قاعدة في التعلم والحياء: الحياء لا يمنع من طلب العلم.

17_ فيه: إشارة إلى الاعتناء بأحكام الفروج، إذ لم يُوجب الشارع الغسل بمجرد اللمس أو التقبيل أو المباشرة دون الجماع، وإنما عند التقاء الختانين، وهذا فيه ضبط لأحكام العفة.

قاعدة في الجنابة: لا تثبت الجنابة إلا بالإنزال أو التقاء الختانين.

18_ فيه: حرص النبي ﷺ على البيان بألفاظ متنوعة،

فقد ورد الحديث بعبارات مختلفة: "جلس بين شعبها الأربع"، "التقى الختانان"، "ألزق الختان بالختان"، "غابت المدورة". وكلها لزيادة البيان ورفع الالتباس.

قاعدة في ألفاظ السنة: اختلاف الألفاظ مع اتحاد المعنى زيادة في البيان.



[1]  وقال الفيومي _رحمه الله_ في "المصباح المنير في غريب الشرح الكبير" (1/ 15):

"الْإِسْكَةُ وِزَانُ سِدْرَةٍ وَفَتْحُ الْهَمْزَةِ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ جَانِبُ فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَهُمَا إسْكَتَانِ وَالْجَمْعُ إسَكٌ مِثْلُ سِدَرٍ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْإِسْكَتَانِ نَاحِيَتَا الْفَرْجِ وَالشُّفْرَانِ طَرَفًا النَّاحِيَتَيْنِ."

[2]  أخرجه ابن ماجه في "سننه" (1/ 200) (رقم: 611):

عَنْ عبد الله بن عمرو _رضي الله عنه_ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ، وَتَوَارَتْ الْحَشَفَةُ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ»

[3]  صححه الأرنؤوط في "تخريج مسند أحمد" – ط. الرسالة (35/ 27) (رقم: 21100)

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ