باب الغسل وحكم الجُنُب - شرح الحديث (93) من بلوغ المرام
|
باب
الغسل وحكم الجُنُب |
"مقدمة:
الغُسْلُ: بضم الغين: اسم مصدر للاغتسال، يعني
الفعل.
وشرعًا: استعمالُ الماء في جميع البدن على وجهٍ
مخصوص، وهو ثابتٌ بالكتاب والسنَّة والإجماع:
*
قال _تعالى_: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6].
والأحاديثُ
في هذا كثيرةٌ،
* ومنها:
"إذا جلَسَ بين شعبها الأربَعِ، ثمَّ جهدها؛ فقد وَجَبَ الغسل" [رواه
البخاري (291)، ومسلم (348)].
*
وأجمع العلماء على أنَّ الجنابة تَحُلُّ جميعَ البدن، وأنَّه يجبُ الغسلُ منها.
وسُمِّيَ جُنُبًا؛ لأنَّهُ يجتنب بعض العبادات
وأمكنتها؛
قال
تعالى:
{وَلَا
جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النِّساء: 43]،
وأجمع
الأئمة على أنَّه يَحْرُمُ على الجنب المُكْثُ في المسجد، ورخَّص أحمدُ للمتوضِّىء
في المكث في المسجد والنَّوم؛ لفعل الصحابة.
حكمةُ الاغتسال من الجنابة: ما جاء في
قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6].
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، عن أبي رافعٍ:
أَنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- طاف ذاتَ يومٍ
على نسائه يغتسلُ عند هذه وعند هذه، قال: فقلت: يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا
واحدًا؟ قال: "هذا أزكى وأطيب وأطهر".___
وقد ظهرت الآن هذه الحكمةُ النبوية، وهذا
الإعجازُ العلمي،
قال الجرجاوي:
إنَّ الشَّارعَ الحكيمَ فرَضَ الاغتسال بعد خروج
المنيِّ، ولم يفرضه بعد خروجِ البولِ، مع أنَّهما من مكانٍ واحدٍ وعضوٍ واحدة، ذلك أنَّ البول عبارة عن فضلة المأكول والمشروب،
وأمَّا المنيُّ فهو عبارةٌ عن مادَّةٍ مكوَّنةٍ من
جميع أجزاء البدن، ولذا نرى الجسم يتأثَّر بخروجه، ولا يتأثَّر بخروج البول؛
ولذا نرى الإنسان بعد الجماع تضعُفُ قوَّة بدنه،
فالغسلُ بالماء يُعِيدُ إلى البدن هذه القوَّة المفقودة بخروجِ المنيِّ؛ كما أنَّ
خروج هذه القوَّة من الجِسْمِ تسبِّب الكسل، والاغتسالُ يعيد إلى الجسْمِ نشاطه.
وقد صرَّح الأطبَّاء أنَّ الاغتسال بعد الجماع يعيد
إلى البدن قوته، وأنَّه أنفع شيء له في تنشيط دورة الدم في الجسم؛ ليعود إليه
نشاطه وقوته، وأنَّ ترك الاغتسال يسبِّب له أضرارًا كبيرة.
فالطَّهارة
عمليةٌ نافعةٌ جدًّا للرَّجُلِ والمرأة على السَّواء، إذا فقد بالعملية الجنسية
النَّشاط والحيوية، فإنَّ الاغتسالَ يعيدُ إلى الجسمِ ذلك النَّشاطَ، وتلك
الحيوية، ولله في شَرْعِهِ حِكَمٌ وأسرار." اهـ من "توضيح
الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 366_367)
فتح
ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (1/ 319)
"الغسل"
يقال: بالضم، ويقال: بالفتح، ويقال: بالكسر، فهل هي لغات أو لكل حركة معنى؟ الأطهر
أن لكل حركة معنى.
أولا:
الغسل: التطهير؛ ولهذا نقول: غسل ثوبه من النجاسة غسلا.
ثانيا:
الغسل: استعمال الماء - يعني: الاغتسال- على صفة مخصوصة يسمى غسلا:
ثالثا:
الغسل: ما يخلط بالماء من إشنان أو نحوه لتكميل الاغتسال لتكميل تنظيفه يسمى غسلا
بالكسر، فصارت الحركات ثلاث والمعاني تختلف.
ومن
اللغويين من قال: إن الأمر في هذا واسع، وأنه يجوز الغسل والغسل سواء للفعل أو
للاغتسال.
أما
الجنب: فكل من جامع أو أنزل يسمى جنبا، وأصله: من جانب المار محله، وهذا يحصل
بالإنزال على وجه ظاهر؛ وبالجماع لأنه سببه.
|
93
- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ _رضي الله عنه_ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_: "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ |
وفي
"صحيح مسلم" (1/ 269):
"عن
أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ:
خَرَجْتُ
مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ إِلَى
قُبَاءَ حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَنِي سَالِمٍ.
وَقَفَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَابِ عِتْبَانَ فَصَرَخَ
بِهِ، فَخَرَجَ يَجُرُّ إِزَارَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «أَعْجَلْنَا الرَّجُلَ»
فَقَالَ
عِتْبَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعْجَلُ
عَنِ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يُمْنِ، مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»
البحر
المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (8/ 251):
وجملة
"يُعْجَلُ" في محلّ نصب على الحال، وفي الكلام مضافان محذوفان، والمعنى:
أخبرني عن حكم الرجل يضطرّ إلى العَجَلة والإسراع عن جماع امرأته، والله تعالى
أعلم. (عَنِ امْرَأَتِهِ)، أي عن جماعها، وهو متعلّق بـ "يُعْجَلُ"
وفي
"ناسخ الحديث ومنسوخه" لابن شاهين (ص: 41):
عن
أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ:
خَرَجْتُ
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ إِلَى
قُبَاءَ حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَنِي سَالِمٍ، وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى
بَابِ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ؛ فَصَرَخَ بِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ إِزَارَهُ،
فَقَالَ: «أَعْجَلْنَا الرَّجُلَ» فَقَالَ: عِتْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ،
أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْزِلُ عَنِ امْرَأَتِهِ،
وَلَمْ يُمْنِ مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»
وفي
"صحيح البخاري" (1/ 47) (رقم: 180):
عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ،
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ»،
فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ فَعَلَيْكَ الوُضُوءُ»
تَابَعَهُ وَهْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَلَمْ
يَقُلْ غُنْدَرٌ، وَيَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ الوُضُوءُ
وفي
"كشف المشكل من حديث الصحيحين" (3/ 148)
وَفِي
الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ: ((إِذا أعجلت أَو قحطت فَلَا غسل عَلَيْك،
عَلَيْك الْوضُوء)) وَفِي لفظ: ((إِنَّمَا المَاء من المَاء)) .
أَصْحَاب
الحَدِيث يَقُولُونَ: أَو قحطت بِفَتْح الْقَاف، وَقَالَ لنا أَبُو مُحَمَّد
الخشاب: الصَّوَاب ضم الْقَاف، وَالْمعْنَى: لم ينزل. قَالَ ابْن فَارس: يُقَال:
أقحط الرجل: إِذا خالط أَهله وَلم ينزل.
شرح
معاني الآثار (1/ 54)
310
- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا
سُفْيَانُ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: " قُلْتُ لِإِخْوَانِي مِنَ
الْأَنْصَارِ: أَنْزِلُوا الْأَمْرَ كَمَا تَقُولُونَ , الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ ,
أَرَأَيْتُمْ إِنِ اغْتَسَلَ؟ فَقَالُوا: لَا وَاللهِ , حَتَّى لَا يَكُونَ فِي
نَفْسِكَ حَرَجٌ مِمَّا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ "
وفي
"معرفة الصحابة" لأبي نعيم (3/ 1508):
عن
أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَمَرَّ بِقَرْيَةِ بَنِي
سَالِمٍ فَهَتَفَ بِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ صَالِحٌ، فَخَرَجَ
إِلَيْهِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ
حَتَّى إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ نَزَعَ صَالِحٌ يَدَهُ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَمَدَ إِلَى بَعْضِ الْحَوَائِطِ
فَدَخَلَهُ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: «أَيْنَ ذَهَبْتَ يَا صَالِحُ؟»
وَهَتَفْتَ بِي وَأَنَا مَعَ الْمَرْأَةِ قَدْ خَالَطْتُهَا، فَلَمَّا إِذْ
سَمِعْتُ صَوْتَكَ أَجَبْتُكَ مِنْهَا، فَلَمَّا دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، كَرِهْتُ
أَنْ أَدْخَلَهُ حَتَّى أَغْتَسِلَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»
وفي
"سنن أبي داود" (1/ 55):
"أَنَّ
أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ رُخْصَةً لِلنَّاسِ فِي أَوَّلِ
الْإِسْلَامِ لِقِلَّةِ الثِّيَابِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْغُسْلِ، وَنَهَى عَنْ
ذَلِكَ»،
قَالَ
أَبُو دَاوُدَ: يَعْنِي الْمَاءَ مِنَ المَاءِ
وفي
"عون المعبود" (1/ 249):
"(إِنَّمَا
جَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ عَدَمَ الِاغْتِسَالِ مِنَ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إِنْزَالٍ
(لِقِلَّةِ الثِّيَابِ) هَكَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ
بَعْدَ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَفِي آخِرِهِ الْبَاءُ الْمُوَحَّدَةُ: جَمْعُ
ثَوْبٍ.
وَالَّذِي فِي___"كَشْفِ الْغُمَّةِ":
الثَّبَاتُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَ
الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَفِي آخِرِهِ تَاءٌ، لَكِنْ لَمْ يَظْهَرِ الْمَعْنَى
عَلَى مَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ، وَلَمْ يُفْهَمْ تَعْلِيلُ الرُّخْصَةِ
بِقِلَّةِ الثَّوْبِ،
اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ كَانُوا
فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ مُحْتَاجِينَ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ
الثِّيَابِ حَتَّى قَالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
(وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
فَلَوْ
كَانَ الدُّخُولُ بِلَا إِنْزَالٍ مُوجِبًا لِلِاغْتِسَالِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ
لَتَحَرَّجَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَلَوَقَعُوا فِي الْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ لِأَنَّ مَنْ لَهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ
لَوِ اغْتَسَلَ كُلَّ مَرَّةٍ مِنَ الدُّخُولِ مُنْزِلًا وَغَيْرَ مُنْزِلٍ
لَتَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ الْكَثِيرَةَ
وَعَلَى
النُّسْخَةِ الَّتِي فِي "كَشْفِ الْغُمَّةِ"، مَعْنَاهُ ظَاهِرٌ،
فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ ضَعِيفِي الْإِيمَانِ
قَلِيلِي الِاسْتِقَامَةِ وَالثَّبَاتِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَلَمْ يَعْرِفُوا
كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ تَخْفِيفَهُمْ بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(ثُمَّ
أَمَرَ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بِالْغُسْلِ وَنَهَى عَنْ
ذَلِكَ) وَهُوَ عَدَمُ التَّرْخِيصِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ يَعْنِي) أَيْ يُرِيدُ
الرَّاوِي بِاسْمِ الْإِشَارَةِ الَّذِي وَقَعَ فِي قَوْلِهِ إِنَّمَا جَعَلَ
ذَلِكَ (الْمَاءَ مِنَ الْمَاءِ) فَالْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ مُشَارٌ إِلَيْهِ
لِلْإِشَارَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ.
وَالْمُرَادُ
بِـ(الْمَاءِ الْأَوَّلِ) مَاءُ الْغُسْلِ، وَبِـ(الْمَاءِ الثَّانِي) الْمَنِيُّ،
وَالْمَعْنَى: أَنَّ إِيجَابَ الْغُسْلِ إِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى
الإنزال
وأخرج
الترمذي وبن أبي شيبة عن بن عَبَّاسٍ:
أَنَّهُ
حَمَلَ حَدِيثَ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ عَلَى صُورَةٍ
مَخْصُوصَةٍ، وَهِيَ: مَا يَقَعُ فِي الْمَنَامِ مِنْ رُؤْيَةِ الْجِمَاعِ."
اهـ
وقال
الخطابي في "أعلام الحديث" (شرح صحيح البخاري) (1/ 310):
"وأن
قوله: (الماء من الماء) منسوخ، وكان ذلك متقدما في صدر الإسلام." اهـ
تخريج الحديث:
صحيح
مسلم (1/ 269/ 80_81) (رقم: 343)، سنن أبي داود (1/ 56) (رقم: 217)، أحاديث
إسماعيل بن جعفر (ص: 470) (رقم: 415)، مسند أحمد - عالم الكتب (3/ 29 و 3/ 36 و3/
47) (رقم: 11243 و11308 و 11434)، مسند أبي يعلى الموصلي (2/ 432) (رقم: 1236)، صحيح
ابن خزيمة (1/ 117) (رقم: 233_234)، شرح معاني الآثار (1/ 54) (رقم: 310 و 312)، مستخرج
أبي عوانة – ط. الجامعة الإسلامية (3/ 82_84) (رقم: 881_884)، صحيح ابن حبان (3/
443) (رقم: 1168)، معرفة الصحابة لأبي نعيم (3/ 1507) (رقم: 3833)، المسند
المستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم (1/ 388) (رقم: 771_773)، ناسخ الحديث ومنسوخه
لابن شاهين (ص: 41) (رقم: 6_7)، أمالي ابن بشران - الجزء الثاني (ص: 72) (رقم: 1087)،
السنن الكبرى للبيهقي (1/ 258) (رقم: 787)
والحديث صحيح منسوخ: صححه الألباني _رحمه الله_ في
"تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 135) (رقم: 431)، و"صحيح أبي داود"
- الأم (1/ 390) (رقم: 211)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 461)
(رقم: 2329)، و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (2/ 415 و 2/ 425)
(رقم: 1165 و 1183)
من فوائد الحديث:
وقال
البسام _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 368_369):
ما
يؤخذ من الحديث:
1
- الحديثُ يدلُّ على أنَّ وجوب الاغتسال من الجنابة لا يكون إلاَّ من إنزال الماء
الذي هو المني، وأنَّه إنْ لم ينزلْ، فلا غُسْلَ عليه من الجنابة.
2
- الحديث يدلُّ على أنَّ هذا الحكم بمفهوم الحصر المستفاد من تعريف المسند إليه،
وهو الماء الأوَّل، كما وَرَدَ في الصحيح محصورًا بأداة "إنَّما" بقوله:
"إنَّما الماء من الماء"؛ فهذا الحصر يفيد أنَّه لا غُسْلَ إلاَّ من
الإنزال.
3
- الاغتسال هو إفاضة الماء على عموم الجسم، وأجمعوا على مشروعيَّة الدلك، إلاَّ
أنَّهم اختلفوا هل يجب أو لا يَجِبُ؟ والصَّحيحُ الذي عليه الجمهور: أنَّه لا يجب؛
لأنَّ الدلك ليس مِنْ مسمَّى الاغتسال.
4
- مفهومُ الحديث معارَضٌ بمنطوقِ حديثِ أبي هريرة الذي بعده، وليس له محملٌ يوجَّه
إليه؛ ولذا قال جمهور العلماء: إنَّه منسوخٌ به.___
5
- الحكمةُ في الغسل من الجنابة -والله أعلم- أنَّ البدن بعد الجماع يصابُ بالخمولِ
والكسل والضَّعف، والاغتسالُ يعيد إليه نشاطَهُ وحيويَّته وقوَّته، والله لطيفٌ
بعباده.
وقد
قال -صلى الله عليه وسلم- عن الوضوء بعد الجماع: "فإنَّه أنشطُ للعود"
[رواه ابن خزيمة (1/ 110)، وابن حبَّان (4/ 12)، والحاكم (2/ 333)]، فتعميم الغسمل
بالماء أشدُّ نشاطاً وقوَّة." اهـ
الثمر
المستطاب في فقه السنة والكتاب (1/ 24)
إن
كلام العرب يقتضي أن الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع وإن لم يكن معه إنزال كما
قال الشافعي
وقال
الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج" (8/ 253_254):
"في
فوائده:
1
- (منها): بيان حكم الجماع من غير أن يُنزل، وهو وجوب الوضوء، دون الغسل، لكن هذا
كان في أول الإسلام، ثم نُسِخ، كما سيأتي تحقيقه في الباب التالي.
2
- (ومنها): جواز الأخذ بالقرائن؛ لأن الصحابيّ - رضي الله عنه - لَمّا أبطأ عن
الإجابة مُدّة الاغتسال، خالف المعهود منه، وهو سرعة الإجابة للنبي - صلى الله
عليه وسلم -، فلما رأى عليه أثر الغسل، دَل على أنه كان مشغولًا بجماع.
3
- (ومنها): أنه يستحب الدوام على الطهارة؛ لكون النبيّ - صلى الله عليه وسلم -
لَمْ ينكر على عتبان تأخير إجابته.
قال
الحافظ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكأن ذلك كان قبل إيجابها؛ إذ الواجب لا يؤخر للمستحب.
انتهى (1).
قال
الجامع عفا الله عنه: فيما قاله نظر؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أخّر ردّ السلام
حتى توضّأ، فقد أخرج أبو داود بسند صحيح، عن المهاجر بن قُنفذ - رضي الله عنه -،
أنه أتى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يَرُدّ عليه،
حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: "إني كَرِهتُ أن أذكر الله - عَزَّ وَجَلَّ -
إلَّا على طُهْر - أو قال: على طهارة - "، فقد أخّر ردّ السلام الواجب لأجل
الوضوء المستحبّ، فتفطّن، والله تعالى أعلم.
4
- (ومنها): أن هذا الحكم منسوخٌ، ولم يَبق من تمسّك به إلَّا ما رُوي عن هشام بن
عروة، والأعمش، وسفيان بن عيينة، وداود الظاهريّ، وادَّعى القاضي عياض أنه لا
يَعْلَم من قال به بعد خلاف الصحابة - رضي الله عنهم - إلَّا الأعمش، وداود.
وقال
النوويّ: اعلم أن الأمة مجمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع،___وإن لَمْ يكن معه
إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال، وكانت جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلَّا
بالإنزال، ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماع بعد الآخرين. انتهى، وسيأتي تحقيق المسألة
في الباب الآتي - إن شاء الله تعالى -.
5
- (ومنها): السؤال عن ما يجهله الإنسان من أحكام دينه، وإن كان مما يُستحيا من
ذكره، كأن يتعلّق بما بينه وبين امرأته من أمر الجماع، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ومن فوائد الحديث:
وإليك جملة من الفوائد المستنبطة من الحديث:
1/ إثبات النسخ في الشريعة،
فهذا الحديث من أوضح أمثلة النسخ، إذ كان أول
الإسلام لا يجب الغسل بمجرد الجماع إلا إذا حصل إنزال، ثم نُسخ وأُوجب الغسل بمجرد
التقاء الختانين ولو لم ينزل.
2/ بيان التدرج في التشريع:
فالشريعة جاءت شيئًا فشيئًا مراعاةً لأحوال الصحابة
رضي الله عنهم، حيث كانوا في بداية الإسلام قلة ذات يد، فلو أوجب عليهم الغسل في
كل جماع مع قلة الثياب لشقّ عليهم.
3/ رحمة النبي ﷺ بأمته، فقد جاء هذا الحكم
أولًا رخصة وتخفيفًا، ثم بعد أن قويت نفوس الصحابة واستقرت أحوالهم شُدد عليهم بما
يطيقون.
4/ أن المشقة تجلب التيسير،
ففي أول الأمر لما كان قلة الثياب سببًا في حصول
المشقة لو أوجب الغسل عند كل جماع، رخص لهم النبي ﷺ، وهذا أصل فقهي معتبر.
5/ وجوب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم يحصل
إنزال،
وهو الحكم الناسخ والراجح عند جمهور العلماء، وقد
دلّت عليه أحاديث أخرى مثل: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ
جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ».
6/ الفقه في لغة الحديث،
لفظ «الماء» يُطلق على المني، وعلى ماء الغسل، فقول
النبي ﷺ «الماء من الماء» معناه: لا يجب الغسل إلا بخروج المني.
7/ أهمية جمع الطرق والروايات لفهم الحكم،
فبعض الروايات وردت بلفظ «يعزل عن امرأته» وبعضها بلفظ «لم يُمنِ» وبعضها بلفظ
«أقحط»، وكلها تفسر بعضها وتبين المقصود.
8/ أن بعض الأحكام خاصة بمرحلة معينة، إذ
صرّح أبيّ بن كعب رضي الله عنه أن هذا الحكم «إنما جُعل رخصة في أول الإسلام، ثم
أمر بالغسل ونهى عن ذلك»، وهذا بيان صريح للنسخ.
9/ معرفة اجتهاد الصحابة في الفهم والتطبيق،
كما في رواية أبي سعيد حين ناقش إخوانه من الأنصار
في حكم الغسل، مما يدل على حرص الصحابة على التثبت والتسليم بما قضى الله ورسوله.
10/ فيه: بيان فضل أبي سعيد الخدري وغيره من
الصحابة، إذ كانوا يسألون ويبحثون عن الأحكام بدقة، وهذا من فقههم وحرصهم على
امتثال الشريعة.
11/ فيه: دلالة الحديث على أن الأصل في
الفروج الاحتياط، ولهذا لما نُسخ الحكم الأول شُدد الأمر بوجوب الغسل بالتقاء
الختانين صيانةً للعبادة والطهارة.
12/ التأصيل لقاعدة: (لا اجتهاد مع النص
الناسخ)،
فالصحابي إذا علم بالنسخ انتهى عن الحكم الأول، فدل
على وجوب التسليم لما ثبت من النسخ.
13/ فيه: إشارة إلى أن النصوص قد يُشكل
معناها على بعض الناس: ولهذا قال الخطابي وغيره: هذا الحديث منسوخ وكان متقدماً،
فاحتاج العلماء لبيانه وشرحه.
14/ فيه: تأكيد أن الفقهاء يجمعون بين النصوص
قبل الحكم بالنسخ: فابن عباس رضي الله عنهما حمله على صورة مخصوصة (الاحتلام في
المنام)، وهذا اجتهاد في الجمع قبل القطع بالنسخ.
15/ فيه: الاستفادة اللغوية،
استعمال كلمة «أقحط» بمعنى جامع ولم يُنزل، وهو من
فصيح لغة العرب التي حفظها الحديث.
Komentar
Posting Komentar