شرح الحديث 90-92 (باب آداب قضاء الحاجة) من بلوغ المرام
|
90 - وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- قَالَ: "عَلَّمَنَا
-صلى الله عليه وسلم- فِي الْخَلَاءِ أَنْ نَقْعُدَ عَلَى الْيُسْرَى,
وَنَنْصِبَ الْيُمْنَى" رَوَاهُ
الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ |
ترجمة سُرَاقَة بن مالِك المدلجي
الكناني
الأعلام للزركلي (3/ 80)
سُرَاقَة بن مالِك
(000 - 24 هـ = 000 - 645 م)
سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي الكناني، أبو سفيان:
صحابي، له شعر. كان ينزل قديدا.
له في كتب الحديث 19 حديثا. وكان في الجاهلية قائفا
أخرجه أبو سفيان ليقتاف أثر رسول الله صلّى الله عليه وسلم حين خرج إلى الغار مع
أبي بكر. وأسلم بعد غزوة الطائف سنة 8 هـ
وفي "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (2/
581) لابن عبد البر:
"رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ، وَرَفَعَ
بِهَا عُمَرُ صَوْتَهُ، وَكَانَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ شاعرا
مجوّدا." اهـ
وفي "مشاهير علماء الأمصار" (ص: 59)
(رقم: 170):
"سراقة بن مالك بن جعشم الكناني المدلجي كنيته
أبو سفيان، ممن حسن إسلامه وهو الذي جَعَلَتْ له
قريش الديةَ في رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وأبي بكر الصديق _رضي الله عنه_ إن
قتل أحدهما حيث خرج _صلى الله عليه وسلم_ والصديق من الغار مهاجرين إلى المدينة
فتبعهما سراقة." اهـ
وفي "تاريخ الإسلام" – ت. بشار (2/ 172)
للذهبي:
"سُرَاقَةُ بْن مالك بْن جُعشُم أَبُو
سُفْيَان المُدْلِجيّ [المتوفى: 24 ه]
تُوُفيّ في هذه السنة، وكان ينزل قُدَيْدًا، وهو الَّذِي ساخت قوائم فَرَسه. ثُمَّ أسلم وحسُنَ
إسلامُهُ، وله حديث في العمرة.
وقال مصطفى بن عبد الله القسطنطيني العثماني
المعروف بـ «كاتب جلبي» وبـ «حاجي خليفة» (المتوفى 1067 هـ) _رحمه الله_ في "سلم
الوصول إلى طبقات الفحول" (4/ 34) (رقم: 5717):
"ابن جُشْعَم: سُراقة بن مالك المدلجي، شاعر،
صحابي، مات سنة 24. بضم الجيم، وسكون الشين، وفتح العين المهملة.
وفي "سبل السلام" (1/ 121):
"وَهُوَ أَبُو سُفْيَانَ سُرَاقَةُ بْنُ
مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ
الشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ." اهـ
وقال تقي الدين محمد بن أحمد الحسني الفاسى المكي
(المتوفى: 832 هـ) _رحمه الله_ في "العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين"
(4/ 177) (رقم: 1258):
سراقة بن مالك بن جعشم بن مالك المدلجى الكنانى،
يكنى أبا سفيان:
ذكره مسلم صاحب الصحيح فى الصحابة المكيين. وقال
ابن عبد البر: كان ينزل قديدا، يعد فى أهل المدينة، ويقال إنه سكن مكة.
وفي "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (10/
214) (رقم: 2188) للمزي:
"خ 4: سراقة بن مَالِك بن جعشم بن مَالِك بن
عَمْرو بن مَالِك بن تيم بن مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة المدلجي، يكنى أبا
سُفْيَان. من مشاهير الصحابة. كان ينزل قديدا، وقيل: إنه سكن مكة.
وهُوَ الذي لحق النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وسَلَّمَ وأبا بَكْر حين خرجا مهاجرين إِلَى الْمَدِينَة فدعا عليه النَّبِيُّ صلى
الله عليه وسلم فارتطمت فرسه إِلَى بطنها، ثُمَّ دعا لَهُ فنجاه الله - تعالى -
وفي "إكمال تهذيب الكمال" (5/ 216)
لمغلطاي الحنفي:
"وقال ابن حبان: شهد حنينا مع النبي _صلى
الله عليه وسلم_." اهـ
تخريج الحديث:
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (1/
156) (رقم: 457):
وَأَنْبَأَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ
إِجَازَةً، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، أنا عَبْدُ اللهِ بْنُ
مُحَمَّدٍ، ثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ
بَنِي مُدْلِجٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا سُرَاقَةُ بْنُ
جُعْشُمٍ، فَقَالَ:
(عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_ " إِذَا دَخَلَ أَحَدُنَا الْخَلَاءَ أَنْ يَعْتَمِدَ الْيسْرَى،
وَيَنْصِبَ الْيُمْنَى).
وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (7/
136) (رقم: 6605)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (6/ 3077) (رقم: 7111)
والحديث ضعيف: ضعفه
الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في
الأمة" (12/ 245) (رقم: 5616)، وقال:
"وتعقبه صاحبنا الشيخ حمدي السلفي بقوله:
(قلت: بل رجلان لم يسميا) . يعني: شيخ محمد
بن عبد الرحمن وأباه.
وأقول: فيه علتان أخريان:
إحداهما: زمعة بن صالح؛ قال الحافظ:
((ضعيف))
والأخرى: شيخه محمد بن عبد الرحمن، وهو المدلجي؛
ذكره الحافظ المزي في شيوخ زمعة، ولم أجد له ترجمة.___
ولذلك؛ قال الحافظ في "بلوغ المرام": (إسناده
ضعيف)،
وقال في "التلخيص الحبير" (1 / 107):
(قال الحازمي: لا نعلم في الباب غيره، وفي
إسناده من لا يُعْرَف).
تنبيه
وقال العثيمين _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال
والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 313_314):
"وهذا فيه مشقة شديدة لا سيما على من لا
يخرج منه الخبث بسرعة، فإنه إذا بقي هكذا لمدة خمس دقائق أو عشر دقائق لا شك أنه
يتكلف؛ ولهذا الحمد لله أن جعل الله هذا الحديث ضعيف حتى___لا نستن به، فما دام
هذا الحديث ضعيفا فإنا إما أن نرجع إلى أهل الطب في الأمر، وما هي الجلسة التي
تكون أهون لخروج الخبث، وإما أن يكون الإنسان طبيب نفسه، هل إذا قعد مستقيما يكون
أريح له وأسهل لخروج الخبث؛ أو إذا انحرف يسيرا، أو إذا اتكأ على اليمنى يسيرا، أو
على اليسرى يسيرا، الإنسان طبيب نفسه في هذا وهو يعلم.
فإذا قال أهل الطب: إن الأحسن الجلسة الفلانية،
وليس في الشريعة ما يدل على جلسة معينة، فإننا نأخذ بكلامهم؛ لأن هذه المسائل
تتعلق بصحة البدن تعلقا كبيرا، والمرجع فيما يتعلق بصحة البدن إلى من؟ إلى
الأطباء،
لكن لو فرض أنه
تعارض قول الطبيب وما جاءت به السنة قدم ما جاءت به السنة؛ ولهذا لما وصف النبي
صلى الله عليه وسلم للرجل المبطون العسل، فشرب العسل؛ فزاد بطنه انطلاقا؛ فجاء
أخوه إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام- قال له: يا رسول الله، أخي شرب العسل،
ولكن زاد بطنه، قال: "صدق الله وكذب بطن أخيك".
فأي مادة أو قاعدة أو ضابطة يعارض ما صحت به السنة
وجاء القرآن من الطب فإننا لا نقبله؛ لأن الكلام صدر ممن - إذا كان في الكتاب
والسنة-؟ من الله عز وجل وهو العليم الخبير، وما يقوله الأطباء فهو إما عن تجارب،
أو عن قرائن قد تخطئ وقد تصيب.
على كل حال: لو
صح هذا الحديث لقلنا به، وقلنا: يستحب للإنسان أن يفعل هذا، وأما إذا لم يصح فقد
كفينا إياه؛ ولهذا ينبغي لنا عند المناظرة والمجادلة أن
نهدم الدليل من أصله قبل كل شيء، قبل المجادلة في معناه، فإذا لم يكن في
القرآن ولا في السنة المعلومةِ الصحةُ، قلنا لمن أدلى به: نطالبك بصحة الدليل كما
كان شيخ الإسلام ابن تيمية _رحمه الله_ يجادل الرافضي في "منهاج السنة"
بهذه العبارة أو لما يسوق كلام الرافضي، يقول: الوجه الأول أننا نطالبك بصحة
الدليل،
وإذا لم يصح الأصل بقي الفرع، وهذه قاعدة قد بينه
الإنسان إذا أورد عليه المجادل حديثا ربما أن هذا المجادل لا يعلم عن صحة الحديث،
فيظنه صحيحا ثم ينبهه،
وما أكثر المجادلين أهل البدع، وأعني بذلك: أهل
البدع الذين يأتون بالأحاديث الضعيفة، ولذلك ادْمُغْ رءوسهم قبل كل
شيء بالمطالبة بصحة النقل، ثم إذا ثبتت صحة النقل، حينئذ نتكلم في المدلول."
اهـ
|
91
- وَعَنْ عِيسَى بْنِ يَزْدَادَ - أو ازْدَادَ - عَنْ أَبِيهِ
_رضي الله عنه_ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_: "إِذَا
بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ" رَوَاهُ ابْنُ
مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ |
تخريج الحديث:
أخرجه ابن ماجه في "سننه" (1/ 118) (رقم:
326)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (4/ 347) (رقم: 19053_19054)، وابن
أبي شيبة في "مصنفه" (1/ 149) (رقم: 1708 و 1710)، وأبو داود في "المراسيل"
(ص: 73) (رقم: 4)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (3/ 381)، وابن قانع في
"معجم الصحابة" (3/ 238)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (5/
2821) (رقم: 6679) من طرق عن زمعة بن صالح عن عيسى
بن يزداد اليماني عن أبيه.
وفي "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/
361):
"قال ابن معين: لا يُعْرَفُ عيسى ولا
أبوه.
وقال أبو حاتم: حديثُهُ مرسل، ولا صحبةَ له.
وقال النوويُّ في "شرح المهذَّب": اتفقوا
على أنَّه ضعيف.
وقال ابن القيِّم في إغاثة اللهفان:
راجعتُ شيخنا -يعني ابن تيمية- في السلت والنتر،
فلم يره، وقال: لم يَصِحَّ الحديث." اهـ
والحديث ضعيف: صعفه
الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" (4/ 124)
(رقم: 1621).
وقال الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة
والموضوعة" (4/ 124):
"وقال البوصيري في " الزوائد
" (ق 25 / 1): " رواه أبو داود في " المراسيل " عن عيسى بن
يزداد اليماني عن أبيه، وأزداد - ويقال: يزداد - لا تصح له صحبة، وزمعة ضعيف
".
قلت: لم
يتفرد به، فقد تابعه زكريا بن إسحاق عن عيسى بن يزداد في رواية لأحمد،
ورواه البيهقي
(1 / 113) عنه مقرونا مع زمعة، لكن جعل متنه من فعله _صلى الله عليه وسلم_ بلفظ:
" كان إذا بال نتر ذكره ثلاث نترات ".
رواه من
طريق ابن عدي، وقال عنه: " مرسل، لا يصح ".
وقال ابن
أبي حاتم في " العلل " (1 / 42):
"قال أبي: هو عيسى بن يزداد بن فساء، وليس
لأبيه صحبه، ومن الناس من يدخله في " المسند " على المجاز، وهو وأبوه
مجهولان ".
قلت: وكذلك
قال ابن معين: " لا يعرف عيسى هذا ولا أبوه ".
حكاه عنه ابن عبد البر في " الاستيعاب "
(4 / 1589 / 2825) وتعقبه بقوله: "وهو تحامل منه"!
ولا وجه لهذا التعقب ألبتة، لاسيما وهو - أعني: ابن
عبد البر - لم يعرفه إلا من الوجه___الأول،
فقال عقبه:
(لم يرو عنه غير عيسى ابنه، وهو حديث يدور على زمعة
بن صالح، قال البخاري: ليس حديثه بالقائم).
فإذا كان لم يرو عنه غيرُ ابنه، وكان هذا لا يعرف،
كما في "الضعفاء" للذهبي، أو مجهول الحال كما في " التقريب "،
وكان أبوه لم يصرح بسماعه من النبي _صلى الله عليه وسلم_، فأي تحامل - مع هذا - في
قول ابن معين المذكور، لاسيما وهو موافق لقول أبي حاتم؟!" اهـ كلام الألباني
_رحمه الله_
تنبيه:
قال الشيخ البسام _رحمه الله_ في "توضيح
الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 362):
"قال شيخ الإِسلام: (سلت الذَّكر ونتره
بدعةٌ، والبولُ يخْرُجُ بطبعه).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (الصحيحُ أنَّه لا
يستحبُّ المسح والنتر؛ لعدم ثبوت ذلك، ولأنَّه يُحْدِثُ الوسواس).
قال النووي: (ينبغي أنْ لا يُتَابعَ الأوهام؛
فإنَّه يؤدِّي إلى تمكين الوسوسة في القلب)." اهـ
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة
الإسلامية (1/ 315)
هذا الحديث يقول فيه: "إذا بال" أي: إذا
فرغ من بوله، "فلينتر ذكره ثلاث مرات" يعني: ليهزه من الداخل كأنما
يتعصره ثلاث مرات، وذلك من اجل أن يخرج ما بقي من البول، لكن هذا الحديث - والحمد
لله- ضعيف؛ ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وإذا كان كذلك فإن النتر ليس
بسنة، ولذلك صرح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأن النتر بدعة لعدم صحة السنى
به؛ ولأن ذلك أيضا قد يؤدي إلى أن يكون في الإنسان سلس أو وسواس كما هو معروف.
لكن لو قال قائل: دعونا من هذا الحديث، إذا كان
الإنسان جرت عادته أنه لا يفرغ البول في قنوات البول إلا بالنتر فهل يقولون: إنه
مستحب؟
هنا نقول: ربما يقال بذلك، لكن هذا ليس عاما للناس،
بل يختص به أحد دون الآخر، وإلا فالأصل أن النتر بدعة يؤدي إلى الوسواس وتشديد لا
ينبغي أن يفعله.
|
92
- وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: أَنَّ
النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- سَأَلَ أَهْلَ قُبَاءٍ، فَقَالَ: (إنَّ اللهَ
يُثْنِي عَلَيْكُمْ)، فَقَالوا:
"إِنَّا نُتْبِعُ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ." رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ
ضَعِيْفٍ، وَأَصْلُهُ فِي أَبِي دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ
ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ _رضي الله عنه_ بِدُوْنِ ذِكْرِ
الْحِجَارَةِ |
مفردات الحديث:
- قباء: بضم القاف، وفتح الباء الموحَّدة
التحتية المخفَّفة.
قال البكري: من العرب من يُذَكِّرُهُ وَيَصرِفه،
ومنهم من يؤنِّثه ولا يصرفه.
قال النووي: الذي عليه المحقِّقون: أنَّه ممدود
مذكَّر مصروف.
وقباء: حيٌّ في المدينة معروف، كان يسكنه بطنٌ من
الأنصار يُقال لهم: بنو عمرو بن عوف، في هذا الحي المسجد الذي قال الله تعالى فيه:
{لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ
فِيهِ فِيهِ} [التوبة: 108].
- نتبع الحجارةَ الماءَ: ينزِّهون أدبارهم
بالحجارة من الغائط، ثم يغسلونها بالماء؛ ليحصل كمال الإنقاء.
- أثنى عليكم: قال في المصباح: الثناء بالفتح
والمد، يقال: أثنيْتُ عليه خيرًا وبخير، وأثنيْتُ عليه شرًّا وبشرٍّ، نص عليه
جماعةٌ منهم صاحب المُحْكَم.
وقال بعضهم: لا يستعمل الثَّناء إلاَّ بالحسن، وفيه
نظر؛ ففي البخاري (1301) ومسلم (949):
"أن الصحابة مرُّوا بجنازةٍ، فأثنوا عليها
خيرًا، فقال عليه الصلاة والسلام: وَجَبَتْ، ثمَّ مرَّوا بأخرى، فأثنوا عليها
شرًّا، فقال: وجبت، فسُئِلَ عن قوله: وجبت، فقال: هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له
الجنَّة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار"، ولأنَّ الثناء مجرَّد
الوصف." اهـ من "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 364)
وقال العثيمين في "فتح ذي الجلال والإكرام
بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 316):
"أهل قباء وصفهم الله تعالى بأنهم يحبون
أن يتطهروا والله يحب المطهرين، فقال: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ
أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ
يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين} [التوبة: 108].
أثنى الله عليهم بأنهم رجال بمعنى الرجولة
الحقيقية، وأنهم يحبون أن يتطهروا من الأنجاس والأحداث والذنوب،
{والله يحب المطهرين}، أي: الذين يتطهرون، فسألهم
النبي لماذا أثنى الله عليهم؟ قالوا: إنا نتبع الحجارة الماء، أيهما التابع وأيهما
المتبوع؟ الماء تابع، والحجارة متبوع، يعني: إذا استجمروا بالأحجار استنجوا
بالماء، وهذا وجه ثناء الله تعالى عليهم." اهـ
تخريج الحديث:
أخرجه البزار كما في "كشف الأستار عن زوائد
البزار" (1/ 130) (رقم: 247)
وفي "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/
363):
"الحديث صحيحٌ بدون
ذكر الحجارة، ضعيفٌ معها.
قال في التلخيص: حديث قباء: " ... وكانوا
يجمعون بين الماء والحجارة"، رواه البزَّار في مسنده، وقال: "لا نعلم
أحدًا رواه عن الزهري، إلاَّ محمَّد بن عبد العزيز،
ومحمد بن عبد العزيز ضعَّفه أبو حاتم؛
ولذا قال النووي في "شرح المهذَّب":
"المعروفُ من طرق الحديث أنَّهم كانوا يستنجون
بالماء"،
وقال في الخلاصة:
"وأمَّا ما اشتهر في كتب التفسير والفقه مِنْ
جمعهم بين الأحجار والماء، فلا يُعْرَفُ، والمحفوظُ الاقتصار على الماء."
وضعَّفه أبو حاتم، والنووي، وابن القيم، وابن حجر،
وقال المحب الطبري:
"لا أصل له."
ومرادهم: الجمع بين الماء والحجارة، وأمَّا الاقتصار على الماء، فقال الشيخ الألباني: الصحيح أنَّ
الآية نزلت في استعمال الماء فقط، كما في الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة
مرفوعًا.
وبالاقتصار على الماءِ صحَّحه ابن خُزَيْمَةَ،
وأخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ فصحَّ الحديث بشواهده." اهـ
ففي "سنن أبي داود" (1/ 11) (رقم: 44):
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا
مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
قَالَ:
"نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ
قُبَاءٍ: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108]"،
قَالَ: «كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ»
صحيح: أخرجه
الترمذي في "سننه" – ت. شاكر (5/ 280) (رقم: 3100)، وابن ماجه في
"سننه" (1/ 128) (رقم: 357). صححه الألباني في "تخريج مشكاة
المصابيح" (1/ 118) (رقم: 369)، و"إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار
السبيل" (1/ 84) (رقم: 45)، و"صحيح أبي داود" - الأم (1/ 74) (رقم:
34)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1145) (رقم: 6760)
تمام المنة في التعليق على فقه السنة (ص: 65)
قلت: الجمع بين الماء والحجارة في الاستنجاء لم يصح
عنه صلى الله عليه وسلم فأخشى أن يكون القول بالجمع من الغلو في الدين لأن هديه
صلى الله عليه وسلم الاكتفاء بأحدهما "وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه
وسلم وشر الأمور محدثاتها ... ".
وأما حديث جمع أهل قباء بين الماء والحجارة ونزول
قوله تعالى فيهم:
{فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ
يَتَطَهَّرُوا} فضعيف الإسناد لا يحتج به ضعفه النووي والحافظ وغيرهما وأصل الحديث
عند أبي داود وغيره من حديث أبي هريرة دون ذكر الحجارة ولذلك أورده أبو داود في
"باب الاستنجاء بالماء" وله شواهد كثيرة ليس في شيء منها ذكر الحجارة
وقد بينت ذلك في "صحيح سنن أبي داود" رقم 34.
من فوائد الحديث:
قال البسام في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام"
(1/ 364_365):
* ما يؤخذ من الحديث:
1 - أثنى الله تعالى على أهل قباء -إحدَى
قبائل الخزرج، وهم بنو عمرو بن عوف -بقوله: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ
يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)} [التوبة]؛ فسألهم
النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن سبب هذا الثَّناء؟ فقالوا: إنَّا نتبع الحجارة
الماء عند الاستنجاء.
2 - في هذا دليلٌ على إزالة النَّجاسة من
السبيل بتخفيفها بالحجارة، ثمَّ إتباعها الماء، هو أكمَلُ التطهُّر؛ حيث لم يبق
بعد هذا أثر النَّجاسة.___
3 - أحوال الاستنجاء ثلاث:
(أ) أكملها استعمالُ الحجارة، ثمَّ إتباعُها
بالماء حتَّى الإنقاء.
(ب) يليها الاقتصارُ على الماء فقط.
(ج) آخرها رتبةً وفضلًا الاقتصارُ على
الحجارة؛ لأنَّ الماء أبلغ في الإنْقَاء وإزالة النَّجاسة.
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة
الإسلامية (1/ 316)
فيستفاد من هذا الحديث فوائد منها: أن الجمع بين
الاستجمار والماء أفضل من الاقتصار على أحدهما، فإذا اقتصر على أحدهما فأيهما أفضل
الماء أو الحجارة؟ قال العلماء: الماء أفضل؛ لأنه أنقى وأطيب، والمقصود: الإنقاء،
فمتى حصل إنقاء أكثر وأشد كان أولى وأدنى من ذلك الأحجار لكنها مطهرة، كما سبق أن
الاستجمار الشرعي الذي يكون ثلاث مسحات منقية فأكثر يكون مطهرا.
ومن فوائد الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا
يعلم الغيب؛ ولهذا سألهم لماذا أثنى الله عليهم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأعلى منزلة ومرتبة قد
يستفيد ممن دونه؛ لأن قوله تعالى: {يحبون أن يتطهروا} لم يعلم النبي صلى الله عليه
وسلم هذا التطهر، وإنما أخذ المعنى من هؤلاء، فيستفاد منه: أن الأعلى مرتبة ومنزلة
يستفيد من الأدنى، وهذا هو الذي ينبغي للإنسان ألا يحقر غيره، بل أن يتعلم منه؛
لأن فوق كل ذي علم عليم، ورب علم عند شخص دونك بمراتب لا تدركه أنت.
ومن فوائد هذا الحديث: أن أفعال الله عز وجل لا
تحتاج إلى توقيف؛ بمعنى: أن كل شيء في الكون يخلقه الله لا بأس أن تصفه - تبارك
وتعالى- بهذا الأمر الذي فعله فمثلا "يثني".
لو قال قائل: هل من أسماء الله المثنى؟ قلنا: لا،
لكنه - سبحانه وتعالى- فعل من فعله بأن أثنى على هذا كذلك الخالق الرازق وغير ذلك
من كل أفعال الله لا بأس أن تسندها إلى الله، وإن لم تأت في الكتاب والسنة ما دام
إسنادها إلى الله صريحا صحيحا." اهـ
Komentar
Posting Komentar